البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

قراءة في كتاب (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية

المحتوي الرئيسي


صورة من غلاف لكتاب مدارج السالكين صورة من غلاف لكتاب مدارج السالكين
  • عمر محمود أبو قتادة
    23/02/2016 07:14

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
اما بعد

فقد سألني بعض الأخوة من طلبة العلم عن قراءة مدارج السالكين لابن القيم، فلما ذكرت لهم فوائد قراءته نبهوني إلى وجود شيخ عالي القدر في التصنيف والتعليم ينهى عن قراءته، فعجبت من هذا، إذ لم اسمع بهذا من قبل، فدفعني هذا للبحث والسماع المباشر، وقد فعلت ، فرأيت كلاما مجملا، وفيه صحة ما نقل عنه من النهي عن قراءة الكتاب المذكور، مع تنبيهه أن النهي عن القراءة لا تعني التنقيص في حق الإمام وهذا جيد والحمد لله، ولكن لي كلام يخالف هذا الشيخ في هذا الأمر ، وأذكر ما أظنه من خطئه، رجاء تراجعه إن وجد في كلامي قوة تدفع ما في نفسه وما قال، وحتى يعلم طالب العلم وجود الخلاف في هذه المسألة، فلا يقلد بل ينظر ويبحث ثم يرى ما الأصوب في هذا الأمر، والكل يعلم أن المقصد هو العلم والحفاظ عليه، فهذا من الدين والحمد لله رب العالمين.

فأقول وبالله التوفيق:

مع أني قلت قديما إن الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى تعامل تعاملا مختلفا مع كتابين هما من قماشة واحدة، وطريق واحد ، اولهما كتاب ابن العريف الأندلسي في كتابه محاسن المجالس وثانيهما كتاب أبي اسماعيل الهروي في منازل السائرين، ومن المعلوم من ابن القيم نفسه أن أبا العباس هذا قد أخذ كتابه المذكور من كتاب ابي اسماعيل الهروي ، وأظن أن التفريق بين كتاب علل المقامات لأبي اسماعيل ومنازل السائرين وجعلهما كتابين غير صحيح، بل هما كتاب واحد، ولذلك سمي كتاب أبي العباس هذا باسم علل المقامات في كلام ابن القيم نفسه في طريق الهجرتين، والقصد أن التعامل مع الكتابين كان مختلفا، مع العلم أن مدارج السالكين كتب بعد طريق الهجرتين، فقد ذكره فيه مراراً، تصل إلى أربعة مواطن، ولكن مقصد النظر والشرح كان مختلفاً جدا في الرسالتين؛ رسالة الهروي الحنبلي ورسالة ابن العريف الأندلسي، فكلامه على أبي العباس في طريق الهجرتين لبيان خطأ المسلك الصوفي في بيان العلم والإرادة، واما سبب إنشاء مدارج السالكين ابتداءً فهو رد الصوفية عن الإحتجاج بأبي اسماعيل الهروي في قولهم بوحدة الوجود، وذلك لنسبة الهروي لمذهب السلف عامة ومذهب احمد خاصة في الأسماء والصفات والكلام، وجلده في التعصب لمذهب الإمام، ثم جهاده الخصوم جهادا أوصله إلى غير ما يحمد العالم عليه، وهو صاحب الشعر

انا حنبلي ما حييت... الخ

والمرء حين التجرد والإنصاف يرى أن الهروي وقع في مزالق خطيرة في كلامه عن مقامات التعبد والتصور، ولذلك كان ابن تيمية رحمه الله يصرخ بانحراف مذهب الرجلين: الهروي وابن العريف، وينسبهما إلى تسمية العيب الصوفي بل الضلال الصوفي الذي نطق به ابو يزيد وأمثاله تحققاً بالتوحيد، ويمكن لطالب العلم أن يراجع هذا في مواطن من كتب الشيخ، وأما ابن القيم فقد سلك طريقاً اخر مع الهروي وهو تجريد الصوفية من الاحتجاج به، وهو طريق سلكه شيخه ابن تيمية مع بعض أهل الطرق والمذاهب، فرسالة الشيخ الى اتباع عدي بن مسافر وهم اليزيدية كانت على هذا النهج، اذ ذكر عدياً بالخير وأتى على مناقبه، محاولا رد الاتباع الى الكتاب والسنة من خلال شيخهم الذي ينتسبون إليه، بل أنه كثيرا ما يحتج على الصوفية بكلام كبرائهم كالجنيد، وتقيد مذهبهم بالكتاب والسنة والعلة هو دعوة الأتباع ، لا تزكية تامة للمتبوعين كما يظن البعض ممن يحتج بكلام الشيخ ابن تيمية على صحة طريقة الصوفية كأساس ومنهج.

ولاختلاف المقصد بين رسالة محاسن المجالس لابن العريف ورسالة الهروي منازل السائرين اختلفت طرق الكلام عليهما، فهذا يؤل كلامه ما استطاع التأويل تحمله، وهذا ينبه على جوانب الانحراف فيه، مع ان الشيخ ابن القيم عجز مرات أن يحمل كلام الهروي على وجه من وجوه الحق التي تظن فيه.

ولكن هل حقا على طالب العلم ان يهجر مدارج السالكين كما أراد الشيخ الجليل، ومن أجل خطأ التقسيمات فيه كما ذكر في كلمته!؟

من نظر في هذا الكتاب وجد فيه فوائد جمة غير المقصد الأول الذي أراده ابن القيم كما تقدم ذكره، بل إن هذا المقصد الرئيسي يكاد يغيب أمام الفوائد الأخرى، فالكتاب مليء بالفوائد العلمية المهمه من نكت قرآنية ومعاني حديثية ولغوية وفقهية وتربوية، لا يكاد طالب العلم يستغني عنها عند الحديث عن مرتبة المسألة التي يتكلم عنها، ومن نظر فيه وأدمن لم يصب بلوثة شر كما في كتب التصوف الأخرى ، لا من قريب ولا من بعيد، والذين نفروا الطلبة من كتاب الإحياء مثلا إنما فعلوا هذا لما وجدوا من الآثار التربوية السيئة على قارئه الذي يقتدي به ويسعى لتمثله، وهذا لا يعرف قط عن قاريء كتاب مدارج الساكين، بل يخرج منه معظما للسنة والتوحيد، ذاهبا وسعه في التعبد على طريق سوي صحيح.

وقراء هذا الكتاب تغلبهم صبغته العامة وهو نقد التصوف لا تعظيمه، والتنبيه على مزالقه لا تمجيده، وأعظم من هذا هو ترك الاغترار بكلام الكبار حين ينزلقون ببدعة التصوف، وهذا مقصد مهم وعظيم، لأن الصوفية لهم مسلك يكاد يكون هو لا غير طريقهم في جلب الأتباع الجدد والمريدين في طرقهم البدعية، وهو رفع الأسماء الصوفية الكبيرة لجلب الزبائن، فهذا الغزالي حجة الإسلام، بل لا يتورعون عن رفع أسماء أخرى في هذا كالعز بن عبد السلام والنووي وغيرهما من الأسماء العظيمة، بل يجعلون ابن تيمية صوفياً لأن مجلداً من مجموع الفتاوى يسمى التصوف!!!! ومن قرأ المدارج لم يقع في مثل هذا ، بل ينبه الى فساده وخطئه، وهذا لو كان لوحده لكفى، لأنه بهذا يقطع عليهم احابيل صيدهم للمساكين.

فترك النظر في مدارج السالكين ترك لفوائد جليلة وكلمات تهم طالب العلم والعابد في حياته، ليست في باب واحد من العلم ولكن في ابواب كثيرة متعددة، تبدا بالتوحيد وأقسامه ولا تنتهي بالرؤى ومسائلها.
ولعل هذا الكتاب هو أكثر الكتب ذكراً لكلمات ابن تيمية التربوية لتلاميذه، فقد نقل عنه الكثير من كلماته وأجوبته التي كان يسدد فيها طريقهم، ويرشدهم في حياتهم وخطراتهم وأساليب عبادتهم، فكيف ترمى هذه الفوائد كلها وتصبح معدومة لمجرد تقسيمات هي من ظلال الكتاب لا أصله!؟

واما ترك هذا الكتاب لأن الصوفية يحتجون به على صحة طريقهم كما يحتجون على صحتها بتصويب ابن تيمية للتصوف السني كما يسمونه، فهذه قضية أخرى لا علاقة لها بهذا الكتاب، بل لها علاقة بتقية التصوف نفسه الذي يتلون بلون بيئته التي يعيش فيها، فهم لا يتورعون من جعل طريقهم ممتدا لأبي بكر وعلي رضي الله عنهما، لا لابن تيمية وابن القيم فقط.

وجانب آخر من جوانب فوائد هذا الكتاب، وهو تعلم اعذار الناس والعلماء، وهو جانب مهم في زماننا، نفقده لأنه يتعلق بالإنصاف، وهو في هذا الزمان عملة تكاد تفقد، لغلبة الجهل وحب الرياسة والتنافس، فهم لا يأتون إلى المحتمل ليحملوه على حسن الظن، بل يأتون للحق فيحملون نوايا صاحبه على باطل القلب وإرادته، توجها إلى اسقاط الناس والتفرد في الوجود، ولا أظنك تجهل ما يكتبه الناس عن بعضهم البعض، ولا ما يكتبونه عن العلماء، ولا العاملين لدين الله، فأغلبه حديث عن النوايا حين تعجز الألفاظ عن اسعاف سوء تأويلهم،فنحن بحاجة لهذا الكتاب ليعلمنا الإعذار للكبار، ويعلمنا أن من كثرت حسناته وجرد حياته لنصرة الدين وإقامة الحق لا يتصور منه الا الخطأ الذي لا يقصده، فإن قصده كان مما يعفى عنه لغلبة الحسنات على السيئات،لا أن يرمى بأكبر النقائص والتكفير لكلمات محتملة لا تعرف من اعتقاده ولا من خلقه وحياته!
فمدارج السالكين إمام الكتب في هذا الباب، ورميه يعني فراغ ساحات طالب العلم من تعلم هدا الباب أو الإحتجاج به عندما نرى السوقة من البشر يسبون الكبار ولا يعذرونهم، والشيخ المذكور، أي الذي دعى لعدم قراءته هو محتاج لهذا الكتاب للرد على من ظلمه وسبه واتهمه بقوارع الكلمات والتهم، وهو ولا شك سيذكره يوما في حديثه محتجا به للرد على من يزعم محبة ابن القيم ، وانه على منهجه، وهو مع ذلك لا يعذر اخاه، بل يحمل كلامه على شر الكلام وأفسد المقاصد، فسيقول يوما: انظر الى ابن القيم وانصافه في التعامل مع العلماء والناس.

فهذا الكتاب صار نبراساً في هذا الباب، وكأنه حية الوادي التي لا يذكر غيرها ان ذكر تأويل كلام العلماء واعذارهم، فرحم الله ابن القيم، هذا مع أن هذا الكتاب ربما هو من أواخر كتب الشيخ، بل هو من أواخرها، وبه وضع الشيخ خلاصة علمه في قضايا القلب وإرادة النفوس وترويضها، وفيه خلاصة ما سمعه من شيخه، وخلاصة ما جناه في رحلته العظيمة مع الذكر والتربية والسلوك ، فهل يترك كل هذا لأن أصل وضعه كان قائما على كتاب لا يحمد عندنا!

بقيت كلمة تتعلق بالقراءة الطهرية، أي أن لا تقرأ ما يخالفك، بل لا تقرأ إلا ما كان على وجهتك وطريقتك، فهذه قضية يجب النظر اليها في زماننا، اذ البعض من أهل القراءة والكلام نصحاً للناس يظن أنه يعيش زمن مالك أو الشافعي أو احمد بعد فتنة خلق القرآن، بل ربما رفع الزمن قربا للصحابة مرتبة أو مراتب، وينسى أننا نعيش زمنا لا يوجد فيه الحق نقياً، بل نعيش زمن الحرب بين الحق والباطل، فمثل ازمانهم ينفع فيها هجر المبتدع وما كتب، اقول هذا تنزلاً في الكلام، والا فكتاب ابن القيم ليس من النوع الذي يهجر ابتداءً، بل يقرأ في كل الأزمان بعده، واما في زمن الإشتباك بين البدعة والسنة، وبين النور والظلمة فلا بد من إنشاء الإسلام المقاتل، والسنة المقاتلة، وهذه لا تكون إلا بمعرفة الشر ودراسته ومحاورته، فنحن بين ايدينا تراث مختلط، وواقع مختلط، ودعوات متباينة، كلها تبرز نفسها ممثلة للحق والكتاب والسنة، والطالب يستمع اليك ان اردته مقلدا لما تقول دمرته وأفسدته، وإلا فهو يستمع إليك ويستمع لغيرك، شئت أم أبيت، ومن العلم أن تعلمه السباحة في لجج هذا الوجود، لا أن يعتزل في الصحراء، لأن يوما ما سيجد نفسه في هذه اللجج العظيمة في زمانه، وبالتالي كيف يقال اليوم: اقرأ هذا ولا تقرأ هذا!

هل هذا حسن، أم أن الحسن أن تقول له:تسلح ثم قاتل.

بقي في النفس أمور أخرى، ربما أبسطها قريبا، ومنها كلام الشيخ عن كتاب الروح لابن القيم رحمه الله تعالى والله الموفق.

أخبار ذات صلة

لم تمنع حالته الصحية وفقده لقدميه المبتورتان بعدوان عام 2008 إبراهيم أبو ثريّا (29 عاما)، من الارتقاء وتحصيل مرتبة الشهيد بجدارة في مواجهات شرق غزة الي ... المزيد

أكدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، على أن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء الماضي، بمدي ... المزيد

1- العرب والكنعانيــــون

يرى معظم المؤرخين أن المهد الأول للعرب كان شبه الجزيرة العربية، فى بلاد نجد والحجاز واليمن، وأن ... المزيد

- لا يختلف المسلمون على وجوب إفراد الله بالعبادة ، وأن من عبد غير الله ؛فقد تلبس بالشرك المناقض لدين الإسلام ، وأن المرء لا يكون مسلما إلا إذا أقر بلا ... المزيد

تعليقات