البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

قصة استشهاد الشيخ أبي سليمان العتيبي على ثراء خراسان

المحتوي الرئيسي


قصة استشهاد الشيخ أبي سليمان العتيبي على ثراء خراسان
  • المعتز بالله الخرساني
    29/03/2016 03:43

بسم الله الرحمن الرحيم

لازلت الأمة الإسلامية عبر التاريخ الطويل تتعرض للغزو والتخريب والتقتيل والنهب من أعدائها في الداخل وفي الخارج، وما زالت مشاهد الدمار في بلاد المسلمين تتكرر على مسامع أمة المليار.

وفي مقابل تلك المناظر المؤلمة والمشاهد المحزنة لا زالت أرحام نساء الأمة الإسلامية تنجب لنا الأبطال تلو الأبطال، وتُخرج لنا أجيالًا من الصادقين العاملين بكتاب الله وسنة رسوله، من الرجال والنساء والشباب والشيوخ.

وكان للعلماء الصادقين العاملين دور كبير في تثبيت المسلمين وفي إزالة ما حلّ بهم من الطغاة من عرب وعجم؛ فبادروا إلى بيان المواقف الشرعية المتعلقة بتلك النوازل، وسعوا إلى تقوية جأش المسلمين، وتعبئة صفوف المجاهدين, والحث على الجهاد في سبيل الله والدفاع عن بيضة المسلمين. ولم يكتفوا بمجرد التحريض والتشجيع وإنما شارك كثير منهم في قتال الأعداء، وبذلوا أموالهم ونفوسهم رخيصة في سبيل الله، فمنهم من قضى نحبه بالشهادة في سبيل الله، ومنهم من ينتظر فبقي يعلّم الناس ويحثّهم على الجهاد وتقديم الغالي والنفيس من أجل أن تحيا هذه الأمة..

ومنهم الشيخ –كما نحسبه- أبو سليمان العتيبي –رحمه الله-.

هو أبو سليمان محمد بن عبدالله بن مطر بن عايش الثبيتي الروقي العتيبي. وُلد في الطائف، ورحل مع والده إلى الخُبر من المنطقة الشرقية، حيث عمل والده، فترعرع بها، ونشأ -رحمه الله- مائلًا إلى الجدِّ، محبًّا للعلم، واشتغل بحفظ القرآن منذ الصغر، فأتمّ حفظه بعد بلوغه بيسير، وكان متقنًا له لا يكاد يخرِمُ منه حرفًا، وابتدأ طلبه للعلم في المنطقة الشرقية، فاستفاد من أهل العلم فيها وحضر دروسَهم ومجالسَهم، ومنهم الشيخ محمد صالح المنجّد، فقد حضر دروسه في التفسير والحديث، ولازمه فترةً، حتى إنّه كان يقرأ عليه في الفقه أثناء ذهابه إلى الدرس وإيابِه في سيارته، رغم صغر سنّه حينها. وحفِظ نصيبًا وافرًا من المتون العلمية، والأحاديث النبوية.

ثم ارتحل في طلب العلم إلى الرياض، وتوثّقت علاقته بالدكتور ناصر العمر، واستفاد منه بادِئ أمره، في توجيهِه لمبادئ العلوم، وحثّه على الانصراف الكلّي لطلب العلم؛ لما رأى من همّته وتوقّده، وقرأ عليه كتاب (بلوغ المرام) تامًّا -وهو من محفوظاته-، وابتدأ قراءة (مختصر صحيح مسلم) للمنذري في درسه العام في بيته -وقتَ إيقاف الدكتور عن إلقاء الدروس-، ونُشر له بعض المقالات في (موقع المسلم) حينَها.

ثم لازم عددًا من كبار أهل العلم في الرياض وحضر دروسَ بعضهم ومجالسَهم، وأفاد منهم، من أمثال الشيخ عبد العزيز الراجحي الذي استفاد منه استفادةً بالغةً، ورافقه في حلِّه وترحاله، وقرأ عليه في العقيدة والفقه والحديث. وكذلك الشيخ عبدالرحمن البراك، وقد قرأ عليه في علم العقيدة وغيره. وقرأ على الشيخ عبدالله بن عقيل -رحمه الله- في الفقه، وأخذ عن الشيخ عبدالله بن مانع الروقي واستفاد منه في علم الحديث وقرأ عليه من (موطّأ مالك).

وحضر دروس غيرهم من أهل العلم وأخذ عنهم كالشيخ عبدالله بن جبرين -رحمه الله-، والشيخ عبدالرحمن المحمود، والشيخ عبدالكريم الخضير، والشيخ سعد الحميّد، والشيخ عبدالله السعد الذي استفاد من سؤالاته وأشرطته المسموعة كثيرًا.

وقد حضر قبل ذلك مجالس الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- في الطائف، وأخذ بالطائف أيضًا عن الشيخ فايز الصلاح، وقرأ عليه، وكان يستفيد منه إيضاح ما استغلق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وكان يقول عنه: "إذا عاش هذا الفتى فسيكون له شأنٌ"، وقد قال هذه العبارة غير واحد من مشايخه، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.

واستفاد شيئًا يسيرًا من بعض أساتذة "كليّة الشريعة" بـ"جامعة الإمام محمد بن سعود" حينَ انتظامه فيها، ثم انتسب بعد ذل؛ لملازمته العلماء.

وكان -رحمه الله- مثلًا في الحرص على العلم، والمثابرة عليه، والانصراف إليه بالكليّة. وكان مهتمًّا بأصل الدين وأمر التوحيد والاعتقاد، وحُبِّب إليه حديثُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد القرآن، فاشتغل به حفظًا ودراسةً، درايةً وروايةً.

وقد اشتغل مع طلبه للعلم بالإمامة وإرشاد الناس والتعليم، بأمر بعض شيوخه له؛ فأمّ جامع "النفل الغربي"، ثم جامعًا بـ"حي العزيزية"، واشتغل قبل ذلك وبعده بالتدريس والشرح، فشرح لبعض طلبة العلم بعض رسائل الإمام محمد بن عبدالوهاب، وطرفًا من (شرح الطحاوية)، و(بلوغ المرام)، و(الدرر البهيّة) للشوكاني، وغيرها.

وعُني -رحمه الله- بالدعوة والرحلة لها في المناطق النائية، شرقًا وغربًا وجنوبًا.

وقد اشتغل زمنًا يسيرًا بالكتابة والتأليف، وكان حريصًا على أن لا ينشر شيئًا قبل إحسانه، وعَرْضه على شيوخه.

وممّا صنّف -رحمه الله-:

    جزء في ما جاء في الرقى والتمائم، (وهو مطبوع بدار ابن الأثير بالرياض).
    جزء في أحكام المولود، (وهو مخطوط).
    رسالة في موالاة الكافرين، (وهي مخطوطة).
    شرح مختصر للقواعد الأربع للإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله-، (وهي مفقودة).

وكان مع هذا كلِّه -رحمه الله- وهو في ريعان شبابه-مهتمًّا لأمور المسلمين في مختلف بلدانهم، يحزن لمصابهم، ويفرح لفرحهم، وتشغل فِكره قضاياهم. وقد كانت تحدّثه نفسه بالجهاد؛ وهي حال المؤمن الذي يخشى أن يموت على شعبة من النفاق، حتى تتابعت مصائب أهل الإسلام، وعظم تسلّط الكافرين، واحتلالهم لبلاد المسلمين.

وبعد دخول جيش الأمريكيين أفغانستان فالعراق، وفتاوى أهل العلم بوجوب جهادهم، خرج شقيقه الأكبر إلى العراق فقُتل -رحمه الله- شهيدًا بأرض الفلوجة -كما نحسبه-، فزاد حرصه على الجهاد والإعداد له، وطلبُه لأخبار المجاهدين -التي لم يكن متابعًا لها-، ثم خرج إلى العراق مجاهدًا بعد مقتل أخيه بنحو السنة، قبل أن يرى ابنه سليمان الذي كان حمْلًا.

وقد أمَرَه بعض أهل العلم والدراية، باللحاق بالأمير أبي مصعب، فلحِقه وجاهد تحت إمرته، ثمّ نُصّب قاضيًا لما سمّي حينها بـ(مجلس شور المجاهدين)، ثم قاضيًا لـ(لدولة العراق الإسلامية) منذ الإعلان عنها.

وبعد نحو السنتين انتقل إلى أفغانستان متحيّزًا إلى فئة المجاهدين هناك -كما كان يحبّ أن يعبّر رحمه الله-، فأكرم إخوانُه هناك وِفادته، وأحسنوا ضيافته وأهلَه.

وبعد قرابة ستة أشهر منَّ اللهُ -عز وجلّ- عليه بالشهادة التي كان يسألها ويلحّ في طلبها -ولا نزكّي على الله أحدًا-، وذلك في جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وأربعمائة وألف.

ومن عجيب أمره -رحمه الله-، أنه كان يقول قبل مقتله بنحو أسبوعين: "أشعر كأني أمشي بين السماء والأرض"، فاللهم يا ربَّ السماء والأرض اغفر لمحمدٍ أبي سليمان واجعله فوق كثير من خلقك...

سوف أتحدث بإذن الله -عزَّ وجلَّ- عن الشيخ أبي سليمان العتيبي -رحمه الله-،  وبعض القصص التي حصلت له في العراق، وبعض القصص التي حدثت له في أرض خراسان، وكذلك سوف أذكر قصة استشهاده -رحمه الله-.

حينما وصل الشيخ -رحمه الله- إلى أرض خراسان في عام 2008 كنا نسمع أن أحد الإخوة من طلبة العلم من أرض الجزيرة وصل إلى خراسان، وكان دائمًا كثير الحديث عن العراق وعن الأوضاع في العراق، وكان -رحمه الله- لا يُخفي شيئًا. ودائمًا كان ينصح الشباب بعدم الذهاب إلى العراق, وأن خرسان خير لكم من هناك في الوقت الحاضر.

وحينما منّ الله -عزَّ وجلَّ- علينا والتقينا بالشيخ -رحمه الله- تحدثتُ معه كثيرًا عن أوضاع العراق ومشاكل العراق، وأن ما يقوله حقيقة، وعما نسمع ويُتداول بين الإخوة عن أوضاع العراق، وكان يقول لي -رحمه الله-: "والله لو ترمي صاروخًا كل شهر على الأمريكان في خراسان خير لك من الذهاب للعراق".

ألهذه الدرجة أن نرى هذا الكلام يخرج من هذا الشيخ؟! ولكن حينما غُصنا معه في كواليس ما يسمى (الدولة) في العراق وجدنا أشياء تشيبُ لهولها الوِلدان، ولا حول ولا قوة إلا بالله...

منها قتل المصلحة!!

ثم يقول أصبحنا نخشى من إخواننا أكثر من الأمريكان، وأصبحت السيطرات للقبض على المجاهدين!!

بل وصل الأمر إلى أنهم سعوا في تطليق زوجات المجاهدين بالكذب والتدليس، وهذا غيض من فيض!!

بداية أذكر بعض الأحداث التي حصلت له -رحمه الله- مع الأمريكان:

كان يجيد اللغة الإنجليزية ويتكلم بها بطلاقة، وكان -رحمه الله- يخبئ السلاح في داخل السيارة ويدخل لمناطق تحت سيطرة الأمريكان، وفي أحد الأيام كان في الطريق فوجدوا سيطرة فجأة، فحينما أوقفوه تكلّم معه الجندي العراقي وكان يوجد أمريكان، وكان الشيخ -رحمه الله- لا يُتقن اللهجة العراقية، وكان يقول: الشيعي العراقي له طريقة في الكلام وكذلك السُّني ولذلك يُعرف السني من الشيعي. فالشيخ مباشرة بدأ يتكلم بالإنجليزية، فحينها توجّه الجندي الأمريكي وتكلّم مع الشيخ، فاستطاع بفضل الله -عزَّ وجلَّ- التمويه على الأمريكان وأنه رجل مثقف وأن له مكانة وهكذا، فالجنود العراقيون لا يُجيدون الإنجليزيه ولا يعرفونها، فسمحوا للشيخ  -رحمه الله-، حتى سيارته لم يفتشوها, والشيخ -رحمه الله- يقول: "والله لو بحثوا في السيارة لوجدوا فيها أشياء نُسجن عليها مدى الحياة، ولكن بفضل الله -عزَّ وجلَّ- وستره مرّت الأمور".

كذلك من الأحداث التي حصلت في العراق كنت أتحدث مع الشيخ -رحمه الله-،  وكان كثيرًا ما يودّع الشباب، يقول في بعض الأوقات أتقابل مع الأخ الجديد الذي يدخل إلى العراق، يقول في خلال الشهر يمرّ علينا الكثير والكثير من المهاجرين، ويقول لا أتذكرهم من كثرتهم. فكان الأخ لا يتم أكثر من شهر حتى يُستشهد, فكان الإخوة يُقتلون بسرعة.

وكان الشيخ كذلك -رحمه الله- يقول: كنا في معركة, ودعوت الله -عزَّ وجلَّ- أن يُريني آية، وأن أشم رائحة المسك من أحد الإخوة ولا يشتمها غيري. وفعلًا يقول: في أحد المعارك قُتل أحد الإخوة، ثم أتيت إليه وجدته تخرج منه رائحة المسك, وأنظر إلى الشباب وأقول يا إخوان هل تشتمون رائحة المسك؟ قالوا: لا يا شيخ لا يوجد شيء، قال والله إني لأشتم رائحة المسك من هذا الأخ، فقال الإخوة: يا شيخ ربما يكون الأخ لديه عطر أو شيء من ذلك، قال والله إني  لأشتم رائحة المسك، إن رائحة المسك تفوح منه الآن، فالإخوة حاولوا وقالوا والله يا شيخ نحن لا نشتمّ ذلك. فسبحان الله! يقول: فحمدتُ الله -عزَّ وجلَّ- أن أراني هذا الكرامة.

ثانيًا: من القصص المؤلمة التي حصلت، يقول: كنا في أحد المناطق ودخل الأمريكان في أحد الأحياء، ثم اقتحموا بيوت أهل السنة، وحينها كان يوجد بيت فيه امرأة عجوز وابنتها، وكان الشيخ والإخوة قريبين من هذا البيت، يقول: وسمعنا أصوات النساء تصرخ، حينها تكلّمت مع الإخوة وقلت لهم من ضروري أن نخرج ونرى لربما يكون هؤلاء الكلاب يفعلون في المسلمين الأفاعيل، ونكفيهم شرّ هؤلاء الأمريكان.

فخرج مع الإخوة، يقول: بدأنا بالاشتباك معهم ونحن لا نعلم حقيقة ما يحصل في البيوت التي دخلها الأمريكان، وحينما رآنا الأمريكان وبدأت الاشتباكات واشتدّت هربوا وولّوا فارّين. يقول حينما دخلنا بيت هذه المرأة العجوز وجدناها تبكي، فقلت: يا أمي لماذا تبكين؟ فقالت: إن الأمريكان كادوا أن يغتصبوا ابنتي، وحينما أطلقتم الطلقة الأولى ولّوا فارّين، وهذا بفضلكم بعد الله -عزَّ وجلَّ- أن ابنتي لم تُغتصب وأن شرفنا لم يُدنس.

وكذلك له قصص كثيرة جدًا في العراق -رحمه الله-.

وحينما وصل إلى وزيرستان والتقى بالشيخ أبي يحي الليبي -رحمه الله- كان يسأل الشيخ أبا سليمان عن الأسرى الذين حُرّقوا، فكان ردّ الشيخ أن هؤلاء عاملناهم بالمثل، بمثل ما اقترفت أيديهم بقتل الإخوة وحرقهم، ونحن فعلنا بهؤلاء مثلما فعلوا في الإخوة (أي بالمثل).

وذلك من القصص أنَّ الشيخ أبا سليمان يقول: نحن أمسكنا ساحرًا, وهذا الساحر كان يُذكّره الإخوة أن اتقِ الله وتُب إليه فسوف نُقيم عليك حدَّ الله لا محالة. فكان عدو الله لا يكترث، وكان عديم الإحساس، فأكثر ما تعجَّب منه الشيخ يقول: الأخ كان ينحره وهو يبتسم، فقلنا حتى الشيطان عند الموت وخروج الروح لا يترك الإنسان!

ومن القصص المضحكة أن الشيخ -رحمة الله عليه- قال: كنا في أحد الأيام أنا وخمسة من وزراء الدولة، وزير الصناعة، ووزير الثروة السمكية، ووزير الكهرباء، ووزير الديوان، ويقول لم يكن لدينا بيت ننام فيه!!

ويقول في أحد الأيام نحن الوزراء نظرنا إلى بعضنا؛ الوزير فلان والوزير فلان والقاضي العام للدولة، ويقول والله ننام في بعض الأحيان في الحدائق، وننام في المزارع!

ومن القصص كذلك يقول: كنا في بعض الأحيان ندخل إلى البيت عند المغرب ونخرج منه بعد ثلاثة دقائق, يقول: في أحد الأيام كنا نائمين على أسطح البيوت، وفجأة صار إنزال أمريكي، وصار الأمريكان يطوِّقون المكان من كل الجهات، ونحن نائمون على الأسطح، فحاولنا أن نُغطي الأسلحة ببعض الأغطية كي لا يراها الأمريكان بالمناظير الليلية، ونحن لا نتحرك, ونسمع الإخوة ولكن لا نستطيع أن ننقذهم.

يقول: الوضع كان متوترًا جدًا، وفي أحد الأيام اقتحم الأمريكان البيت الذي كان الشيخ أبو مصعب الزرقاوي -رحمه الله- يتردَّد عليه، فحينما دخل الأمريكان كانوا يبحثون عن عمّ الشيخ -رحمه الله- فقُبض عليه..

وأخذوا إحدى النساء، ولكن بفضل الله -عزَّ وجلَّ- ترك الأمريكان هذه المرأة وأخذوا عمي. يقول ماذا فعل الأمريكان؟ حينما صعدوا بالطائرة إلى السماء ألقوا بعض القنابل الصوتية، وحينما سمع  القنابل الصوتية عمي حكى له الأمريكان أن بيتك وعائلتك انتهت فلا تفكر بالرجوع مرة أخرى إلى عائلتك وانتهى أمرهم.

يقول سبحان الله، حينما كان عمي في السجن: أتى بعض الإخوة بعدما أسره، وكانت مجموعة جديدة, وحينما سأل عمي عن الأوضاع، قالوا: أبناؤك وزوجتك كلهم بخير، فلم يصدق، يقول: هذا كلام كله كذب وغير صحيح، الأمريكان أمامي قصفوا بيتي!! قالوا: والله أهلك أحياء، وزجتك كذلك، كلهم أحياء. فلم يصدق إلا حينما أتوا بصوتيات لهم ولأولاده أنهم أحياء، فسبحان الله العظيم!

حياة الجهاد حياة مليئة بالمصاعب والابتلاءات، ولكن مع هذه الابتلاءات تجد حلاوة الجهاد وحلاوة الطاعة، هذه طاعة، الإنسان يتقرّب بها إلى الله -عزَّ وجلَّ-.

أما قصة خروجه من العراق فهي قصة حزينة؛ كان الشيخ -رحمة الله عليه- سُجن عند ما يسمى (دولة) وتم القبض عليه، فحين سُجن يقول: كنت خلاص سلّمت أمري إلى الله. يقول: كان أحد الإخوة يزورني والحمد لله استطعت أن أهرب مع هذا الأخ، وهو الذي أخرجني من العراق...

كذلك أذكر من القصص حينما وصل إلى وزيرستان أن الشيخ أبا يحي الليبي -رحمه الله- كان يقول: "والله لا أستطيع أن أُفتي وهذا الشيخ بيننا"، يقصد الشيخ أبا سليمان العتيبي -رحمه الله-، يقول هذا الأخ بحرٌ من العلم لا نستطيع أن نفتي وهذا الرجل بيننا.

وأذكر من الأشياء التي أنا رأيتها بنفسي كان للشيخ جهاز لابتوب ،وحينما فُتحت شنطة اللابتوب وجدنا رسائل من الشيخ أبي يحيى -رحمه الله- إلى الشيخ أبي سليمان، وكان يكتب فيها يستفتي الشيخ أبا سليمان، وكانت كثيرة جدًا.

كذلك أذكر بعض الأشياء كان الشيخ -رحمه الله- قريبًا من الشباب، وكان يحب أن يبقى مع الشباب وكان يحب أن يتصدّر الخطوط، وتجده دائمًا مع الإخوة المقاتلين، وكان المشايخ يقولون له: نريدك أن تكون في اللجنة الشرعية،  وكان الشيخ -رحمه الله- تواقًا لأرض المعارك, وكذلك كان الإخوة في اللجنة الشرعية يُلزمونه بإعطاء الدروس.

وفي يوم من الأيام كان يقول: والله هؤلاء الشباب قمة في التضحية، تستطيع بهؤلاء الشباب أن تأكل الأخضر واليابس.

كان رجلًا عفيف النفس، كان في بعض الأوقات والله لا تجد معه قيمة شراء بعض الحاجيات، وكان لا يشتكي لأحد -رحمه الله-. وفي يوم من الأيام ذهبت أنا والشيخ -رحمه الله- إلى أحد الأماكن فحينما نزل الشيخ اتضح لي أنه لا يلبس حذاء، يعني نزل إلى المحل يريد أن يشتري حذاء، بل فوق ذلك كان الشيخ -رحمه الله- لا يملك قيمة الحذاء -رحمه الله-، بل كان يستدين -رحمه الله- من بعض الإخوة كي يشتري بعض حاجياته...

ولكن حينما تجلس معه تجده رجلًا مرحًا, وكذلك تجد فيه البساطة، وتجد فيه اللين مع الإخوة، تجده يضحك مع الصغير والكبير، ومع الأنصاري، وكان يحب الأنصار ويتقرّب من الأنصار. أذكر حينما استُشهد -رحمه الله- بكاه الأنصار، وأذكر أحد الأنصار وكان رجلًا كبيرًا طاعنًا في العمر، حينما علم بالخبر بكى إلى أن ابتلّت لحيته، فقد كان المعلم لهم في كل شؤون حياتهم.

كذلك ذكر لي في أحد الأيام أنه رأى رؤيا وكانت بعد استشهاد الشيخ أبي الليث، يقول: كنا في أحد الغرف وكنت جالسًا، ففتحت اللابتوب, وكان معي الشيخ أبو يحيى الليبي، وكنا نتحدث عن كتاب، يقول وفجأة فُتح الباب ودخل علينا الشيخ أبو الليث الليبي -رحمه الله-، يقول: فوقفت ثم ذهبت إليه, واحتضنته وبكيت وبكى الشيخ أبو الليث -رحمه الله-. يقول: حينما استيقظت من النوم علمت أن أجلي قد اقترب، ولكن لا أعلم متى، فحينما تحدث عن الرؤيا كان الشيخ أبو يحيى يقول: إن شاء الله الله يمد بعمرك وتستفيد الأمة من علمك.

وكان الشيخ أبو يحيى يحب الشيخ أبا سليمان كثيرًا، وكذلك الشيخ أبو الليث -رحمه الله-.

كان الشيخ -رحمه الله- قبل أن يُستشهد مريضًا (بالملاريا)، وكان بعض الإخوة يذهبون إلى الترصّد، وكان الشيخ يُلزم نفسه ويُلزم الإخوة على ضرورة الذهاب إلى الاستطلاع على الأمريكان، والإخوة يقولون لا تستطيع الذهاب معنا، فالملاريا بلغت منه مبلغًا شديدًا؛ وكنا نرى في عينيه الحزن ولسان حاله يقول: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها). ولكن سرعان ما حاسب نفسه وقال: لعلّ الله -عزَّ وجلَّ- حرمني هذا الخير بسبب ذنب اقترفته.

وكان صاحب همة عالية، وكان لا يستطيع أن يصبر حينما يغيب عن خطوط الرباط أو مراكز الإخوة المتقدمة على الأعداء، وكان سرعان ما يتكلّم مع الإخوة ويقول: أنا أريد أن أذهب إلى الإخوة في خطوط الرباط، وكان يقول أنا لا أجد الراحة إلا في هذه الأماكن.

ما لِلنفوس عن الجهاد تميـل؟! = أو ليـس فـيـه تـنـزَّل التَّنـزيـل؟!
أو ليس منـه تربـَّت الأجيـال مـن = عهد الصحابة، نِعـم ذاك الجيـل؟!
أو ليس عقدًا رابحـًا مـع ربنـا؟! = وعـدًا مـن الرحمـن ليـس يـزول

وقد قال للمشايخ أنه يريد أن يعطي الدورات الشرعية في الخطوط وعلى الجبهات.

  وكذلك من الأشياء التي كان الشيخ -رحمه الله- يحبها في الأسلحة سلاح (الكيلنكوف)، وكذلك كان في العراق سلاحه المفضل, وكان يومًا من الأيام يريد أن يذهب مع الإخوة في مهمة الاستطلاع، وكان يحمل الكثير من الذخيرة ويأخذ ما يقارب مائتان إلى ثلاثمائة طلقة.

أما قصتُه قبل استشهاده بليلة؛ كنا في أحد الأماكن بين أفغانستان ووزيرستان، وكان مقررًا أن يذهب الشيخ بعد صلاة الفجر مع الإخوة، بعد أن تعافى من مرضه، يستطلعون الطريق ثم يزرعون الألغام للأعداء، وكانت ليلة لم أرَ مثلها في حياتي قط.

كان الشيخ -رحمه الله- فَرِحًا فَرَحًا لا يعلمه إلا الله -عزَّ وجلَّ-، وكنت أمازح الشيخ ونتضاحك فيما بيننا، فاستمرَّينا في السهر إلى ما يقارب الساعة الحادية عشر والنصف ليلًا، وكان من المقرر أن يذهبوا بعد صلاة الفجر ولم يبقَ من الليل إلا سويعات قليلة، فرحلتهم سوف تكون طويلة, فكان الشيخ -رحمه الله- يقول للإخوة: نبقى ونجلس ونتسامر ما نعلم لعلّ الله -عزَّ وجلَّ- يصطفينا غدًا فلا نلتقي إلا في الجنة.

فلَعَـمـرُ ربِّــك تـلـك أسـمـى لــذةٍ = بَـلْــهَ الـشـهـادةَ بـعـدهـا إكـلـيــلُ
ما خِلـتُ أسعـدَ مـن حيـاة مجاهـدٍ = بـاعَ الحـيـاةَ ومــا لـديـه فـضـولُ
فصـلاتـه لا كالـصـلاةِ، وصـومــهُ = لا كـالـصـيـامِ وقـلــبــه قـنــديــلُ!

اقترب الأجل، وحان موعد الرحيل.. وأذّن الفجر وصلينا، وكان الشيخ -رحمه الله- سريعًا في الصلاة حقًا، فحينما يتعلق الأمر بالشهادة تطيرُ لها النفوس شوقًا إلى لقاء ربها.

حتى عندما انتهينا من الصلاة كان سريعًا للذهاب، وركب السيارة وركب الإخوة معه ولم يستطع بعض الإخوة أن يسلّموا عليه من فرحه، ومن كلامه للأخ الذي كان يقود؛ أبو دجانة القحطاني -رحمه الله-، كان يقول: لهم بسرعة بسرعة نريد أن نذهب. وكان معهم أخونا (حيدرة) كذلك واستُشهد لاحقًا -رحمه الله-، وكذلك كان معهم ابن الشيخ علي جان (هريرة) وكذلك استُشهد لاحقًا -رحمه الله-.

كان هؤلاء الأربعة ذاهبين في الطريق، ثم ذهبوا إلى أحد الأنصار كي يدلّهم على الطريق، وكان هذا الأنصاري يقول لهم: انتظروني إلى الساعة العاشرة صباحًا كي أذهب معكم، فرفض الإخوة هذا الأمر وقالوا نحن نذهب ونتوكل على الله.

وفعلًا ذهب الإخوة في الطريق، وبعد أن تمكنوا من الدخول إلى أرض أفغانستان الأبية، هنا رآهم الأمريكان وكمنوا لهم على قمم الجبال، فكان بعض الإخوة يقولون: نحن نسمع بعض الأصوات ولكن ربما تكون لرعاة أغنام. يقول قلنا نجلس تحت هذه شجرة ولم تمضِ دقيقة أو دقيقة ونصف إلا نزلت علينا قذائف الهاون كالمطر. حينما كان أبو هريرة  -رحمه الله- يخبرني يقول: أول ما رأيت الشيخ رأيت الدم ينزل من رأسه، فمسح الدم من رأسه فقال: "الحمد لله، الله أكبر".

يقول الأخ أبو هريرة: فبدأت الاشتباكات، وحينما افترقنا أنا وأخي حيدرة ذهبنا في اتجاه وزيرستان، والشيخ وأبو دجانة القحطاني -رحمهم الله- أخطأوا الطريق ثم ذهبوا في اتجاه أفغانستان. يقول: حينما ذهب حيدرة إلى قمة الجبل وأنا كنت في منتصفه، ففجأة رأيت حيدرة يسقط من أعلى الجبل، وأنا قلت في نفسي: أخونا حيدرة استُشهد، يقول: حينما توقف قام وأكمل طريقه، ثم أكملت معه الطريق.

ومن شدة القصف والضرب اختبأنا في بعض الأشجار ونحن نسمع الاشتباكات، باتجاه الشيخ وأبي دجانة,واستمرت

الاشتباكات قرابة الثلاث ساعات، وحينما جنَّ الليل عُدنا أدراجنا إلى المجاهدين..

ووصل إلينا واستقبلناه وتحدث بما حصل لهم، مباشرة أخذنا معنا الأنصار ثم ذهبنا إلى  الحدود، فحينما ذهبنا إلى الحدود اتفق الإخوة أن أذهب أنا شخصيًا إلى الداخل فأرى جثث الإخوة؛ أبي دجانة -رحمة الله عليه- والشيخ؛ كي آتي بها وندفنها في وزيرستان، ولكن حينما دخلنا إلى الداخل كان القصف شديدًا جدًا، وكان الأعداء لديهم مناظير ليلية، وكانوا يرون كل شيء بين الجبال وبين الأودية، وكانوا يرمون رماية شديدة جدًا فلم نستطع الذهاب إلى الإخوة.

وحاولنا مع بعض رعاة الأغنام أن يأتوا بالأخبار لنا من المنطقة، ويبحثوا عن أماكن تواجد الإخوة، ثم استطعنا الوصول عن طريق الإخوة الأنصار الذين أتوا لنا بأخبار من داخل القواعد العسكرية الأمريكية أنهم رأوا سلاح الشيخ وأبي دجانة، فقلنا هنا إما أن يكونوا في الأسر وإما أن يكونوا شهداء.

وحينما غربت الشمس قلت للإخوة سوف ندخل مرة أخرة كي نرى جثث الإخوة هل هي موجودة أم لا، فهنا وجدنا أحد الأنصار أتى إلينا وقال: نعم أنا وجدت الإخوة، ويوجد بينهم مائة متر، سوف نذهب إن شاء الله ونأتي بهم، ولكن الأمريكان والمرتدين هم الآن على قمم الجبال.

فانتظرنا إلى منتصف الليل، ثم توكلنا على الله، وفعلًا ذهبنا إلى مكان الإخوة، وحينما نزلنا إلى هناك وجدنا أبو دجانة ثم الشيخ رحمهما الله.

وهنا اتضح لنا أن أخانا أبا دجانة -رحمه الله- حينما نزل إلى سفح الجبل ولحقه الشيخ -رحمه الله- قُتل أولًا أبو دجانة، ثم حينما رآه الشيخ ذهب مسافة مائة متر عن أخينا أبي دجانة، وكان يوجد خندق فاحتمى به، فبدأ بالاشتباكات إلى أن فاضت روحه الطاهرة.

فوجدنا أبا دجانة -رحمه الله- فحفرنا له قبرًا بجانبه. وكان الأعداء يرمون علينا ولكن حاولنا بقدر المستطاع أن نأخذ الإخوة. وحينما تكلمنا مع الأنصار قالوا لا نستطيع أن نسحبهم، فقررنا أن ندفن الإخوة في أماكنهم.

ومن العجيب أنَّ أخانا أبا دجانة وجدنا أغراضه كما هي ليس مأخوذًا منها أي شيء، وكان يوجد لديه جهاز اللاسلكي، وكان يوجد به أسلاك خارجية، فحينما رآها العدو خاف وظنّ أنها أحزمة ناسفة فتركوا الأخ أبا دجانة -رحمه الله- ولم يأخذوا منه شيئًا.

هنا بدأ القصف شديدًا جدًا، فما استطعنا أن نذهب إلى الشيخ، فرجعنا إلى المركز، وفي الصباح حاولنا كذلك، وكان الأعداء متربّصين بنا جدًا، فحينما أتى المغرب دخلنا مرةً أخرى فوجدنا الشيخ -رحمه الله- في داخل الخندق.

الشيء الوحيد الذي وجدناه مع الشيخ هو القرآن، ولكن سبحان الله بعد ثلاثة أيام من مقتله -رحمه الله- وجدناه كما هو -رحمه الله-.

وكنت أحمله وكأنه قُتل قبل ساعات، ودفنّاه في المكان الذي قُتل فيه في سفح الجبل، وكان أعداء الله يتربصون بنا، وكانوا يرمون علينا القذائف تلو القذائف، ولكن بفضل الله استطعنا أن دفن الشيخ -رحمه الله- وتقبّله في الشهداء. وكان الإخوة المجاهدون من الأنصار أكثر حزنًا منا.

وحينما وصل الخبر إلى الشيخ أبي يحيى الليبي -رحمه الله-، يذكر لي القصة أحد الإخوة يقول: حينما أتى الخبر لم يتمالك الشيخ نفسه، وأصبح في حالة يُرثى لها، وكان يمسك برأسه ثم يمشي في المقرّ ثم ينظر إلى الإخوة ويقول: "ربما هو أُصيب وربما الخبر ليس بصحيح!!"، يقول ويمسك رأسه ثم يجلس ثم يقف، ثم يجلس ثم يقف، من شدة فقدان هذا الشيخ الجليل، قال: "كيف نفقد هذا العالِم، يا الله كيف نفقد هذا الشيخ، إنا لله وإنا إليه راجعون"...

الإخوة يقولون لم نرّ الشيخ أبا يحيى بهذه الحالة من قبل، يقولون قُتل بعض الإخوة، ولكن حينما قُتل الشيخ أبو سليمان والله لم نرَ تأثرًا للشيخ أبي يحيى إلا بمقتل الشيخ أبي سليمان -رحمه الله-.

فرحمة الله على هؤلاء الجَبَليْن، وعلى مشايخنا وقاداتنا وعلمائنا.

كلمة حقٍ أقولها في علماء ومشايخ (تنظيم قاعدة الجهاد): "لقد أتعبتم من بعدكم"....

فاللهم أغفر لنا ولهم، واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة... آمين آمين آمين.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى وصحبه وسلم.

أخبار ذات صلة

توفى أمس الأحد الدكتور تاج الدين نوفل، الشاعر الإسلامى المعروف، وعضو إتحاد الكتاب، عن عمر ناهز الـ"66" عاماً، فى مدينة دمياط.

< ... المزيد

ذكرنا في المرة السابقة بداية حياة الراحل الأستاذ/ مصطفى مشهور (المرشد الأسبق للإخوان)، وتحدَّثْنا عن (النظام الخاص) وقضية (السيارة الجيب) وارتباطهما ... المزيد

القرآن الكريم إجابة على الأسئلة الثلاثة الأهم في حياة الناس، وهي: من خَلَقَهم وخَلَقَ كل شيء؟، وماذا يراد منهم في هذه الحياة؟، ثم ماذا ينتظرهم بعد ال ... المزيد

تطل علينا كل فترة الرغبة في تعديل أحكام الميراث، وأنصبته بين الذكر والأنثى في محاولة للتساوق مع الغزوة الاستعمارية، وجعله دستورا وقانونا في بلاد ال ... المزيد

تعليقات