البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

قاعدة الجهاد ..الصراع ورياح التغيير

المحتوي الرئيسي


قاعدة الجهاد ..الصراع ورياح التغيير
  • كتاب سيف العدل (محمد بن صلاح الدين بن عبد الحليم زيدان)
    26/08/2015 11:35

قال تعالى  ..
{ إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ {196} الأعراف
{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ {50} * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ* بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ {52} وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ {53} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {54} إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ {55} وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ {56} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {57} المائدة
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ {90} آل عمران
 
،،، لله .. وللمسلمين  ,,,
شكر وامتنان ...
* الشعب الأفغاني البطل الذي وفقه الله لحمل راية الجهاد في هذا الزمان .. وكان على قدرها .. ورفع أبطاله رأس الأمة عاليا ..
* الشعب الباكستاني كنتم خير أنصار للمجاهدين .. آويتم .. ومولتم .. وجاهدتم ..
* المهندس محمد عطا ورفاقه أبطال 11 سبتمبر .. ما قمتم به يعجز البيان عن وصفه .. يكفيكم شرفاً وعزاً وفخراً أن رفعتم رأس الأمة عالياً .. وأوجعتم عدوكم في عقر داره .. وأعلمتم العالم كله بالإسلام فكنتم خير وأعز دعاة لدينهم .. تقبل الله منكم وأسكنكم فسيح جناته ..
* أبطال نيروبي ودار السلام .. أبطال يو إس إس كول وجربة .. أبناء الأمة الأبطال في كل مكان .. جزاكم الله خيراً .. وتقبلكم في الصالحين ..
* الشيخ عمر عبد الرحمن وسليمان بوغيث وإخوانهم الأسرى في كل مكان .. الأخت الأسيرة عافية صديقي وأخواتها في كل مكان .. إخراجكم من الأسر دين في رقبتنا ورقبة الأمة .. أبشروا فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ..
* المرأة المهاجرة والمرابطة .. زوجات المجاهدين وأرامل الشهداء .. تقبل الله منكن .. لقد نصرتن الله ودينه .. ووقفتن إلى جوار أزواجكن .. وحفظتن غيبتهم في الجهاد وصبرتن على مشقته وآلامه وآماله .. فجزاكن الله خيراً ..
* أبناء المجاهدين والشهداء الذين حملوا الراية من بعد آبائهم .. الجيل الجديد ميراثكم ثقيل .. فأحسنوا حمل الأمانة .. وأكملوا ما بدأه آباءكم .. بارك الله فيكم ونصركم وأعز بكم الإسلام ..
* أسرتي .. زوجتي وبناتي وأبنائي .. جزاكم الله خيراً .. هاجرتم وصمدتم وصبرتم .. عشتم تحت القصف .. وتنقلتم يحفكم الخوف .. وصبرتم على الأسر .. لم تتأففوا ولم تعترضوا .. كنتم لي بعد الله خير عون وسند .. أحسن الله إليكم ..
محمد بن صلاح الدين بن عبد الحليم  زيدان
سيف العدل - عابر سبيل
الصراع والثورة 
عبر الزمان بين التغيير والترقيع 
 
تمهـــــــــــــــــــــــــــــيد:
تحلم الشعوب بما فطرت عليه .. من حرية وكرامة وعدالة .. وفق منهج سماوي بعيداً عن الخلط البشري .. لكن هذه الرغبة ضلت دربها خلال مسيرتها عبر الزمان .. فالطبيعة البشرية بما غرس فيها من متناقضات النفس .. إضافة إلى وسوسة إبليس وذريته .. فعملوا على إتلاف الخير في النفوس وإفساد الفطرة السوية .. واستعانوا بالشهوات والشبهات .. وحاربوا بها أهل الإيمان .. فما دار الزمان دورته إلا وأنكر من سلف حال الخلف .. 
هكذا مضت سنة الله في خلقه منذ الصراع الأول .. في السماء .. ففساد الطبع والحسد هيجا إبليس على آدم .. وعلى الأرض .. عمد إلى ابني آدم فأغري بينهم  الحسد فسال الدم البشري الأول .. وسن القتل .. وذهب يعبث بفكرهم وما فطروا عليه .. حتى إذا انحرفت ذرية آدم عن عقيدة أبيهم .. أرسل الله الرسل لإصلاحهم وسن لهم ما يقيم اجتماعهم من شرائع. 
المعاندون الرافضون لمنهج الله في القرون الأولى .. أخذهم الله فكان الطوفان والريح والصيحة والزلازل والغرق والخسف والمسخ ...الخ .. 
فما بال هذه القرون؟ .. اتخذ إبليس من ذريته وذرية آدم ممن اتبعوه جنداً ينصر بهم باطله .. واتخذ الحق جنده من المؤمنين .. وتوالت الصراعات بين الحق والباطل .. وتصارعت ذرية آدم .. وتلفت عقيدة كثير من الناس .. وانتشر الدم الطاهر يروي الأرض ففسدت .. فخيم الظلم بظلامه وقلت البركة .. وتحول الصراع في بقاع أخرى عن العقيدة إلى الثروات .. واستمر  .. وتنوعت أسبابه تبعاً لجشع القائمين عليه .. وارتوت الأرض بمزيد من الدماء .. ولم تشبع ولن تشبع بطون الظالمين .. ولا نفوسهم ..
ولإيقاف الصراع بين الأمم ابتدع البشر لأنفسهم مبادئ وقيم بعضها شيطاني .. وبعضها به بقايا من الفطرة يتحاكمون إليها .. واستمر الصراع .. لأنهم كما حرفوا منهج الله انحرفوا عن بدعتهم .. 
واستمر الصراع بين العقائد .. وعلى الثروات .. وحسب الأطماع .. فكلما اغتصبت أمة حق أخرى .. أو نما طاغية مستبد .. أو انحرفت الذرية عن مبادئ الآباء .. ثارت عليهم الشعوب .. فظلت الثورات مستمرة .. والحروب مستمرة .. والصراع مستمر .. حتى يرث الله الأرض ومن عليها ..
ولأننا الأمة الخاتمة فلن ينقض الإسلام دفعة واحدة .. ولن يعدم الناس من يعيدهم إلى منهجهم .. ولكن إلى الوقت المعلوم .. والجهاد ماض إلى يوم القيامة .. وتوقف الجهاد معناه هلاك الأمة .. وإيذان بالقيامة ..
ولن تعود البركة إلى الأرض إلا بسلامة العقيدة .. وجهاد المعاندين لله الرافضين لدينه .. والقضاء على الظلم وأهله .. فعلى الأحرار المؤمنين جهاد العدو الصائل من أجل عقيدتهم وشريعتهم ومقدراتهم وسعادة أجيالهم القادمة .. أما العبيد التائهين فعليهم أن يرزحوا في الذل ويزحفوا في الظلام؛ ولينتظر أتباع كل مسيح مسيحهم ..
***
تقوم الثورات على المغتصبين المحتلين أو وكلائهم الخائنين .. وعلى الحكام الظالمين .. وعلى مناهج الحكم الفاسدة .. وعلى مؤسسات الدولة المنحرفة .. وحتى على التجار الجشعين .. هذه المنظومة "المحتل .. الوكيل .. الحاكم .. المنهج .. المؤسسات" يطلق عليها اسم النظام .. نظام الحكم .. قد تجتمع كلها في دولة واحدة .. وقد يجتمع البعض منها .. أو حتى صورة واحدة .. وكلهم صائل على الآمنين مستحق للردع  باتفاق الأمم كلها .. وبالفطرة السليمة .. وبالنصوص الشرعية .. 
الأنظمة الحاكمة وفي كافة الدول بلا استثناء .. أياً ما تكون نظرية الحكم القائم فيها ( وراثي .. ديمقراطي .. اشتراكي .. شيوعي ) .. تسعى إلى تحقيق الاستقرار والاستمرارية لفلسفتها .. ولضمان ذلك تهيئ مؤسسات الدولة وتوظفها لتخدم فلسفتها بإخلاص .. وتجتهد في وضع سيناريوهات الخطر التي تنقضها .. وتبتكر الخطط التي تجهض أي سيناريو .. فمؤسسات أي نظام تربى وتنظم لتقاوم التغيير  .. وبشراسة .. وبمنتهى العنف ..
العمل الثوري يتحرك للتغيير .. فهو يزيل ما هو قائم ويحل منهجه مكانه .. العملية التغيرية هي بين الهدم والبناء1 .. الترقيع2 ليس من أعمال الثورة .. ولا من سبل التغيير الحضاري .. هو وسيلة ترميم ما هو قائم .. ربما ينفعه وربما يزيد من الخرق .. 
من أجل إقامة الدولة الجديدة أو النظام الجديد فإن عملية التغيير تتم في وعلى ثلاث مجالات .. لكل مجال منها برنامجه .. التغيير يتحرك في الشعب ليلبي طموحه .. ويحقق أحلامه .. والتغيير يتحرك على النظام الظالم أو المحتل المغتصب ليسحقه ويسقطه برجاله ويقيم نظامه .. كما يتحرك على المؤسسات ليهدمها ويبني مؤسساته ..  ويدعمها بالصالحين من أبناء أمته المؤمنين بعقيدته .. والعاملين بها .. سواء كانوا من رجال التغيير الأبطال أم ممن يحبونهم ولا يقون على تغيير المنكر إلا بقلوبهم ..
 
الثورة تعمل في الشعب: 
فتعلمه ( ليدرك حقوقه ويطالب بها ) .. وتكسبه ( إرادة التغيير فيضحي بطيب نفس ) .. وتعرفه ( على طرق التغيير ووسائل كل نوع ) .. وتلقنه ( ما يرد به شبهات دعاة النظام ) .. وتحصنه ( من حيل وأساليب خداع النظام ) .. وتعده ( لتحمل رد فعل النظام العنيف ) .. وتمده ( بوسائل إقامة نظامه وحمايته ) .. وتقيم ( في نفسه القدوة التي تنقاد لها الجموع وتستمر منارة للأجيال ) .. وهي عملية تربوية حركية متطورة لا جمود فيها .. حتى تحقق التغيير .. وتلبي طموحات شعبها ..
***
الثورة تعمل على النظام ( الحاكم المستبد أو المحتل أو وكيله ): 
المناهج المختلفة تلد نظم مختلفة .. في السياسة والحكم والاقتصاد .. وبالتالي تؤثر في المجتمع وثقافته .. والتعايش بوئام محال بين منهجين متناقضتين دون أن يعلوا أحدهما الآخر ويخضعه .. وما بينهما ليس تنافس أو تسابق وإنما صراع بلا هوادة .. وبالتالي .. فالصراع من أجل إسقاط3 أحدهما حتمي وليس اختياري .. 
ليس هناك سابقة في التاريخ تفيد بأن نظام له رؤيته العقدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل بطيب خاطر أن يتنازل عن الحكم لنظام له رؤية مناقضة .. كما لا توجد سابقة - ولا يعقل أن توجد - في إدارة الدول أن يتم تغيير نظرية الحكم كل أربع سنوات مع كل انتخابات جديدة .. أربع سنوات لبرالية .. ثم أربع شمولية .. ثم أربع اشتراكية .. ثم أربع إسلامية .. هذه ليست دولة ولا حضارة هذا كلام فارغ .. في أمريكا مثلاً ما الذي يحدث عندما يتسلم حزب من آخر؟ .. لا شيء .. فهذا ليس تغيير هذه إدارة للدولة ولكن بإستراتيجية4 مختلفة أو تكتيك مغاير .. وكلاهما نابع من منهج حضاري واحد .. والثورة ممكنة حتى في داخل المنهج الواحد عندما يفنى المؤسسون .. ويرث الأنظمة جيل جديد يتحرر من قيمه ومبادئه ومعتقداته .. ويتنكر لها .. ويحرفها .. ويفسدها .. فعليهم تدور الدائرة .. 
ولأن النظام أي نظام سيعمل على تثبيت أركانه بما في الوسع وفي سبيل ذلك يعمل على إجهاض أي محاولة للانقلاب أو الثورة عليه .. والنظام أي نظام سيقاتل ويحارب5 أي خروج عليه بأي فلسفة أو عقيدة كانت .. والنظام أي نظام سيعتقل ويعذب ويستحل دماء وأعراض وأموال المتمردين عليه .. ولذلك فإن النظام أي نظام عند قيامه يعمل على تأمين استقراره .. ويحافظ على استمراريته .. من خلال:
- فرض أيدلوجيته على كافة شرائح المجتمع .. وبكافة الأدوات من السينما إلى القمع ..
- تقوية السيطرة الاقتصادية للقائمين على السلطة .. وبكافة السبل من النصب إلى القهر ..
- الدفاع عن النظام الحاكم وقيادته .. وبكافة الوسائل من دار الإفتاء إلى دبابات الجيش ..
وخلاصة ما سبق أنه لا بد من إسقاط النظام ووضع نظام جديد .. وهذا هو جوهر الثورة .. فهي عملية انقلابية على ما هو قائم لإقامة ما تريد .. وبالتالي لا بد من وسيلة للتغيير .. فتُفاضل الشعوب بين سبل التغيير المختلفة .. وتختار طريقة التغيير المناسبة لخصائصها النفسية ولطبيعة أرضها .. انتفاضة شعبية ( سلمية أو مسلحة ) .. حرب عصابات ( طويلة أو قصيرة ) .. 
الثورة تعمل ( على وفي ) المؤسسات: 
تنظر في أمرها فما كان فيها فاسد لا يصلح أزالته .. وما كان منها صالح إلا أنه فاسد الرجال أزالتهم وحاكمتهم وحاسبتهم وعاقبتهم .. ووضعت من رجالها ما يقيم المؤسسة .. ووفق رؤيتها ومرجعيتها تضع لها نظرية وبرنامج عملها .. 
فلو نظرنا لمنظومة الأمن مثلاً لوجدنا أنها فاسدة في منهج التربية .. وفاسدة في اختيارها .. وفاسدة في التطبيق .. وفاسدة في المهمة .. وفاسدة في رجالها الكبار والصغار .. وفي كافة أفرعها .. 
فإذا كانت محصلة منهج التربية ونتيجته الحتمية هو التعالي على أبناء أمته وإذلالهم .. وإذا كانت تقبل أعضائها الجدد من أبناء العاملين بها حتى لو كانت نسبة نجاحهم دليل على عمق غبائهم ورغم ذلك تقدمهم على أبناء الأمة المتفوقين .. وإذا كانت تعمد إلى استخدام المجرمين والشواذ والساقطين وتقوم بتلفيق التهم وأسر الشرفاء والأبرياء .. وإذا كانت مهمتها حماية النظام وأمنه بدلاً من أمن المجتمع وحفظه .. وإذا كان رجالها يتكسبون من الرشاوى ويتاجرون في الحرام .. وإذا كانت أفرعها لا هم لها إلا إفساد المجتمع والتجسس عليه وقتل الغيرة والنخوة ومعاني العزة والكرامة .. فهكذا مؤسسة لا مستقبل لها مع الثورة .. والواجب كما أسلفت بالنسبة للرجال يتم عزلهم ومحاكمتهم ومحاسبتهم ومعاقبتهم .. وبالنسبة للمؤسسة يقيمها الثوار حسب مرجعيتهم وشريعتهم ورؤيتهم لدورها في الأمة .. أمن وسلامة المجتمع .. تتلافى الأخطاء التي ارتكبتها في المنهج والاختيار والتطبيق والمهمة والرجال ...الخ .. 
وكذلك تفعل الثورة بباقي المؤسسات6 الفاسدة .. تزيل الفساد المنهجي والبشري .. وتقيم المنهج الصالح .. وتنتخب لها الصالحين من أبناء الأمة كل في تخصصه ..
عادة ما تبدأ عمليات التغيير بثورة سلمية .. تبح حناجر أبنائها بطلب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية .. سرعان ما تقمع وبمنتهى العنف والقسوة .. وبكافة وسائل البطش والقهر .. وبكل أساليب الذل والاحتقار .. وربما بالخداع والعنف معاً .. فتُقهر وتذبل .. 
لكن الدماء التي سالت ترويها وتغذيها فتحيا .. وسرعان ما تعود وقد خبرت عدوها وتهيأت لمقارعته .. أيضاً بكل طرق التغيير العنيفة من الانتفاضة المسلحة إلى حرب العصابات .. عندما تعود تأتي مفتقرة لمعاني الرحمة والعفو مع النظام الذي استباحها وقهرها .. تعود وقد ألقت بكل الرقع والمرقعين خلف ظهرها .. تعود لتقلع شجرة الباطل من جذورها .. فتحرقها بكل فروعها ولآخر ورقة نمت عليها .. تعود لتغرس شجرتها هي .. الشجرة التي ارتوت وترتوي بالدماء .. الذين يقطفون ثمرتها .. أبنائها الواعيين المخلصين الذين لا يدعون الثمرة تسقط في الأيدي الخبيثة .. أيدي المتاجرين والمرابيين بقضيتهم ودمائهم .. 
وخلاصة القول أن الثورات تقوم للتغيير لا للترقيع .. .. الثورات تنطلق لتهدم وتبني الإنسان وتقيم العقيدة .. الثورات تعمل على التغيير في نظم الاقتصاد والحكم والمجتمع .. ولا يمكن تصور حدوث تغيير أو تحول للمجتمع دون كفاح مسلح .. ولا يوجد احتمال لاستسلام النظام دون مقاومة مسلحة .. كما لا يوجد احتمال أن يُهزم النظام دون اللجوء إلى الحرب المضادة للثورة ..  
الدرس الذي يُتَعلم بالدماء لا ينسى .. ويروى ولا يطوى .. تخطه يد الكتاب تاريخاً يفتخر به الآباء .. وينظمه الشعراء ليتغنى به الأبناء .. وتبقى تجربة مجيدة تتوارثها الأجيال .. وتدوم ذكراها في سجل البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها .. 
***
وأحب في هذا السياق أن أهدي نصيحة صغيرة لإخواني المجاهدين في ليبيا خاصة وباقي العالم عامة .. انتفاضتكم لها خصوصيتها إلا أنها تتشابه في الجملة مع التجربة الروسية الثانية في مطلع القرن المنصرم .. فعليكم بدراستها واستخلاص ما بها من نتائج عسى الله أن ينفعكم بها .. وقد أوردت في نهاية الكتاب الثورة الروسية 1905 و 1917 والحرب الأهلية ..
***
ملاحظة عامة:
إذا امتطى التيار الإسلامي صهوة ثورة لم يخطط لها .. عليه أن لا يطالب الشعب أثنائها بمطالبه هو بل عليه تفهم المطالب المشتركة بينهما .. فربما تحركت الرغبة الشعبية من أجل إحلال شخص مكان آخر فقط .. ولا يرى في باقي النظام بأس .. هنا يكون التيار في ورطة حقيقة على مستوى الدين وعلى مستوى السياسة .. فقبول الشعب لهم نبع من ثقته في أمانتهم وعدالتهم الشخصية وليس رغبة في منهجهم7 .. وبالتالي فإن عناصر النظام التي لها عمق بيروقراطي وقبول دولي ستكون منافس وبضراوة على السلطة .. فعلى التيار الإسلامي الصادق أن يدرك أن ما هو فيه خطوة على طريق التغيير .. وأمامه طريق طويل جداً فهو بحاجة أولاً: إلى حشد كل طاقته الدعوية من أجل أن يمارس برنامج تثقيفي شرعي سريع للشعب يستعين فيه بالعلماء المخلصين .. من أهل القبلة من أمة لا إله إلا الله .. بعيداً عن التعصب المذهبي أو المنهجي .. فالسلفية منهج لا مذهب .. ومراعاة مذهب الشعب مهم في هذه المرحلة التثقيفية .. والله أعلم بالصواب ..
أما ثانياً: فعليه العمل على إعادة النظر في مناهج التعليم للمعاهد الدينية وبرامجها وبرامج عمل الخريجين بعد ذلك في حقل الدعوة ودعمهم مادياً ومعنويا لغرس هيبتهم واحترامهم في القلوب .. وإعطائهم مساحة كافية على وسائل الإعلام ..
وثالثاً: العمل على ترسيخ المحاكم الشرعية ومحاربة المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية .. ومهاجمة هذه القوانين وعدم الرضا بها أو قبولها .. وإسقاط سلطانها من القلوب .. ورفع الضرائب عن الشعب وأخذ الزكاة ..
رابعاً: النظر في باقي مؤسسات الدولة فيتم القضاء على ما مخالف للشريعة ومناقض لإسلام .. وتقويم وإصلاح ما به انحراف أو خلل .. والعمل على أن تدير أعمالها على أسس إسلامية سليمة 
خامساً: النظر في أمر الناس خاصة أولئك الذي أفسدهم النظام السابق وأتلف ذممهم والعمل على إعادة تأهيلهم لإصلاح آخرتهم بصلاح دنياهم .. وكذلك النظر في أهل العقائد الأخرى الذين يعيشون بين المسلمين من نصارى أو يهود وتجديد عهد إقامتهم في الدولة وفق شروط ترضي الله بحسب قواعد الإسلام وسماحته وما يناسب هذا الزمان .. وتحدد نشاطاتهم وفق ما يناسب المسلمين ..
سادساً: العلاقات الخارجية مع باقي الدول أو الإمارات الإسلامية يجب أن يسودها روح التعاون والاجتماع للوصول لهدف أسمى وهي الوحدة تحت مظلة الخلافة الجامعة بعيداً عن الطموحات والأوهام الشخصية .. أما مع الدول الكافرة فيجب إعادة النظر في التواجد الدبلوماسي ووضع الحدود والقيود المناسبة لضبط العلاقات التي يفرضها الواقع .. وتنظيم حركة التبادل الاقتصادي بما ينفع .. وكذا باقي الارتباطات والعلاقات تتم وفق رؤية شرعية سليمة تهدف لنشر الدين وفق إستراتيجية قوية وجدية ..
هذه النقاط تسير متوازية لا متوالية .. وهناك نقاط أخرى لا يتسع لها المقام .. وأهل كل ميدان أعلم وأدرى بخصوصية تجربتهم وما سقته لا يخرج عن كونه توجيه عام قابل للنقاش يَرِد عليه الخطأ والصواب .... والله أعلم بالصواب ..
وأخيراً هذه العملية تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والحلم .. وبشكل عام يغلب على ظني أن نتائج حرب عصابات أو ثورة أعد لها وأنشأها ويقودها تيار إسلامي تسهل من عملية تطبيق الشريعة بعكس القيام بحرب أو ثورة تشترك فيها عناصر أخرى لا تنسجم مطالبها مع الشريعة .. وترغب في أن تكون انعكاس لصورة الحياة الغربية بما فيها من انحلال وحرام ..
***
في هذه المحاضرات نتناول تحرك الشعب للقيام بالثورة ( السلمية - المسلحة ) .. ومقاومة النظام لها ( الثورة المضادة ) .. ثم ننتقل إلى الإستراتيجية ونبحث فيها .. ثم نعرج على بعض المفاهيم الشرعية8 التي أصبحت متداولة في دولنا الإسلامية وحتى لدى المطلعين والمتابعين من غير المسلمين .. ومن كثرة تناول الإعلام لها وتناقلها على ألسنة الناس .. انتشرت  وانتفت الجهالة بها ..
وأخيراً نحط رحالنا مع خلاصة ما تقوم منه وله وعليه الثورات .. لنتبين أي الثورات يمكنها أن تدوم .. وأيها عمرها من عمر مؤسسيها وربما أقل .. ونعرض لبعض التجارب الثورية سواء السلمية أو المسلحة .. لنرى عمق وحقيقة التجربة .. والشخصيات التي كانت أعمدة لثورتها .. وضحت بوقتها ومالها وصحتها من أجل ما آمنت9 به .. ونجحت في أن تحظى بالقبول والرضا الشعبي .. فهزمت عدوها .. وتفوقت على منافسيها .. وصاغت دولتها وصبغة شعبها بمنهجها .. فالثورة وسيلة لا تعرف الترقيع .. والمنهج أسلوب حياة لا يعرف المشاركة10 .. وإذا كان التغيير هدفه هو رضى الله فعدوك هو كل من حمل راية للكفر .. أو اصطف معهم11 ينصرهم ويدعمهم .. وآخرين يبطنون ما لا يظهرون .. وغيرهم خائفين أو مسالمين .. وتكمن الحكمة في ترتيب الأولويات وطرق التعامل أو المواجهة ..
فإذا أنهينا ذلك تحضرنا لرحلة جديدة مع الكتاب الثالث في هذه السلسة .. وموضوعه حرب العصابات ..
***
 
في الثقافة الثورية 
(1) محــاضرة في الثــورة
الثورة: تحرك شعبي لإحداث تغيير جذري في نظام الحكم والنظام الاجتماعي والنظام الاقتصادي .. بإسقاط الطبقة الحاكمة ومؤسساتها ومحاسبتهم .. ويتحقق ذلك بوسائل سلمية وعنيفة .. ثم .. إحلال نظام جديد محل النظام القديم .. وبناء بيئة اجتماعية وثقافية جديدة .. وتقديم برنامج اقتصادي طموح يضمن تكافل الشعب ويلبي مطالبه .. وإعداد أدوات ووسائل تضمن الحفاظ علي روح الثورة وتأمين مسيرة النظام الجديد .. 
فالثورة تقوم لرفض قهر لا يمكن احتماله ( سواء كان هذا القهر: عقائدياً .. أمنياً .. اقتصادياً .. سياسياً .. اجتماعياً .. عسكرياً .. استعمارياً حقيقياً أو بالوكالة ) وتجسيد هذا الرفض بالعمل الجماهيري المباشر والمنظم .. مسلحا كان أو بدون .. في سبيل التخلص من القهر وبناء حياة أفضل.
نلاحظ من التعريف السابق ست عناصر أساسية:
1- التغيير الجذري كلمة يستنبط منها القارئ ثلاثة نقاط: الأولى: وجود نظام قديم له منهج وممارسات فشلت في تلبية رغبات الشعب أو لا تتوافق مع رغباته .. أو نظام يخدم طبقة واحدة ويستعبد باقي الشعب لها .. ويسلبه حقوقه .. أو نظام يستأثر بالمال والسلطة ويبقي شعبه لاهثا حول متطلبات حياته وطموحاته .. والنظام يتشكل من القيادة وحزبها والكتلة البيروقراطية ( الدولة العميقة ) والمؤسسات غير الرسمية الموالية له سواء كانت دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية .. 
الثانية: وجود برنامج جديد اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا .. يتحرك به الشعب لتحطيم ومحاسبة النظام القديم بكل برامجه ورموزه .. وبالتالي سيكون هناك نظام سياسي واقتصادي جديدين .. كما سيظهر على السطح شكل اجتماعي وثقافي جديد .. وسيتم إدارة علاقاته المحلية والإقليمية والدولية وفق نظريته  .. هذه النظام يلبي طموح الشعب ويندفع به للأمام تماشياً مع التطور الطبيعي والتاريخي للشعوب الحرة .. وهو بالتالي يدفع بعجلة التطور الإنساني .. في إطار المنافسة البشرية الحرة في العالم ..
الثالثة: "الثورة تغيير للنظام .. الإصلاح تغيير داخل النظام" .. لا يمكن التصالح أو الإصلاح مع النظام القديم ورموزه وبرامجه في الثورات .. لأن الثورة تقوم على أساس التغيير الجذري لا الترقيع والإصلاح .. فالترقيع والإصلاح يتم تنفيذهما من خلال النظام الحاكم فلا يحتاجان إلى ثورة بل إلى برنامج إصلاحي يتقبله وينفذه النظام الحاكم وقد يرفضه .. ومع سقوط الشهداء فإن المصالحة مع النظام القديم هي خيانة لهذه الدماء .. وفي حالة افتراض جدلي فإن المصالحة مع النظام تولد حالة من الإحباط واليأس لدى الشعب الذي قدم الشهداء والمال تحتاج إلى عقود لعلاجها وهذا ما حدث في تجربة طاجيكستان .. 
2- المحاسبة: تعني وببساطة محاكمة رموز وكوادر النظام السابق ومؤسسات الدولة العميقة .. على ما قاموا به من جرائم في حق الشعب .. أو ما تسببوا فيه من إفساد أو سرقات لمقدرات البلاد .. أو بسبب تبعيتهم وعمالتهم أو وكالتهم لدولة الاستعمار ورعاية مصالحها على حساب مصالح الشعب ومستقبله .. ثم .. استيفاء الحقوق منهم فيرد ما سلب ويعوض عما اتلف .. ويقتص فيما لا يمكن رده أو تعويضه .. ثم .. معاقبتهم على ما كان منهم كل بحسب جرمه .. سجناً .. أو قتلاً: رجماً أو قصاصاً .. وعادة ما تكون المحاسبات دموية بسبب تغول النظام السابق في دماء الأبرياء .. فالثورات لا تعرف الرحمة لأن الثائرين لم يحظوا بها من النظام السابق .. وإن كان يتحتم عليها العدل .. ويتم ذلك من خلال محاكم ثورية تم إعدادها أثناء الثورة ولديها كافة الوثائق عن فظائع وجرائم النظام ورموزه ..
3- العنف: سمة أساسية في الثورات .. فالعادة أن تبدأ الثورة بالوسائل السلبية التي تزعج النظام .. مثل الإضرابات والاعتصام والمظاهرات والاضطرابات والشعارات التي تمثل مطالب الثوار .. إقامة المتاريس والحواجز .. قطع الطرق .. تعطيل القطارات .. شل حركة المواصلات .. تعطيل المؤسسات الحكومية والمحاكم والوزارات .. ومع قيام القوى الأمنية بقمع الوسائل السلبية .. ومحاولة قتل الثورة في مهدها .. وتغول هذه القوى الأمنية في الدماء بغية قهر الثوار .. تستفيد القوة الثورية من حماقات الأمن في تسريع النضج الثوري .. وتهيئة الأوضاع في البلاد للانفجار .. وعند لحظة الانفجار الثوري .. يندفع الشعب لاستخدام القوة لحسم النزاع مع النظام ومؤسساته العميقة .. يمارس الشعب القوة بأعداد كبيرة بل بأكبر عدد من راغبي التغيير .. ويوجه عملياته لتشمل كل أنحاء البلاد .. وفي توقيت واحد لضمان تفتت القوة الأمنية وإنهاكها وسقوطها .. وفي حالة تدخل الجيش بقمع جنوني .. وكان هذه الجيش عقائدي أو جيش أقلية حاكمة .. فالشعب يستخدم كل أشكال العنف بحسب ما تحولت إليه ثورته ( حرب العصابات .. الانتفاضة المسلحة .. التمرد في صفوف الجيش والأمن .. .. هجوم الجماهير على المؤسسات العامة .. الحرب السرية: الألغام والمتفجرات والاغتيالات لرؤوس النظام ...الخ ) .. 
4- البناء: هو إقامة النظام الجديد خلفاً للنظام السابق .. والشروع في تنفيذ عملية التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي .. فالثورات قامت وتحركت بعقيد تغيرية تختلف بحسب نوع الثورة .. فالثورة تهدم لتبني .. مثلاً: العقيدة البرجوازية واللبرالية قامت لهدم وإسقاط النظم الملكية والحكم المستبد لتبني نظام رأسمالي برجوازي وحكم ديمقراطي ليبرالي .. أما العقيدة الاشتراكية فقامت لهدم النظم السابقة لتبني نظام اشتراكي مع حكم ديمقراطي وفق مفهومها الخاص بالاشتراكية .. أما العقيدة الإسلامية فقامت لتهدم النظم السابقة ولتبني نظام على أساس التوجيهات السماوية في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية أي نظام رأسمالي تكافلي مع حكم إسلامي في جوانبه السياسية والاجتماعية والثقافية وفي نظمه المالية والأمنية .. 
عندما تستقر هذه المرحلة تتحول الثورة إلى دولة .. والخوف عليها أن تفقد روح المبادئ التي نشأت عليها فتفقد طهارتها وتعمل وفقا للمصالح المادية .. مما قد يؤدي مع طول الزمان لجمودها .. وحاجتها لثورة جديدة ..
5- التجديد: لا يمكن لبرنامج الثورة أن يقف بل عليه أن يستمر ناشطا مرناً لمواجهة تغيرات وتعقيدات الحياة ومسيرة العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي .. على مستوى الخارج والداخل .. فالدولة لا تحيى معزولة على الكوكب عن موازين القوى المحلية والإقليمية والعالمية .. والمؤامرات التي يبتكرونها لاستعادة النظام مرة أخرى .. كما أن المجموعة الحاكمة في مسيرة حكمها إن لم تفرخ قيادات ذات قدرة على الابتكار والخيال تتجمد على حالتها الأولى وتخلق فقاعة تتحصن فيها وترفض التطور .. لا بد من تحطيم الفقاعة باستمرار .. المقصود وببساطة أن المؤسسات حينما تستقر تفضل قيادتها الاستمرار بنفس الصورة التي ولدت بها رافضة التغيير .. فلا تراعي مسيرة الزمان والتقدم التقني والذهني وحماسة الأجيال وترفض التطور والتغيير وهى الحالة التي يجب تحطيمها دائما ..
6- تأمين الثوار .. تأمين النظام .. تأمين الشعب .. تأمين الدولة .. الكلمات الأربعة لها مدلول وهو الأمة .. والتأمين يكون .. بالسلاح والقضاء وباقي الأجهزة المتخصصة .. إن الواجب الأول للثورة قبل وأثناء وبعد استلام الحكم هو إنشاء جهاز عسكري أمني لحماية الثورة ومكتسباتها يتبع قيادة الثورة مباشرة .. وهو خطوة مهمة للحفاظ على الدولة الوليدة .. إلا أن تأمين عقل الثوار أيضا مهم .. فلا يُسمح بعودة أذناب النظام السابق بعلة أنهم تابوا .. أو يُسمح لقوى الدعم الإقليمية للنظام السابق بأن تبدأ أعمالا استثمارية بعلة حاجة البلاد .. فعدائهم سيظل يعمل في الظلام ولا تعاون معهم قبل أن يتم تغيير أنظمتهم الحكمية .. ولا يكون مقبولا أبداً بعد ثورة إبقاء ما فيه تقيد لطموحات الدولة .. من اتفاقيات ومعاهدات إقليمية ودولية تحد من تطورنا التقني أو العسكري أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو تمنعنا من التقارب من إخواننا في العقيدة أو تمثل خطراً على أمننا القومي .. أو الدخول في منظمات وجمعيات عالمية ليس لها هدف إلا خدمة مصالح القوى العظمى .. حتى نتكلم عن دولة مستقلة حقيقية لا تنتظر أوامر أو توصيات .. ولن يتم ذلك في الحقيقة إلا بتأمين عقل الشعب .. بتوعيته بالمخاطر المحيطة به من قوى الثورة المضادة والداعمين لها إقليميا ودولياً .. وتوعيته أيضا بسبل مقاومتها والقضاء عليها .. فالثقافة الثورية تحصن العقل فلا تخترقه الشائعات .. وتنير الرأي العام الوطني فلا تحبطه المؤامرات .. ويظل التماسك الداخلي للشعب متيناً .. فلا يتسلل الأعداء إليه من خلال قواهم الناعمة .. ويظل عقله منتبهاً .. فيدرك حيل الاستعمار حينما يرغب بالعودة مرة أخرى للسيطرة على البلد من خلال اتفاقيات الدفاع المشتركة .. ويدرك الخلل الكبير عند إرسال البعثات العلمية للخارج ليتم تربيتها على عين الأعداء ووفق أطماعهم .. كما ينتبه للمناورات الإعلامية التي تلبس عليه دنياه بدعاوى ومعتقدات تبعده عن المصلحة الدينية التي عليها مدار حياته .. وكما يكون التأمين بتوعية الشعب بالأعداء كذلك يكون بتوعيته بالأصدقاء أو بالامتداد الحقيقي له وهو مفهوم الأمة .. التي ينتمي إليها عقائدياً .. بغض النظر عن بعض العوامل الأخرى كاللغة أو الموقع الجغرافي أو الأصول العرقية أو غيره .. لأن رابط العقيدة هو الضابط للطموحات والرغبات والأهواء .. وهو الرابط الصحيح لتحقيق مستقبل يجمع الأمة ولا يفرقها .. طالما تخلت النفوس عن أطماعها!! وأنكرت ذاتها!! وسعت لنصرة عقيدتها .. 
أسباب اندلاع الثورة:
حتى يثور الشعب فلا بد له من وعي لأسباب معاناته وإدراك لحقوقه المسلوبة .. ويمكن ذلك من خلال التوجيه المستمر لقيادة الثورة .. أو المفكرين وأهل العلم أو عدوى الثورة .. أو بالإدراك العفوي للشعب من خلال الكم الهائل من تراكم الضغوط عليه .. ولكل ثورة خصوصياتها مع اختلاف الزمان والمكان .. إلا أن هناك أسبابا جامعة لكل الثورات .. ويكفي للقيام بالثورة تحقق سبب واحد مما يلي:
1- تشرنق أو تقوقع النظام الحاكم على نفسه في واحدة من الصور التالية: عندما يعيش النظام ومؤسساته داخل فقاعة ويصبح عاجزاً عن التطور ( إفلاس) وتنقطع صلته مع الشعب .. أو حينما تسيطر شريحة على السلطة العسكر مثلاً وتستأثر بها داخل المؤسسة العسكرية ولا تراعي مبدأ تداول السلطة وتفشل في علاج القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. أو عندما يفقد النظام الحاكم مبررات وجوده في الحكم ( أنجز مهمته التاريخية لكنه غير صالح للحكم ) ويصر على البقاء .. أو تعمل المجموعة الحاكمة لتحقيق مصالحها على حساب الشعب وتبرز نفسها كطبقة جديدة لها خصوصيتها وبالتالي لها امتيازات عن باقي المجتمع ولا تراعي مبدأ توزيع الثروة .. عندها تبدأ الشرائح الأخرى بالتذمر والمطالبة بالتغيير .. فإذا كان النظام متزن فإنه يقدم إصلاحات ولكنها عادة لا تلبي مطالب المتذمرين .. وإذا كان النظام متخلف فإنه يرد بتدابير قمعية تؤدي لمزيد من عزلة النظام ومعاداة الشعب .. ومع كلا النظامين تلوح في الأفق أجواء الثورة التي تتعاظم مع انتشار وزيادة عوامل تفتت النظام .. عوامل التفتت: تجمد انطلاقة النظام التجديدية وفقدان قوته الدافعة .. ضعف تماسكه الداخلي ..البقاء في الحكم من أجل تأمين المكتسبات .. عندما تكون إجراءاته الإصلاحية لا تلبي مطالب الشعب ولا تحتوي غضبه وتذمره .. عندما يستخدم النظام قوة قمعية تؤدي إلى بعده عن الشعب ومعاداته له .. والشك فيه .. ومضاعفة العنف مع الشعب يؤدي إلى العزلة عنه .. وكلما زادت حدة القمع زادت العزلة .. وزاد تذمر الفئات الأخرى ورغبتها في التغيير .. وكلما زادت النقمة سارت الأزمة الثورية إلى النضج .. وزيادة العنف تعنى تمام إفلاس النظام الحاكم .. وعجزه عن إيجاد أو تقديم حلول تلبي مطالب الشعب .. وأصبح الحوار لا يجدي ولا يفيد إلا في محاولة استغفال الصحوة الشعبية .. وتحول إلى العنف المطلق .. أصبح من المستحيل التغيير من داخل النظام أو القبول به .. وتحتم خلعه والثورة عليه ..
2- الأزمات الاقتصادية: يصاب الشعب بحالة من القلق العام في مواجهة المستقبل بحالة اقتصادية متردية عادة ما يتحمل هو تكاليف علاجها دون جدوى .. وأصبح الضرع يدر دما لا لبنا .. وحينما يتضاعف القلق من إهمال النظام لعلاجها متجاهلا طموح الشعب ومطالبه .. وأن انتظار التغيير سيطول كثيراً وربما دون جدوى فلا يكون أمام الشعب حلا إلا تغيير النظام .. 
3- الانفجار الاجتماعي: كما أن تراكم الضغط الاجتماعي الناتج عن نظام يسلب الشعب حقوقه الأساسية .. ويتسلط عليه دون وجود مقابل يمتص غضب الشعب .. ويواجهه بأزمات تحطم مستقبله .. وتنتشر بين الشباب حالة من البطالة .. أو خداع الشعب ببعض الفتات الدستوري أو الاقتصادي .. في حين أن كل السلطة والثروة بيد النظام .. عادة ما يكون هذا النوع من الأزمات مقابل أنظمة وراثية من الأمراء والملوك الذين يرثون البلاد والعباد .. أو أنظمة العسكر الدكتاتورية التي تتحول إلى طبقة إقطاعية لها امتيازاتها ويتم توارث الحكم داخل المؤسسة العسكرية .. وكلا النظامين الملكي والعسكري يتفشي فيهما الثراء .. وتحتكر الاستثمارات .. ويتلقون الرواتب والرشاوى من الخارج ( ملك الأردن – عسكر مصر ) .. ويحظى أبنائهم بالوظائف العليا في الدولة .. ويمتلكون الشركات العابرة للقارات .. فتصبح السلطة والثروة حكراً عليهم وعلى أبنائهم دون باقي الشعب .. وينفق المال العام على الاحتفالات الخاصة .. وتبدوا مظاهر البذخ والترف والإنفاق المستهتر .. ويكون الفساد هو الأصل .. وتتوج المصلحة الأنانية على الرؤوس .. وتتوه المبادئ فلا فرق بين ما هو طاهر وعاهر .. والشرف والوفاء ذكريات من الماضي .. والشعب يعاني من سطوة فسادهم ..ويتضور جوعا ويعاني فراغاً وفقراً من البطالة .. كل هذا يولد انفجاراً اجتماعياً ..
4- الحروب وما ترتب عليها من هزيمة: نتائج الهزيمة12 تزيد من حدة الأزمات الاقتصادية والتبعات السياسية والأعباء الاجتماعية في البلاد .. وتخلق مناخا مناسبا للثورة .. بسبب المرارة الناتجة عن التضحيات الكبيرة والكرامة المهدورة والمعاناة المالية .. الهزيمة هي المناخ المناسب للثورات لتجديد مسيرة الشعوب .. الدول المنتصرة لا يكاد يذكر فيها اسم الثورة أو مشتقاتها .. والحديث عادة يكون عن بعض الإصلاحات من باب المنافسة السياسية بين الأحزاب ..
5- القهر الخارجي: عندما يقوم المستعمر ( أو نائبه ) بتجريد الأمة من استقلالها وحريتها السياسية .. وحقها في تقرير مصيرها .. ومعاملة الشعب معاملة من الدرجة الدنيا .. واستغلالهم اقتصاديا بأعمال السخرة .. ونهب ثرواتهم وثروات البلاد .. والعمل على إفقار الشعب .. وأكثر من ذلك بفرض التخلف عليه وحرمانه من التقدم .. والعمل على تجريد الأمة من هويتها الدينية .. وعاداتها وتقاليدها ولغتها وتدمير تاريخها وموروثاتها .. وفرض ثقافة المستعمر ولغته وتاريخه وأخلاقه .. هذه العوامل تؤجج روح التحرر الوطني .
6- العبث بالمعتقدات والاستهزاء بالمقدسات: هي محاولة من أنظمة الحكم ( خاصة في الدول الإسلامية ) لتغير دين الشعب وتغريبه بوسائل ناعمة .. لتكسير وإتلاف موروثه العقدي واستقراره الاجتماعي والذي يمثل مفهوما لدى الشعب أقوى من مفهوم الأمن القومي .. أو تحدي الشريعة السماوية ومحاولة إشباع الشهوات المحرمة بالقوة والجهر بها وإرغام المجتمع على قبولها .. أو محاولة عدو خارجي يدين بعقيدة مختلفة احتلال البلاد بشكل مباشر ويبدأ في هدم ما هو عقدي حسيا ومعنويا .. فينتفض الشعب في حالة هيجان يبدأ بشكل عفوي غيرة على موروثاته .. سرعان ما تنضبط مشكّلة انتفاضة مسلحة هادرة تعم أرجاء الوطن .. وعادة ما تكون دموية وحادة وسريعة .. وتلقى قبول في كافة الأوساط الاجتماعية داخل الدولة .. وتؤيد من قبل محيطها العقدي حول العالم .. ويتم دعمها بالمال والرجال منهم .. وتحسم حربها خلال عقد من الزمن يزيد أو يقل قليلا .. ونظراً لأن القائمين بها تجربتهم في الحكم جديدة .. مما يجعلها تمر بسلسلة من الأخطاء على المستوى الاجتماعي والسياسي .. إلا أن الأحداث والنصائح والاستعانة بالخبرات من محيطها العقدي يؤهلها تدريجا لإحسان برنامجها التغيري .. وتصل للنضج وفهم إشكاليات إدارة البلاد مع الوقت .. والشعب يتحملها ويلتمس لها الأعذار ويدعمها ويصبر عليها لأنه يدرك طهارة هذا التغيير وطهر الأيدي القائمة عليه .. ( حركة طالبان أفغانستان ) ..
هذه الأسباب منفردة أو مجتمعة يطلق عليها الجانب الموضوعي في الثورة .. وهي لا تسبب قيام الثورة دون وجود الشق الثاني وهو الجانب الذاتي .. المتعلق بمدى وعي الشعب وإدراكه ورغبته في التحرر .. وهنا تبرز الحاجة إلى مجموعة ثورية ناضجة تعمل على توعية الشعب .. فتعلمه حقوقه .. وتوضح حقيقة الدور الذي تمارسه الحكومة في سرقته وإذلاله .. وقهره واستعباده .. وتبين له وسائل التغيير .. ومراحلها وما هو مناسب لوضعهم .. وتتولى قيادة الثورة وتعمل على إنضاجها .. وهذه تسمى مرحلة الإعداد والتجهيز للثورة ونفصل فيها لاحقاً ..
النظرية الثورية: ( الفكرة .. العقيدة )
للثورة سمات أساسية تحدد النظرية: تطور تاريخي نابع من المعاناة .. ضرورة العنف .. تحقق هدف الثورة بإعادة بناء كل شيء .. استقرار الأوضاع ..
وبالتالي النظرية الثورية هي: الفكرة التي قامت الثورة لتحقيقها .. وتحرك تحت لواءها الثوار مستخدمين القوة في التغيير .. في البدء انتفض الثوار ضد الملكية المطلقة والطغاة .. ( الأسرة السعودية واستئثارها بالسلطة والثروة وتسلطها على الإنسان وهدمها للدين .. نموذج محتمل لقيام ثورة عليه ) .. من أجل بناء عالم جديد .. إن جملة "عالم جديد" فسرت بعد ذلك بنظام الحكم والاقتصاد والنظام الاجتماعي والثقافي .. 
والعقيدة تدور حول مجموعة من الجمل التي تتجسد في الواقع العملي  [ تغيير جذري عنيف .. ضد نظام غشوم .. لإنشاء نظام حكم جديد .. ونظام اقتصادي جديد .. ونظام اجتماعي وثقافي جديد .. ] ..
ولتحويل النظرية إلى برنامج عمل يلزمنا جانب واقعي موضوعي .. وجانب ذاتي إنساني .. فمن الممكن أن تتوفر الظروف الموضوعية ( الوعي بأسباب الثورة ) ولكنها تفتقر إلى الشق الثاني ( إرادة التغيير ) فلا تقوم الثورة .. وكما سبق الإشارة يجب العمل بالشقين معا .. وبالتالي فالثوريون وحدهم هم القادرون على إحداث التغيير .. لأن التغيير يلبي مطالب شعبهم الذي يمثلونه .. ويشكلون طليعته التي تقدم أسمى معاني الوفاء للعقيدة بالتضحية بالنفس في إطار عنف الثورة ..
وعلى الجانب الأخر فإن النظام الحاكم ( ملكي كان أو جمهوري أو غيره ) .. يعتقدون أن عقيدة التغيير الثوري عقيدة هدامة .. وأن استمرار النظام السياسي وبرنامجه الاقتصادي هو ضروري لكل مجتمع منظم .. وثبات الطبقات الاجتماعية يضمن الاستقرار النوعي في المجتمع .. وترويجهم هذا طبيعي فالأسرة والطبقة الحاكمة معها لا تهتم بخط التطور السياسي والتاريخي والاجتماعي .. قدر اهتمامهما بثبات الأوضاع الملائمة لها وبقائها على حالها .. وهو ما يؤصل للدفاع المستميت عن حكمهم .. ويجعل من الثورة عملا عنيفاً .. سواء كانوا يواجهون ثورة .. أو يخشون من عدوى الثورة المجاورة ..
مراحل المسيرة الثورية:
من المهم أن نؤكد دائما على الخصوصية لكل بلد وكل زمان .. وطبيعة الثورة وأهدافها .. لكن هذا لا يمنع من وجود مراحل متعاقبة بشكل عام تسير وفقها الثورات:
1- مرحلة الإعداد والتحضير: 
( تشكيل النواة الثورية ) وهي مجموعة من المفكرين الثوريين الذين تلتقي أفكارهم حول التناقضات في البلد .. ويتبنون علاجها وحلها بالقوة .. ويقومون بوضع الإستراتيجية والتكتيك .. ورسم أهداف الثورة والأساليب التي ستستخدمها لتحقيق هذه الأهداف .. من خلال إنتاجهم الفكري .. وأدائهم العملي ..
يلي ذلك توعية الشعب بالواقع والحقوق وإفهامه بالنظرية الثورية .. ثم يتم التحالف بين الفئات المقهورة وفق برنامج الحد الأدنى .. ويبدأ التحريض الثوري على نطاق واسع مع الاستفادة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد .. للوصول إلى نقطة الانفجار أو النضج الثوري .. وهي اللحظة التي تشتد فيها الأزمة الثورية إلى أبعد مدى من جراء تزايد أعمال القمع وتصاعد حدة التناقضات الداخلية .. ويتساقط الشهداء .. وتتولد قناعة لدى الشعب بأنه لم يعد هناك أمل بحل الأزمة سلميا .. وأن مجرد التفكير السلمي هو خيانة للدماء الذكية الطاهرة التي أريقت على أرض الوطن وفي سبيل العقيدة ..
قد يكون الوعي الثوري موجوداً .. كما أن إرادة التغيير حاضرة .. ولكن .. لحظة البدء لم تحن حتى يأتي سبب لحظي يفجر الشرارة مثل اغتيال شخصية شعبية .. أو تعذيب الأمن لبعض الأفراد وقتلهم بشكل سافر ( محمد البو عزيزي تونس - خالد سعيد مصر ) .. أو منع اجتماع شعبي .. أو إضرابا عماليا .. أو صداما محدودا مع قوى الأمن .. أو اعتقال زعامة شعبية وتاريخية ( مرشد الإخوان ) .. أو ثبات جيل جديد في الميادين ضد قوى القمع يهيج جموع الشعب ( 25 يناير مصر ) .. أو غير ذلك من الحوادث البسيطة التي يمكن تجاوزها في الأحوال العادية ولكنها تؤدي إلى الانفجار في الأزمات الثورية .. 
وعلى المجموعة الثورية الانتباه لتفاعل الشعب مع مسيرة الثورة .. وعدم انتظار قدوم لحظة الانفجار بسلبية بل العمل على تسريع الوصول إليها .. مع الانتباه التام لعدم استباق لحظة الانفجار والذي يؤدي للإجهاض .. أو التأخر الذي يفوت الفرصة المناسبة ..
يرافق هذه المرحلة عدد من التظاهرات والإضرابات .. وتنتشر الشعارات التي تعبر عن الثوار ..
2- مرحلة العمل الثوري لإسقاط النظام القديم 
أشرنا إلى جزء منها عند الحديث عن العنف الثوري في البند الخامس من الملاحظات على التعريف .. وابتدأً نؤكد على أن مجال الأفكار والابتكار فيه مفتوح متطور مع تطور العصر والإنسان .. أضيف لما سبق بعض الملاحظات الهامة للثوار .. فهم يواجهون عدة قضايا أساسية: 
أولاً: بطش الأمن والجيش .. 
على الرغم من الخسائر اليومية والتي قد تكون ضخمة في بعض الأيام إلا أنه لا يجب أن تخلوا الشوارع من المتظاهرين .. وقد يكون من المناسب بداية عدم الرد على العنف بعنف لعدة أهداف أولهم: إحداث انشقاق وتفتت في صفوف القوة الأمنية .. وثانيهم: تفويت الفرصة عليه .. بإظهار العمليات القذرة للجيش والأمن التي يقوم بها بغية تشويه الثوار .. فيقوم بحرق الوزارات وغيرها .. وتفجير المساجد والكنائس لإشغال الشعب ببعضه .. ويضحي بعدد من ضباطه وجنوده فيقتلهم بيده .. ويهلك بعض الإعلاميين والصحفيين .. ويخنق علماء الأديان الموالين له .. ويتوسع في صفحة القتل ويبتكر في مجال الإعدام والمحاكمات .. وثالثهم: إتلاف أعصاب قائد النظام فهو وإن كان مجرم إلا أنه بشر يجري عليه ما يجري عليهم .. فيخرج على الإعلام يتفوه بعبارات غير مفهومه وتهديدات مبطنة وشائعات مفبركة وأكاذيب مفضوحة .. يقف متلعثما تائها زائغ العينين .. فيكشف عن حالته النفسية وضعفه وقرب انهياره .. فيفقد المقربون منه الثقة في قدرته على الاستمرار فيساعد على سرعة تفرق مؤيديه داخليا وخارجيا .. 
التصدي لقوات القمع هو أول تحدى يواجه الثوار وهى قوات اعتادت على البطش المبالغ فيه بلا ممانعة من الضحية .. كونها تعمل في أوساط مدنية عاجزة عن الدفاع عن نفسها .. أما وقد خرج الناس إلى الشوارع وهم مصممون على التصدي والانتصار .. فإن تلك القوات تفقد معنوياتها بسرعة .. وتكتشف في نفسها ذلك الخوار المهين وضعفها الداخلي .. وذلك شأن كل طاغية يخفى بوحشيته الظاهرة خواء وضعفا .. يفضحه وقت احتدام المعارك الحقيقية مع جنود الحق ولو كانوا ظاهريا ضعفاء .. إلا أن قواهم الداخلية تتجلى لأعين أعدائهم فيموتون رعبا ..
ابتكرت العقلية الأمنية العربية جهازاً جديدا لحراسة النظام ( البلطجية .. الشبيحة ) .. وهذا بتوجيه ودعم من المخابرات الأمريكية نقلا عن فكرة (فرق الموت ) في أمريكا اللاتينية .. هؤلاء يجب استثنائهم من قواعد الانتفاضة الشعبية .. فهؤلاء ليسوا نتاج طبيعي من صلب المجتمع .. بل هم نتاج سفاح بين النظام القائم والفقر الذي طوقوا الشعب به .. فهؤلاء التقطهم النظام من الشوارع والأرصفة .. هؤلاء لا يفهمون معاني مثل الكرامة أو الوفاء أو الأمان أو الحرية .. فقد عاشوا في ذل وقلق وشك وغضب وتشربوا بالخيانة .. وجبلهم من رباهم على الحقد الأعمى على الشعب .. وعملية احتوائهم إن لم تكن مستحيلة فهذا ليس وقتها .. فهم لن يفهموا مشاعر الرحمة ولن يدركوا معاني العفو ولا أرحام لهم أو قرابة لتردعهم .. وبالتالي لا بد من مواجهتهم بكل حزم ليكونوا عبرة لرجال الأمن الذين يرتدون زيهم. 
في المرحلة التي يتحرك فيها الثوار لاحتلال المؤسسات والهيئات الأمنية والحكومية .. لا بد لهم من العنف والسلاح لتصفية الجيوب الأخيرة للنظام وإسقاطه .. وقد ترى قيادة الثورة ضرورة القيام بعدد من العمليات المدروسة بدقة .. وقد يكون من المناسب في بعض الحالات الرد على العنف بالعنف خشية تفكك الثورة وتعرضها للإرهاب .. ويتعين العنف عند نقطة الانفجار الثوري فتنطلق المجموعات المنظمة لإحداث التغيير بالقوة..  
إن فلسفة التغيير الإسلامية التي تصبغ أي ثورة .. قائمة على أمرين: الأول القضاء على السلطة السياسية لتتحرر العقول وتمتلك إرادة الاختيار بمنتهى الحرية وتتحمل توابع ذلك في الدنيا والآخرة .. الثاني القضاء على مؤسسات النظام القديم لتضمن سلامة مسيرة التغيير بلا عراقيل وقلاقل تشغلهم عن هدفهم .. ويستحيل أن تنجح ثورة سلمية كانت أو مسلحة دون القضاء على القوى الرئيسية المثبتة للنظام القديم قضاءً تاماً حقيقياً وليس معنوياً .. قضاءً بما تعنيه حروف الكلمة .. تحت مبدأ بلال بن رباح  "لا نجوت إن نجا" ..
ثانياً: استمرارية بناء قوتهم الشعبية ومجموعاتهم العسكرية .. 
البناء مسألة حيوية بالنسبة للثورة .. سواء في المجال المدني أو العسكري .. والتوقف عنه أو عدم الالتفات إليه يؤخر التطور المنشود بعد وأثناء الثورة .. والبناء يبدأ مع اليوم الأول لانطلاق الدعوة أو الفكرة الثورية والتفات الناس تدريجيا حولها .. لكن الدولة عندما تسقط بيد الثوار بعد أحداث عنف وفقد طاقات وكوادر وربما قيادات كبيرة .. تظل في حاجة دائمة للشخص الثوري الكفء الذي يكون أمينا على إدارة مؤسسة من مؤسسات الدولة .. أو بعض فروعها ..
الدولة لا تترك الثوار يبنوا عناصرهم .. فما أن تستشعر المناخ الثوري يهب في سمائها .. حتى تبدأ في استدراج الثوار بقصد القضاء عليهم قتلاً وحبساً ونفياً .. ويتمثل نجاح الثائر في ألا يتركهم يبيدونه .. فلا يتعجل الصدام .. ويتعلم فن التملص والتسلل حتى لا يقع في يدها ..
إن عقيدة الجيش وولاء ضباطه يملي على الثوار نهجا ثورياً معيناً في مراحل مختلفة من الثورة .. مما يستدعي برامج تربية وبناء خاصة تناسب حالة الحرب المعلنة على الثورة .. ولتوضيح ذلك فالجيش الذي يغلب عليه طابع التجنيد الإجباري يكون أقل عنفاً مع الثوار .. بل ينفرط عقده سريعا وينضم الكثير منهم للثورة .. ويناسب هذا الجيش الانتفاضة الشعبية .. 
أما الجيوش العقائدية أو الحزبية أو المحترفة التي لا تعتمد على التجنيد أو التابعة لشركات أمن أو الطائفية أو الجيوش التي ينال كبار الضباط بها رشاوى وامتيازات ضخمة أو قوات الاحتلال .. فهذه الأصناف ستتبنى عنف بلا حدود وتنفذ جرائم ومجازر ضد الثوار ودفاعا عن النظام .. والأسلوب السلمي لا يؤدي إلى انهيارها .. بل تتمادى في غيها بشراسة وقسوة بلا رحمة .. وبالتالي فإن حرب العصابات أو انتفاضة مسلحة تكون هي الوسيلة الأنجع لتطور الحالة الثورية .. وإلا لو بقيت الثورة حبيسة المدن تمارس سلميتها فإنها ستتعرض لحرب إبادة بلا رحمة .. واعتقالات وتعذيب حتى الموت .. وتشريد لأسرهم وانتهاك لأعراضهم بغرض كسر إرادتهم .. السلمية في هذه الحالة هي شهادة وفاة وقعها أصحابها .. السلمية هنا هي انتكاسة للفطرة السوية التي تبادر للقتال حتى عند أضعف المخلوقات ..
في التربية الثورية ينبغي المرور بسلسلة من الصدامات الصغيرة المتفرقة في أنحاء البلاد .. بهدف تدريب الكوادر وإكسابهم الجرأة على التصدي للنظام وأجهزته القمعية .. والتجرؤ على طرح مشاكلهم والمطالبة بحقوقهم .. وإكسابهم الخبرات السياسية والحقوقية .. وأيضا مهارات الصدام مع طواغيت أجهزة القمع .. وإسقاط هيبة هؤلاء من النفوس .. واكتساب الجرأة في مواجهتهم والاستهانة بالعقوبات مهما كانت .. ثم تصعيد تدريجي لحدة المواجهات .. وتوسيع رقعة انتشارها .. بحيث إذا حانت ساعة الخروج الحاسم إلى الشوارع .. تكون قطاعات من الشعب قد اكتسبت الخبرة والجرأة على المواجهة.
ومن الوسائل التي يمارسها الثوار في هذه المرحلة وسائل سلمية هدفها فقط التعبير عن الرفض وإثارة الرأي العام ضد النظام ومن أمثلتها: المواقع الإلكترونية .. القنوات الإذاعية والتلفزيونية .. الرسومات والشعارات واللافتات في الشوارع .. الأعمال الفنية المتنوعة "الأناشيد والشعر والكوميديا الساخرة والأدب .. ارتداء رموز تعبر عن المقاومة .. نشر ورفع صور لأبطال وشهداء المقاومة .. ارتداء الأقنعة .. عدم دفع الفواتير من كهرباء ومياه وهاتف وسحب الأموال من البنوك وعدم سداد الضرائب .. ومقاطعة الاستفتاءات والانتخابات على كافة المستويات .. 
ومن الوسائل التي تكسب الجرأة وتستخدم في مرحلة متقدمة من الصراع مع النظام عندما تصل المقاومة لدرجة عالية من القوة .. تغطية أحداث العنف الحكومي وتسويقه عالمياً للضغط النفسي على النظام .. الإضراب عن الطعام .. احتلال منشآت حكومية ووزارات هامة حتى ولو لفترات متقطعة .. إعاقة المواصلات العامة دون إيذاء للمواطنين  من أجل إعاقة سير الأعمال الطبيعي .. إرهاق الحكومة وإرباكها بالطلبات الواقعية وإظهار فشلها وعجزها عن حل المشكلات اليومية والحياتية .. إقامة محاكمات صورية لعناصر النظام وتوقيع العقوبات عليهم .. إنشاء مؤسسات بديلة تتحدى مؤسسات النظام الرسمية في تهميش النظام وجذب مزيد من الجماهير سواء كانت مؤسسات خدمية أو اقتصادية أو إعلامية ..
وعلى الثوار أن يبتكروا ويبدعوا في الأفكار لإشغال النظام دائما وحتى لا يجد النظام وضع روتيني يستطيع أن يتأقلم معه ويقمعه ..
ثالثا: الوقت .. 
النظام يرغب في القضاء على الثورة سريعا قبل أن تتفاقم وتتمكن من بناء قوتهم الذاتية .. والثوار هدفهم استهلاك قوة العدو واستنزافها وخلق أزمات أمنية واقتصادية وأدبية تحرج أنصار النظام وتساعد على تفتته من داخلة .. فالإجراءات القمعية الشرسة تشكل عبء معنوي لحلفاء الداخل والخارج وتضعهم أمام مسؤوليتهم التاريخية أمام مؤيديهم أو شعوبهم لإيقاف الحماقات والجرائم الأمنية .. وتساعد ردود فعلهم ومواقفهم من عزلة النظام وتأهيله للسقوط .. كما أن طول الوقت يخيف أصحاب الأموال والمشروعات .. وكما قيل رأس المال جبان يفر في الأزمات ويتقدم عند الأمن .. 
كما أن الثوار13 يحرصون على إطالة زمن الثورة ليتشرب أفراد الشعب الدعوة ويطمئن القائمون عليها على وجود وحدة فكرية إلى حد ما لها أغلبية نسبية بين جماهير الشعب .. هذه الوحدة توفر لحكومة الثوار القادمة الاستقرار المجتمعي وتساهم في إحباط الثورة المضادة .. الخلاصة في الوقت هو إحسان استخدامه لبناء قوة الثوار وخنق النظام بالأزمات ..
رابعاً: التكافل الاجتماعي ..
إشاعة أخلاق الفداء والتضحية والإيثار .. وأننا أمة واحدة جسداً واحداً إذا اشتكى من عضو تداعى له الكل .. قال تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {9} وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {10} الحشر .. و قال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}الحجرات .. هي روح هذه الفترة التي تلهم وتثبت الثوار .. وتنشر مناخا من الإخوة .. كما تؤسس لبرنامج من التكافل الاجتماعي يستمر أثناء وبعد الثورة .. ويكون ذلك من خلال مساعدة الجرحى .. وتنظيم عمليات إمداد المتظاهرين بالطعام والماء والخدمات الضرورية .. كما رأينا في الثورة الليبية الأمهات وهن يطبخن للمجاهدين ..  يتم ذلك من خلال مجهود وتمويل شعبي .. ونلاحظ في يوميات الثورة المصرية ويوميات اعتصام رابعة المجهود الطبي الأسطوري في علاج المرضى ومداواة الجرحى .. وجميع الأطباء العاملين من المتطوعين .. هذا المناخ يحقق انسجاما اجتماعيا تسوده الرحمة والوفاء .. ويعمق العلاقات الإنسانية التي سبق وأفسدها النظام الساقط .. 
أنظر الفرق بين هذه الحالة وبين الثورات "المخملية" .. التي افتعلتها أمريكا بعد حرب العراق في عدة دول مثل أوكرانيا وجورجيا .. حيث أن تمويل المظاهرات يتم من الخارج .. وملايين الدولارات أنفقت في شراء الوجبات الجاهزة والخيام الحديثة .. وقدمت لهم تغطية إعلامية لا مثيل لها .. ومساندة قانونية من المؤسسات الدولية وجماعات حقوق الإنسان ..
3- مرحلة بناء النظام الجديد
بسقوط النظام الحاكم  تستولي قيادة الثورة على السلطة .. ويكون أولى الواجبات تصفية أعداء الثورة من خلال محاكمات ثورية فورية .. أما الواجب الثاني فهو الاستعداد لمواجهة المحيط الإقليمي وتداعيات الثورة عليه وردود أفعاله مع الثوار .. والعمل على إرسال رسائل هادئة تعطي الانطباعات الأولية عن الثوار وتبين شكل برنامجهم الجديد .. وعادة ما تحظى الثورات بقبول محلي وإقليمي ودولي لأنها إرادة الشعب وهذا بخلاف الانقلابات العسكرية .. هذه النقطة وسابقتها لن تجدي نفعا في حال كون الثورة إسلامية أياً ما يكون التيار الذي قام بها .. وبالتالي فعلى الإسلاميين تصدير الثورة لجيرانهم لإشغالهم عنهم والتفرغ لعملية البناء من طرف .. وبناء حليف جديد من طرف آخر .. أما الواجب الثالث هو إعادة الحياة إلى طبيعتها بحذر .. وإدارة عجلة الاقتصاد لتلافي أزمات ما بعد الثورة .. ثم تبدأ المخاطر تواجه الثورة .. وهذه الفترة في منتهى الدقة ..
عند نجاح الثورة تنتشر حالة من الطلاق السياسي بين حلفاء الأمس .. وبرنامج الحد الأدنى الذي تم التفاهم عليه لم يعد مجدياً .. وشعارات الثورة عفا عليه الوضع الجديد .. ويبدأ نوع من الصراع البارد بين الحلفاء اللدودين .. سرعان ما تشوبه بعض التصفيات .. فالثورات تأكل أبنائها .. إلا أن الفئة الأكثر ظهوراً وقوة وتنظيماً تسيطر على الثورة وتبدأ في برنامج البناء وفق عقيدتها الثورية .. 
فإن طالت فترات الصراع والتصفيات تتعرض الثورة لمخاطر جديدة أكثر جدية وأشد ألماً .. فالصراعات تؤدي إلى إضعاف السلطة الجديدة وتفتت قوتها .. وتفتح الباب على مصراعيه أمام الثورة المضادة .. وربما يستغل حالة الفوضى هذه العسكر فيثبون على السلطة كمنقذين ويؤسسون دكتاتورية عسكرية ..
من المخاطر أيضاً التي تواجه الثورة في هذه المرحلة: التدخل الخارجي .. التخريب الداخلي .. انهيار الاقتصاد .. هروب الأموال .. سفر الكوادر .. ضعف الجانب الإداري لقادة الثورة فالنجاح في قيادة الثورة ليس دليل على النجاح في إدارة الدولة .. افتعال الأزمات المالية والاجتماعية ...الخ .. 
لا بد أن يشمل برنامج الثورة الوسائل البديلة لأجهزة الدولة البيروقراطية للقضاء والأمن والجيش والإعلام .. كما لا بد من وجود برنامج واضح للعرقيات والأقليات .. خاصة تلك التي لها عقيدة مختلفة وتحظى بغطاء خارجي ..
عادة ما تستلزم مرحلة البناء قيادة حازمة ( كعمر  ) لفترة من الزمن .. يكون مؤهلاً لاتخاذ قرارات ثورية .. حتى تعبر الدولة المرحلة الحرجة .. وتتمكن من تثبيت النظام الجديد وإحلال المؤسسات الجديدة محل مؤسسات الدولة العميقة .. وتأمين الاقتصاد .. وتوعية المجتمع .. وتأكيد قدرتها الأمنية والدفاعية .. واكتساب الأصدقاء .. وترتيب علاقتها الخارجية .. ثم تبدأ الدولة في أخذ الشكل الطبيعي لها .. هذا إن لم تصيب القيادة حالة مرضية فتستأثر بالسلطة وتحتكر الاقتصاد .. ونعود للمربع رقم صفر من جديد .. ولهذا يروج دائما لنظرية الثورة مستمرة ..
جماهير الثورة وأعدائها:
الثورة تعبر بوضوح عن هوية طرفي الصراع .. فعندما تخرج جموع الطبقات الكادحة فالطرف الأخر سيكون أصحاب الأراضي والأموال والأمراء والملوك وكلهم مستعبدين لفئات من العمال والفلاحين .. وإذا خرجت جموع المثقفين فالطرف الأخر نظام دكتاتوري مستبد مستأثر بالسلطة سواء كان ملكي أو جمهوري أو غيره .. وإذا خرجت جموع التجار والمستثمرين وأصحاب الأموال فالطرف الآخر هو نظام احتكاري مستأثر بالمال .. وإذا خرجت جموع الشعب وكل طوائفه فالطرف المقابل هو عدو محتل أو وكيله على البلاد .. والغريب أن ثورات الدول العربية كلها من النوع الأخير .. والتحركات الشعبية تحركات واعية وحساسة وعميقة وتعبر عن نوع الظلم الواقع عليها .. وتُجسد ذلك في شعاراتها .. عيش حرية عدالة اجتماعية .. سنحيا كراما .. وهما شعاران يعبران عن احتلال الدولة واغتصاب المقدرات .. احتلال بالوكالة .. واستئثار بالأموال .. أداة الاحتلال كان الجيش الوطني التابع للقوة الغربية الأقوى .. ومغتصبي الأموال هم جيل من القادة العسكريين والسياسيين المواليين للقوة الغربية الأقوى .. 
يعاب على الثورات العربية أنها قامت عفوية ولم تجد من يقودها .. علاوة على قلة الثقافة الثورية لدى الثوار .. إضافة لاختلاف المشارب وعدم وضوح أي برنامج متفق عليه .. إضافة إلى عدم إنشاء أجهزة حماية ولو بسيطة لحماية مكتسبات الثوار وحماية دمائهم .. وهو ما أفقدهم كل شيء .. وهو نذير خطر على باقي الثورات العربية الحديثة .. قد يدفعنا هذا إلى تقييم الثورات العربية الحديثة على أنها انتفاضات شعبية بعضها أُفشل ( ثورة مصر أُفشلت / ثورة اليمن قُلمت ) وبعضها في مرحلة الإفشال ( تونس ) والبعض تحول إلى انتفاضة مسلحة ..
ونلخص ما سبق .. الجانب الموضوعي كان حاضرا وبقوة في الثورات العربية الحديثة .. لكن الجانب الذاتي افتقد الكثير من مقومات نجاحه .. القيادة .. الإعداد .. البرنامج .. الأمن .. القوة 
فهل مؤشرات الثورة الحالية ( ثورة القهر في رابعة العدوية ) ستأخذ بعين الاعتبار سلبيات تجربة انتفاضة يناير .. وتُرممها؟
قادة الثورات:
في هذا القرن قامت الثورات على الانقلابات المشبوهة التي قامت في منتصف القرن الماضي ونصفه الأخير .. وبينهما تفاوت كبير في الفكرة والمنفذين والداعمين .. في القرن الماضي قاد العسكريون أغلب الثورات مدعومين من القوى الغربية أو الشرقية .. والحقيقة أنها كانت انقلابات عسكرية وليست ثورات مطلقا .. وقامت الانقلابات ضد أنظمة ملكية مستبدة ومستهترة وتابعة للقوى الغربية أو الشرقية .. وبمعنى أدق أن الغرب أو الشرق يومها تخلص من عملائه الفاشلين بعملاء آخرين من طبقة أخرى .. وعليه فقادة انقلابات أو ثورات القرن الماضي في الحقيقة هم: الدولة الأقوى في الشرق أو الدولة الأقوى في الغرب .. والمنفذين عناصر من الجيش الوطني الذين يدينون بالولاء الكامل شرقا أو غرباً .. فما حدث لم يكن ثورات شعوب .. وإنما انقلابات14 بالوكالة لدول الاستعمار الحديث .. ومن وُكل بها وقادها كان عميلاً يعمل ضد شعبه ..
هذا القرن اختلف الوضع إلى النقيض .. نضجت الشعوب كثيرا انتشرت فيها روح موروثاتها الثقافية الدينية .. مرت بتجارب عسكرية وسياسية ضخمة أحيت وعيها ورغباتها " فلسطين والحروب العربية .. نكبة الإخوان المسلمين .. الجهاد في أفغانستان .. الثورة الإيرانية .. مأساة كشمير .. الصحوة الإسلامية .. الحرب العراقية الإيرانية .. الجماعات الجهادية .. الحرب الأمريكية الأولى على العراق .. الانهيار السوفيتي .. تحطيم جدار برلين .. تحرر وسط أسيا وثوراته الداخلية .. ضرب وإخراج الأمريكيين من الصومال .. المجازر البوذية والهندوسية على المسلمين .. حرب اليمن .. الانتخابات في الجزائر وفلسطين .. نهب الأموال في الخليج ودعم أعداء الأمة بها .. انفصال تيمور .. الجهاد في البوسنة والهرسك .. القاعدة وضربها للقوة الأكبر عالمياً .. إنهاء سيطرة العسكر في تركيا أردوغان .. الحرب الأمريكية على الإسلام في أفغانستان والعراق .. تقسيم السودان ....الخ" .. كل هذه التجارب أحيت الوعي الثوري في الشعوب لتطالب بحقها في الحرية والاستقلال والسلطة والثروة .. ولتسقط وكلاء استعمار القرن الماضي .. وتسقط معهم الثقافة والعادات والسلوك والأخلاق الرديئة التي صبغوا بها الشعب .. ولتعمل على تحقيق طموحها واستقلالها .. وتقدم بلادها وتطورها .. وضمان عدم تبعيتها إلا لموروثاتها التاريخية .. 
وللأسف .. لم تستكمل المسيرة وتتطور بشكل سليم .. العجيب أنها لم تبرز لها قيادة تندرج تحتها وتقود لحظتها التاريخية .. فانضوت تحت أبناء الوطن القدامى .. وبعضهم مشبوه الانتماء للخارج كالتيار العلماني واللبرالي .. وتفرقت بحسب انتماءاتهم الفكرية المختلفة .. فانقسمت وجرت بينهم العداوة بعد إسقاط النظام .. في مصر انقلاب عسكري استفاد من فوضى نزاع أطراف الثورة .. في ليبيا نذر التقسيم بين الشرق والغرب بعدما تم إقصاء الثوار والقضاء على الجيش فنجت من انقلاب عسكري .. في تونس ارتباك وتربص .. في اليمن خضوع لإرادة الكيان السعودي .. في سوريا الحرب مستمرة .. باختصار افتقدت ثورات القرن للقائد .. تباينت بها المرجعيات الفكرية .. وفشل أي واحد منها على الحسم .. تلاعب مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها المجلس العسكري .. وتحالفاته الإقليمية والدولية بالمسيرة الثورية .. بهذه النقاط الأربع دخلت الثورات في معترك جديد .. والمهم بل المهم جداً .. أنها تعرفت على الثغرات .. كما تعرفت بشكل دقيق على عدوها وعناصره .. وهذه هي نقطة النجاح التي يجب أن تنطلق منها الثورة الجديدة .. والتي ستكون إن شاء الله ثورة مسلحة خلال عقد من الزمان ..
أسباب نجاح الثورة أو فشلها:
حتى تنجح الثورة لا بد لها من أمرين: الأول إسقاط النظام القديم .. الثاني بناء النظام الجديد .. ومن عوامل نجاح الثورة: تذمر الشعب .. ارتفاع الوعي مع فقدان الأمل في التغيير .. وجود نظرية ثورية تنسجم مع طموح الشعب وتستطيع أن تحركه .. وجود القيادة الثورية ( مجموعة .. بؤرة .. حزب ) قادرة على تجسيد النظرية وتنظيم الشعب وقيادته .. وإدارة البلاد بعد استلام السلطة وفق برنامج واضح المعالم ..
إن عدم وجود هذه العوامل يؤدي إلى اضطراب الثورة وفشلها .. حتى لو نجحت في إسقاط النظام القديم فإنها لا تلبث أن تفشل بعد ذلك في مرحلة البناء .. لأسباب منها: الخلافات الشخصية التي تحطم النواة القيادية .. عدم وجود برنامج سليم تسير عليه أثناء البناء .. الصراع بين فرقاء الثورة على السلطة وتنازع الوزارات .. عدم القضاء على المؤسسات العميقة في الدولة .. استغلال حالة الفوضى وقيام العسكر بانقلاب .. التلاعب بالشعب إعلامياً وإيقاع انقسام كبير فيه .. نجاح الثورة المضادة في تفتيت عناصر القوة والاجتماع في الثورة ..
وقد تحقق الثورة المراد لكن التدخل الخارجي لصالح النظام القديم يجعل الثورة تنتهي إلى الفشل .. وفي هذه الحالة تمارس المجموعة الحاكمة عنفاً مضاداً يتسم بالشراسة .. ويستهدف تدمير الكوادر الثورية .. وإيقاف التطور التاريخي للبلاد .. كما تلجأ المجموعة الحاكمة رغم ذلك – إلا في الحالات التي تكون فيها متخلفة جداً ومحرومة من الرؤية السليمة – إلى تحقيق بعض مطالب الشعب .. والتقيد تكتيكيا بجزء من برنامج الثورة نفسها ..
وقد تحقق الثورة المراد لكن الثورة المضادة التي تقوم بها المؤسسات العميقة بالدولة مع أنصار النظام القديم .. وبدعم خارجي إقليمي ودولي .. مستغلة حالة الفوضى في مرحلة البناء .. فتعمل وفق تقنيات الثورة في التحريض والتعبئة .. وتعمل على استعادة النظام القديم .. وإذا قلنا أن الثورة هي الانتقال بالبلاد إلى التطور ومستقبل جديد .. فإن الثورة المضادة انتقال بالبلاد إلى واقع أكثر تخلفا .. وأشد عنفاً ..
نجاح الثورة ضد المستعمر يقاس بالقدرة على: طرد المستعمرين وعملائهم وتحطيم سلطتهم .. بناء نظام جديد يضمن تطور البلاد .. ثم تأمين البلاد من الوقوع في حبائل الاستعمار الجديد الذي يحاول العودة متنكراً بثوب اقتصادي أو ثقافي أو على شكل حلف سياسي عسكري ..
نجاح الثورة على الأنظمة الفاسدة يقاس بالقدرة على: تحطيم النظام القديم وإزالته بمؤسساته والاستيلاء على السلطة .. بناء النظام الجديد وبناء واستحداث ما يناسبه من مؤسسات بعقلية جديدة .. تأمين النجاح بحسن إدارة العلاقات بين فئات المجتمع المختلفة لعلاج الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بهدف الوصول إلى التقدم والتطور الذي يشبع رغبات ويحقق طموحات الشعب .. إنشاء جهازي أمن ودفاع جديدين ومسلحين تسليحا قوياً إن لم يكن أفضل من الجيش القديم فمثله وبكوادر جديدة تابعين لقيادة الثورة لمواجهة أطماع وأوهام العسكر .. وبدونهما لن تنجح أي ثورة وستكون معرضة للانقلاب عليها .. من الملاحظات المهمة هي ضرورة إخراج جميع الرتب العسكرية الكبيرة المعروف ولاؤها أو التي تم تربيتها تحت عين العدو .. من قيادة القوات المسلحة .. ودعم الجيش بعناصر سياسية من كوادر الثورة ..
***
العدوى الثورية:
ظاهرة تاريخية .. الثورات تنتشر بالعدوى حدث هذا في أوروبا كما حدث في الجزء الصيني من أسيا .. وأمريكا اللاتينية كما تجلى ذلك في الدول العربية .. فعندما تقع ثورة في بلد ما تنتقل العدوى الثورية إلى البلدان المجاورة مشجعة على خلق مناخ ثوري فيه .. خاصة إذا كانت مجموعة الدول المتجاورة تعاني من نفس الظروف التي ولدت الثورة الأولى ..
والعدوى الثورية تختلف عن تصدير الثورة .. فتصدير الثورة محاولة لنقل الثورة من بلد لآخر لم تنضج فيه الحالة الثورية بعد .. في حين أن العدوى هي انتقال طبيعي بين الدول لتشابه الواقع بينهم ..
 
مقاومة العدوى الثورية
تعاني الدول المجاورة لبلد الثورة من إمكانية انتقال الحالة الثورية لبلادها خاصة مع تشابه الظروف والمناخ .. فتعمل هذه الدول على دعم الأنظمة الساقطة .. ومساعدتها على مقاومة الثورة .. وقمعها .. وتوفر للأنظمة الساقطة السلاح والمال .. والبعد الإقليمي والمجهود الإعلامي .. لذلك نرى النظام السعودي والإماراتي .. واليهودي؟! تحالفوا على تقديم الدعم الإقليمي .. فقدموا السلاح والمال والدعم السياسي .. كما فتح بعضهم العديد من الفضائيات بهدف إسقاط الثورة واستعادة نظام مبارك .. وحاكم الكيان السعودي الآن وعلى لسان وزير خارجيته يطمئن نظام السيسي بتوفير الدعم المادي وتعويض البلاد عن الدعم الغربي الذي تم قطعه .. 
وهكذا تفعل الثورات في فضح الحلفاء .. فهل تأمل الأمة الإسلامية من وراء الكيان السعودي موقفا واضحا من القضية الفلسطينية .. لقد زايدوا في الرد واتخاذ المواقف ضد السادات .. ثم قدموا المبادرات والوعود .. وعلى رأسها مبادرة آل فرعون حاكم الرياض ..
 
في الختام:
الثورة .. تعتبر كالحرب عملاً عنيفاً مدمراً تتعرض فيه البلاد للنكبات والمآسي .. ولكنها تبقى رغم ذلك من العنف العادل ( على اعتبار أن الثورة المضادة عنف قمعي غير عادل ) الذي يستهدف تحرير الإنسان من القهر الوطني أو القهر السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي بعد فشل جميع السبل الأخرى للتحرر .. وتبقى الثورة رغم طابعها العنيف عملاً ضرورياً لكسر القشرة التي تمنع التقدم .. وإعطاء الشعب زخماً يساعده على الانطلاق نحو حياة أفضل .. ومستقبل حر وكريم ..
ولقد أدت الثورات إلى تحقيق منجزات ضخمة في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية .. وحررت شعوباً كثيرة من الاضطهاد والاستغلال .. وسمحت لها بالمشاركة في بناء حضارة العصر .. فكانت ( الثورة ) من هذه الزاوية عملاً حضارياً أفادت منه الإنسانية جمعاء ..
 
على هامش الثورة المصرية15:
الثورات وسيلة التغيير لدى الشعوب لا الجيوش .. الانقلابات العسكرية هي وسيلة التغيير لدى الجيوش لا الشعوب .. الجيش عندما يواجه المحتل فهو في حالة حرب لا ثورة .. والجيش عندما يواجه الشعب يكون في حالة فقدان وعي وولاء .. ويكون في حالة انقلاب عقلي وعسكري .. الثورة عادة تلبي مطالب ورغبات الشعب وتحقق طموحاته .. الانقلاب العسكري ينفذ أوامر الجهة التي تقف وراءه بقهر الشعب وتدمير أحلامه .. عقيدة الثورة السعي إلى الأمام وفق التطور الطبيعي لرغبات للشعوب ومرجعياتها العقدية ووفق شريعتها .. الانقلاب يسير بالبلاد للخلف وفق الهوس الدكتاتوري والشذوذ الفكري لقادة الانقلاب .. عادة ما يكون العنف في التحول الثوري أكبر منه في الانقلابات العسكرية .. كما جرت العادة أن العنف بعد الانقلاب العسكري لا يطاق ويكون أكثر دموية وبوسائل غير شريفة بهدف كسر إرادة الشعب .. المحاكمات في الثورات تقوم عادة على أساس عادل لمحاسبة المتسببين عن جرائم العهد السابق .. وفي الانقلاب العسكري فالمحاكمات تقوم على تهم باطلة وتكون عنيفة وحاسمة بغية التخلص من الرموز والكوادر .. العسكر لا تمكنهم قدراتهم الذهنية والنفسية من قيادة الأمة وتطويرها بقدر ما يدمرونها .. القيادات الإسلامية ( السياسية والتربوية والفكرية ) للثورات تلبي مطالب الشعوب وتحقق طموحاتها وتسعى لتطوير البلاد .. الانقلاب العسكري إذا كان ضمن وسائل الثورة المضادة يدخل البلاد في كارثة اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وعزلة داخلية وخارجية وأنهار من الدم .. وحالة من التخلف التاريخي تؤدي إلى انهيار البنية الأساسية للدولة وفقدان لعقدها الاجتماعي .. وقد تتحول لعدة إمارات صغيرة متشاكسة .. في عصر تجاوز الانشقاقات والتفتت وتحول إلى تحالفات واتحادات ضخمة ..
السؤال الذي يطرح نفسه .. ماذا حدث في مصر قبل وبعد يوم الـ25 من يناير؟ .. وهذا ينقلنا مباشرة لسؤال آخر  .. هل كان في الأفق مقدمات لثورة؟ .. فآثرت قيادة الدولة السياسية والأمنية افتعالها لإفشالها قبل نضجها .. كما حدث تماماً في انقلاب 23 يوليو 1952 من القرن الماضي .. أم أن قيادة الجيش هي التي أرادت أن تستفيد من مقدمات الثورة منطلقة من مناخ العدوى لثورة تونس فافتعلتها لتحقق مأربها .. ثم تضخم الأمر عليهم جميعا وخرج عن السيطرة .. وما تم بعدها من دخول قيادة الجيش على الخط الثوري وفرض الوصاية عليها .. ثم العبث بها وبكوادرها .. وحماية مؤسسات الدولة العميقة من أن تمس .. والوصول لحالة من التيه الثوري .. والعبث بما اخترعوه هم من تلمود أسموه بالدستور .. والتلاعب بالشعب في انتخابات واستفتاءات .. وبتنزيه الفاسدين وشيطنة المخلصين .. كل هذا يجعلنا نتساءل ماذا حدث قبل وبعد الخامس والعشرين من يناير في كواليس الدولة؟!! .
إن كان هناك سببين رئيسيين للفشل الثوري في مصر .. فأولهما: عدم وجود وحدة فكرية تناسب الشعب المسلم ليجتمع تحتها وتشكل له مرجعية ثابتة يأوي إليها عند الخلاف .. فتزيد من تماسك صف الثوار .. فالواقع كان متاهة فكرية ضل الثوار في ثناياها .. الثاني: فقدان الانتفاضة لقيادة تحركها وتنظمها .. وكان من المنطق أن تعمل الانتفاضة على إفراز قيادة حقيقة .. على القمة تواجد أبو إسماعيل كرمز أثار الكثير من الجدل وألهم الكثير من الثوار وأقلق الكثير من المتربصين .. وتواجد الإخوان كتنظيم يمكن القبول به مؤقتاً .. ومع ظهور حازم أبو إسماعيل من جيل الشباب الثوري كنموذج لإفراز الانتفاضة لقائد حقيقي .. لكن الرجل كان واضحا بشكل أحرج الشركاء في الانتفاضة من أصدقائه الإسلاميين أو من الحلفاء العلمانيين .. فتحالف عليه الشريك والصديق والعدو .. فالتحالفات على الانتفاضة بين القوى الخارجية ومؤسسات الدولة العميقة والتيارات التي ركبت على الانتفاضة علمانية ولبرالية وإسلامية هزمته .. واليوم وقد عادت أجواء الثورة مرة أخرى فعليهم أن ينتبهوا فيسدوا هذه الثغرة العظيمة ..
من الأسباب الرئيسية أيضا هو عدم وجود برنامج لبناء الدولة فالشعب كان يريد .. إسقاط النظام .. ثم .. عيش حرية عدالة اجتماعية .. كيف .. برنامج إسلامي؟ أم برنامج لبرالي؟ أم برنامج اشتراكي؟ .. دخلت الانتفاضة في متاهة .. ومع التمايز الذي حدث قبل وبعد الانقلاب .. وارتماء اللبراليين والديمقراطيين والاشتراكيين والناصريين في حضن الانقلاب .. لم يبق للشعب إلا الله والعودة إليه والثقة به .. ثم في التيار الإسلامي .. 
ولكن الوقت كان قد مضى لتأمين الانتفاضة .. كما أن المناخ لم يعد مناخ الانتفاضات السلمية .. أو حشد المتجمهرين في مدينة أو اثنين فقط .. لقد كان الحل الوحيد في هذه الحالة هو تفشي الاعتصام في كافة أنحاء الدولة .. والدعوة إلى عصيان مدني عام يعم الدولة كلها .. ولكن منصة رابعة تباطأت كثيراً في الأفكار الحركية وبالتالي في تنفيذها .. وانشغلت بالأجواء الإيمانية .. والمهرجانات الكلامية ..
من الأسباب الرئيسة أيضا التهاون مع مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها القضاء الفاسد .. الذي أفسد التجربة الثورية بعبثه الدستوري في إسقاط مؤسسات الثورة المنتخبة .. والأسوأ من عبثه قبول القوى الثورية لقراراته بدلا من رفضها والقضاء عليه .. وتستر القضاء على كل عتل زنيم من بلطجية المخابرات الحربية ووزارة الداخلية وأمن الدولة .. وأفرج عنهم وقضى على المخلصين بالحبس .. والأنكى والأسوأ هو قبول الثوار لهذا بردود فعل مؤسفة .. وانقسامات مخزية ..
لقد كان الأولى عندما اكتشفوا حقيقة القضاء .. ولتلافي هذا الضرر الفادح كان على الثوار بناء قضائهم الشرعي المنبثق من موروثاتهم الإسلامية .. وإحراق القضاء الحالي ودستوره في مستوعبات محارق التاريخ .. 
ومن الأسباب الرئيسية أيضا إهمال الحسم في العلاقات الخارجية .. وترك تحالف اليهود وحكام الكيان السعودي وصبيانه في الإمارات يتنافسون بأموال المسلمين في دعم النظام القديم .. وفتح قنوات لأبواق إعلامية فاسدة خلقاً وديناً للتحريض على الانقلاب .. والسينمائيين الذين سحروا أعين الناس .. بخدعهم وخداعهم وكلامهم المعسول .. 
إن سيل الدماء التي امتلأت بها أفواه التحالف اليهودي وحاكم الرياض وصبيانه في الخليج .. دافعٌ عظيم يحرض الثوار على تصدير ثورتهم لإسقاط هؤلاء المجرمين .. لتحرير شعوبهم 
 
أولاً .. ولتقتص للدماء المسلمة الطاهرة .. 
أما اليهود فيومهم قادم إن شاء الله لا محالة وأقسم على هذا .. كما أن عليهم أن يعاقبوا هذه الأبواق وهؤلاء السينمائيين بعنف وقسوة فأيديهم ملئ بالدماء الطاهرة وجيوبهم ملئ بالأموال النجسة .. وحكم هؤلاء وحكم كل من اصطف تحت راية السيسي أو دعمه بأي نوع من الدعم كان ولو بشق كلمة .. حكمهم حكم السيسي نفسه .. لا فرق بينهم .. وسواء كان من مصر أو جزيرة العرب أو غيرها من الأنظمة أو الجمعيات أو الهيئات أو المؤسسات أو الأفراد ..
ومن الأسباب الرئيسية أيضاً بقاء طبقة كبار الضباط على رأس الجيش بعد الثورة .. وهم طبقة لا تنتمي للشعب ولا تحمل همومه وطموحاته ولا تستشعر ألامه ولا آماله .. بل هم نتاج انتقاء والتقاط غربي لعناصر شاذة من الجيش قُدمت وربيت لخدمتهم .. وخدمة مصالحهم .. والشاهد أنهار الدم المنحدرة من رقبة الشعب المذبوح .. ولا دموع في عيون دنيا الديمقراطية ولا خجل من فعلهم .. فعلى الثوار أن يحاكموا هذه الطبقة أمام محكمتهم الثورية الشرعية وعقابهم بلا استئناف أو نقض .. فالشعب لم يرى منهم إلا الويلات والخيانة ورداءة الأخلاق ..
آمل أن التهاب الثورة الحالي ضد الانقلاب يستفيد من هذا الدرس: وأن يلتف حول قيادة مخلصة .. وأن ينتبه للعبث الذي أدخله فيه دعاة العلمانية واللبرالية وحواة السياسة من أمثال البرادعي ومخلفات ديمقراطية مبارك وأحزابها الكرتونية وتلون حمدين وموسى .. وأن يقطع ألسنة الأبواق الإعلامية التي أفسدت وحدته .. وعلى جموع الشعب المسلم أن تزيل مؤسسات16 الدولة العميقة وتقضي على الرتب الكبرى في الجيش فولاؤها لأعداء الأمة .. 
كان ينـ25ـاير انطلاقة لتحرر الشعب من كثير من المعتقدات والأوهام .. وكسرت العديد من القيود والمحظورات التي جعلت لعقله سقفاً لا يتجاوزه .. وأسقطت هيبة النظام وهالته من قلبها وعقلها .. وأزاحت الخوف من نفوس المصريين وغيرهم وأعادت لهم مشاعر الإحساس بآدميتهم .. ووضعت التيار الإسلامي أمام حقيقة تخاذله السابق عن نصرة المجاهدين أو الوقوف في وجه الطاغية وأسروا أنفسهم في تيه الفتنة ومصلحة الدعوة .. وما خرجوا منه!! على أمل أن ينبغ جيل جديد .. 
ورغم كل الارتدادات الحالية منذ الثالث من يوليو إلا أن الشعب عرف دروب النجاح وعرف أسباب الفشل .. وقادم الأيام إنشاء الله له لا عليه .. ومهما أثقله الأعداء بنكبات ومآسي فالشعب إن صمد وصبر في تقديم التضحيات .. واتبع سبيل المؤمنين .. إن شاء الله وفقه الله ليحقق طموحه .. "بإسقاط الانقلاب وتحرير البلاد من التبعية الغربية .. ولبناء نظام على أساس توجيهات رب السماوات والأرض في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية أي نظام رأسمالي تكافلي مع حكم إسلامي حقيقي" .. 
بـيَّن انقلاب الثالث من يوليو حقيقة بعض الشرائح المنتسبة زوراً وبهتاناً للتيار الإسلامي أولاً والأمة ثانياً .. فهم ممن اصطفوا تحت راية السيسي .. وتحالفوا معهم على الإسلام أولاً .. وهم من العدو فاحذروهم .. تيار سلفية "الحاخام ياسر برهامي" وتيار المداخلة .. فضحهم الله أجمعين .. ولن ينالوا من السيسي خيراً في الدنياً .. وإن شاء الله في الآخرة لهم من الله ما يستحقون .. 
أضاف انقلاب الثالث من يوليو نتائج مهمة أيضاً .. تعرف الشعب على حقيقة العسكر الذين نهبوه وسخروه طوال 60 سنة .. فأدرك على من تكون انتفاضته القادمة .. انتبه لأخطائه في 25 يناير ولن يكررها إن شاء الله .. تعلم من أسلوب الانقلابيين كيف يسيطر على مفاصل الدولة .. وهي دروس ما كان ليفهمها كما بينتها التجربة العملية .. خاصة أنه دفع ثمن هذا الدرس أنهاراً من دمه ..
أوجد خطف الرئيس محمد مرسي أرضية تحالف قوية بين الشعب والتيار الإسلامي .. كما فعَّل نوع تآلف بين شرائح التيار الإسلامي لمواجهة هذا الصائل الذي لن يترك أي منهم .. 
هذا التفاعل والتمازج إن كتب له التوفيق آمل أن يكون مدخل لحالة من التوافق بين شرائح التيار الإسلامي تعالج فيه مسائل ورؤى التغيير المتباينة .. فالمناخ الثوري الجهادي أكثر صحة وحركة من مناخ السجن والأسر .. والله الموفق.
ولا أنسى قبل مغادرة المقالة أن أشير في هذه العجالة لدور القوى الدولية17 في الصراع مع الشعب والدين ونظرتهم لهما كجسم واحد هو المسلمون .. فالحروب الحالية التي تشنها علينا أمريكا وإسرائيل وحلف الناتو .. والحروب المستقبلية التي تلوح في الأفق .. تتعرض شعوبنا فيها لحملة إبادة حقيقية .. بوتيرة متفاوتة من مكان إلى آخر .. ومن وقت إلى آخر .. لكنها حملة ماضية بكل عزم في طريقها .. إن مسئولية الدفاع عن الأمة تقع على الأمة نفسها .. وعلى أبنائها من المطاريد .. لأن الأنظمة والحكومات القائمة  كما بات معلوما للجميع هي طليعة لقوات الغزو الغربي علينا .. وجيوشها هي يده الممدودة إلينا بالبطش والتنكيل المبكر .. لتحطيم مقاومتنا وتكبيلنا أمام الهجوم حتى يفرضوا علينا الهزيمة والاستسلام.
هذه الأنظمة يجب إقصاؤها بأي وسيلة ممكنة .. ومحاكمة مسؤوليها على جرائمهم في حق الدين أولاً لأنه المرجعية التي ما تحركوا إلا لنزعها من قلوب الناس .. وثانياً الشعب .. الذي مصوا دمائه بجرائم الفساد والسرقة والقتل .. والتعاون مع العدو الأجنبي .. وخيانة الشعب والدين والوطن .. والإفساد المتعمد للبلاد والأخلاق والبيئة والاقتصاد والتعليم والصحة العامة .. ثم الدفاع والأمن اللذان تحولا إلى خدمة أعداءنا في الخارج وليس حماية الوطن والدفاع عنه.
على مصر حتى تتحرر ويكون قرارها بيد أبنائها وفق بناء تغييري متكامل أن تعد نفسها للقيام بثورة تشمل ثلاث ميادين .. الميدان الأول على الدولة العميقة وانقلابها .. والثاني على التدخل الإقليمي .. والثالث على التدخل العالمي .. فإذا وفقت فيهم فهي مضطرة لأن تخوض حربين مفروضتين لا خيار لها .. استكمالاً للثورات أو تطويراً لها .. فالأولى على التدخل الإقليمي.. والثانية على التدخل العالمي .. ولن أجادل في نوع أو أسلوب أو وسائل الحرب أو الثورات .. فنوعها ينبع منا .. ومن إصرار العدو على إبادتنا .. والعمل الثوري أو الحربي هو علم وفن وموهبة .. وهما سياسة واقتصاد وقتال .. المهم كيف؟ وأين؟ ومتى؟ وضد من؟ .. وتفسير هذه الفقرة سيكون إن شاء الله في مقال آخر ..
ولا يفوتني أن ألخص المقال في ثلاث جمل فقط: لا يمكن تصور حدوث تغيير أو تحول ( إسلامي ) للنظام دون ثورة مسلحة .. ولا يوجد احتمال لاستسلام النظام دون مقاومة مسلحة .. كما لا يوجد احتمال أن يُهزم النظام دون اللجوء إلى الحرب المضادة للثورة ..
***
انتهينا في هذه المقالة السريعة من التعريف بالثورة .. قبل دقائق من إخراج مبارك من سجن طره .. المقال القادم إن شاء الله في الانتفاضة الشعبية  .. والذي يليه في الثورة المضادة .. وأخيراً حرب العصابات
عابر سبيل
14 شوال 1434هـ - 22 أغسطس 2013م
اقتبس في المقال جمل من:
الموسوعة العسكرية  - كتاب حرب المطاريد 
في الثقافة الثورية (2)
الانتفاضة الشعبية (المسلحة)
هي تحرك عنيف من جانب الشعب .. وقد تسلحت منه مجموعات .. لاستخلاص السلطة من أيدي فئات تفرض أوضاعاً جائرة على الغالبية العظمى من الشعب .. سواء كانت هذه الفئات منتمية للبلد أو غريبة عنه .. وسواء كانت هذه الأوضاع عقدية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية أو عسكرية .. وفي حال نجاحها تفرض سلطة جديدة ..
الانتفاضة ليست عملا عسكريا بحتا .. ولكنها حركة ثورية قوية .. وعمل سياسي - عسكري .. وهي فن وعلم .. فن يعتمد على موهبة وحساسية القيادة .. سواء في الإعداد لها سياسيا وعسكريا .. أو في اختيار لحظة البدء التاريخية .. كما أنها علم له قواعد ودورات دراسية ..
تتبع الانتفاضة قواعد الفن العسكري .. وتعتمد وجود خطة عسكرية ذات طابع هجومي .. وهي تتطلب من المجموعة القيادية حزب كانت أو جماعة بطولة وتضحية .. وفهماً أمنياً عميقاً لكل أدوات وحيل النظام الحاكم .. كما تتطلب منهم خططاً مرنة وقيادة حازمة .. 
خاصة في هذا الزمان الذي تطورت فيه وسائل القمع .. وتضخمت أجهزة الأمن والرقابة .. وتعاونت على سحقها الدول وفق مصالحها بشكل سافر .. وليس مبادئ (وهم) الماضي التي روجوها عن أنفسهم من نصرة الشعوب المسحوقة ضد الاستبداد بكل أشكاله .. وحقوق الإنسان .. فمع عصر التقنية والفضائيات والهاتف المحمول والإنترنت .. ارتفع مستوى الثقافة لدي البشر .. وسقطت الأقنعة وظهر مدى قبح الوجوه .. خمدت روسيا بوجهها البغيض مع تحلل الاتحاد السوفيتي .. والعالم المستبد يرقص على ألحان أمريكية .. يعزفون بالرصاص ويؤدون رقصة الموت في محراب الحرية .. يا لها من سخرية .. أمريكا تدعم وتمول دكتاتورية العسكر ضد شعبهم بل وتحرضهم على القتل وبقسوة .. وتشجعهم على استخدام فرق القتل المحترفة بلا رحمة في إبادة الشعوب .. وكأنهم قد ورثوها من "بابك الخرمي" .. وتتباكى بدموع التماسيح ليس على الشعوب ولكن على أرباحها المعطلة ..
الدور الدولي بات ينصر من يخدم عقيدته ( المصلحة والانتهازية ) حتى لو كانت أقلية وافدة على البلاد طالما أنها تحمي مصالحه .. ويقف ضد عقيدة أغلب الشعب الذي يطمع في استقلال بلاده استقلالاً حقيقياً .. فالدول القوية سوف تخسر ما تجنيه من مكاسب وتدخل في أزماتها الحقيقية .. وتعيش مع شعوبها هزات قد تؤدي إلى تقسيمها أو زوالها .. حال استقلال الدول التي تسيطر عليها .. 
في الثورات العربية الحديثة في مطلع القـ21ــرن عجائب وغرائب .. منها أن المجلس العسكري المصري يتولى قيادة الثورة .. رغم أن الثورة في مضمونها قامت ضد العسكر وحكمهم .. وعما قليل سيكتشفون أن الثورة في أصلها كانت ضد القوى الأجنبية (أمريكا) ووكيلها (العسكر) .. ورغم ذلك تولى العسكر قيادة الثورة؟!! .. ومنها ما صارت إليه الأمور في اليمن .. فالذي يقف في خلفية الصورة اليمنية هو النظام السعودي الذي يعمل على إذلال الشعب اليمني بكل صور القهر .. إلا أن النظام السعودي هو الذي تولى علاج القضية اليمنية .. واختار شاويش آخر لقيادة اليمن تحت وصايتهم .. وكان أكثر ما أثار العجب في تاريخ الانتفاضات .. استدعاء الثوار في ليبيا للغرب لمساعدتهم .. ولا يخفى على أحد ما للغرب من أطماع في بلد يطفوا على بحيرة من النفط مع قلة سكانية منتشرة على مساحة ضخمة .. ناهيك عن أن النظام القبيح الذي يقاتله الثوار هو وكيل عن قوى خارجية ..
والخلاصة في عجائب ثورات القرن أن الذين قامت ضدهم الثورة هم الذين تولوا قيادتها في مرحلة لاحقة .. وأعادوا الأمور إلى سابق عهدها .. وانتهى الزخم الجماهيري إلى لا شيء ..
هذا يقودنا بالضرورة إلى وقفة مع التعريف:
 
1- لماذا تحرك عنيف؟! .. 
أدرك الشعب من خلال تجاربه السابقة أن استخدام القوة أصبح ضرورة كأداة للتغيير لا يمكن النجاح بدونها .. كما بنيت هذه العقيدة على أساس أن القوة القديمة والتي ترفض التغيير لا تتنحى جانباً مرحبةً بالقوى الثورية .. إن النظام القديم يرغم الثوار على ذلك إرغاماً ومثاله الحي الآن هو ( الثورة الليبية 2011 ) .. فقد كان رد فعل نظام القذافي وأبناءه في مواجهة انتفاضة سلمية بحرب استئصال وعمليات انتقام وحشية .. وأدار آلات القتل من جيش وشرطة على الشعب الأعزل .. وزاد في غيه فاستأجر مرتزقة لاغتصاب النساء وقتل الرجال .. فلم يعد أمام الثوار إلا خيارين: إما أن يقاتلوا .. أو يبادوا ..  
ولهذا يتحرك الثوار في هذا النوع من الثورات من أجل أهداف محددة .. فهم لا يكتفون باستلام السلطة وأدواتها .. ولكن مهمتهم هي تحطيم مؤسسات الدولة كشرط لنجاح ثورتهم .. فالدور الخطير الذي تلعبه مؤسسات الدولة العميقة في الثورة المضادة أصبح واضحاً تماما من خلال تجربة الثورة المصرية التي تغافلت عن تحطيم المؤسسات العميقة ولم تحاسبها وعمدت للتصالح معها .. حدث هذا في لحظة التنحي التاريخية لقمة النظام السياسي ( تنحي مبارك فبراير 2011 ) .. حيث استلمت المؤسسة العسكرية القيادة .. القيادة السياسية للبلاد والقيادة الثورية للثورة!! .. وتبعها الشعب .. لتسقط ثورته بعد ذلك في منتصف ( 2013 انقلاب السيسي ) .. بعدما أسقطت المؤسسات المنتخبة من قبل الشعب واحدة تلو الأخرى!! .. باختصار المجلس العسكري المصري قام بدور الطليعة المسلحة للثورة ودور القيادة السياسية .. وهذا قمة العجب في ما يسمى ثورات الربيع العربي ..
ما حدث في مصر هو درس لا يصح أن يمر أمام أعين الشعوب دون النظر العميق والتحليل الدقيق لكل مراحله .. في بداية الانتفاضة ومسيرتها ونهايتها .. وقد استعرضنا جزء من ذلك في سلسلة مقالات بعنوان "يا ما في الجراب يا حاوي" .. فيرجع إليها ..
 
2- الطليعة المسلحة: 
هذا العنصر يؤكد على أسبقية اختيار قرار القيام بانتفاضة مسلحة في عقلية القيادة .. وكل الخطوات التالية تعتمد على هذا القرار .. فالإعداد والتجنيد والوسائل التي يتم تحضيرها والخطط التي تناقش .. وتجهيز نفسية الشعب والتوجيهات والقصص والأدبيات .. تدور كلها حول استرداد الحقوق بالقوة .. وأي قوة عادلة كانت أو ظالمة لا تتحرك إلا من خلال تغطية سياسية .. والدعوات الصالحة تحركها الأولي هو تحرك سياسي .. ثم يتطور تدريجيا وفقا للخطة والظروف المصاحبة لها ..
الجماعة أو التجمع أو الجبهة التي تقرر قيادتها القيام بانتفاضة مسلحة .. يلزمها أن تكرس كل جهودها للإعداد لها .. والبدء بمرحلة جدية في حياة الجماعة ونشاطاتها .. وتجهيز مجموعات يتم تدريبها سياسياً وأمنياً وعسكرياً وعقدياً .. لتمارس العمل المسلح في وقته .. إن لحظة اتخاذ هذا القرار (الانتفاضة المسلحة) مهمة وحاسمة .. تماماً كلحظة اتخاذ قرار البدء بشن الانتفاضة .. فالعمل العسكري لا يمكن ارتجاله أبداً في الانتفاضة .. ولا بد من الإعداد له بشكل منهجي كامل طويل .. وأي إهمال أو تقصير في هذا المضمار يؤدي إلى الفشل حتى لو كانت الظروف السياسية مواتية .. أما التراجع وتغير الإستراتيجية فهو النهاية وستكون قاسية ومؤلمة.
الطليعة هي عنوان الانتفاضة وقوتها الضاربة .. وبحسب قوة وتماسك هذه الطليعة يكون شكل الدولة المستقبلية .. فإن كانت الطليعة مؤهلة للتعامل مع قضيتها بمثالية ودقة فهكذا تكون الدولة .. وإن كانت ارتجالية ومشتتة وقاسية وعنيفة بلا عقل أو أيدلوجية توجهها فإذا قدر لها النجاح فهكذا تكون دولتها .. ولهذا يجب الاهتمام بها وبذل قصارى الجهد والوقت لإعدادها ..
 
3- الهدف تدمير السلطة القائمة: 
يسبق الانتفاضة إعداد شعبي واسع لتهيئة الجماهير وتعبئتها .. بهدف نقلها إلى مستويات ومراحل من التضحيات والقتال أعلى .. فالبداية دائما تكون بإطلاق الشعارات والإضرابات والتظاهرات والاعتصام .. ثم تنظيم فئات الشعب خاصة تلك المنضوية تحت لواء الجماعة في وحدات قتالية .. وتجعلها رأس الحربة تنضم على إثر ضرباتها الجماهير تباعاً .. كما أن هذه المجموعات هي التي سوف تتقدم الشعب عند البدء بهدف تدمير القوات العسكرية المضادة وتجريدها من السلاح والمواقع الحيوية .. كما تعمل هذه الطليعة على المؤسسات القوية ( مقر قيادة الجيش والأركان ) وعلى المؤسسات الحكومية ( وزارة الداخلية ومراكز القمع الأمني من مقار أمن الدولة ومراكز الشرطة والسجون والمعتقلات السرية والوزارات والإدارات الحكومية كالمحكمة الدستورية ودار القضاء وما يتعلق بالوزارات من أندية خدمية وخلافه ) .. كما تعمل على السيطرة على المؤسسات الاقتصادية ( الغرف التجارية والبورصات والبنوك والشركات الكبيرة والمصانع ...الخ ) والمؤسسات الخدمية ( محطات القطار والباصات ومراكز البريد والهاتف وشبكات المياه والكهرباء والكباري والجسور الحيوية ...الخ ) والمؤسسات الإعلامية ( التلفاز والإذاعة والفضائيات خاصة المناوئة ومقار الصحف والمطابع ...الخ ) .. والمتطوعين ( مراكز وحدات المتطوعين لنصرة النظام خاصة تلك التي توفرها الكنائس بشكل سري ...الخ) .. كما لا تخلوا الأهداف من الجانب الشخصي المحصور في اغتيال وخطف الشخصيات ( القيادات السياسية .. العسكرية .. قادة وعناصر القمع الأمني .. الجواسيس والمخبرين في طليعة عمليات الاغتيال لإعماء النظام .. رجال الدين المسيحي ورجال الأعمال والإعلاميين والسينمائيين المتورطين مع النظام .. الذين يفتون بقتل المتظاهرين والمجاهدين ويسوغون للنظام فعاله من المنتسبين للإسلام سواء كانوا رسميين أو غير رسميين ) .. محصلة الأهداف في النهاية تجرد الدولة من مصادر قوتها .. 
هذه الطليعة تعوض خسائرها من خلال الشعب .. الذي يوفر لها دائما الدعم بالمال والرجال .. الشعب يقدم الدعم الكامل لكل احتياجات الانتفاضة .. التي يجب أن تكون منتشرة في كل أنحاء الدولة ..
ويكون الشعب وقيادته وطليعتهما في منتهى الحساسية والحزم .. تجاه أي تدخل خارجي سواء كان معادي أو مؤيد راغباً في احتواء ثمرة جهود الانتفاضة .. فيتعامل بمنتهى العنف والحزم مع أي مؤشرات تهدف إلى القضاء على انتفاضته .. والعناصر الأجنبية على أرض البلد هدف .. يتم التعامل معه بحكمة واقتدار لردع التدخل الخارجي .. 
التدخل الخارجي الوحيد المسموح به وبحذر شديد .. هو ما كان له نفس البعد العقدي .. ونموذجه الأمثل هو التعاطف والتمويل الشعبي الإسلامي من كافة الدول الإسلامية .. كذلك الإمداد بالرجال والسلاح .. وأيضاً التنظيمات الإسلامية التي تتبنى نهج التغيير وقدمت في سبيل ذلك ما يدل على حقيقة هويتها .. 
الحذر كل الحذر من الحكومات في الدول الإسلامية فهي لا تزال وكيلة عن المستعمر الأجنبي .. كما أن خشيتها من عدوى الثورة تجعلها تعمل وبخبث ضد الانتفاضة وقيادتها .. ولا تدخر في سبيل هدمها شيء ..
 
4- الخصم الظاهر والخصوم في خلفية المشهد:
 لا بد من التعرف على الخصم بشكل دقيق .. لمعرفة أسلوبه وردود فعله هذا من طرف .. ومن طرف آخر اختيار الأسلوب الأمثل للعمل عليه ..
العمل الثوري الذي يتطور تاريخياً وبشكل طبيعي .. يتولد من خلال مناخ من الظلم والاستبداد .. يفرز قيادة تشكل حزب أو جماعة أو نواة .. تتلمس سبل خلاص الشعب من معاناته .. من خلال دراسة العديد من العناصر: "الشعب وطبيعته وتاريخه في البذل والتضحية .. قدرة الشعب على التحمل .. نسبة الشباب بالنسبة لأغلبية الشعب .. جغرافيا البلاد .. مدى التفتت في النظام الحاكم .. القوات المسلحة وموقفها التاريخي .. الأمن الداخلي وتعامله ضد انتفاضات سابقة .. الأسلحة المتوفرة في أيدي الأمن والقوات المسلحة .. مدى تغلغل المخابرات في الشعب .. طبيعة العلاقات الداخلية بين رجال المال والسلطة .. وبين الزعامات الشعبية والسياسيين .. وبين الطبقات المختلفة ومدى تماسك المجتمع .. حجم الظلم والتعاسة التي تعيشها الشعوب .. مدى التنافس على السلطة بين المؤسسات القوية في الدولة .. السياسات التي يمرر بها النظام الأزمات الداخلية .. الوضع الاقتصادي للبلاد .. حجم المدن مساحة وسكاناً وأهميتها الاقتصادية .. هامش التحرك والتحييد للثوار بين متناقضات النظام .. قدرة النظام على استدعاء حلفاؤه في الإقليم .. رد الفعل المتوقع على الانتفاضة من دول الجوار التي تعيش شعوبها نفس الأزمات .. تفاعل الحكومات المنفتحة على شعوبها ومدى دعمها للانتفاضة .. الطبيعة الطبوغرافية للإقليم .. المضايق والمعابر البحرية التي تهم العالم أجمع .. وجود كيان معادي في المنطقة وتخوفاته من انتماءات القائمين على الانتفاضة .. مدى أهمية المنطقة جغرافيا للقوى المسماة عظمى .. حجم الثروات الموجودة والمتوقعة في البلاد والتي تهم القوى الدولية .. مدى التدخل الخارجي ووضوحه للشعب .. القوة الناعمة للدولة محل الانتفاضة وتأثيرها على الوضعين الإقليمي والعالمي ...الخ .. باختصار يتعين دراسة موازين القوة المحلية وموازين القوة الإقليمية وموازين القوة الدولية باستفاضة للتعرف على الأخطار ونقاط الضعف والقوة التي تسهم في نجاح الانتفاضة" .. وبدراسة هذه العناصر دراسة متمهلة يتحدد أمرين: 
 
الأول: العدو الحقيقي وأذنابه ..
ثانياً: اتخاذ القرار المناسب بشأن أسلوب التغيير الذي سيمارسه الثوار لاستلام الحكم  " انتفاضة سلمية .. أم مسلحة .. حرب عصابات ...الخ" ..
أعمال الانتفاضة المسلحة توجه عادة على المستوى المحلي وقد تتخطاه أحيناً للمستوى الإقليمي .. ومن هنا تنبع أهمية الدور الكبير الذي تقوم به القاعدة .. في ممارسة العمليات الخارجية على البعد الدولي في المعادلة .. والتي تصب بالدرجة الأولى في مصلحة الدول الثورية .. 
يجب أن نؤكد على أن الدول المعاصرة هي الأخرى قد درست أنواع الثورات والحروب .. ووضعت لها الحلول المناسبة لكل صنف .. من أجل إجهاضها في بدايتها أو إفشالها في أي مرحلة لاحقة .. أو القضاء عليها بالعنف الهمجي القاسي بهدف الإبادة والاستئصال .. وقد قامت بإعداد أجهزتها الحكومية والأمنية والقمعية بشكل مرن وفعال لمجابهة الانتفاضة المسلحة .. فنحن لا نعمل في الفراغ .. وكما نبذل فالخصم أيضاً يفعل .. والانتفاضة كفن قد يلف فيه القائمين عليها قبل الدفن .. خاصة إذا كانت الانتفاضة جزئية غير شاملة .. وكانت محدودة لا تمتد على طول البلاد وعرضها .. من هنا وجب التحذير للاهتمام ومتابعة النشاط الديناميكي بحيوية ..
وكمثال عن النظام في حالة الثورة المصرية فقد تشكل على المستوى المحلي من: "النظام السياسي .. مؤسسات الدولة من قوات مسلحة ومخابرات وقضاء وأمن وإعلام ...الخ .. والمؤسسات الدينية الأزهر والكنيسة .. ورجال الأعمال ومؤسساتهم الإعلامية .. ومؤسسة السينما .. والأحزاب السياسية التي تلعب دور المعارضة الافتراضية مثل حزب النور والوفد وجبهة الإنقاذ ...الخ" .. أما على المستوى الإقليمي التحالف18 بين اليهود وحاكم الرياض وحكام الأمارات والأردن والكويت .. وعلى المستوى الدولي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي .. أما الذين تحالفوا مع الثوار فكانوا الشعوب الإسلامية دولياً .. وتركيا وقطاع غزة وإمارة قطر والشعوب العربية إقليمياً .. التيار الإسلامي وشرائح من عوام الشعب المصري محلياً ..
 
5- مقومات النجاح والبناء 
من أهم أسباب نجاح الانتفاضة هو وجود الوضع الثوري .. والذي يستدل عليه من: تفتت المجموعة الحاكمة وتزايد تناقضاتها .. تزايد حرمان الطبقات المسحوقة إلى حد يصبح البقاء فيه غير مقبول .. الآثار المترتبة على ما سبق والتي تعصف بالشعوب فتدفعها لانتزاع حقوقها من مغتصبيه ..  
كما أن هذه الشعوب يجب أن تكون مؤهلة للقيام بأعمال تزلزل كيان النظام .. فالأنظمة المنهارة في ذروة أزماتها لا تسقط حتى تمتد لها يد لتسقطها .. ولهذا فلا بد أن يسبق الانتفاضة توعية وإعداد للشعب لنقله دائما إلى مستويات أقوى في التضحية .. فمن طرح الشعارات والأناشيد الثورية .. والنكات والاستهزاء بالنظام ورموزه .. إلى المظاهرات والإضرابات والاعتصام .. إلى العمل المسلح .. إلى انتزاع السلطة .. إلى تطهير الدولة .. وتحصينها .. ثم إلى البناء .. وقد تكلمنا عنه في المقالة الأولى ..
هذه الجماهير يجب أن تكون حاضرة عند نقطة البدء .. التي لا يستطيع كائن من كان أن يحدد لها وقتاً تنطلق فيه .. وإنما هي اختيار اللحظة التاريخية .. عند توفر مؤشراتها .. والتي تستشعرها قيادة مؤهلة وموهوبة وحساسة لنبض الشعب ..
 
6- القيادة التاريخية:
القيادة يفرزها مناخ التغيير .. وتولد من رحم أخصبته موروثاته الحضارية .. بها تشبعت ومنه انطلقت .. وينضم لها قيادات شابة خلال المسيرة الثورية .. سرعان ما تنضج وتتسلم الراية .. وتدور عجلة الزمان فتسلمها لغيرها ..
يأتي على قمة الانتفاضة المسلحة حزب أو جماعة كبيرة متماسكة عقائدياً وتنظيمياً .. تمثل قيادة الانتفاضة .. وعندما يثمر مجهودها في إعداد الشعب .. فتشتعل في صدره رغبة أولية في الصراع .. وعندما يعي ملايين الرجال والنساء استحالة العيش في ظل الحكم القائم .. ويقفون على أهبة الاستعداد لتقديم التضحيات .. يصبح دور الحزب أو الجماعة: اختيار اللحظة الملائمة لشن الهجوم على الخصم .. وقيادة الشعب بحكمة نحو مواقع القتال الأساسية .. وقيادة المعركة سياسياً وعسكرياً وأمنياً خلال المواجهات العنيفة .. 
لا شك أن بروز عناصر قيادية تتحمل أمانة التغيير وتلبي مطالب الشعب وقيادة المسيرة بنجاح .. هي قيادة فذة وتصنف ضمن عباقرة السياسة ورموز التغيير .. وحق لها أن تكون كذلك .. وتكمن عبقريتها في نقطتين: اختيار نوع الصراع ووقت البدء .. لأن التبكير في العمل قبل الوقت المناسب يجهض الانتفاضة .. والتأخير في العمل يفوت الفرصة ..
في الانتفاضة المسلحة يجب أن تتسم القيادة بالحكمة .. ويتضح هذا من حسن فهمها لمعنى الذاتية والموضوعية .. ومن ثم حسن إدارتها للصراع .. باختيارها لحظة الإعداد .. والإعداد المكثف .. والتحضير الجيد للطليعة والشعب في انتظار لحظة البدء .. التي تختار بحكمة ودراية .. ودون تردد أو تسرع .. وما أن تندلع حتى تكون طليعتها في المقدمة .. وتأخذ دورها القيادي بكل بطولة وشجاعة .. وقيادة الصراع بحزم وإقدام .. 
استثناء في الانتفاضة المسلحة:
وهنا ينطلق سؤال صارخ .. في حالة انطلاق الشعب في انتفاضة مسلحة عفوية قبل الأوان كما حدث في ( فينا عام 1927 ) .. والسؤال هو: كيف تتصرف قيادة الانتفاضة؟!! .. ماذا تفعل؟!! .. هل تغلب المصلحة أم المبادئ؟ .. المصلحة تقتضي الحكمة في عدم الدخول إلى معركة لم تكتمل أركانها .. والمبادئ تلزم من دعا وروج وحرض أن يقف في مقدمة المنتفضين.
من الأفضل أن يجاب على السؤال بسؤال: أين الشعب؟ .. وعلى قيادة الانتفاضة أن تقف معه .. في عام (1870) حذرت قيادة الثورة الشعب من المبادرة للانتفاضة .. لكن ما أن بدأت الانتفاضة حتى وقفوا إلى جوار الثوار وقالوا "مهما يكن مصير الانتفاضة الباريسية .. وحتى لو سحقتها الذئاب والخنازير والكلاب القذرة في المجتمع القديم .. فإنها ستبقى عملاً من أمجد أعمال حزبنا" .. وقد تكرر نفس المشهد في الانتفاضة الروسية (1917) إذ رفض البعض قائلاً أن الوقت لم يحن بعد .. وما أن نزلت الجماهير للشارع حتى وجدوا أنفسهم بينهم ..
أسباب تحول الانتفاضة الشعبية السلمية أو تطور الثورة إلى انتفاضة مسلحة:
الانتفاضة المسلحة تنشأ مسلحة .. ولكن في حالات خاصة تتحول فيها الانتفاضة السلمية إلى انتفاضة مسلحة .. أو تحرم الثورة من التطور الطبيعي فتتحول إلى انتفاضة مسلحة .. بسبب رد الفعل العنيف والقمع الوحشي .. 
لماذا تجابه الانتفاضة برد فعل عنيف ووحشي؟!! .. يرى بعض المتخصصين أن سبب رد الفعل العنيف والقمع الوحشي الذي يجبر الانتفاضة الشعبية أن تتحول إلى انتفاضة شعبية مسلحة .. يرجع إلى مدى مساهمة الشعب في الدورة الاقتصادية العالمية .. في الحالات التالية: 
أولاً: إذا كانت الدولة ضعيفة اقتصاديا وغير صناعية .. ومتخلفة اقتصاديا إلى درجة أن العاصمة لا تمثل قيمة اقتصادية كبيرة بحيث أن تكبيلها بعصيان مدني لا يؤثر كثيرا على الوضع الاقتصادي للدولة .. وبالتالي استقرار النظام .. حيث أن الدولة تعتمد على موارد مثل بيع النفط أو المساعدات الخارجية .. ( ليبيا - اليمن والأردن ) .. فإن الثورة الشعبية ستجابه بالمجازر ..
ثانياً: إذا كانت الدولة متطورة صناعيا والعاصمة أيضا قوية .. ولكن الدولة واقعة تحت احتلال أجنبي مصمم على البقاء .. وما زالت البلاد تمثل قيمة كبيرة لديه .. فإن الثورة الشعبية ستجابه بالمجازر ..
في تلك الحالات يجد الثوار أنفسهم أمام اختيار إجباري باستخدام السلاح المتاح بين أيديهم دفاعا عن أنفسهم .. وتتحول الثورة أو الانتفاضة السلمية إلى "الثورة الشعبية المسلحة" أو "الانتفاضة المسلحة" .. ميدانها الأساسي هو شوارع العاصمة والمدن .. فإذا كان جيش الطاغية قويا بما فيه الكفاية أو قوات الاحتلال متشبثة باحتلالها .. تحول الأمر إلى مجازر وحمام دم تزهق فيه آلاف الأرواح من أبناء الشعب ( روسيا 1905 – الجزائر 1945 ) .. أما إذا كان الجيش ضعيفا .. فيمكن أن تتقدم الثورة وتحرز نجاحا وقد يصلون إلى الحكم .. كما حدث مع حركة طالبان في أفغانستان في زحفها المسلح نحو العاصمة الذي استغرق عامين (94- 1996) .. 
وحتى إذا كانت الدولة صناعية ولكن انتفاضتها عشوائية وغير منظمة .. بينما يتمتع النظام بحلفاء أقوياء مستعدون لاستخدام القوة لحمايته من ثورة عشوائية لا يمكنها الصمود ولا تتمتع بقيادة جيدة .. فإن الانتفاضة ستجابه بالقمع العنيف وتفشل (ثورة المجر 1956 وثورة تشيكوسلوفاكيا عام 1968)19 .. وهكذا هي الثورات .. ما لم تتوفر لها قيادة مقتدرة .. تحولت إلى وبال على الشعب .. ونكسة عظمى في أوضاعه ..
الخطر الحقيقي على الثورات والانتفاضات (سلمية أو مسلحة) :
أولاً: رد فعل النظام والجيش .. ويكون بحسب المشاركة الشعبية في الاقتصاد كما أسلفنا في الفقرة السابقة ..
ثانياً: قدرة الثورة المضادة على استعادة النظام .. راجع المقالة الأولى والتالية: "محاضرة في الثورة" .. "الثورة المضادة" ..
ثالثاً: الدور الدولي .. من أهم عوامل إجهاض الانتفاضات هو المجهود "الواعي والراقي تقنيا" الذي تبذله أجهزة مخابرات الولايات المتحدة الأمريكية .. فأمريكا المستفيد الأول من بقاء الوضع على ما هو عليه .. وعلى حد تعبير وزيرة خارجيتها الذي يشمل حسني مبارك ونظامه وكل من عمل لهم .. قالت: "إن الحذاء القديم أكثر راحة" .. هكذا شبهت الأنظمة العميلة بالأحذية القديمة .. وهي لم تكن تعني مبارك كشخص وإنما الجيش المصري كمؤسسة مهترئة ولكنها أكثر راحة  من أي قادم جديد .. 
فالولايات المتحدة الأمريكية كسيدة ترعى مصالحها .. تضمن أمن وسلامة بعض الأنظمة في المنطقة العربية والإسلامية .. فتتحسس بعمق المشاعر الشعبية وتفاعلاتها مع الأنظمة والأزمات .. أيا ما يكون نوع الأزمة ( شرعية .. أخلاقية .. اجتماعية .. أمنية .. سياسية .. اقتصادية ) وتقوم بقياس نبض الشعب وحرارة غضبه .. فإذا ما تيقنت عن نمو روح الثورة وقرب الغليان .. بادرت لإخراج الشعب إلى الطرقات .. وتحركه لإجهاض الثورة قبل أن تتطور طبيعيا .. فلا تسمح للثورة أن تستكمل عناصر نجاحها .. وتقوم بإحباطها والقضاء عليها .. وقد تختلف أساليب إجهاضها .. وفي نهاية التجربة سواء كانت الانتفاضة سلمية أو مسلحة .. تسعى أمريكا لتحقيق عدة أهداف:-
الأول: تأديب الشعب على قيامة بالثورة وجعله عبرة لغيره من الشعوب .. الثاني: إحباطه وإذلاله وتدمير الغيرة فيه وإخضاعه حتى لا يقوم بهكذا عمل مرة أخرى .. 
الثالث: تدمير بنيته الاجتماعية بشكل لا يسمح له بمعاودة العمل ضد النظام .. وأقصد ببنية الشعب الاجتماعية العبث بأخلاقه وعاداته وموروثاته وثقافته .. فتصنع مسخا بلا عقل ولا عقيدة ولا خلق .. بلا ماضي ولا مستقبل في إطار حاضر أشبه بمسوخ هوليود التي يأكل البشر فيها البشر .. من هنا يجب أن نفهم المواقف المتراخية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين وخصومها الشرقيين فكل يغني على ليلاه .. ويجب أن نفرق بين الجيوش والشعوب .. فالأعداء يمكنهم هزيمة الجيوش .. لكنهم لا يستطيعون هزيمة الشعب20 ( فيتنام وأفغانستان وليبيا ) فيعمدوا إلى وسائل أخرى منها:- 
الأولى نظام حقير تابع لهم يقوم نيابة عنهم بأعمالهم القذرة .. وهذا لا يقضي على الثورة وإنما يطيل من عمر الظلم فقط .. ويزيد من عدد الفائزين بالشهادة .. ويدمر بنية الدولة اقتصادياً واجتماعياً .. 
الثاني العمل على إشاعة الانحلال الخلقي من طرف .. والقضاء على اللغة العربية من طرف آخر .. فيتم تغريب الشعوب عن عقيدتها وهويتها التاريخية .. فتحولها إلى مسخ كما أسلفنا فلا تعرف حلالاً ولا تنكر منكراً .. وهي في الخلفية آمنة تصلها ثروات ومقدرات الشعوب بلا تكلفة .. 
الثالث التفرقة بين أبناء الأمة الواحدة بالطرق على العرقيات وفصلها عن الدين والعقيدة التي جمعتهما .. حاولت فرنسا وأسبانيا ذلك في المغرب21 لكنهما فشلتا في ذلك .. فرابط الدين إن كان هو المحرك للثورة تذوب فيه كل الخلافات .. لوجود المرجعية التي يعود الجميع لها .. ويرضى بها .. ويطمئن إليها ..
من هنا نبع أهمية الدور الكبير الذي تقوم به القاعدة في جهادها ضد أمريكا والغرب واليهود .. فقيام القاعدة بالضرب في داخل أمريكا .. أو ضرب مصالحها في أي مكان بالعالم .. أو اغتيال عناصرها .. أو تحريض الشعوب الإسلامية ضدها .. كل ذلك يصب بالدرجة الأولى في مصلحة الشعوب وانتفاضاتها .. كما أن القيام بالضرب من خلال أبناء أمتهم وفق مفهوم الأمة بلا فاصل حدودي يعيد ربط الشعوب الإسلامية سويا كوحدة عقيدة وجغرافيا .. فالشباب الذي خطط ونفذ الضربات من كافة الأقطار الإسلامية والعربية ..
أسباب نجاح الانتفاضة المسلحة:
واحد من أكبر الأخطاء وربما الخطأ الأكبر الذي ينبغي تجنبه هو "التحرك بالصفوة" .. فسرعان ما يعزلهم النظام عن الشعب ويباشر إبادتهم .. ويبقي عناصر منهم في المعتقلات مدى الحياة بلا محاكمات تأديباً وعبرةً لغيرهم .. إن تجاهل التحذير السابق لا معنى له إلا الهزيمة الساحقة للحزب أو الجماعة التي تقف وراء الانتفاضة ..
أسباب النجاح تكمن في العمل من خلال جموع الشعب وليس بالحزب أو الجماعة فقط .. والاعتماد على الاندفاعة الثورية للشعب .. أما صفوة الحزب أو الجماعة ( ومنها الطليعة المقاتلة ) فهي لتقود ولتلهب حماسة الجماهير ببطولاتها وتضحياتها .. فتقدم المثل والنموذج الذي يتحرك معه الشعب .. فتكسب قيادة الانتفاضة تعاطف الشعب وحبهم وتحولهم إلى رموز شعبية تلقى قبول وتأييد من أغلبية الشعب .. 
ومن أسباب النجاح أيضاً حسن اختيارهم لمفتاح الصراع والشعارات التي تلبي مطالب الشعب .. وتؤكد قبول الشعب لهم .. فقدرتهم على مخاطبة مكونات الشعب كلها المثقفين والعمال والفلاحين والتجار  و...الخ .. ونجاحهم في حشدهم للتظاهر أو الاعتصام أو الإضراب .. وترديدهم للشعارات التي ابتكروها .. يدل على حسن اختيار مفتاح الصراع ..
ومن أسباب النجاح توفيق القادة في تحييد أجهزة الأمن والدفاع عن النظام الفاسد .. 
وجود تذمر في القوات المسلحة .. وعدم رضا عن بعض القرارات السياسية خاصة فيما يتعلق بمستقبلها .. هذا المناخ قد يوفر للانتفاضة فرصة التقدم دون تدخل حاسم من القوات المسلحة ..
من المهم تهيئة قيادة22 الانتفاضة الأوضاع لدى الحلفاء الإقليميين والدوليين .. ليوفروا الدعم المناسب سياسيا وماديا ومعنوياً وإعلامياً .. ومن المهم بل الأهم التعامل مع الشعوب المؤيدة والشبيهة والتي لها نفس الاعتقاد وتعيش في ظل حكومة مناوئة لهم ..
أعود للتأكيد على أهمية تفتت النظام الحاكم والصراع بين مؤسساته ورجاله على السلطة والثروة .. وعدم انسجام بين طموحات كوادره .. وسوء إدارة النظام الحاكم للبلاد وإدخال البلاد في أزمات بسبب الوضع الاقتصادي المنهار .. وغضه الطرف عن انتشار الفساد .. ومساهمته في سرقة مقدرات الشعب .. وفرضه للضرائب المرهقة في حين أن أقطاب النظام ومؤيديه وتابعيه لا يعانون ويعيشون في ترف .. كل ذلك يساعد في نجاح الانتفاضة ..
أيضاً إدراك القيادة للوضع الدولي وأبعاده وفلسفته .. خاصة مع وجود قوة كبيرة مسيطرة .. فأمريكا رغم تآمرها إلا أنها لا تلتفت إلى رعاية وكلائها الخاسرين - فعلت هذا مع كثير من وكلائها السابقين - وتفضل التعامل مع النظام الجديد لتطويعه أو حتى للتآمر عليه .. فالسياسة لا تعرف إلا لغة المصالح .. ولا تتفاهم إلا مع الأقوياء .. أما الضعفاء فيفرض عليهم ..
العناصر السابقة توفر البيئة الملائمة لنجاح الانتفاضة .. ويبقى العمل الشعبي والطليعة المسلحة وتحليهم بالروح الهجومية .. واستمرارية العمل الهجومي بتصميم وحزم .. ومواصلة الضربات اليومية الناجحة .. وتحقيق المفاجأة مع كل هجوم .. وضرب العدو عندما تكون قواته مبعثرة .. والانسحاب عندما يستجمع قوته .. وقدرتهم على تحاشي الانتكاسات .. وصبرهم على تحمل الضربات .. والحفاظ على المعنويات .. والجرأة .. ومزيد من الجرأة .. والجرأة دائماً .. وبعدهم عن الروح الدفاعية .. ففي الدفاع موت كل انتفاضة مسلحة .. سوف يشل ذلك العدو فكراً وعملاً لفترة تكفي لتحقيق النصر ..
وباختصار إتقانهم للعمل الميداني سياسياً وعسكرياً وأمنياً .. هو المؤشر الرئيس على النجاح .. وذلك بعد توفيق الله وفضله ..
 
السمات العسكرية للانتفاضة:
1- عدم وجود خطوط تماس بين الخصمين: فساحة العمليات هي كل الدولة .. وعادة ما تبدأ العمليات ضد أهداف غير محمية أو بها حماية ضعيفة .. ثم تبدأ بالتطور مع زيادة ثقة وخبرة المقاتلين .. كما أن المقاتلين بعد الهجوم يذبون في الشعب .. 
2- وجود أنصار للانتفاضة في معسكرات النظام: هذه من سمات الحروب العادلة حيث تتحول مجموعة من العدو لدعم المقاتلين بالمعلومات عن تحركات القوات المعادية .. أو مستودعات السلاح والذخائر .. أو اجتماعات القادة .. وقد يمارس بعضهم العمل العسكري ضد عناصر النظام الأكثر تطرفاً والمكشوفين أمنياً لهم .. ويصعب على المقاتلين الوصول إليهم ..
3- صغر تشكيل وحدات المقاتلين: تشكيلة المجموعات العسكرية لدى المنتفضين تعتمد على العمل بالمجموعات الصغيرة والأسلحة الخفيفة مع المتفجرات .. وتعوض صغر حجم المجموعة بكثرة عدد المجموعات .. والتي تتحد في النهاية لتشكل قوة حسم كبيرة .. واستخدام تكتيكات العصابات بالإغارة والكمين بغرض التدمير والخطف .. أو الحصول على أسلحة أو الحصول على معلومات .. والتي تتطور في النهاية لاحتلال الأماكن الإستراتيجية والحيوية في الدولة ..
4- قلة عدد الكوادر العسكرية لدى الثوار القادرة على القيام بعمليات ناجحة: يرجع ذلك إلى طبيعة الانتفاضة التي تخرج من فئات ومؤسسات وطبقات مختلفة من الشعب .. وأعمار صغيرة نسبيا .. كما أنها لا تحترف العمل العسكري .. إلا أنها مثقفة عسكريا بحكم سابق خدماتها في الجيش .. مما يساعد على سرعة نموها .. ومع الوقت ومن التجربة والخطأ تكتسب الخبرة تدريجياً ..
5- الشعب يمثل العمق الاستراتيجي للانتفاضة: القاعدة العريضة التي تتحرك بها الانتفاضة هو الشعب الذي يساهم بكل ما يملك في سبيل تغيير الوضع .. فيقدم الدعم الطبي والمالي والمعنوي والإعلامي .. ويوفر ملاجئ لإخفاء المقاتلين أو الأسلحة والذخائر .. ويقدم يوميا عناصر جديدة من الرجال والنساء لصفوف المقاتلين ..
6- تطابق العمل العسكري مع العمل الدعائي والسياسي بين الشعب وبين النظام: العمليات العسكرية يجب أن تكون وفق الرؤية السياسية .. وتسعى لتحقق الهدف السياسي المعلن عنه .. والدعاية والأعلام يخدمان العمل السياسي ويوفران التغطية للعمل العسكري .. يمارس هذا المقاتلون .. كما يمارسه النظام الفاسد .. فكلاهما يعلن عن قتل الفاسدين والإرهابيين .. وكلاهما يحمي الوطن ومكتسبات الشعب .. وكلاهما يوجه خطابه السياسي والدعائي للشعب وللقوات المسلحة ..
7- عدم وجود أسلحة كافية لكل المشاركين في الانتفاضة: ولذلك يوجه قسم من العمليات من أجل الحصول على الأسلحة والذخائر .. لتوزيعها على المقاتلين ..
8- حساسية الوضع النفسي داخل القوى المضادة: تختلف الانتفاضة المسلحة عن أختها السلمية في هذه النقطة اختلافاً كبيراً .. في الانتفاضة السلمية يسارع عدد من رموز النظام إلى سرعة القفز من مركب النظام الغارق والالتجاء إلى صفوف المقاومين .. مثل انحياز السفراء واستقالة الوزراء وهروب رجال الأعمال .. حياد القوات المسلحة .. ويسقط النظام بانهيار قوات الأمن وفرار الرئيس أو تنحيه .. أما في الانتفاضة المسلحة  فتشبه أختها في الانحياز والاستقالات .. إلا أن رأس النظام وقواته المسلحة يواصلان القتال ضد المقاومين إلى النهاية .. وتكون النهاية إما بفشل الانتفاضة المسلحة ( انتفاضة سطيف الجزائر 1945 ) .. أو بقتل الرئيس وأسر قواده وتحلل القوات المسلحة ( طالبان أفغانستان 1996 – ليبيا 2011 - وإن شاء الله سوريا ) ..
خطة الانتفاضة:
فيما يلي نموذج لخطة انتفاضة في مدينة ما .. هذا النموذج غير مثالي فهو لا يغطي كافة الجوانب وقد لا يناسب التطور التقني والأمني والعسكري .. ولكنه يدرب القادة والمخططين على ترتيب أولوياتهم وتوقيت أعمالهم .. وقد ورد هذا النموذج في الموسوعة العسكرية:-
( نموذج خطة للانتفاضة في المدن )
- تقدير الموقف وميزان القوة في المدينة.
- تاريخ بدء الانتفاضة .. بناء على التفاعل الشعبي ..
- الأهداف الرئيسية التي لا بد من تحقيقها لأنها تؤثر على مسيرة الحركة ..
- الأهداف الثانوية ..
- توزيع القوات إلى مفارز مع تكريس كبد القوات للأهداف الرئيسية ..
- تحديد العناصر المسلحة والعزلاء في كل مفرزة .. ومصادر تسليح العناصر العزلاء خلال القتال نفسه ..
- المهمات الثانوية التي ينبغي على المفارز تنفيذها بعد تنفيذ مهماتها الأولية.
- التدابير الواجب اتخاذها عند فشل مجموعة ما ..
- التدابير الواجب اتخاذها لمنع قدوم القوات الحكومية من المدن الأخرى ( تخريب طرق المواصلات .. شن عمليات الأنصار ...الخ ).
- أساليب جذب السكان ..
- توزيع الأسلحة المستولى عليها ..
- القضاء على رؤوس أجهزة القمع ..
- الارتباط بين مفارز الانتفاضة ..
- الارتباط مع قوى الانتفاضة في الريف ..
- مكان القيادات والاتصال معها ..
- التدابير السياسية التي ينبغي اتخاذها عند نجاح الانتفاضة ..
* وتبنى خطة الانتفاضة المسلحة عادة وفق المعطيات التالية:-
- الخارطة الاجتماعية للمدينة .. والأحياء المؤيدة والمعارضة ..
- مواقع الشرطة والقوات المسلحة ..
- عناوين رؤوس أجهزة القمع .. وعناوين الموظفين وقادة المنظمات المعادية.
- مواقع مراكز المنظمات المعادية شبه العسكرية ..
- مكان مستودعات الأسلحة ..
- تقييم تكتيكي  للنقاط الحساسة والحاكمة في المدينة ..
- تحديد الأماكن الصالحة للهجوم أو الدفاع ..
- مرائب سيارات الدولة التي ينبغي الاستيلاء عليها لخدمة أعمال الانتفاضة
- استخدام الهاتف ( وسائل التواصل المعاصرة ) أثناء الانتفاضة ..
- عدد القوات المتوفرة وطبيعة قادتها ..
ويتم إعداد الانتفاضة في وقت يسمح للقادة ومساعديهم وأعضاء التنظيم الموثوقين بدراسة مهماتهم وأهدافهم والاستعداد للعمل بأفضل شكل ممكن .. وتتخذ كافة التدابير التي تحفظ سرية الخطة .. والتدابير الملحقة بها .. بشكل يحقق المفاجأة التي تعوض النقص العددي .. وتشكل شرطا من أهم شروط نجاح العمل العسكري خلال الانتفاضة المسلحة ..
الانتفاضة كلمة كبيرة جداً .. والدعوة إليها أمر جدي إلى أبعد الحدود .. وكلما تعقد النظام الاجتماعي .. وارتفع مستوى تنظيم السلطة وتقدمت التقنية العسكرية والأمنية .. كلما كان القيام بانتفاضة بلا روية أمر خطير لا يمكن التغاضي عنه ..
وقد حذر الكثيرون من اللعب أو التلويح بالانتفاضة لأنها فن من الفنون تخضع كالحرب لقواعد .. يؤدي تجاهلها إلى دمار القائمين عليها ..
نقلها لكم 
عابر سبيل
21 شوال 1434هـ
29 أغسطس 2013م
على الصفحات التالية سرد لإنتفاضة ( ريفال ) .. وهي انتفاضة مسلحة تم الإعداد لها بشكل دقيق وتناولت الكثير من التفاصيل ولكنها ارتكبت أخطاء جسيمة في الاستطلاع والتنفيذ والزهد في دفع الشعب للمساندة مما أدى لفشلها .. 
في الملحق في نهاية الكتاب سوف نستعرض إن شاء الله الانتفاضة الروسية الأولى ( 1905 ) والثانية (1917 ) ..
 
ريفال( انتفاضة ) 1924
انتفاضة مسلحة23 فاشلة قامت بها الطبقة العاملة 
في "استونيا" في كانون الأول( ديسمبر ) 1924
 في خريف 1924 كان الوضع الاقتصادي في (استونيا ) متدهورا .. وكان احتياطي الذهب قد بدد من قبل أصدقاء الطبقة الحاكمة وكبار الأغنياء وملاك الأراضي .. وفي ذلك الوقت تشكلت حكومة ديمقراطية من أحزاب الوسط .. ولجأت الحكومة الجديدة إلى منع القروض عن الممولين ومضاربي البرجوازية الكبيرة وكبار الملاك .. فنجم عن ذلك إغلاق المصانع .. ووقوع حالات إفلاس ..ووصلت البطالة إلى نسبة عالية .. وارتفعت الأسعار بنسبة150% .. وانهار"المارك".. وظهر العجز في ميزان المدفوعات .. وزادت الأزمة الزراعية من حدة الأزمة الصناعية والتجارية .. وفشلت الحكومة في الحصول على قروض جديدة .. في حين طالبت فرنسا وانكلترا وأمريكا بتسديد الديون القديمة التي قدمتها إلى "استونيا" خلال الحرب الأهلية وحرب التدخل ضد الاتحاد السوفييتي .. كما ارتفعت نسبة الجريمة .. وانتشرت الرشاوى الاختلاسات .. وظهرت بوادر التفكك داخل الطبقة الحاكمة .. وطالب الأغنياء وكبار ملاك الأراضي بتعديل الدستور .. وإسقاط الحكومة الديمقراطية .. وتسليم السلطة لرجل قوي يكون ديكتاتورا حقيقيا ..
ولم يكن لدى الحكومة عمليا أي برنامج .. أو أية وسيلة عملية لتدعيم سلطتها وتحسين الحالة الاقتصادية في البلاد ..وكان العمل الفعلي الوحيد لهذه الحكومة هو قمع معارضة العمال والفلاحين الثوريين .. ورغم عمليات الاغتيال والسجن التي لجأت إليها الحكومة .. فقد تزايدت الآمال داخل الطبقة العمالية وبين صفوف الكادحين بصورة عامة خلال العام1924 .. وبدأ العمال يتحدثون عن حل الحكومة .. وإقامة سلطة عمالية وفلاحية ..وتمت مظاهرات الأول من مايو( أيار ) وأسبوع السلام المضاد للحرب تحت شعار الحرب الأهلية .. وكانت جماعات من الجنود تنضم عادة إلى الاجتماعات والمظاهرات .. كما أخذ العمال الزراعيون .. والمزارعون .. والفلاحون .. والفقراء .. وجزء كبير من البورجوازية الدينية الصغيرة يتعاطفون مع الحركة الثورية ..
ورأى الحزب الشيوعي أن المخرج الوحيد من هذا الوضع هو اللجوء إلى القوة لإسقاط النظام .. وقررت اللجنة المركزية في ابريل ( نيسان ) أن يتجه الحزب إلى إعداد الانتفاضة المسلحة .. ومنذ ذلك الوقت اخذ العمل السياسي والتحريضي الحزبي مهمة إعداد الجماهير لعمل ثوري .. وضم استونيا إلى الاتحاد السوفيتي .. وكان ميزان القوى المائل لصالح الثورة بوضوح يتطلب مثل هذا الموقف .. وقدر الحزب أنه لو عمل في ربيع العام 1924 لكان حظه بالنجاح 50% .. ولكن ميزان القوى الحقيقي في الخريف كان أكثر ملائمة .. وقرار الحزب أن انتفاضة حسنة التنظيم قادرة علي تحقيق نصر مؤكد ..
إعداد الانتفاضة عسكريا
منذ ربيع العام 1924حدد الحزب الشيوعي أمامه هدفا رئيسيا يتمثل بتكوين قوات عمالية قادرة علي العمل في الوقت المناسب لتحطيم وحدات الثورة المضادة .. المستعدة للوقوف بعنف في وجه الثورة ( المدارس العسكرية ..الخ ) .. وبدأ العمال يشكلون مجموعات قتالية .. بدأت بمجموعات القتال المؤلفة من 3 أشخاص والمسماة( مجموعات الدفاع ) أو المجموعات المعادية للفاشية ..ثم تحولت الي مجموعات تضم كل واحدة منها10 أشخاص .. وقبل انتفاضة ريفال بأسبوع واحد .. جمعت المجموعات التي تضم عشرة أشخاص داخل سرايا .. ثم جمعت السرايا في كتائب تضم كل واحدة منها120-150رجلا .. وكان على هذه الكتائب أن تكمل تعدادها بعد الانتصارات الأولى .. بضم عدد من العمال والجنود المستعدين للقتال .. وعند حلول الخريف كان عدد المنظمين بهذا الشكل في استونيا كلها حوالي1000رجل ثلثاهم من العمال غير المنضمين إلى الأحزاب.
ولقيادة تنظيم مجموعات القتال .. ومجمل التحضيرات العسكرية للانتفاضة .. أُلحق بعض الأخصائيين العسكريين باللجنة المركزية .. وباللجان الحزبية في مختلف المدن .. وكان في ريفال عشية الانتفاضة 3 كتائب مشكلة كما يلي: الكتيبة الأولى (170 رجلا )الكتيبة الثانية (120 رجلا )الكتيبة الثالثة( 110رجلا ) ..
وكان معظم الرجال يتقنون المعلومات العسكرية الأولية ( كاستخدام البنادق .. وبعض أنواع المسدسات .. والقنابل اليدوية .. ومبادئ القتال الأولية ..الخ ) ومع هذا فقد كان هناك من لا يعرفون استخدام أسلحتهم .. وكانت القيادات ( وخاصة قيادات السرايا والكتائب ) غير مؤهلة تماما لممارسة دورها العسكري .. وكانت متطلبات السرية وصعوبة استدعاء الرجال والقيادة بصورة مستمرة سببا رئيسيا من أسباب زيادة صعوبات التدريب ..
وكان تسليح كافة التنظيمات العسكرية في ريفال في فترة اندلاع الأزمة يتألف مما يلي:100مسدس برابلوم مع 50 طلقة لكل مسدس .. 60 بندقية مع عدد محدود من الذخائر .. 3 رشاشات قصيرة من طراز طومسون مع 1000طلقة لكل رشاش .. عشرات القنابل اليدوية و20 قنبلة كبيرة الفاعلية ..
وكانت قوات الثورة المضادة .. التي قدر أنها ستحمل السلاح ضد الانتفاضة .. مؤلفة في ريفال مما يلي: مدرسة اليونكرز ودورات صف الضباط وتضم400 رجل .. مدرسة صف الضباط (200 -250 رجلا ) .. مفرزة قائد الموقع (110 -120رجلا ) .. احتياط الشرطة الراكبة ( 50-60فارسا ) .. وبالإضافة إلى ذلك .. فقد كان في المدينة 500 مسلح يميني .. ولكنهم لا يشكلون قوة قتالية جدية ..
أما فيما يتعلق بالشرطة وقوات الحامية ( المؤلفة من كتيبة مشاة من فوج المشاة العاشر .. ومجموعة دبابات .. وكتيبة إشارة .. وبطاريات المدفعية الساحلية .. ومجموعة جوية ) .. فقد اعتقد قادة الانتفاضة أن العمل السياسي التفتيتي داخل هذه القوات سيجعلها تمتنع عن التدخل ضد الانتفاضة ..وأن العمل المنظم سيدفعها إلى مؤازرة العمال فور اندلاع الانتفاضة .. نظرا للعلاقات الوثيقة التي كانت تربط العمال بالجنود ..
وقبل الانتفاضة بوقت قصير ضعف تأثير الحزب قليلا بين صفوف الجيش .. فلقد انهي الجنود القدامى خدمتهم الإلزامية .. وتركوا الجيش .. لتحمل مكانهم دفعة جديدة من المجندين الذين لم يتح للثوار الفرصة الكافية لتحريضهم واستقطابهم .. ولقد لعب هذا الأمر دورا بالغ الأهمية على مسيرة  الانتفاضة ..
وبعد دراسة طويلة لكافة احتمالات النجاح في حالة الانتفاضة المسلحة .. وصلت قيادة الانتفاضة الي الاستنتاج التالي: إن بدء الانتفاضة بإضراب سياسي أو بحركات جماهيرية عمالية أخرى يعني لفت أنظار الخصم نحو الهجوم المتوقع .. وتعريض الجماهير للخطر .. لذا اتخذ قرار بأن تتم انتفاضة المفارز القتالية بصورة مفاجئة .. حتى يؤخذ العدو علي حين غرة .. وبعد تحقيق الانتصارات الأولي يبدأ الإضراب العام .. وتنضم الجماهير العمالية إلى القتال بغية تثبيت السلطة بين أيدي الثوار .. كما رأت هذه القيادة أن العمل في كافة أرجاء البلاد في آن واحد أمر لا مبرر له وأن على الانتفاضة أن تتم في ريفال وبيرنوف24 فقط .. على أن تدخل المدن الأخرى ميدان العمل عندما يحتل الثوار النقاط المحددة في ريفال ..
وهكذا خضع كل شيء لمفهوم الانتفاضة المفاجئة .. وتم الإعداد بسرية بالغة .. ولم ينظم الحزب منذ بداية أغسطس( آب ) أي عمل جماهيري عمالي خشية استنفار الخصم .. ولم يدع الحزب الجماهير للنزول إلى الشارع حتى في تشرين الثاني ( نوفمبر ) إبان محاكمة 149مناضلا ..وكان الرأي السائد انه إذا ما تم تحقيق ضربة عنيفة غير منتظرة في النقاط المحددة كهدف للهجوم .. غدا نجاح الانتفاضة مضمونا .. رغم التفوق الساحق الذي تتمتع به قوات العدو .. ويمكننا القول بأن الانتفاضة أخذت -من هذه الزاوية- شكل المؤامرة أو الانقلاب ..
وفي نهاية نوفمبر( تشرين الثاني ) .. وقبل بدء الانتفاضة بعدة أيام .. قرر الحزب البدء بالعمل في فجر 19\12\1924 .. وكان مخطط التنفيذ كما يلي: البدء باحتلال مقر هيئة الأركان .. ومصالح الإشارة والاتصالات .. والقلعة ( مقر الحكومة والمجلس الوطني ..الخ ..) .. واعتقال أعضاء الحكومة .. وإطلاق سراح السجناء .. وتدمير مبنى احتياط الشرطة للاستيلاء علي الدبابات واستخدامها ضد القطاعات المعادية .. والاستيلاء علي الطائرات والمدرسة العسكرية .. ونهب مستودعات25 الأسلحة والمدفعية ..
وبالإضافة إلى ذلك فقد تقرر نسف جسر خط السكة الحديدية بين"تابس" و "يورييف" لتأخير عمليات النقل بين هاتين النقطتين عدة أيام وعرقلة إرسال القوات الحكومية من"يورييف" الى "ريفال" .. كما تقرر نسف جسر خط السكة الحديدية الواصل بين "ريفال" و "تابس" لمنع العدو من إرسال قطار مدرع من "تابس" الي "ريفال"26  .. وكان على الثوار في حالة استمرار المعارك مدة طويلة نسف جسر السكة الحديدية الواقع على مدخل المدينة .. وبعد احتلال العاصمة تتجه العمليات على محور تابس-نارفا-يورييف وفيلين ..مع استخدام السكة الحديدية وسيارات النقل ..
ولجمع مجموعات القتال بصورة سرية .. أعدت شقق خاصة قريبة من الأهداف المحددة .. وجمعت فيها كميات من الأسلحة .. وكان على كل مجموعة أن تنطلق بشكل يحقق ابتداء العمل الهجومي في لحظة واحدة بالنسبة إلى جميع النقاط .. وكان من الضروري إنهاء الاجتماع في الساعة22,00من يوم30\11 .. وزيادة في الأمن لم يعلم أفراد المجموعات بأن غاية الاجتماع هي شن انتفاضة مسلحة في 1\12 .. وكل ما قيل لهم .. هو أن عليهم حضور اجتماع سري .. على أن يصطحب المسلحون أسلحتهم معهم .. وفي هذه الشقق .. وفي ليلة30\11-1\12 .. تعلم بعض العناصر استخدام الأسلحة التي وزعت عليهم ..
ولم يستطع قادة الكتائب جمع كافة رجالهم في الساعة 22,00 .. وفي الساعة 4,00 من صبيحة يوم1\12 ..كان في مختلف نقاط التجمع القوة التالية:الكتيبة الأولى ( 56رجلا من أصل170) .. الكتيبة الثانية (61رجلامن أصل120) .. الكتيبة الثالثة ( 80رجلا من أصل 110) .. أي 227 رجلا من أصل400 ..
ويرجع فشل التجمع إلي أن يوم 30\11كان يوم أحد .. وكان من الصعب العثور على الأشخاص في أماكن إقامتهم .. وبالإضافة إلى ذلك .. فإن عدم معرفة الأفراد بغاية الاجتماع جعل بعضهم يتقاعس عن حضور اجتماع عدد في هذه الساعة المتأخرة من الليل .. 
 ورغم قلة عدد المجتمعين .. فقد أصرت قيادة الانتفاضة على قرارها ببدء العمل في الساعة 5,15 من صبيحة يوم 1\12 .. وتلقت الكتائب المهمات التالية:
الكتيبة الأولى : تجريد مدرسة اليونكرز ودورات صف الضباط من أسلحتها .. والاستيلاء على مستودعات الأسلحة ومحطة السكة الحديدية .. 
 الكتيبة الثانية: نزع سلاح احتياط الشرطة ومفرزة قائد الموقع .. واكتساب مجموعات الدبابات والطائرات .. واحتلال مقر قيادة فوج المشاة العاشر .. واكتساب الكتيبة التابعة لهذا الفوج ودفعها للانضمام إلى الانتفاضة ..
الكتيبةالثالثة: "احتلال المراكز الإدارية .. ومركز البرق والبريد .. ومقرات الحكومة والمجلس النيابي ووزير الحربية وهيئة الأركان .. ومحطة البلطيق .. وإطلاق سراح الموقوفين السياسيين .. 
سير الانتفاضة
في الساعة 5,15 من صبيحة 1 \12 انطلقت الكتائب لتنفيذ مهماتها  .. وسارت الانتفاضة كما يلي:
عمليات الكتيبة الأولى: أخذت إعدادات الهجوم على مدرسة اليونكرز شكلا في غاية السرعة ..  فلقد عاد قائد الكتيبة مع مساعديه من اجتماع  القيادة العسكرية في الساعة 4,30 .. ولم يكن لدية لإعداد الهجوم في الساعة 5,15 سوى 45دقيقة .. وكانت الأهداف الخاصة للمجموعات موزعة كما يلي:
- مجموعة من 13 رجلا .. مهمتها احتلال الطابق الأرضي للمبنى حيث ينام اليونكرز( اذ كانت الثكنة مؤلفة من طابقين يحتلها اليونكرز ) ..
- مجموعة من 16 رجلا .. مهمتها احتلال الطابق العلوي للمبنى نفسه ..
- الباقون ( باستثناء خمسة أفراد ) مهمتهم تشكيل احتياطي .. والقضاء على الضابط المناوب ..
- مجموعة من 5 أشخاص مهمتها الاستيلاء على محطة السكة الحديدية ..
وفي الساعة 5,15 وبعد فتح ثغرة في الحواجز المحيطة بالثكنة .. استولت الكتيبة على مقصف الثكنة .. ودخلت المجموعة الأولى الطابق الأرضي .. وقضت على الضابط المناوب .. وفاجأت اليونكرز في أسرتهم .. واستولت على عدد من البنادق .. وبعد إطلاق عدة طلقات .. وإلقاء قنبلتين يدويتين .. انتشر الهلع وسط 200 من اليونكرز القاطنين في هذا الطابق .. فأخذوا يختبئون تحت الأسرة ويلتفون بالأغطية .. وقفز الكثيرون منهم إلى الشارع بملابس النوم .. ثم تبعثروا على غير هدى ..
وبدأت المجموعة الثانية هجومها على الطابق العلوي بشيء من التأخير .. فاصطدمت بمخفر حراسة قتل واحداً من أفرادها وجرح اثنين .. وهكذا وجد اليونكرز في هذا الطابق الوقت اللازم للاستعداد وصد الهجوم .. وأدى فشل الجماعة الثانية إلى انسحاب الكتيبة كلها .. وانتهى الهجوم على مدرسة اليونكرز بالفشل  .. وبقيت مستودعات الأسلحة بيد الخصم .. وتبعثر رجال الكتيبة باستثناء عدد قليل .. وكانت خسائر الثوار قتيلا واحدا وجريحين .. في حين خسر اليونكرز4 قتلى و9جرحى ..
ونفذ الرجال الخمسة المكلفون باحتلال المحطة مهمتهم بكل دقة ودونما خسائر ..
ويرجع فشل الكتيبة الأولى إلي نقص العدد .. إذ كان الخصم متفوقا بنسبة 8 إلى واحد .. بالإضافة إلى تأخر المجموعة الثانية .. ونقص التصميم على القتال من اجل احتلال المدرسة .. إذ ما أن تعرضت الكتيبة لأول فشل حتى تبعثر رجالها .. على حين كان بوسعها متابعة القتال بعد أن شتتت200من اليونكرز القاطنين في الطابق الأرضي واستولت على أسلحتهم  ..
عمليات الكتيبة الثانية: تم توزيع قوات هذه الكتيبة كما يلي:
- مجموعة من20رجلا مهمتها مهاجمة احتياط الشرطة الراكبة.
- مجموعة من 20رجلا مهمتها مهاجمة مجموعة الدبابات. 
- مجموعة من ثلاثة رجال مهمتها مهاجمة مقر قيادة فوج  المشاة العاشر.
- مجموعة من تسعة رجال مهمتها مهاجمة مقر الكتيبة الثالثة من فوج المشاة العاشر.
- مجموعة من 13رجلا مهمتها مهاجمة مقر المجموعة الجوية.
وكانت تقارير الاستطلاع تقول أن احتياط الشرطة يعسكر في مبنى خشبي يتألف من طابقين .. لذا رسمت الخطة على أساس مهاجمة هذا المبنى .. ثم ثبت فيما بعد أن عدداً صغيراً من الشرطة يسكن هذا المبنى .. على حين يسكن معظم رجال القوة في بناء حجري مجاور للمبنى الأول ظنه رجال الاستطلاع حماما .. وبسبب هذا الخطأ في الاستطلاع تعثر هجوم المجموعة الأولي .. وزاد من تعثره أن المجموعة المكلفة بمهاجمة مجموعة الدبابات بدأت العمل قبل10دقائق .. وفتحت النار على جنود المدرعات بشكل أيقظ رجال الشرطة .. وأفقد المجموعة الأولى عامل المفاجأة .. وانتهى الهجوم في النهاية إلى الفشل وتبعثر رجال المجموعة المهاجمة. 
ونجحت مجموعة مهاجمة الدبابات في احتلال مرآب الدبابات في بداية العملية دون أية مقاومة .. وكان في مجموعة الهجوم (4) جنود ميكانيكيين من بينهم رقيب قائد دبابة .. خرج من المرآب  مع دبابته وتوجه نحو الثكنة ( الواقعة على بعد كيلومتر من المرآب ) حيث يوجد سدنة الدبابات .. و لكن احد المساعدين قتل هذا الرقيب .. ولم تستطع الدبابات الخروج من المرآب .. وكانت الخطة تقول بأن على مساعد كتيبة الإشارة المعسكرة أمام مجموعة الدبابات أن يلتحق بالثوار مع (40) من رجاله .. ولكن المساعد كان مدسوسا .. ولم يحضر الرجال لدعم الثوار.. وفشل الهجوم على مجموعة الدبابات.
وادي هذا الفشل إلى إيقاف الهجوم على مدرسة صف الضباط .. لان المجموعة المكلفة بهذه المهمة كانت مكلفة بالتمركز باتجاه مدرسة صف الضباط ..  وحماية مجنبة المجموعة المكلفة باقتحام مجموعة الدبابات .. ومهاجمة المدرسة بعد ذلك بمساعدة الدبابات ..
وتم احتلال مقر قيادة الفوج العاشر .. وحاول ثلاثة من الضباط مقاومة الاحتلال فقتلوا ..
ورفضت الكتيبة الثالثة من فوج المشاة العاشر السير مع الثوار .. وقررت البقاء على الحياد .. ولم يستطع الرجال التسعة المكلفون باكتساب الكتيبة تنفيذ مهمتهم نظرا لقلة عددهم .. وعدم وجود نواة ثورية كافية داخل الكتيبة ..
ونفذ الثوار الثلاثة عشر المرسلون للاستيلاء على المجموعة الجوية مهمتهم بشكل جيد .. إذ أنهم قاموا خلال الطريق (  كانت المجموعة الجوية تبعد (2) كيلومتر عن المدينة) باحتلال مخفر للشرطة .. واستولوا على عدد من البنادق والمسدسات .. ثم تسللوا خفية ودون إطلاق طلقة واحدة إلي داخل الثكنة حيث يقيم (80) جنديا من المجموعة الجوية .. واستولوا على أسلحتهم .. وأعلموهم بأن السلطة في المدينة قد غدت بين أيدي العمال والجنود .. وأن على الطيارين أن ينضموا إلي صفوف الثورة .. وأجاب الطيارون بالإجماع أنهم مع العمال الثوريين .. وسلم الضباط سلاحهم وأعلنوا حيادهم .. ولقد أحالت الحكومة هؤلاء الضباط فيما بعد إلي محكمة عسكرية بتهمة الوقوف على الحياد .. فحكمت بإعدامهم .. واعدموا رميا بالرصاص ..
ولكن الثوار ارتكبوا بعد ذلك خطأ فادحا كان له اثر خطير عليهم وعلى كافة المشتركين في الانتفاضة .. ويكمن الخطأ في أنهم لم يتصرفوا بحكمة بعد الاستيلاء على المجموعة الجوية وتشكيل قوة تضم(50) رجلا وتملك (100) بندقية و(10) رشاشات ومدفعين وسيارتين وعددا كبيرا من الذخائر .. فبدلا من المبادرة بالنزول إلى المدينة لمساعدة رفاقهم اكتفوا بالتمركز في مكانهم .. وإرسال مراسل على دراجة نارية يحمل لهيئة الأركان الثورية تقريرا عن الوضع .. ويطلب تعليمات جديدة .. ولم يعد المراسل أبدا .. وبقي الثوار في أماكنهم حتى جاء اليونكرز بالسيارات المدرعة .. واشتبكوا معهم بمعركة عنيفة أدت إلي هزيمة القوة الثورية وتشتتها في الساعة11,00.
عمليات الكتيبة الثالثة: تم توزيع قوات هذه الكتيبة كما يلي:
- مجموعة تضم 12رجلا مهمتها احتلال قلعة ريفال.
- مجموعة تضم 12 رجلا مهمتها احتلال مركز البريد والبرق والهاتف.
- مجموعة تضم 12رجلا مهمتها احتلال وزارة الحربية .. ومقر هيئة الأركان العامة.
- مجموعة من 20 رجلا مهمتها احتلال محطة البلطيق.
- مجموعة من 12 رجلا مهمتها احتلال السجن التحفظي.
وتمكنت مجموعة احتلال القلعة من تنفيذ مهمتها .. واستولت على سلاح مخفر الحراسة(11جنديا) .. وحاول الضابط قائد المخفر المقاومة فقتل .. ونجا رئيس الوزراء .. وبقيت القلعة بيد المجموعة حتى جاءت  قوات الثورة المضادة .. فتبعثر الثوار دون كبير مقاومة.
وتم احتلال مركز البرق والبريد والهاتف بسرعة بالغة .. وبقي الثوار فيه 3ساعات .. وأسروا عدداً من رجال الشرطة ومن بينهم مفوض شرطة ريفال الذي أنقذته القوات الحكومية من الأسر عند قدومها.
وفشلت الهجمات الموجهة ضد وزارة الحربية .. ومقر هيئة الأركان العامة .. ومقر قيادة الشرطة .. ولم يتم إطلاق سراح السجناء .. لأن المجموعة المكلفة بهذه المهمة لم تبلغ في الوقت المناسب وبقيت مجمدة بلا عمل طوال فترة الانتفاضة.
وجرى احتلال محطة البلطيق دونما مقاومة .. وتم في الوقت نفسه احتلال مخفر الشرطة الخامس .. واستولى الثوار على بعض الأسلحة .. وكان وزير المواصلات آنذاك في المحطة .. فلما حاول إثارة الناس ضد الانتفاضة قتله الثوار رميا بالرصاص .. وتم أسر مفوض شرطة الحي .. وصد الثوار عدة هجمات قام بها فرسان الشرطة ورجال اليونكرز وبقيت المحطة في أيديهم حتى الساعة8,00.
إثر فشل بعض المجموعات في تحقيق مهامها .. وزوال عامل المفاجأة .. جمعت السلطة قوتها .. وبدأت بالهجوم المضاد لسحق الانتفاضة و مطاردة المشتركين فيها .. ولقد اشترك في الهجمات المضادة فصائل من مدرسة صف الضباط .. ومجموعات من مدرسة اليونكرز .. واحتياط الشرطة الراكبة(الفرسان) .. والتنظيمات اليمينية المسلحة .. وقاد العمليات المضادة عقداء وجنرالات .. بعد أن شكلوا على عجل مفارز القتال من الوحدات المذكورة آنفا .. وسحقت الانتفاضة في المدينة بشكل نهائي في الساعة 9,00 صباحا .. واستعادت قوات الثورة المضادة بعد ذلك مقر المجموعة الجوية .. وطهرت المنطقة تماما في الساعة 11,00صباحا.
 ودفع عمال "ريفال" بعد فشل الانتفاضة ثمنا باهظا .. بالإضافة إلى الخسائر التي لحقت بهم خلال الانتفاضة نفسها (20قتيلا) فلقد حكمت المحكمة العسكرية بالإعدام على 500 شخص من بينهم عشرات الجنود .. وسجنت عدداً يقارب ذلك.
***
أسباب الفشل
يرجع فشل الانتفاضة إلى مجموعة من الأخطاء التي ارتكبها الثوار على صعيد التنظيم والتكتيك .. وأهمها:
1- مبالغة قيادة الانتفاضة في تقدير التفتت المعنوي داخل قوات حامية "ريفال" .. وعدم قدرتها على تحديد أهمية التبدل النوعي الذي نجم عن تسريح المجندين القدامى ..
2- سحب الجنود الثوريين من الثكنات وضمهم إلى مجموعات العمال .. بدلا من دفعهم إلي تشكيل مجموعات من الجنود داخل الثكنات للمشاركة بالانتفاضة.
3- اختلال ميزان القوى بشكل واضح لصالح قوات السلطة .. وتفاقم هذا الاختلال بسبب عدم وصول كافة الثوار إلى مكان الاجتماع في الوقت المناسب ..
4- تعدد الأهداف بشكل لا يتناسب مع قوة الثوار .. الأمر الذي جعل المجموعات المكلفة بالتنفيذ ضعيفة في كل مكان .. علما بأنه كان بالإمكان اختصار عدد الأهداف .. والتركيز فقط على الأهداف التي يؤدي احتلالها إلى قلب موازين القوى ..
5- جمود المجموعة التي سيطرت على المجموعة الجوية .. وعدم قيامها بأي عمل بعد تحقيق هدفها الأول ..
6- تبعثر المجموعات عند أول فشل .. وعدم لجوئها إلى التجمع من جديد في نقاط محددة مسبقا لمتابعة القتال في الشوارع ..
7- عدم كفاية الذخائر .. وضعف تدريب العمال وعجزهم عن استخدام الأسلحة بفاعلية.
8- سوء الاستطلاع الذي أدي إلى فشل الهجوم على احتياط الشرطة الراكبة .. كما أدي إلى عدم القبض على أعضاء الحكومة بعد الاستيلاء على القلعة .. نظراً لجهل الثوار بمكان وجود الوزراء ..
9- ضعف الارتباط وتنظيم التعاون بين المجموعات القتالية ..
10- انعزال الثوار عن الجماهير العمالية .. وعدم نزول الجماهير إلى الشارع لدعم الانتفاضة نظرا لعجزها عن فهم مغزى الأحداث .. وأسباب انتقال الثوار من الهدوء الكامل إلى العمل العسكري العنيف.
11- عدم إنضاج الظروف اللازمة لنجاح الانتفاضة ومشاركة الجماهير فيها .. والاعتماد على العمل العسكري البحت والمفاجأة .. بدلا من الاعتماد على الزخم الثوري الجماهيري .. أهـ من الموسوعة العسكرية الجزء الثالث صفحة 356..
ويمكنني أن أضيف عدة عناصر لمزيد من التوضيح:
1- المبالغة في الأمن .. فبسبب دواعي السرية لتحقيق المفاجأة لم تحضر الكتائب بكامل قوتها .. وقد أثر عامل السرية فيهم فلم يعتمد على المساندة الجماهيرية .. كما لم يهتم لاحقاً بإنزال الجماهير للمساندة الشعبية ..
2- الافتقار إلى روح المبادرة لدى المقاتلين .. فقد تجمدت وحدات وتبعثرت أخرى وفر البعض .. وهذا يوضح أيضاً قلة فترة الإعداد السليم .. ولو أحسن إعداد المقاتلين27 نفسياً وعسكرياً وتم اختيار قيادات بمواصفات سليمة .. لكان سير العمليات اتخذ شكلاً آخر .. وهذا يدفعنا دائما للاهتمام بإعداد المجموعة الأولى التي يبنى العمل على أكتافها اهتماماً كبيراً.
3- عدم وجود احتياطي لدفعه .. لا يمكن بحال من الأحوال التخطيط للمعركة دون تجهيز قوة احتياط نشيطة ليتم دفعها لمساندة الوحدات التي واجهت مقاومة أو مفاجأة لم ترتب لها  ..
4- عدم وجود خطة بديلة للتعامل مع أي طارئ أو تدخل ليس في الحسبان .. فيما أرى أن الانتفاضة سارت كعملية استشهادية .. على مبدأ نكون أو لا نكون .. وبالتالي لم يكن هناك خطة انحياز .. لإعادة التجمع ثم اتخاذ التحرك التالي .. سواء بمغادرة البلاد أو شن هجوم جديد ..
ومع هذه السلبيات فقد قامت المجموعة التي خططت للعملية بدراسة28 جيدة وأخذت في اعتبارها الكثير من التفاصيل ووضعت الحلول المناسبة .. وتبقى الإشكالية في مسألة ضعف الاستطلاع .. التدريب على الخطة .. وعدم التوفيق في التنفيذ ..
 
في الثقافة 29 الثورية (3)
الانتفاضة الشعبية ( السلمية 30 )
العصيان المدني 
 
العصيان المدني .. الاحتجاج السلمي .. المقاومة المدنية السلمية .. اللاتعاون .. المقاومة السلبية .. هذه المسميات تدل جميعها بتفاوت بسيط على الثورة السلمية التي تخوضها الشعوب من أجل التغيير .. وكل اسم يعطي دلالة على وسيلة من وسائل الثورة السلمية ..
إن مفهوم "المقاومة السلبية" في جوهره يتشابه بمعاناة الحواري الذي ألقي عليه شبه المسيح عليه السلام .. الذي استسلم بشكل أسطوري ليد معذبيه حتى الموت .. فنُسج من أسطورته عقيدة خرافية يتبعها ربع سكان الكوكب .. إن فلسفتها تدخل إلى عمق النفس البشرية فتمنحها القدرة على تحمل الضربات والقهر والذل مع إظهار المعاناة والألم .. وفي المقابل تعمل على هز الضمير وإيقاظه ووضعه تحت ضغط التأنيب حتى يرضخ لها .. ومن نماذجها أيضا غاندي الذي اعتمد مذهبه على عدم التسبب في معاناة الخصم .. ولكن من خلال إظهار معاناة الذات ..
أما "اللاتعاون" فهو وسيلة هادئة لا تسبب ضرر لمنفذيها لأنها تعتمد على مبدأ المقاطعة دونما تشنجات .. أو إثارة أحقاد .. ونموذجها المقاطعة الاقتصادية التي تمارسها الشعوب استجابة لدعوة يطرحها تيار أو أشخاص موثوق بهم .. ومنها المقاطعة السياسية .. ورفض المشاركة في الحكم .. 
أما"المقاومة المدنية السلمية" تستخدم وسائل غير عنيفة أكثر تأثيراً من مجرد المظاهرات .. مثل احتلال الميادين والاعتصامات المفتوحة .. تخريب القضبان الحديدية لشل حركة المواصلات .. وقطع الطرق .. وتعطيل محطات الوقود .. ومنع الموظفين من دخول الإدارات الحكومية .. وغيرها من الوسائل التي تستخدم بوعي لتغيير موازين القوى .. 
"الاحتجاج السلمي" أسلوب سلبي للتعبير عن الرأي بالملصقات والرسومات والتظاهرات والاعتصامات المحدودة .. ورغم عدم عصبية هذا الأسلوب إلا أنه ليس آمن كأسلوب اللاتعاون .. فالقوانين تستحدث لعقاب من يعبرون عن رأيهم بالأشكال السابقة .. وسبل التعبير السالفة تحرض النظام على سن مزيد من القوانين التي تؤدي نفسياً وحركياً إلى خنق الشعب .. وتجعله يشعر أنه محاط بسور كبير من التهديدات والتحذيرات التي تنكد عليه معيشته ..
أما "العصيان المدني31" قمة الهرم في الانتفاضة السلمية والوصول إليه هو نجاح للمسيرة التكتيكية .. تتعطل فيه كل مؤسسات الدولة عن العمل .. ووسائل المواصلات والمدارس والجامعات .. فتشل الانتفاضة قدرة الحكومة على إدارة البلاد .. وتخرج الجماهير إلى الشارع ولا تعود إلا بعد استسلام النظام .. ثم إقامة حكم يلبي مطالبها الحالية وطموحاتها المستقبلية. 
سمات الانتفاضة السلمية:
* القبول الشعبي: فالانتفاضة تقوم لتلبي مطالب الشعب .. وتتحرك بالشعب .. ويتم دعمها وتجديد عناصرها من الشعب .. وحتى قراراتها التي تتخذ في الميادين هي قرارات شعبية .. وهذا هو الذي يعطيها قوتها .. ومصداقيتها .. ويوفر لها القوة الدافعة .. 
* عملياتها لا تسفر عن أضرار على المستوى العام والخاص: فهي لا تتعرض لممتلكات المواطنين وبأموال وممتلكات الشعب .. وبالتالي فعند نجاحها تستلم الدولة بكامل مرافقها دون كثير تدمير .. 
* جوهر عملياتها يعتمد على مبدأ التعطيل وليس التدمير: وبالتالي تلقى دعم من أغلبية الشعب .. لأن الناس تقبل بإيقاف القطارات وتعطيل المطارات وقطع الطرق .. لكنهم لا يقبلون بإشعال النار فيها .. أو تخريبها أو سرقة محتوياتها .. حتى ولو لم يكن فيها أي إنسان ..
* تحافظ على مسارها السلمي: فتعمل على إدارة الحشود وتوجيهها إلى ضبط النفس .. وتسعى لتجنب الانزلاق في مسار العنف المسلح .. خاصة حين يضيق الناس بالسبل السلمية التقليدية .. ويتشكل مزاج عام متجه للعنف ..
* الشارات والألوان: أن يتميز أعضائها بوضع شارات وألوان معينة تميز المنتفضين عن غيرهم .. تصبح دلالة على الثورة وقد تتسمى باسم اللون الذي غلب عليها .. ( الثورة البرتقالية .. تظاهرات الخضر في إيران ) ..
* المنهج التحريضي: اهتمت الانتفاضة بجانب التحريض السلمي .. والعمل على نشر وسائله ..وإشاعة مفاهيمه بين الناس .. ولم ينتبه القائمون عليها أن من أسس عملية التغير أن تفقه قول الله تعالى { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً {84} النساء .. وذلك لخلق الرمزية وأنصارها ..  
* ميدان اهتمامها الرئيسي العاصمة والمدن الصناعية: إن كبر حجم العاصمة والكثافة السكانية العظيمة وكونها سوقاً تجارياً ويحيطها تجمعات صناعية .. فأي اضطرابات فيها تؤثر بشكل كبير في الوضع السياسي والأمني والاقتصادي  .. والعصيان المدني يؤتي ثماره كلما طالت مدته وهو ما تحرص عليه قيادة الانتفاضة .. 
سلبيات ومآخذ على الانتفاضة السلمية:
إن خروج المسيرات والتظاهرات ضرورة لتعلم مبادئ الحشد .. واحتراف إخراجها مهم لاستخدامها عند لحظة الغليان .. كما أن إدارة غضب الجماهير بحنكة أهم من تركها تنفس عن غضبها بتهور .. والصور المختلفة للتعبير عن الرأي مطلوبة لاكتساب الجرأة وإسقاط هيبة النظام والوصول إلى قمة المناورة التكتيكية وتحقيق الهدف الاستراتيجي .. فالتغيير لا يعتمد فقط على الفتك والتدمير  .. فربما يقدم خيارات لا يستطيع الخصم أن يرفضها .. فتكسر عناده .. وتعجل بانهياره .. فالهدف هو تدمير إرادة الخصم بأقل تكلفة .. وهو ما يجعل من "السلمية" درع يقي الأرواح والممتلكات والبنية التحتية شر الدمار .. كما لا يتم هدر الطاقات فيما لا طائل منه .. 
ومن وجه آخر .. أليس من الغريب أن تقف الانتفاضة على شاطئ "التغيير " دون أن تبحر في محيطه .. وتتفاعل مع  أمواجه .. وتناور دواماته .. وتقضي على وحوشه .. إن مصطلح السلمية غير مبشر بإمكان إيجاد حلول للقضايا المصيرية كالاستبداد .. أو الاحتلال ووكيله .. وهي قضايا تعجز فيها الوسائل السلمية .. مقابل تمسك الخصم بمكتسباته .. وقيامه بالذود عنها على حساب مصلحة البلد والشعب .. والنظام لا يتورع عن تدمير كل شيء وإسالة أنهار من الدم في مقابل بقاءه .. كما أن المصطلح يميل في الغالب داخل الوعي العام بفكرة قهر الظلم بإلقاء الورود على خصومهم دون أن يطلقوا طلقة واحدة .. 
إن اعتماد الانتفاضة على المظاهرات والملصقات والمسيرات وعدم تطويرها .. يجعلها لا تتجاوز كونها وسيلة للتعبير عن الرأي .. الذي يمكن للعدو استدراجه ليقدم له مطالب جزئية لا علاقة لها بالتغيير الشامل .. ولكنها تتحول إلى صورة من صور الترقيع لنظام فاشل ..
حتى الوسائل العنيفة التي تفتقر للتسليح كتخريب القضبان الحديدية لشل حركة المواصلات .. وقطع الطرق .. وتعطيل محطات الوقود .. ومنع الموظفين من دخول الإدارات الحكومية .. فجمودها على حالها دون ابداع ولا ابتكار وتسليح القائمين عليها .. لا يعدوا كونها أزمات تستطيع الحكومات امتصاصها وإفراغها من محتواها .. والنيل من القائمين عليها.
واحتلال الميادين والاعتصامات المفتوحة والحشود المهولة والعصيان المدني وغيرها من الوسائل التي تستخدم بوعي لتغيير موازين القوى ... إن بقت على حالها في مواجهة محتل أو وكيله أو نظام مستبد .. ستظل محدودة الأثر ويمكنهم القضاء عليها وتحويل ساحاتها إلى مجازر وإحباطها وإلصاق كل ما هو سيئ بها ( فض اعتصام رابعة والنهضة ) .. 
ليس الجيش هو أسوء كوابيس الانتفاضة ولكنه ربما يكون آخرها .. فالانتفاضة السلمية تجابه بسلسلة من الكوابيس .. أولها الاتجاه الفكري المعاكس وخاصة رجال الدين32 الموالين للنظام .. من كل الأديان أرضية أو سماوية .. ثم الساقطين من أهل السينما والتلفاز ومن على شاكلتهم .. وأثناء ذلك أجهزة القمع الأمنية .. ومن الكوابيس الدخيلة على عالمنا الإسلامي والتي صدرتها إلينا أمريكا: فرق الموت ( البلطجية .. الشبيحة ) .. وكابوس القضاء الفاسد الذي يصح وسمه بكل الخسة والحقارة .. ناهيك عن الإعلام والمؤسسات الخدمية والماسونية .. لنصل في النهاية إلى قعر هاوية الفساد والتي يقبع بها قيادة المؤسسة العسكرية بكافة فروعها .. ومجلسها العسكري الأعلى بكل رموزه الفاشلة والتي تم اختيارها بعناية من قبل أعداء الله ..
والسؤال المهم هو: هل تكفي هذه الوسائل في هذه الفترة الزمنية من التاريخ الإنساني لإحلال نظام إسلامي أو وطني محل نظام مستبد أو وكيل عن مستعمر؟ ..
والحقيقة أن هذه الأساليب لا تؤثر في قوات القمع التي تعمل في ظل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها من اليهود والصليبيين وأذنابهم من العملاء المتاجرين بعقيدتهم وشعوبهم .. بدأ من نهايات القرن الماضي ومع مطلع الألفية الثالثة .. والأسلوب السلبي لا جدوى منه في هذا الوقت ولا بد من إعطاء المقاومة طابع إيجابي وجرأة في الأعمال .. ولا بد أن يلحق آذاها كل الخصوم المشاركين فيها مهما تنوعت أشكالهم أو نأت أرضهم .. إقليمياً ودولياً .. ولا بد أن تدرس مسألة العمل الثوري متكاملة بمعنى تحديد المرحلة التي تتحرك المسيرة بلا عنف والمرحلة التي تتحول فيها إلى العنف المسلح؟ .. 
إن مسيرة النظام الغاشمة لا بد أن تقف ثم تتراجع ثم تسقط .. وعلى المفكرين للانتفاضات السلمية أن يبحثوا في الوسائل التي يطرحونها وحقيقة جدواها اليوم ..  ومن الحري بهم ابتكار وسائل جديدة تنسجم مع مذهبهم .. والتي تؤدي في النهاية إلى إسقاط النظام وإقامة النظام البديل وتأمينه ضد الثورة المضادة .. إن أمكنهم ذلك .. ومن غير المتوقع أن يتم ذلك بدون وسائل عنيفة و مسلحة!! ..
 
الثورة الإيرانية33
كانت إيران تعيش في حالة من الاضطراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي .. واحتقان شعبي شديد .. يأخذ مكانه على الساحة في شكل هبات وانتفاضات جماهيرية بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي يعاني منها غالبية الشعب .. رغم الثروة البترولية الضخمة التي تمتلكها البلاد .. بالإضافة إلى القبضة الحديدية التي لا تسمح بالمعارضة في ظل حكم الشاه محمد رضا بلهوي .. الذي اتبع أساليب عنيفة لتصفية معارضيه بالاغتيال والنفي والسجن .. وما يتردد من أخبار عن فساد الشاه وأسرته وإسرافهم وبذخهم الشديد .. كل هذه الأمور وغيرها جعلت المعارضة ضد النظام السياسي للشاه تزداد.
وبالرغم من الاختناق العام فإن الساحة الإيرانية لم تخل قط من الحركة .. وكانت في معظمها ردود أفعال تقمع بشدة. كانت التضحيات أكبر من المكاسب. ولم يكن لديهم سوى الإضرابات والمظاهرات المحدودة التي تبدو كفقاعات أمام عتو النظام وجبروته. ونشأت الكثير من الحركات السرية التي ربما قامت كل منها بعمل واحد ثم تم تصفيتها. وبينما كانت هذه التضحيات الفردية لا تنتهي؛ كانت الحركات الفكرية تنظم نفسها .. وبدأ الحراك الفكري والسياسي يسيران جنباً إلى جنب.
وكان أكثر المعارضين هم العلماء34 .. وعلى رأسهم آية الله الخميني الذي كان يدرس في مدرسة الفياضية في قم .. ويحتشد الآلاف لخطبه ومواعظه الدينية .. وأسس الخميني "الاتحاد الإسلامي" وكان يرفض كل ما يصدره الشاه .. ويرفض كل ما يصدره المجلس النيابي من قوانين أو يصادق عليه؛ لأنه يصدر عن هيئة غير مخولة .. ولا تنطبق عليها الصفة الشرعية.
كان الخميني يكرر دائماً وصية الإمام علي بن أبي طالب  لأبنائه: "فلتكونوا دائماً حماة الضعفاء وأعداء الظالمين".. لذلك حينما قام الشاه بإعطاء الحصانة السياسية للخبراء والمستشارين الأمريكيين .. وأعلن عن "الثورة البيضاء" التي تهدف في حقيقتها إلى إخضاع علماء الدين للدولة عن طريق سحب جزء كبير من الأراضي التي يمتلكونها من الوقف .. وتهديد كبار الملاك الزراعيين بنزع ملكياتهم .. وإعطاء حق التصويت للمرأة .. استغل الخميني كل هذا في الدعاية ضد الشاه وسياساته .. واتهمه بأنه ضد الشريعة والدستور .. وأنه باع إيران للأمريكيين .. وكانت المناسبة الأولى التي ظهر فيها اسم الخميني أثناء احتفالات الشيعة بذكرى استشهاد الإمام الحسين في يوم عاشوراء؛ حيث دعا إلى التظاهر والإضراب .. واستجابت الجماهير لنداءاته .. وانقلبت مواكب عاشوراء عام( 1383 ه- 1963 م )  إلى تظاهرات اصطدمت بقوات الأمن .. وسقط ألفا قتيل من المتظاهرين .. وأظهر ذلك تأثير الخميني البالغ في الجماهير.
وقد نجح الشاه في قمع المظاهرات دون اللجوء إلى قوات الجيش .. وتوجه بنداء إلى العلماء ليلتزموا الهدوء .. ووعد بعدم المساس بأراضي الأوقاف .. وأُلقي القبض على الخميني .. ثم أُمر بنفيه إلى خارج البلاد.
لقد استخدم الخميني فتاواه كسلاح فتاك في قضية التثوير .. فأصدر فتواه المشهورة: "إن التقية حرام .. وإظهار الحقائق واجب مهما كانت النتيجة .. ولا ينبغي على فقهاء الإسلام استخدام التقية في المواقف التي تجب فيها التقية على الآخرين ... إن السكوت هذه الأيام تأييد لبطانة الجبار ومساعدة لأعداء الإسلام" ..
وتحولت المساجد والمجالس التي كانت تعقد للعزاء في ذكرى استشهاد الحسين إلى جبهات مقاومة ضد النظام .. واستطاع الخميني أن يربط بين خروج الحسين على الظلم وخروج الشعب الإيراني على الشاه .. وكان كثيراً ما يقول: "لقد فات أوان الندم والبكاء على الحسين... ومن أراد أن يلحق به فالفرصة سانحة أمامه".
لقد استفاد الخميني من أن البنية التحتية للشارع الإيراني كانت لا تزال دينية .. فما يقوله المراجع وعلماء الدين واجب التنفيذ .. ووجود عالم دين على رأس الثورة ليس بالأمر الهين في إيران .. وكانت المواكب تضم مئات الألوف في كل مدينة  .. وارتفعت الشعارات بحياة الخميني وسقوط الشاه.
لقد لُقب الخميني باسم "محطم الأصنام" لأنه لم يخاطب الشاه قط بلفظ "صاحب الجلالة" كما اعتاد زعماء المعارضة عند مخاطبته.
لقد نجح الخميني في الاستفادة من المواسم والحفلات والتقاليد الشيعية في تحويل عناصر الشعب المخدرة إلى قوة ثورية.
وبشروق شمس 5 يونيه عام 1963 انتشر خبر القبض على الإمام .. واشتعلت المظاهرات تهتف بسقوط الشاه .. فأصدر الشاه أوامره بإطلاق النار على المتظاهرين .. وداست الدبابات الجثث .. وزحف المتظاهرون إلى مبنى الإذاعة واستولوا عليه .. وخلال دقائق ولأول مرة يرتفع الشعار ليسمعه العالم كله بعد خمس عشرة سنة من القمع "الموت للشاه"  كانت الجماهير العزل تهاجم الدبابات بصدور عارية .. وكان رصاص الشاه يحصدهم وهم يتقدمون ..
وبذلك يكون الخميني قد سطر ملحمة الثورة من سبتمبر عام 1963 حتى نوفمبر عام 1964 من خلال التحدي العلني للشاه .. فتم نفيه بعد ذلك .. وقد ساهم النظام بغبائه وجبروته في تحويل الخميني إلى زعيم عالمي ..
ومن 1964- 1971 هدأت حدة المعارضة وبدأ الشباب الإيراني يعد نفسه فكرياً وعسكرياً .. فتدربوا على السلاح في الأردن ولبنان ومصر .. وإزاء هذا العمل السري كان النظام يلجأ إلى التصفية الجسدية ..
كان الجنوح إلى الحل العسكري يزداد يوماً بعد يوم .. وفي أواخر الستينات ظهرت حوالي 6-12 منظمة عسكرية .. غير أن منظمتين فقط استطاعتا تنفيذ عمليات عسكرية .. وبالرغم من التنظيم الجيد للمجاهدين إلا أن عملياتهم كانت جد قليلة .. ولم تكن ناجحة تماماً ..
الحياة في المنفى
تم نفي الخميني بعد الأحداث الدموية 1964 بشهور إلى تركيا .. وعاش فيها ما يقرب من أحد عشر شهراً .. لكنه اختار بعد ذلك أن يعيش في النجف الأشرف بالعراق .. وبدأت الأوضاع تعود إلى الهدوء الظاهري في إيران .. وأصبح النجف مركز اهتمام كبير وبؤرة تجمع كل المعارضين لنظام الشاه خارج إيران .. تحت زعامة الخميني الذي أخذ في إلقاء الخطب والمحاضرات المؤثرة عن الأوضاع في إيران .. فتناقلها أتباعه ومريدوه .. ووجدت صدى واسعًا بين الإيرانيين .. وكان علماء الدين والمعارضة قد بدءوا في البحث عن وسيلة للإطاحة بالشاه .. واختاروا لتحقيق ذلك حرب العصابات منذ مطلع ( 1390ه -1970 م ) .. وظهرت جمعيتان ثوريتان هما: "فدائيو خلق" الماركسية .. و"مجاهدو خلق" التي يقودها بعض الرجال الذين تعلموا على يد المفكر البارز "علي شريعتي" .. الذي يعتبر المنظر الأول للثورة الإيرانية .. 
وقد حاول النظام العراقي سنة (1394ه – 1974م ) الحصول من الخميني على تأييد ديني وسياسي أثناء خلافاته مع إيران .. إلا أنه رفض ذلك الأمر .. وعندما وقّعت بغداد وطهران اتفاقية الجزائر (1395ه – 1975م ) طلب العراق من الخميني السكوت عن معارضته للشاه .. وإلا فعليه الرحيل إلى أي مكان آخر .. فآثر الخميني السكوت المؤقت حتى تتغير الأوضاع .. ثم تكرر طلب السافاك والشاه بعد عامين لدى العراق بأن يوقف الخميني نشاطاته .. فخيرته بغداد بين البقاء صامتًا أو الرحيل .. فآثر الثانية .. غير أن الشاه أدرك خطورة مغادرة الخميني للعراق وطلب من العراقيين منعه من الخروج .. وقبيل هذا الأمر وقعت له مأساة شديدة عميقة تمثلت في اغتيال ابنه الأكبر مصطفى في كمين دبره له رجال السافاك .. حيث كان يضطلع بالدور الأكبر في حمل رسائله إلى مؤيديه في إيران ..
وتحول الحزن على مصطفى إلى مناسبة ليظهر فيها الناس ولاءهم للخميني وتأييدهم له وعداءهم للشاه .. وحاول ألوف الإيرانيين اختراق الحدود العراقية الإيرانية لتقديم العزاء للخميني في النجف الأشرف .. لكن الشرطة منعتهم وسقط بعض القتلى .. فردوا على ذلك بإقامة المآتم في طهران وبقية المدن الإيرانية .. وكثرت الوفود لتعزيته .. عندها وجه الخميني رسالة إلى مؤيديه تحت عنوان: "لقد سكبنا ما فيه الكفاية من الدموع" .. وطالبهم بتعليمات أربعة .. أن يقاطعوا المؤسسات الحكومية .. وأن يسحبوا كل أشكال التعاون معها .. وآلا يساهموا في أي نشاط يفيدها .. وأن يقيموا مؤسسات إسلامية في جميع المجالات ..
ولأن فتوى العلماء مقدسة كدماء الشهداء .. فإن الإيرانيين أخذوا فتواه على محمل الجد والعمل .. واتسع نطاق التظاهر داخل إيران .. مع تدفق آلاف من أشرطة الكاسيت تحمل صوت الخميني وتحريضه على التمرد والعصيان ..
نوفل لوشانو..  والعالمية
أُجبر الخميني على مغادرة العراق .. فقرر الذهاب إلى الكويت .. فصدر أمر بإغلاق الحدود في وجهه .. فعاد إلى النجف ومنها إلى دمشق .. ثم توجه إلى باريس في ( شوال 1397 ه - أكتوبر 1977 م ) .. واستقر في بيت صغير في ضاحية نوفل لوشانو على بعد (20) ميلاً غربي باريس .. وأصبحت تلك الضاحية الهادئة مقراً لقيادته لحين عودته إلى إيران .. وفي باريس انتقل من زعيم محلي إلى العالمية .. وكان وجوده هناك نقطة تحول في تاريخه وفي تاريخ بلاده .. فسلطت عليه وسائل الإعلام المختلفة أضواءها .. وكان يقضي معظم وقته أمام عدسات التلفاز .. أو محاوري الصحافة .. فخلال ثلاثة أشهر قضاها في باريس أدلى بخمسمائة حديث لوسائل الإعلام .. وفي أحد حواراته مع صحيفة "لوموند" الفرنسية تحدث باعتباره زعيمًا مصلحًا ورئيسَ دولة متوقعًا .. فأعرب عن وجهة نظره في القضايا المطروحة على الساحة الإيرانية بمنظور عصري؛ وهو حديث يخرج عن نطاق الوعظ والإرشاد والنقد المبهم للفساد.
تمتع الخميني وأنصاره في باريس بحرية كبيرة .. ويبدو أن فرنسا تصرفت بناء على وصية سفيرها في طهران .. الذي قال: "إن الشاه قد انتهى .. وإن صفحته قد طويت نهائياً" .. وأخذت المعارضة تُلقي قيادها له .. فأعلن مهدي بازرجان -أحد قادة الجبهة الوطنية- أن أغلبية الشعب في إيران قد اختارت الخميني ليكون قائدًا لها ..
وكانت أشرطة الخميني المسجلة تحرك الشارع ضد الشاه؛ ففي( ربيع أول 1398 ه- فبراير 1978 م ) خرجت المظاهرات من مساجد "تبريز" .. ولم تستطع قوات الأمن السيطرة عليها .. فخرجت فصائل من الجيش .. وسيطرت على الموقف .. وفُرض حصار بري وبحري على المدينة .. وازدادت حدة المظاهرات في رمضان .. وأخذت تطالب بإغلاق المطاعم .. والبنوك الربوية .. وفي يوم الجمعة ( 6 شوال 1398 ه- 8 سبتمبر 1978 م ) وقعت مصادمات بين الشرطة والمدنيين سقط خلالها أربعة آلاف قتيل .. وسمي ذلك اليوم "الجمعة الدامي" .. وأُعلنت الأحكام العرفية .. وفُرض حظر التجول .. إلا أن المتظاهرين تحدوا ذلك في مدينة قم .. وخرجت المظاهرات وسقط أكثر من ألفي قتيل .. وأعلن علماء الشيعة الحداد وامتنعوا عن الخطب .. وفي هذا الجو المشحون بالمآسي أقام الشاه حفلات باذخة؛ فكانت سببًا في زيادة حدة الغضب الشعبي ..
معًا ضد الشاه
تميز صيف عام 1977 بارتفاع شديد في درجة الحرارة وكأن الطبيعة35 بدورها تمهد للثورة  .. وكان النظام يستميت في إبداء ثباته .. لكنه كان يتخبط .. وارتفعت الأسعار وفرضت ضرائب وعم الفساد .. ومنذ بداية 1977كانت نذر العاصفة تلوح في الأفق .. وبعد فترة من الصمت بدأت مصادمات في الشوارع بين السافاك والمجاهدين .. وتصدى البوليس لخلية كانت تضم 19 عضواً من الرجال والنساء .. وكان الرجال يقاتلون ويحوطون النساء داخل دائرة .. وتبادلوا إطلاق النار .. وتعمدت النساء الانتحار داخل الدائرة بقطع شرايين أيديهن .. وكانت الحادثة من الوحشية بمكان وأدانتها حقوق الإنسان في هولندا ..
ثم انضم المثقفون بكل ثقلهم لينقدوا بدورهم النظام .. وتمخضت حركة المثقفين عن تكوين جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران .. وانتشرت الجمعيات الإسلامية وبدأت الإضرابات والمظاهرات .. وأضربت كلية العلم والصناعة لمدة شهرين .. وكانت كل هذه الأعمال تواجه بالقمع والعنف ..
بدأت المظاهرات في الخارج وهي التي فضحت النظام .. وأضربت الجمعيات الإسلامية في فرنسا عن الطعام.
وأثناء زيارة الشاه لأمريكا في نوفمبر كانت الجماعات الإسلامية قد أعدت للشاه استقبالاً حافلاً .. وقبل وصوله بخمسة أيام بدأ إضراب عن الطعام لفت أنظار وسائل الإعلام الأمريكية .. وتقاطر الطلاب الإيرانيون من كل الولايات أمام البيت الأبيض .. وبمجرد دخول الشاه حديقة البيت الأبيض روعته مجموعة من الطلبة ملثمة بجوارب من النايلون .. واضطرت الشرطة الأمريكية إلى إلقاء القنابل المسيلة للدموع .. واشتعلت الصحف الأمريكية بهجمة على الشاه: "المجنون الذي لم يعد أهلاً للثقة" ..
تجلى وجه آخر للثورة الإيرانية فقد قام التجار بفتح حساب اكتتابي في أحد البنوك لصرف مرتبات الأساتذة عندما رفضت الحكومة صرف مرتبات الأساتذة المعارضين .. وحينها تراجعت الحكومة عن قرارها ..
نبهت أحداث تبريز المسؤولين الإيرانيين الموالين للشاه إلى ضرورة البحث عن حلول للمشكلة المتفاقمة في إيران .. ومن ثم بدأت وسائل الإعلام تجري نقدًا ذاتيًا لمؤسسات الدولة .. ولنشاط حزب "رستاخيز" الحاكم .. بغرض امتصاص الغضب الشعبي الذي شمل طهران وقم وتبريز .. غير أن الشاه تمسك بموقفه الرافض للاعتراف بالمعارضة سواءً المعتدلة أو المتشددة .. بل وصفهم بالقتلة الخارجين على النظام .. وكان هذا الرفض القاطع منه بمثابة الضوء الأخضر للمعارضة لتتحد ضده .. متناسية خلافاتها الجوهرية. كذلك رفض الشاه نصائح الجنرال "ناصر مقدم" مدير السافاك بأن يسمح بتكوين أحزاب .. وبالعمل على إجراء انتخابات حرة .. وتطهير أجهزة الدولة من الفساد.
دفع هذا التعنت السياسي للشاه إلى مطالبة جميع القوى الوطنية بإسقاطه .. وشاركها في ذلك كبار التجار أصحاب البازارات ( الأسواق التجارية )التي تضم (250) ألف صاحب محل .. وكان هؤلاء التجار يتمتعون بعلاقات متينة مع علماء الدين .. والمعروف أن الأسواق كانت تغلق أبوابها في إيران عندما يثور التجار .. وأن التجار كانوا يعتصمون في المساجد إذا أرادوا إعلان احتجاجهم في مواجهة السلطة .. كما أن الشاه قام بسجن ثمانية آلاف تاجر من أصحاب المحال التجارية؛ لذلك ألقى البازار في إيران بثقله وقوته في كفة الخميني ضد الشاه.
وقد امتدت المظاهرات في إيران إلى أربعين مدينة .. وقاطع الطلاب الدراسة .. ورفض الخميني إجراء أي حوار سياسي مع الحكومة الإيرانية .. فسقطت الحكومة .. وكُلف رئيس الأركان "غلام رضا أزهري" بتشكيل حكومة جديدة .. وتطرق بعض قادة الجيش في عروضهم لإنهاء المظاهرات .. فاقترح الجنرال "غلام أوفيسي" حاكم طهران على الشاه تدمير مدينة قم .. وتوقع أن يكون ضحايا هذا التدمير مليون قتيل .. فلم يوافق الشاه على هذا الاقتراح .. فترك أوفيسي البلاد.
تدبير الحوادث
قام النظام بتدبير حادثة حرق السينما لتشويه الحركة الشعبية .. وكانت النتيجة احتراق أكثر من خمسمائة رجل وامرأة وطفل .. وتلكأت الشرطة في عملية الإنقاذ لتزيد من الكارثة .. وبعد عدة أيام من الحادث هاجم الناس قسم الشرطة بالفؤوس والمدي مطالبين برأس مدير الشرطة .. وكان قد استدعي إلى طهران بعد الحادثة .. وقد أدت هذه العملية إلى إفاقة عدد كبير من الذين كانوا مشغولين بحياتهم اليومية.
بعد يوم الجمعة الأسود أراد الخميني أن يزيل هيبة النظام تماماً أمام العالم كله .. فدعا إلى الإضرابات حتى وصلت إلى معامل التكرير .. فلم يكن تأثيرها محلياً فقط .. بل طالت كل بيت في أوروبا الغربية وأمريكا وإسرائيل. فالبترول عصب الحياة.
وكان الخميني يدعو إلى المواجهة بقوة ولكن مع ضبط النفس والصبر لتجنب حرب أهلية. وكلما قام النظام بافتعال حريق ظناً منه أن الجماهير ستسلب وتنهب ليشوه صورة المعارضة .. فإذا به يجد الجماهير تستجيب للخميني وتهرع لإطفاء الحرائق دون سلب أو نهب .. وقد بلغت قوة الخميني وتأثيره أن صرح لمراسل النيوزويك: "إن جماهير إيران تكتفي بالمظاهرات حتى الآن .. لكنها سوف تلجأ إلى وسيلة أشد عنفاً إذا استدعى الأمر .. وأنه قادر على سحق النظام وهو في منفاه" ..
عمت الإضرابات .. فكل يوم تعلن شركة في القطاع الخاص أنها ستغلق .. وأضرب الفلاحون عن العمل في أراضي الدولة .. وأضرب عمال الكهرباء مؤقتاً لمدة ساعتين يومياً وهو الوقت الذي تبث فيه نشرة الأخبار .. فمنعوا إعلام الشاه من دخول البيوت .. وامتنعت الصحف فكان امتناعها ترويجاً للثورة .. وبذلك نالت الإضرابات من البنية المالية والاقتصادية لنظام الشاه.
وأصدر الخميني خطابه الملتهب: "إن كل ساعة من إضرابكم خدمة لله ولدولة الإسلام" .. وقد فجر الخميني المفاجأة حينما أمر رجال الدين أن يعينوا الفقراء في هذه الإضرابات لأنهم من أوائل المتضررين .. فصرف لهم من الأموال الدينية "سهم الإمام" .. وهذا يفسر صمود الشعب في إضرابه طوال الأسابيع والشهور .. وقام التجار أيضاً بواجبهم في دعم الفقراء على خير وجه.
وفي 25 نوفمبر أصدر موظفو البنك المركزي قائمة بأسماء الذين قاموا بتهريب أموالهم للخارج من النظام.
وبحلول محرم  .. "الخروج يوم عاشوراء ذكرى استشهاد الحسين"  كانت المواجهة النهائية بين الثورة والنظام .. فما إن حلت أول ليلة من المحرم حتى ضجت أسطح المنازل بالهتاف"الله أكبر" .. كل فرد إيراني جمع أسرته وصعد سطح المنزل ليرى الهلال ويكبر .. إنه شهر الشهادة والحرية .. وبدأ الإلهاب العاطفي الثوري الديني مرة أخرى .. فمن يستشهد في المحرم سيحشر مع الحسين وشهداء آل البيت .. وصرخ الخميني: "إن شهر المحرم هو سيف الله البتار قد وضع في أيدي أتباع الإمام الحسين .. وسوف يضرب كما ينبغي بعونه...."
واستمرت المظاهرات وامتلأت الأرض بالدماء .. وانقلبت مسيرات التاسع والعاشر من محرم من مظاهر عزاء على آل البيت إلى استفتاء حقيقي يدين النظام ويخلع الشاه ويؤكد زعامة الخميني ويبايعه ..
الخميني والجيش
كان الخميني يدرك أثر الإعلام ( رسائله الصوتية ) في إشعال الثورة الإيرانية .. ولم تكن السافاك تقلقه رغم قوتها وبشاعة أساليبها؛ لأنه يعلم أن (50) ألف عميل من السافاك لن يستطيعوا مواجهة  (35)  مليون ثائر .. وخلص إلى أن المشكلة الرئيسة التي تعترض نجاح الثورة وإسقاط الشاه هي الجيش .. الذي تزيد قواته عن نصف مليون جندي ذوي تسليح جيد وتدريب راقٍ .. لذا رأأأأاااأى أنه من الضروري تحييد الجيش في الصراع بين الشعب والشاه .. وضرورة تحطيم الروابط القوية بين الجيش والشاه .. فخصص جزءًا كبيراً من إعلامه له .. تضمن ألا يخدم الجيش الشاه لأنه طاغوت .. في حين أنهم جنود الله المستضعفون .. ودعاهم ألا يطلقوا النار على إخوانهم المسلمين؛ لأن كل رصاصة تصيب قلب مسلم تصيب قلب القرآن .. ونصحهم بأن يعودوا إلى قراهم ومدنهم وأن يعودوا إلى الله.
وكان لنداءاته أثرها في الجيش؛ فبدأت التقارير تسجل حالات هروب من الخدمة .. عندها كثف إعلامه الموجه للجيش .. وطلب من الفارين أن يأخذوا أسلحتهم معهم أثناء الهرب لأنها أسلحة الله .. فقامت كتيبة كاملة مضادة للطائرات من (500) جندي تعسكر قرب مشهد بالهروب بكامل أسلحتها .. فأدى ذلك إلى اتساع نطاق الاضطرابات ولم تستطع الشرطة والسافاك مواجهتها.
وطلب الخميني من الشعب الثائر ألا يصطدم بالجيش تحت أي ظرف .. وأعلن صيحته المشهورة: " لا تهاجموا الجيش في صدره؛ ولكن هاجموه في قلبه .. إذا صدرت إليهم الأوامر بإطلاق النار عليكم .. فلتعروا صدوركم .. فدماؤكم والحب الذي ستظهرونه لهم وأنتم تسلمون الروح لبارئها سوف يقنعهم؛ فدماء كل شهيد هي ناقوس خطر يوقظ آلافًا من الأحياء" .. وكان المتظاهرون يهتفون  "أيها الجندي...أنت أخي لا تقتلني" ..
استخدم الخميني كلمات وتعابير تثير الوجدان وتهز الأعماق .. وأدرك نقاط الضعف في الجيش .. واستطاع أن يفصل بين الجنود البسطاء والضباط .. وبذلك تمكن من نزع سلاح الجيش .. بل نزع الجيش من يد الشاه قبل قيام الثورة.
كان العنف الزائد من النظام يقابل بالإضراب السلمي من الشعب .. واستمرت الإضرابات أربعة شهور شلت النظام. وأراد الشاه أن يلجأ إلى الطيران وفوجئ بإضراب القوات الجوية وانضمامها إلى الثورة.
العودة منتصراً
رفض الخميني أية حلول وسط مع حكومة "شاهبور بختيار" الجديدة .. ورفع شعار "لا" ليكون شعار الثورة .. واستمرت الاضطرابات والمظاهرات العارمة التي قضت على قدرة بختيار على التأثير في الأحداث .. وأعلن الخميني أنه سيرفض أية حكومة طالما بقي الشاه .. وأنه لن يقبل إلا سقوط نظام الشاه وإقامة جمهورية إسلامية .. وأمام ذلك غادر الشاه إيران في ( 17صفر 1399 ه- 16 يناير 1979 م ) إلى القاهرة بعدما استولى هو وأسرته على مئات الملايين من الدولارات من البنوك.
وفي ( 4 ربيع الأول 1399 ه- 1 فبراير 1979 م ) وصل الخميني إلى طهران .. وكان في استقباله في المطار ستة ملايين شخص .. وأحاطت هذه الجموع بالرجل ذي الثمانين عامًا .. وكاد الحب يقتله .. فاستقل طائرة هليكوبتر ليكمل رحلته فوق رؤوس البشر الذين احتشدوا لاستقباله ..
ومع قدومه ذابت الدولة وسلطتها وحكومتها أمام شخصيته .. وانضمت بعض وحدات الجيش إلى المتظاهرين .. وأعلن عدم شرعية حكومة شاهبور بختيار .. وعين"مهدي بازركان" رئيسًا للوزراء .. فأعلن بختيار الحكم العسكري .. فرد عليه الخميني بإعلان العصيان المدني .. وكتب ورقة نُقلت صورتها على شاشة التلفاز الذي استولى عليه أنصاره .. فيها: "تحدوا حظر التجول" فتدفق الشعب إلى الشارع .. وتصاعدت حدة المواجهات .. واستولى المتظاهرون على كميات كبيرة من أسلحة الجيش .. فجاء القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنرال قرباغي إلى الخميني وأعلن استسلامه وحياد الجيش في المواجهات التي تحدث في المدن بين مؤيدي النظامين .. وعادت القوات العسكرية إلى مواقعها .. وأعلن الخميني قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية .. بعدما استمرت الثورة عامًا كاملاً سقط خلاله أكثر من (76) ألف قتيل .. وفر شاهبور بختيار إلى خارج إيرا ن .. أهـ النقل من كتاب الخيار الثالث ..
في الخامس36 من فبراير 1979 عقد الخميني مؤتمراً صحفياً في مقر إقامته بمدرسة علوي بطهران حدد فيه برنامجه السياسي على الوجه التالي:
1- أن الرأي العام والشعب قد اعترفوا به زعيماً للبلاد ..
2- أنه عين حكومة مؤقتة لإجراء الاستفتاء .. 
3- أن معارضة الحكومة التي عينها تعد معارضة لحكم الله ..
تحددت مهام حكومة بزرجان في الآتي:  إجراء استفتاء حول تغيير النظام السياسي للبلاد من الملكية إلى الجمهورية الإسلامية .. تشكيل مجلس تأسيسي من ممثلي الشعب بغرض المصادقة على الدستور الجديد .. انتخاب مجلس نواب الشعب وفقاً للقانون الأساسي الجديد ..
سلمت رئاسة الأركان العامة وقيادة القوات المسلحة طهران وبقية المدن لنظام الخميني .. شكلت لجان ثورية لمحاكمة أعداء الثورة في كافة المدن الإيرانية فحكمت بالإعدام رمياً بالرصاص على قيادات الجيش الموالية للشاه وجميع الرموز السياسية التي عرفت بالتعاون معه أو العمل تحت قيادته أو في ظل نظامه .. وأصبحت سلطة مجلس قيادة الثورة بقيادة الخميني فوق كل السلطات بما فيها مجلس الوزراء .. وحلت الدولة الدينية محل الدولة العلمانية وانتهى عصر بهلوي نهائياً ..
أهم أعمال الخميني بعد نجاح الثورة:
* نادى الخميني بالولاية المطلقة للفقيه .. ورغم الخلافات الكثيرة حول هذه النقطة وغيرها من قيادة الدولة إلا أنها بقيت في البيت الشيعي حتى لا ينال التيار العلماني منهم .. تبلور هذا الخلاف عن ست37 مجموعات دينية متميزة .. أسفرت عن تفوق التيار الراديكالي الذي يقوده الخميني للأسباب التالية:
أولاً: أن الشاه قد قضى على الأحزاب السياسية والجمعيات المهنية والنقابات العمالية وصهرها في بوتقة الحزب الواحد المعروف بـ "رستاخيز" .. وفي نفس الوقت أهمل قوة رجال الدين ..
ثانياً: لجوء الشاه للقوة العسكرية في إخماد التظاهرات التي بدأت مطلع عام 1977 وازدادت فيما عرف بمذبحة الجمعة السوداء ( 8 سبتمبر 1978 ) .. فأعطى الخميني فرصة نادرة ليعلن عن مبدأه الرافض للحلول الوسط والداعي لردع العدوان بأشد منه تحت مظلة الجهاد الإسلامي ..
ثالثاً: لم تستطع المجموعات الوطنية من أهل الفكر العلماني ومثقفي إيران أن تعمل وسط جماهير المدينة في إطار زخم المناخ الديني .. وامتهانه لهم ووصمهم بعملاء الغرب ..
رابعاً:  رسم الخميني في غربته أيدلوجية بسيطة وملائمة لطبقات الشعب الإيراني شملت القضاء على الفساد وتوزيع الثروة وانتقال السلطة وبعض الخدمات الاجتماعية ومشروعات البنية التحتية .. فحصد بها الشعبية التي يريد .. في حين انشغل خصومة الدينيين بعلاقاتهم المتشعبة بالبازار ..
خامساً:  الصفات الذاتية للخميني والتي تمثلت في الذكاء والوقار  وقدراته على جذب المستمعين .. وأسلوب معيشته المتواضع وتقشفه .. فكان نموذجاً للحدة والثبات على المبدأ .. فلقبته الجماهير بالإمام وهو لقب لم يحصل عليه في التاريخ الشيعي إلا اثنا عشر إماما فقط ..
*38 أنشأ الخميني منظمة الحرس الثوري من الثائرين .. بالفارسية: ( سپاه پاسدران انقلاب اسلامی ) ..  لتكون الدرع الواقي الذي يحمي الثورة39 من قوى البيروقراطية والمؤسسات العسكرية ( وزارتي الدفاع والداخلية ) .. وتسلم هو قيادتها بعد أن وضع على رأسها قيادات مخلصة له .. تم تطوير تسليح الحرس الثوري وأصبح له فروع وتخصصات تماما كتخصصات الجيش ويمتاز عنه بقوة ارتباط عناصره بعقيدتهم .. وبالتالي تمكن تماما من إحباط أي محاولة انقلاب للجيش .. أو أي قوى أخرى من قوى الثورة المضادة .. 
وهكذا امتلكت الثورة الشق العقدي .. والقوة المسلحة الحامية .. والطاقة الروحانية الدافعة .. وتبلور التحالف القائم على الأمر .. ولكن إلى كم من الوقت ستظل روح الثورة مسيطرة؟ .. والدولة تتحرك بمثالية الثورة؟ ..
أسباب اندلاع الثورة الإيرانية:40
يرى الرئيس الأمريكي نيكسون أن الأصولية الإسلامية حلت محل الشيوعية التي سقطت في المنطقة الإسلامية .. كما أن سبب الثورة المباشر يرجع إلى فساد الشاه وقمع الشرطة ..  وأن الشباب ساندوا الثورة لأنهم كانوا يبحثون عن شيء يؤمنون به غير المادية والإلحاد .. 
وعلى الرغم من أن وجهة نظر الرئيس نيكسون تحمل جانباً من الصواب فإن الجانب الأخر للحقيقة التي أغفلها عن عمد تتمثل في عنصرين أساسيين الأول: يرتكز على أخطاء الشاه ومساوئ النظام .. تلك المساوئ التي أدت إلى استجابة الشارع الإيراني بسرعة لنداءات الخميني .. وانحصر العنصر الثاني في إذكاء المبادئ الدينية التي يؤمن بها أنصار الشيعة الجعفرية الإثنا عشرية .. والمتمثلة في ولاية الفقيه .. تلك العقيدة المختزنة في الضمير الإيراني ..
الرؤية الأمريكية للتفاعل مع الثورة:
انقسم صناع القرار  فيها إلى قسمين: الأول يمثل الصقور ويرأسه الدكتور زبيجنيو برجينسكي مستشار الأمن القومي والذي كان يشجع الشاه على مزيد من العنف والقسوة  حتى يتمكن من سحق المعارضة .. بدعوى أن سقوط الشاه فجأة سيؤدي إلى خسارة فادحة لمصالح الولايات المتحدة في الخليج ..
الفريق الآخر يمثل الحمائم وعلى رأسه سفير الولايات المتحدة في طهران وليام سوليفان الذي رأى أن الشاه لا ينبغي له استخدام القوة مع المعارضة لسببين: الأول أن المعارضة الإيرانية شديدة الانتشار وأنها شملت جميع أرجاء الدولة وأصبح من الصعب سحقها .. الثاني أن الجيش لم يهتم لأمر البلاط وأنه لن يتدخل لإنقاذه بعد قرار المجلس الأعلى للضباط بالتزام الحياد في يناير 1979 .. واقترح سوليفان أن يمد الشاه يده للمعارضة الداخلية المعتدلة حتى يستطيع جذبها لجانبه وإبعادها عن القيادات المناوئة له .. كما اقترح أن يمد الشاه يد الصداقة للخميني .. وكان الرئيس كارتر من المؤيدين لرأي الحمائم خوفاً من تكرار ما حدث في شيلي ..
وصل إلى طهران الجنرال هاوزر نائب القائد العام لقوات حلف الأطلنطي في أوروبا في الخامس من يناير 1979 وبقي بها حتى 8 فبراير  أي بعد رحيل الشاه من طهران نهائيا .. وقد انحصرت مهمته في منع الجيش من القيام بانقلاب لإنقاذ العرش .. لكي يبقى الجيش41 الإيراني جاهزاً أمام الأمريكيين عند الحاجة إليه ..
محاولة انقلابية فاشلة42:
في تموز/يوليو 1980 .. اجتمع زبيجنيو برجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي بالحسين بن طلال ملك الأردن في عمّان لمناقشة خطط مفصلة يرعى من خلالها الرئيس العراقي صدام حسين تقديم انقلاب في إيران ضد الخميني .. الحسين بن طلال الذي كان أقرب حلفاء صدام في العالم العربي .. أدى دور الوسيط أثناء التخطيط .. الغزو العراقي لإيران سيكون تلبية لدعوة من الضباط الإيرانيين الموالين الذين يخططون لانقلاب أو انتفاضة في 9 تموز/يوليو 1980 (في عملية أطلق عليها اسم:  "نوجة" .. تيمناً باسم قاعدة جوية في همذان.
تم تنظيم الضباط الإيرانيين بواسطة شاهبور بختيار الذي فر إلى فرنسا بعد تسلم الخميني السلطة .. لكنه كان يدير العمليات من بغداد والسليمانية في الوقت الذي تم في اللقاء بين زبيجنيو برجينسكي والحسين بن طلال .. على أي حال فقد تسربت أنباء الخطة إلى الخميني عن طريق عملاء سوفييت في فرنسا وباكستان وأمريكا اللاتينية .. وسرعان ما تمكن الرئيس الإيراني الحسن بني صدر من تطويق قرابة 600 من الضباط وأعدم كثيراً منهم .. واضعاً نهاية حاسمة لخطة "نوجة" للانقلاب .. قرر صدام إتمام المخطط بدون معونة الضباط الإيرانيين .. فيبدأ بذلك حرباً ضروساً دامت 8 سنوات عجاف حصدت أكثر من مليون قتيل ولم تبق ولم تذر.
***
 
خاتمة:
الانتفاضة الشعبية السلمية قد يكتب لها النجاح وتستكمل تطورها حتى تفرض نظامها ونموذجها الحالي هو إيران .. وعادة لا تتمكن من النجاح ويتم إحباطها بقسوة .. إلا أن الشعب الحي يعود مرة أخرى ليقود مسيرة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية .. ولكنه يستفيد من تجربته السابقة ولا يكررها .. وتكون مسيرته القادمة إما انتفاضة مسلحة .. أو حرب عصابات .. 
تعتمد مسيرة التغيير القادمة على طبيعة الشعب .. وطبيعة الأرض .. وما تعلمه الشعب من رد فعل النظام وقواته العسكرية والأمنية سابقاً .. وما هو متوقع منهما لاحقاً ..
 
في الثقافة الثورية ( 4 )
الثورة المضادة ( النموذج المصري )
لقد كان العسكر على أتم استعداد حينما بدأت الانتفاضة .. ربما هُم من حرض عليها .. لقد كان همّ من هموم الجنرالات وجود أسرة43 حسني مبارك في الحكم .. وشريحة من قدامى الضباط في الخلفية .. وزاد الهم هماً خروج الشعب كله راغباً في التغيير .. ولقد كان متوقعاً ذلك  .. فمصر بعد الحادي عشر من سبتمبر تعيش في أجواء الثورة .. ما كان غير متوقع هو أنهم فشلوا كعسكر في تدجين أو إرهاب الجيل الجديد44 وكسب ولاءه بعد سنــ60ـــة من الحكم .. فقد خرج الشعب بأعداد فاقت ما كانوا يتوقعون في أسوء كوابيسهم ..
عملياً استعد العسكر بشكل جيد للقضاء على الانتفاضة .. أما الشعب والعناصر التي برزت فقد كانت تحبوا يوم قامت الانتفاضة .. ولكنهم كانوا منتبهين لبعض الحيل التي واكبت بداية الانتفاضة من إسقاط الحكومة إلى إسقاط الرئيس .. وأصروا على إزالتهما ونجحوا ووفقوا في ذلك .. أما ما تلى ذلك فقد فاق عمرهم الثوري .. فلم تعي الانتفاضة ما يجب أن تفعل .. وقد أسكرتهم التحية العسكرية لشهدائها .. إن لحظة التنحي هي اللحظة الحقيقية لبدأ الثورة المضادة .. وما قام به المجلس العسكري لم يخدم إلا مشروعهم الرامي لإعادة الحكم إليهم ..
لقد كان طنطاوي ومجموعته على قدر من الدهاء والخبث فاق قدرات كبار الكوادر الثورية والجماعات الإسلامية والتيارات السياسية التي شاركت في الانتفاضة .. وعلى الرغم من وجود تجربة سابقة في إيران أعادت الشاه إلى الحكم "عملية أجاكس" .. إلا أن حسن تغطية طنطاوي ورفاقه على الدور الأمريكي وتمتع الجميع بالصبر والتربص .. أعمت عيون الناس عن المؤامرة "أجاكس2" ولم ينتبه لها إلا قبيل التنفيذ بقليل .. 
ملخص سريع لعملية أجاكس ( مصدق – الشاه ) .. قبل سنـــ62ــة .. عام «1951» وصل الدكتور محمد مصدق إلى رئاسة الوزارء في إيران بعد انتخابات برلمانيَّة حُرة .. مصدق كان يقود وقتذاك الجبهة الوطنية أو «جبهة ملي» .. وقاد ثورة حقيقيَّة ضد نظام الشاه .. وشرع مصدق في تحرير بلاده من القبضة والهيمنة البريطانية والأمريكية وخاصة شركات البترول التي كانت تتحكم في موارد إيران البترولية وثرواتها وجرى تأميم النفط الإيراني .. وتبع ذلك عزم مصدق على رفض التبعية للقوى الغربية.. والقيام بإجراء تغييرات في بنية وهيكل الدولة لإعادة إيران إلى تاريخها وهُويتها والاستفادة من مواردها وقدراتها الاقتصادية .. فقام بأربع خطوات: وضع برنامج إصلاح زراعي أرعب به الإقطاعيين .. تحالف مصدق مع اليساريين والليبراليين فأخاف القصر .. وقام بتأميم النفط فاستعدى الغرب .. وأسس للديمقراطية فأفزع «السافاك» (مخابرات الشاه) والمحيطين بالملكية ..
انضم بعض رجال الدين إلى حركة مصدق .. وأفتوا بأن كل من يعارض تأميم النفط الإيراني فهو عدو الإسلام .. وحين أعلن مصدق عن اعتزامه وضع خطة لتطبيق الإصلاح الزراعي وتحديد ملكية الأراضي .. خاصمته المؤسسة الدينية وتخلت عن تأييده .. واعتبره فقهاء السلطان معادياً للإسلام والشريعة ..
لجأت بريطانيا إلى فرض حصار دولي على النفط الإيراني بدعوى أن حكومته انتهكت حقوق شركة "بريتش بتروليوم" التي تملك لندن الحصة الأعظم في ثروتها .. أمر إيزنهاور وكالة المخابرات الأمريكية بتدبير انقلاب مضاد على مصدق .. فأمريكا اعتبرت إيران قاعدة مركزية لها في مواجهة السوفيت .. أرسل إلى طهران اثنين من رجال المخابرات المركزية للقيام بما يجب لإسقاط الحكومة في عملية عُرفت باسم أجاكس .. (تسمى بالفارسية كودته 28 مرداد) .. قادها ضابطي المخابرات الأمريكية "كرميت روزفلت ونورمان شوارزكوف45"  .. تمحورت في تفجير حركة الشارع الإيراني .. وتحريك تظاهرات مضادة لمصدق .. وتشويه صورته .. وإنهاء هيبة الدولة والسلطة عبر الشعارات البذيئة والتافهة التي تحطُّ من قدر مصدق وقيادات حكمه .. وإرهاب الشعب من خلال أعمال القتل والبلطجة .. وتهيئة الأجواء لنجاح الانقلاب المضاد ضد مصدق..
لقد كان الإعداد للمخطط كامل .. سياسي وإعلامي واقتصادي وعسكري .. وحتى ديني .. للإطاحة بهذه الحكومة الوطنية التي جاءت عن طريق صناديق الاقتراع للحد من فساد واستبداد الشاه .. بدأت الخطة بنشر الإشاعات الكاذبة حول حكومة مصدق في الداخل والخارج .. جرى تصويره كشيوعي معاد للدين تارة .. وكعميل موال للسوفيت .. ثم كعدو للديمقراطية والاقتصاد الحر .. وكعدو للفقراء مرة .. وضد الأغنياء أخرى .. وتم تقديم الرشاوى بملايين الدولارات لأعضاء في البرلمان وخارج البرلمان لتعاون إنجاح خطة الإطاحة بالحكومة .. وجرى تنظيم صفوف رجال الأمن .. بحيث يصيرون ضد الحكومة ورئيسها .. وأقيمت تحالف بين فلول نظام الشاه وطبقة رجال المال والأعمال وقيادة الجيش الإيراني .. ثم جاءت عملية تنظيم مظاهرات في الشارع وفي أكثر من إقليم .. تظهر الوثائق الأمريكية أسماء شخصيات كثيرة من «البلطجية» كما يسمون اليوم في مصر أو «عصابة الأشرار» كما تسميهم الوثائق الأمريكية الذين كانوا يبعثون أتباعهم للخروج في مظاهرات .. وأُحكم الخناق على حكومة الدكتور مصدق ما بين التظاهرات في الشارع وتحركات بقايا نظام الشاه مع الجيش وعصابات الإجرام التي تولت تصفية القيادات الشعبية والمدنية لحكومة مصدق .. 
استمرت الحرب الإعلامية الدعائية وحرب الشوارع عن طريق المظاهرات المفبركة ورشوة النخبة .. ثم جاء الدور على الاقتصاد .. حيث قادت بريطانيا حربا على النفط الإيراني في الأسواق العالمية بدعوى أن إيران اعتدت على الحقوق التجارية البريطانية في الشركة المؤممة .. ساءت الأوضاع .. واحتدم الصراع بين مصدق والشاه .. ما دفع هذا الأخير إلى الهرب إلى إيطاليا في بداية 1953 .. وقبل أن يهرب وقع قرارين: الأول هو عزل مصدق .. والثاني تعيين الجنرال فضل الله زاهدي محله .. 
واشتد الحصار الاقتصادي على البلاد .. واتسعت المظاهرات مدفوعة الأجر .. وأصبح الجو مهيأ لـ«الحركة الأخيرة» .. انقلاب عسكري على رئيس الحكومة مصدق .. استطاع جنرالات الجيش بقيادة الجنرال فضل الله زاهدي من محاصرة مقر مصدق .. وقصفه وإسقاط سلطته في التاسع من أغسطس عام 1953م .. واعتقاله وإيداعه السجن .. وإعادة الشاه الهارب إلى الحكم مرة أخرى.. وطُويت صفحة من تاريخ إيران مرَّت بسرعة البرق .. لكن بعد 26 سنة في العاشر من فبراير 1979.. خرج مصدق آخر في ثوب راديكالي ديني اسمه آية الله الخميني .. وقاد ثورة هادرة على الشاه وعلى الغرب ومصالحه وثقافته .. واقتلع النظام السابق من جذوره .. ولد هذا قناعة بأن الإطاحة بمصدق كانت السبب رقم واحد في نجاح ثورة الخميني .. وأكد لي أن التفاعلات الشعبية لا تنجح من المرة الأولى .. فالشعوب تحتاج لتراكم خبرات حتى تتجاوز ما أعاقها من قبل ..
إذن: أمريكا .. رجال الأعمال .. العسكر .. الفلول .. البلطجية .. الرشاوى .. الأمن .. رجال الدين .. الإعلام .. السفهاء .. مظاهرات مدفوعة الأجر .. وأخيراً انقلاب عسكري .. الانتقام .. السجن .. ومستقبل مظلم .. ما أشبه الليلة بالبارحة .. وما أشبه مصدق بمرسي .. والسيسي بزاهدي .. وما ندري متى تضع الأيام حملها ..
تشابهت عملية أجاكس1 مع أختها في مصر في ثلاث عناصر: الرعب الاقتصادي الذي استهدف التضييق على الناس وإقناعهم بأن الوضع المستجد أسوأ من سابقه .. الذين باشروا تنفيذها الجيش والبلطجية وعناصر الدولة العميقة والإعلام والمؤسسات الدينية .. كما تشابهوا في الزمن فقد استغرقت سنتين من العام 1951 إلى العام 1953 وكذلك الانتفاضة المصرية من يناير 2011 إلى مايو 2013 .. فهل سيفرج عن الدكتور مرسي وتحدد إقامته في قريته حتى مماته كما حددت إقامة مصدق في إيران؟ .. أشك في ذلك .. وهناك سؤال آخر في حالة فشل الانقلاب هل كانت هناك نوايا حقيقة لغزو مصر؟ أشك في ذلك كثيراً .. عموما اعتمد الغرب واليهود على عوامل الداخل لتحقق التصفية المطلوبة .. ومن ثم تتكفل بتحقيق المراد دونما حاجة إلى جهد الغزو أو التدخل الخارجي .. فمصر تؤكل من الداخل لا من الخارج .. وكذلك كل الأمم الكبيرة.
يمكن فهم النفسية الأمريكية من خلال الرموز والشعارات .. اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية النسر شعاراً لها .. وهو طائر من الضواري كبير الحجم وقوي .. يستطيع أن يصطاد فرائسه بنفسه .. إلا أنه طائر غير شريف .. ولا يتمتع بنبل الأخلاق .. ولا يتمتع بعزة النفس .. ولا يترفع عن الصغائر .. حتى لو حلق في عنان السماء .. لأنه يفضل أن يقتات من القتلة .. أو البلطجية .. أو فرق الموت .. ولأنه لا يحط إلا على الجيف .. ولأنه يشترك مع الضباع46 في كونهما مستوعب زبالة متجول .. فهو من الطيور القمامة .. وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية .. نظاماً وشعباً47 .. مخلوقات قمامة .. إلا ما رحم الله ..
برنامج عمل الثورة المضادة في مصر
قدم الثوار في السادس من فبراير مجموعة من المطالب .. مطالب الثوار تلخصت في عشر نقاط: رحيل الرئيس ومحاكمته .. حل مجلسي الشعب والشورى .. تولي رئيس المحكمة الدستورية العليا رئاسة الجمهورية يعلن خلالها عن تأسيس جمعية وطنية لكتابة الدستور .. تشكيل حكومة انتقالية لتسير الأعمال .. تولي الجيش حفظ الأمن .. تولي الشرطة العسكرية مهام الشرطة المدنية .. عزل قيادات الشرطة ومدراء الأمن وقيادة أمن الدولة ووضع ضباط وجنود الشرطة تحت تصرف الشرطة العسكرية .. التحفظ على المسؤولين السابقين لمحاكمتهم .. تجميد أموال المسؤولين السابقين لحين معرفة مصادرها .. الإعداد لانتخابات رئاسية وتشريعية وفقاً للدستور الجديد ، 
لقد كان تحقيق هذه المطالب للثوار حلم وأمل لم يتحقق .. وهذه المطالب تعبر بوضوح عن الخلفية والمرجعية لكاتبيها .. وهي لا تمثل أي نقطة انطلاق للتيار الإسلامي .. رغم اصطفاف قرابة المليونين في صلاة الجمعة والدعاء الحار .. 
أولاً: فترة استيلاء المجلس العسكري على السلطة:
قام طنطاوي ومجلسه العسكري ببعض الخطوات التي لم تلقى ابتداءً معارضة .. خاصة بعد التحية العسكري الحماسية  لشهداء الانتفاضة .. تابع الشعب ومجلس أمناء الثورة48 المجلس العسكري في قراراته .. وبعد عدة أسابيع بدأت الانقسامات تدب في صفوف المنتفضين .. وتباينت الأهداف .. وسقطت الأقنعة وانتهى شهر العسل بين الأيدلوجيات المختلفة .. لتبدأ المنافسة .. والحقيقة أنها كانت صراعاً لا منافسة .. ولهث الجميع خلف المجلس العسكري يخطب وده ورضاه .. فالقوة مطلوبة وامتلاكها مغري .. قلة كانت منتبهة .. أبرزهم الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل ..
عموما قام المجلس العسكري باتخاذ مجموعة إجراءات في إطار خدمة مخططه:
* قفز على السلطة وعين نفسه نائبا عن الشعب والثوار .. عندما تنحى مبارك عن السلطة أوكل بها المجلس العسكري .. أي أن الشعب الذي قام بهذا المجهود الأسطوري لا وزن له .. فهو لم يقم باختيار من يمثله لبناء الدولة وإدارتها .. بل فرض عليه فرضاً نفس الوجوه الكالحة التي أدارته طوال سنـ60ــة وهي تسير به من فشل لآخر على كل المستويات .. فالعسكر .. من عهد جمال إلى مبارك .. وصلت مصر بهم إلى القاع .. وبعد أن حلم شعبها في مستقبل مبشر لانقلاب 23 يوليو .. إذا بهم يتمرغون في التراب سـ60ـة .. 
وضع المجلس العسكري نصب عينه عدة أمور: الأول عدم تشكيل محاكم ثورية لأن القضاء المصري خاصة في القضايا السياسية نزيه وشريف .. والحقيقة أن القضاء المصري على النقيض تماماً من الشرف والنزاهة .. فهو قضاء نظام يخدمه بإخلاص وتفان .. وهو قضاء مرتشي لا يهمه إلا رصيده البنكي .. أما العدل فربما لم يسمع به القضاء المصري فلم يخرج من قاعاته إلا الظلم .. قد يقول البعض هناك بعض الشرفاء من القضاة .. أقول لكل قاعدة استثناء ولكنهم قلة قليلة ..
الأمر الثاني: إتلاف الاحتياطي المالي للدولة .. تمهيدا لتسليمها لسلطة منتخبة لا تجد شيئاً تتحرك به .. فتسقط آلياً .. وينقلب الشعب عليها مع أول أزمة .. وتفقد ثقة المستثمرين فلا يقتربوا من مصر ..
الأمر الثالث: إشاعة الفوضى وضياع الأمن ونشر البلطجة .. فتنتشر الجرائم ويجهل المتسبب وتتوه الحقيقة وتضيع العدالة .. وكذلك يسقط الاقتصاد .. إن قاعدة الاستقرار لها عنصرين أحدهما الاقتصاد الذي يطمئن الناس على أمنهم الغذائي ومستقبلهم المعيشي .. والثاني الأمن الذي يضمن سلامتهم من الأذى وتعافيهم من الظلم عند القضاء .. قال تعالى { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4} قريش ..
الأمر الرابع: اتبع سياسة فرق تسد .. فلعب على نقاط الاختلاف بين المنتفضين وما أكثرها .. فاستطاع أن يقسمهم إلى معسكرين: إسلامي وغير إسلامي .. ثم قسم الإسلاميين إلى معسكرات: الإخوان .. السلفيون .. سلفية حزب النور .. الجماعة الإسلامية .. والأزهر .. ثم تحالف مع كل من العلمانيين واللبراليين وسلفية حزب النور والأزهر والكنيسة والإعلام والسينمائيين .. ليواجه الإخوان ومعهم السلفيين والجماعة الإسلامية .. لا أنسى أن أقول أن الجماعة الإسلامية كانت أكثر نضجاً وقدمت المصلحة العامة على مصلحتها .. تجلى هذا كثيراً في تحركات الشيخ عاصم عبد الماجد ..
الأمر الخامس: في الثالث عشر من فبراير أصدر المجلس بيانه الخامس والذي أعلن فيه توليه حكم البلاد بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر أو حتى يتم إنهاء انتخابات البرلمان بمجلسيه وكذا رئاسة الجمهورية .. وعطل في البيان العمل بالدستور .. 
أثير الخلاف حول عدة قضايا .. التعديل الدستوري49 .. تشكيل مجلس رئاسي .. الانتخابات الرئاسية .. الانتخابات البرلمانية .. أي هذه الخيارات يأتي أولاً .. وازداد الخلاف حتى تفرق دم الانتفاضة بين المنتفضين .. وزاد الطين بله بعد موافقة الشعب على التعديل الدستوري قيام المجلس العسكري بإخراج إعلان دستوري جديد .. يتلاعب فيه بإرادة الشعب .. ويضمن للجيش والقضاء حصانة .. ويجعل أحكام القضاء نافذة وغير قابلة للطعن والاعتراض ..
الغريب أن الشعب تجاوب مع كل هذا .. وردود الفعل الغاضبة احتواها المجلس بالانتخابات البرلمانية التي منوا الشعب بأنه سيحقق آماله وطموحاته وربما أحلامه من خلال برلمانه القادم .. لقد كان ابتزازا سياسيا محكما .. أنجحه الفرقة والاختلاف بين المنتفضين .. وقلة التجربة ..
* عدم تشكله محاكم ثورية تمهيدا للخطوة التالية .. الشعب الذي قام بالانتفاضة استسلم لقيادة المجلس العسكري .. الذي عينه حسني مبارك .. وبالتالي كان من المحال أن يدرك مطالب الشعب أو ينفذها .. لقد كان دوره إماتة هذه المطالب بالتباطؤ وإطالة الأمد قدر ما يستطيع .. ولأنه ليس هناك ثورة فلم يكن هناك مجلس ثوري .. وبناء عليه لم يكن من المعقول أن يشكل النظام المعين محاكم ثورية .. وإلا فالقيادة العسكرية ستكون داخل قفص الاتهام مع باقي عصابة مبارك .. ولأن القضاء أيضا من باقي الشلة فمن المنطقي أن يتجاوب مع المجلس العسكري في مخططه .. تمهيدا لحماية كل المؤسسات التي لعبت أدواراً قذرة بحق الدين والشعب المصري.
* حماية مؤسسات الدولة العميقة .. قام المجلس العسكري بتصنيم عدة مؤسسات .. وأسبغ عليها من صفات القداسة والحصانة والمهابة ما يجعلها رمزاً شريفاً لا يسقط في الصغائر .. وتعهد بحمايتها .. وتحالف معها .. وكانت له خير معين طوال الوقت .. عملا معاً بانسجام وتماسك .. لقد كان تحالفه القوي مع مؤسسة القضاء .. والنائب العام .. والأزهر .. والكنيسة .. والإعلام .. التي ساهمت بكل قوة في تدمير مكتسبات الانتفاضة واحدة تلو الأخرى .. وبالقانون .. ووفقاً للدستور .. مستفيدة من الانقسام بين المجموعات التي قامت بالانتفاضة وتلك التي امتطتها أيضاً ..
* تلاعب المجلس العسكري بطلبات الثوار .. فلم تكن هناك محاكمات حقيقية .. ولا محاسبة لأحد .. وحتى ما يقدم ككبش فداء عن نظام مجرم لم يتحقق .. وتمت محاكمات هزيلة بأحكام لا تناسب مجرمين أجرموا في حق الدين والشعب طوال ثلاثة عقود .. وخرج جلهم بعد أن برأت ساحاتهم .. وحتى رئيس النظام حظي بما لم يسمح به لخصومه في يوم من الأيام .. وبعد الانقلاب المشؤوم للسيسي عادت كل الوجوه المجرمة لتمارس حياتها وكأن شيئاً لم يكن .. بل ما يحدث اليوم من قتل وأسر وتشريد وتدمير وسرقات للشعب وممتلكاته .. لهو سبة في جبين الجيش وعار لا يمكن محوه .. إلا بإراقة دماء لو أنها أريقت في ينـ25ـاير لارتاحت منهم العباد والبلاد .. ولكنه العبث والاستهتار بدماء الشعب وممتلكاته التي اعتاد عليها العسكر .. ومعهم طائفة من النفعيين الذين آثروا من مصهم لدماء الشعب المسكين .. 
* التمسك بعناصر القوة الأمنية والقضائية والإعلامية والدينية .. حافظ المجلس العسكري على الكوادر الأمنية لوزارة الداخلية وأمن الدولة كما هي .. واكتفى بعزل مجموعة وأرسل مجموعة للمحاكمة برئت ساحتها بعد ذلك .. وغير أسم مباحث أمن الدولة إلى الأمن الوطني .. وأبقى على كل من: عصابة القضاء .. ومنافقي الإعلام كما هم .. وغش الشعب بأول مذيعة محجبة .. وكأن السماح لها بالظهور على الشاشة المصرية هو ما كان ينشده المصريون من تغيير .. وبقي شاويش الأزهر في موقعه .. هذه هي جزء من مفاصل النظام التي طالب الشعب بإسقاطها .. وبقائها بهذا الشكل فيه من الدلائل والمؤشرات .. من هذه المؤشرات احتقارهم للشعب وانتفاضته .. دلالة على المستقبل القادم .. فبعد أن ابتلت سراويل النظام في أيام الانتفاضة ها هو يتماسك ويعود يوماً بعد يوم ليذل الشعب أكثر وأكثر .. تعجبت كثيراً وحرت جواباً لأسئلة عديدة .. تدور حول الذين تصدروا المشهد من المنتفضين .. هل كانوا يعون ما يفعلون؟ .. أم أنهم لازالوا من جيل اعتاد الذل ولم يستطع أن يرفع طرفه في وجه مستعبديه؟ .. أم كان من الأفضل أن يحتل الصدارة جيل من الشباب الذي انتفض حتى وإن بدت خبرته محدودة فلعله بالتجربة والخطأ يصلح ما عجز غيره عن تحقيقه من تغيير حقيقي للبلاد؟ .. لقد بقي النظام كما هو والأمرّ أنه بقي في السلطة أيضاً بنفس أطقمه وإن تغيرت الأسماء .. فأين كانت عقول الرجال؟! ..
وعمد المجلس العسكري على تغييب الشرطة تمهيداً لتنفيذ مذابح وإشاعة الفوضى كما يوضح البند التالي ..
* إرهاب الشعب بالمذابح والتخويف الاقتصادي وإنهاكه وتأديبه: أطلق المجلس العسكري العنان لقرابة ثلاثمائة ألف بلطجي خدموا النظام المصري طوال العقود السابقة .. تم تدريبهم في المخابرات العسكرية المصرية وسلمت إدارتهم لجهاز أمن الدولة .. فعاثوا فساداً في البلاد حتى تمكن الشعب من تشكيل مجموعاته الأمنية فحد من شرهم .. هذه المعلومة عن عدد البلطجية مصدرها الرئيس مرسي أثناء وجوده في الصورة .. فكل شر يحدث في مصر وينسب لأي جهة .. ما هو إلا مؤامرة مدبرة من أسوء خلق الله جهاز مباحث أمن الدولة .. فهم يفجرون الكنائس لتأديب النصارى ويقبضون على الملتزمين ليؤدبوا المسلمين .. وكأن هؤلاء القتلة لا أب لهم ولا أم .. وكأنهم يهود لا يقرون بحد ولا وعيد .. يذبحون البشر ويمزقونهم ويحرقون جثثهم ويلقونها على المزابل أو يخفونها في أبار50 سجونهم السرية .. وكأن من قتلوه مبتور لا أصل له ولا فرع يحزن لفراقه وينتحب لوفاته ويذوب ألما لما يحدث له .. إن جهازاً بل نظاماً حاكماً هذا فعله وذاك وصفه لا يصح أن يعامل إلا بالحديد والنار .. 
وطوال الفترة التي ماطل فيها مبارك كانت قنوات البث الفضائية التابعة للنظام والملتصقة بها تستضيف من يرعب الشعب بالتهديدات الخارجية واحتمالية السيطرة على قناة السويس فالأسطول الأمريكي يشق عباب البحر في طريقه إليها .. والنظام الاقتصادي سوف ينهار بانهيار النظام وسيدخل الناس في مجاعات ومتاهات .. وكأن مصر كانت تسبح في النعيم فهؤلاء المجرمون لا يتبعون إلا سياسة "جوع كلبك يتبعك" ويا ليتهم عاملوا شعوبهم كما يعاملون كلابهم .. وقالوا أيضاً لا يمكن لأحد أن يسير بمصر في هذه العواصف إلا المحترفون الذين يعرفون الأمور وفقهوا السياسة .. وكثيراً من هذه الترهات والكلام الفارغ علاوة على بعض مقدمي البرامج المنحطين أخلاقياً واجتماعياً الذين يصرخون ويولولون .. وعندما سقط النظام واختفى المجلس العسكري في الخلفية وجاء الرئيس مرسي شعر المصريون ولأول مرة منذ انقلاب 23 يوليو 1953 بأنهم أحرار لهم كرامة ولهم عزة .. ولهم بلد يعيشون فيه .. إنني وعدد من إخواني نعيش خارج مصر منذ أكثر من عقدين ونصف كنا نرى ثمرة الانتفاضة المصرية في عيون ومشاعر المحيطين بنا .. ولقد أبصرنا فعليا الحجم الذي تمثله مصر في الواقع إذا تولى زمامها المخلصون .. لا العسكر والمجرمون قاتلهم الله .. ولكن العسكر المجرمون ومن ورائهم من أعداء للدين أولاً وللإنسانية كلها ثانياً لم يتركوهم ينعموا بذلك .. إن لمصر وللمصريين الشرفاء المتمسكين بدينهم لحضور في العالم لا يدانيه حضور .. وقوة ناعمة لها اعتبار لا يجهله إلا أبناء مصر المغلوبين على أمرهم .. 
* من أبرز الأدوار التي نجح فيها المجلس العسكري هو .. الاستفادة من الاختلافات الأيدلوجية بين عناصر الانتفاضة .. وتعميق هذه الخلافات بإبراز نقاط الافتراق إعلاماً والتأصيل لها لكي ينحاز كل فريق لمرجعيته .. ولم يعد الاتفاق على الحد الأدنى هو الجامع لهم بقدر رغبة كل فريق بالاستئثار بالسلطة .. وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب حتى على حساب إرادة الشعوب وحجم كل فريق شعبياً .. وأشعل هذا الخلاف من خلال: المنافسة البرلمانية .. التي أوضحت الحجم الحقيقي للتيارات الغربية "العلمانيون واللبراليون" .. إذ لم يكن لهم قاعدة شعبية تذكر أو تنفعها في الانتخابات اللهم إلا أتباع الكنيسة من نصارى مصر .. وفي مراحل لاحقة انضم لهم فلول النظام السابق .. وأصبح التيار العلماني هو فرس رهان الجيش المصري ورأس الحربة الأمريكية وطابورها الخامس .. 
وبنفس النفس الهادئ نجح العسكر في إشعال فتيل أزمات متتابعة بين الإسلاميين أصحاب المرجعية الشرعية الواحدة .. ولكن معسكراتهم السياسية شتى .. وانتمائهم أيضاً للبلاد يتفاوت .. فسلفيو الإسكندرية يعيشون فيها ولكن انتمائهم لعلماء نجد هو المحرك لهم .. وعلماء نجد لا يخطون خطوة دون الإرشاد الاستخباراتي السعودي .. واصطف بقية الصف الإسلامي خلف راية واحدة وكان أبرزهم الإخوان والجماعة الإسلامية وسلفيو القاهرة وبعض التيارات الأخرى .. أيضاً تعمق هذا الخلاف من خلال المنافسة الرئاسية .. رغم أنها "المنافسة الرئاسية" نجحت في لم الشمل الوطني مؤقتا حينما بدا الثوار مهزومين أمام شخصية عسكرية من النظام السابق .. رغب المجلس العسكري في تزيف الانتخابات لصالحها لكن اليقظة  الشعبية كانت حاضرة .. كما يبدوا في الخلفية أيضا ملامح الضغوط الخارجية تهدأ من اندفاع العسكر إلى السلطة لفسح المجال أمام استكمال عملية أجاكس2 في تهيئة الأوضاع بشكل أفضل ..
لقد كان الخلاف عميقاً فما أن بدأت بشائر ما يرجو الشعب حتى اتضح لهم حقيقة ما بينهم .. فالانتفاضة ليست محسوبة في ابتدائها على لون معين .. ولكنها سارت بعد ذلك تحت الشعار والوصاية الإسلامية .. واستجاب لها الشعب لاحترامه للتيار الإسلامي .. وهو ما بين حقيقة الضعف والهوان للعلمانيين واللبراليين .. وقد صدمتهم رغبة الشعب في الحياة تحت ظل الشريعة .. وهو ما جعلهم يعملون على إستراتيجية جديدة تهدف إلى الإساءة والتشويه والانتقاص من كل ما هو إسلامي .. أما الإسلاميون أنفسهم فقد بدؤا مع انتخابات الرئاسة صراع آخر كان الهدف منه إقصاء أحد أهم الرموز الشعبية عن دخول السباق الرئاسي "الشيخ حازم أبو إسماعيل" .. ولم يقف معه أحد لا في نقض القانون ولا في المساندة ضد القضاء وكأنهم فرحوا بذلك فأُكِلوا بعده .. ثم بدا من بعد ذلك بين حاخامات حزب النور وجماعة الإخوان ثارات الماضي .. وانتهت هذه الهوجة بسقوط دولة مرسي ..
* قيام المجلس العسكري بهدم القوى المنتخبة من الشعب : حينما انطلقت الانتخابات البرلمانية جاءت نتائجها معبرة عن رغبة الشعب المصري .. كانت رغبته عارمة في أن يمثله التيار الإسلامي بكل أطيافه .. الشعوب الإسلامية كلها بلا استثناء .. تحلم باليوم الذي تعود لها العزة لتحيى في ظل دولة الخلافة .. تهتم من هو الخليفة .. ولا تهتم من أي بلد هو .. فالمسلمون لا تحدهم خطوط سايكو وبيكو .. المهم أن تحكم بالإسلام .. هذه الانتخابات51 عبرت بصورة أكثر صدقاً عن رغبات الشعب بعيداً عن استطلاعات الرأي المفبركة لخدمة أهداف خاصة ..
في نفس الوقت أعطت الانتخابات دلالة عملية على مستقبل النظام القادم .. سواء كان رئاسي أو برلماني أو مشترك .. هذا المستقبل القريب أما المستقبل البعيد .. فلا شك أن رغبة الشعب ستتطور لتصل إلى ما تصبوا إليه .. وأن الأمة ستسير على طريق لا يرغب به الغرب ولا أذنابه .. إذ لم يمر مائة عام بعد على هدم أخر صور الخلافة الإسلامية .. فهل ستعود مرة أخرى في ذكرى سقوطها52؟ ..  
لهذا السبب تحديداً وغيره مما هو دونه كان ولا بد من هدم أي إرادة شعبية .. والسلطات التي تأتي من الشعب مؤسستين .. مؤسسة الرئاسة والبرلمان بغرفتيه .. بمعنى أخر أن القوى المعادية للدين داخلياً وإقليميا ودولياً تحالفت لإنهاء وجود الشعب المصري سياسيا .. بقتل إرادته .. فمنهم من يخشى على أطماعه ومنهم من يخشى من العدوى الثورية حال نجاحها ومنهم من يخشى عودة الإسلام ليحكم الأرض ويفتح الأمصار .. ويحكم بالعدل .. وينشر الأمن والسلام في الكوكب .. فكيف ومن أين تقتات هذه الحيوانات القمامة؟! .. التي لا تعيش إلا على دماء الآخرين .. عندما ساد الإسلام أعاد للأرض أخلاق الإنسان الذي أرسله الله ليعمر الأرض .. وحينما دارت الدوائر وحكم الغرب العالم سادت الروح الحيوانية التي تسكن الجسد الغربي .. وبحسابات بسيطة لا نجد مقارنة بين من قتل في الفتوحات الإسلامية ومن سفكت دمائهم في الحروب الاستعمارية الخبيثة .. التي استهدفت الكوكب بأرضه وكائناته وعلى رأسها الإنسان .. وسيأتي بيان ذلك لاحقاً .. 
تم حل البرلمان الذي جاء به المجلس العسكري دستورياً .. قبل أن يستلم مرسي الرئاسة .. وبعد الرئاسة .. أسقط البرلمان نفسه عملياً بتعليق أعماله أملاً في أن تعوض مؤسسة الرئاسة ذلك .. ولكن السياسة صراع وليست آمال .. ففي غضون سنة أسقطت الرئاسة أيضاً .. لأن "من يقبل التنازل يوفر لخصمه التطاول" .. ثم لحق بهما مجلس الشورى .. وبهذا قضي على كامل الإرادة الشعبية وعادت المؤسسات النخبوية لتحكم وتسرق وتبطش وتعربد .. والبقاء لله ..
* استقطاب المعارضة أو الأقلية: أعطى المجلس العسكري أهمية كبرى للنصارى والعلمانيين واللبراليين فتشاور معهم وظهر على فضائياتهم ولم يخطوا خطوة واحدة في اتجاه أي قناة إسلامية! .. ألم يكن في مسلكه هذه إيحاء عن رؤيته لمستقبل مصر القادم؟ .. وحقيقة مشاعره ضد الإسلام والإسلاميين؟! .. وحقيقة انتمائه؟ فالإسلام سوف يحاسبهم ويسلبهم مكتسبات اغتصبوها من الشعب .. أيعقل أن يمهدوا له؟! ..
لقد كان رجال الأعمال وفلول النظام السابق هم المادة اللاصقة بين صفوف المعارضة .. أما الجيش فقد كان وبشكل مؤقت هو المادة الحافظة لهذه التركيبة  .. فما يجمع بين الجيش والعلمانيين واللبراليين ومن على شاكلتهم أكثر بكثير مما يجمعهم بالإسلاميين .. ويجمع بين هؤلاء الفرقاء رغبات لا يمكن أن تتفق والإسلام .. ولكل منهم طموحه وآماله وهو ما يجعلهم يتفرقون مستقبلاً .. فالسياسة يديرها الأقوى ويتبعه الأضعف .. ولا يصلح لها الضعيف حتى بين الضعفاء .. 
التيار العلماني كان يرغب في إزالة مبارك ليحصل على مشاركة في السلطة ومزيد من الحريات .. ولكنه لم يرغب أبداً في أن يأتيه الإسلاميون .. لذلك سارع إلى الارتماء في حضن العسكر .. والعسكر رغبوا في إزالة ابن مبارك ليبقى الحكم لهم ويحافظوا على مكاسبهم .. وعلى هذا المنوال غزل العسكر وأتموا نسيجهم .. 
***
ثانياً: فترة تواجد " الرئيس محمد مرسي" في الواجهة وليس في الحكم:
كما أسلفت كانت أجواء الانتخابات المصرية مشحونة وفي غاية الحساسية .. فقد أصدر المجلس العسكري في بنود البيانات الدستورية ما يمنع من الترشح من كانت زوجته غير مصرية أو من سبق له حمل جنسية دولة أخرى .. ومن الدستور القديم أن يكون من أبوين مصريين .. وتوالت المفاجآت الصادمة لرغبات المصريين .. وتنبه الإخوان لرغبة العسكر في استعادة الرئاسة وسعيهم لإسقاط البرلمان .. فقرروا ترشيح عنصر منهم بعدما كانوا عازفين عن ذلك .. وانتبهوا لرغبتهم في تنحية عدد من الإسلاميين لفسح المجال أمام عنصر تافه من العسكر .. فسجلوا من طرفهم المهندس محمد مرسي .. وصدق ما توقعه الإخوان فقد رفض طلب كلا من خيرت الشاطر والشيخ حازم أبو إسماعيل .. الذي تخلى عنه التيار الإسلامي بصورة مؤسفة أعطت دلالات على حجم الخلاف والفرقة التي يعاني منها التيار .. وربما قلة النضج أيضاً .. هاج التيار العلماني واللبرالي لوجود مرشح من الإخوان وانقسم على نفسه .. فتعاون قسم منهم مع الإخوان لأنهم أمل الانتفاضة .. أما القسم الأخر فقد انحرف في اتجاه العسكر .. وتمت الانتخابات في هذا الجو المحموم .. وحينما تيقن العسكر ومن ورائهم من يهود وأمريكان من يقظة الشعب عدل عن مخططه على مضض ليعلن فوز الدكتور مرسي بالمنصب .. في عملية ولادة عسرة وجعلوا النسبة متقاربة لتكون مثار جدل لا ينتهي عند أهل الفتن ..
في ظل هذه الأجواء التي أوصلت الدكتور المهندس محمد مرسي إلى الحكم .. اتسعت الفجوة داخل التيار الإسلامي وانعدمت الثقة بين مكوناته .. وتعمقت خلافات التيار الإسلامي مع التيارات العلمانية واللبرالية والكنيسة ورجال الأعمال .. وتعامل الأزهر بالتقية مع الإخوان والإسلاميين والشعب .. وبدأ الطرف المقابل للإخوان في استخدام وسائل الثورة من دعاية وتحريض وتحزيب وتأليب .. وتحالف مع العسكر .. واصطفت53 جميع هذه التيارات على قلتهم ضد إرادة الشعب والإخوان والتيار الإسلامي .. لا لأنهم إخوان وإنما لأنهم رمز يمثل الإسلام .. وهذه التيارات المتآمرة يرفضون أن يعيشوا في ظل الإسلام إلا بفهم مريض لا يستقيم ودين الله تعالى .. وبدأت المرحلة الثانية من الثورة المضادة:
- الرئيس والإعلام: استقبل الإعلام العالمي والإقليمي الدكتور مرسي استقبالاً جيداً .. في حين استقبله الإعلام المحلي بفتور على المستوى الرسمي .. وتوبيخ على مستوى الإعلام الخاص .. وتتبعه في كل حركاته وسكناته نقداً وتوبيخاً .. حتى في ذهابه للصلاة .. وللأسف لم يكن الدكتور مرسي على المستوى المطلوب للتعامل بجدية مع الإعلام ليفرض هيبته عليه .. فالإعلام والإعلاميين عبيد والعبيد لا شيء يصلحهم مثل العصا .. خاصة بعد أن حشره الإعلام في زاوية المائة يوم الأولى .. وزاد الطين بلة تسامح الدكتور مع من يتعمد إهانته وإذلاله .. ولم يحسن فهم ما ينبغي أن يكون لمكانته من هيبة يزع بها كل من تسول له نفسه .. فأصبح مطمع يتنافس على جلده فضائيات الإعلام الخاص .. حتى أطلق على تلك البرامج جلسات التعذيب اليومي .. وكان الإعلام الخاص حقيراً بلا مبادئ .. بكل قنواته بلا استثناء .. وقد وقف وراء أجهزة الإعلام شخصيات حقيرة من رجال الأعمال العرب والمصريين وأيضا اصطف خلفه دول الخليج .. وبلغ مستوى مقدمي البرامج ومن ورائهم من الانحطاط والتدني وإذلال النفس في جمع المال مستوىً لم تبلغه عاهرة عبر التاريخ .. انقلبوا على كل الأعراف والمبادئ وكفروا بكل ما آمنوا به من ديمقراطية وليبرالية وعلمانية .. ومارسوا كل ما هو رخيص من أجل خدمة أسيادهم .. وبدا عدائهم للإسلام واضحا في كل ما نطقوا به .. وما تجلى على وجوههم وبدا في عيونهم أظهر ما أضمرته صدورهم وتعاهدت عليه قلوبهم .. حتى بلغ بأحد سدنتهم أن قال: " أن كل ما تبذله الفضائيات طوال الأسبوع تمحوه خطبة الجمعة في ساعة واحدة" .. وخطبة الجمعة هي توصيات وإرشادات أخلاقية وتربوية للتمسك بالدين!! .. فإلى ماذا يدعو هؤلاء؟ ..
- الرئيس والمائة يوم الأولى: لم تمارس إدارة الرئيس مرسي عملا إيجابياً إلا وقامت المعارضة بما يفسد العمل .. ففي الصباح ترفع القمامة من الطرقات وتغرس آلاف الشجيرات .. وفي الليل تقوم الحثالة بإعادة الزبالة وتقطع الأشجار .. زرع القمح حتى كاد أن يفيض وما أن علم به المجرمون حتى سارعوا بحرق حقوله .. سعى لنشر الأمن فتآمر عليه رجاله الذين كان يفترض محاكمتهم .. وصدق من قال: "لا تصنع المعروف في غير أهله" .. لقد عالج الرئيس وإدارته ومحافظيه بأنفسهم أزمات الغاز والخبز واللحوم54 .. وبدأت الأفكار البناءة تنموا وكان يمكن أن تتطور ( السيارة التي تسير بالهواء ) .. مشروع منطقة القناة .. مشروع النيل الموازي .. لقد تبارى الرئيس ومجموعته في خدمة الشعب وعلاج مشاكله .. وتبارى العسكر ورجال الأعمال والكنيسة والإعلام وأهل السينما في هدم ما استطاعوا .. أو التقليل من شأن ما تم .. كانت المؤامرة رخيصة واكتسبت وجودها وبقائها بسبب الرئيس نفسه الذي لم يسعى في بناء ما يقوي ويدعم قراراته55 .. أو يظهر حقيقة ما يعانيه .. ويحفظ للانتفاضة حقها في النمو والنضج .. والبقاء .. ولكنه أخفى هذا لينتهي بعد ذلك بسوء رؤيته ..
- خلق الأزمات وتضخيمها: إعلاميا .. أو من خلال رجال الأعمال .. ضخموا حوادث القطارات وكأن الحكومة الجديدة هي المتسببة في هذا الإهمال منذ عقود .. وأثاروا قضايا فقهية من أجل إثارة شريحة تتكسب من ورائها وهي قضية الآثار والتماثيل الفرعونية وتحطيمها .. كما أججوا نار قضية المرأة وسن الزواج والختان وكأن الأمة الإسلامية لا هم لها غيرها56 .. واستغل الفاسدون من رجال الأعمال الفقراء والبسطاء من الناس وجندوهم في التظاهرات والاحتجاجات .. وتاجروا بمعاناة الشعب .. كما استأجروا الفاسدين والأكثر شراً بين المجرمين لإرهاب الناس .. وأثاروا أزمات اقتصادية في سلع ضرورية للشعب فحجبوها عنهم .. وأثاروا غيرها كثير .. فضخمت واستغلت سياسياً .. وكأن مرسي وإدارته يمسكون بعصا سحرية تمكنهم من قلب الأحوال في ساعة من الزمن .. وكأن ميراث العسكر طوال ستين عاماً كان قابلاً للإصلاح في عشرة أشهر .. ولكنها القلوب الحاقدة التي لا ترغب في أن ينهض الشعب المصري العربي .. ناهيك أن ينهض كشعب مسلم يعرف دينه وينطلق به .. لا توجد رغبة عالمية أو إقليمية في أن تتواجد مصر على الساحة الدولية أو الإقليمية أو حتى على المستوى الداخلي .. والإرادة المحلية من أعداء الدين والشعب تسعى للاتجار بالإنسان المصري وبأرخص الأسعار .. 
- الإرهاب: تم استخدام كبير بلطجية57 مصر لتوريد بلطجية حسب الطلب والمهام لكل من يريد .. وأصبحت الاعتصامات والإضرابات توفر لكثير منهم مصدر رزق يومي .. فاحتلال ميدان التحرير والبقاء فيه .. أو قطع الطرقات .. أو سرقة السيارات .. أو الاعتداء على المتظاهرين .. أو الهجوم على منزل الرئيس وأسرته في محافظته .. أو اغتيال الخصوم .. أو التلاعب بأقوات الشعب .. أو حماية رجال الأعمال المنحرفين .. أو إرهاب الآمنين .. أو إغلاق المحلات والشوارع .. أو منع الموظفين من دخول مقار أعمالهم .. أو محاولة تنفيذ عصيان مدني بالقوة .. أو منع القطارات ووسائل النقل من الحركة .. ووو ...الخ .. قاموا به على أكمل وجه .. وقد بلغت وقاحتهم أن قال أحدهم في برنامج تلفازي أنه مستعد لقتل أي شخص مقابل خمسون ألف جنيه فوبخته أمه أو من ربته .. لأنها استقلت المبلغ وطالبته بأن يطلب أكثر من ذلك .. فهل يعقل أن تصل مذيعة تلفاز لمقر البلطجية ولا يصل له رجال الأمن؟! .. أعتقد أن رجال الأمن والشرطة هم الذين أوصلوا هذه الصحفية إلى هؤلاء كنوع من الدعاية لهم لمزيد من إرهاب الشعب المقهور!! .. وهل يتوقع أي خير من فضائية المخابرات السعودية؟ ..
- خطاب الاتحادية: القشة التي قسمت التحالف الهش بين الإخوان ومعسكرهم والمعسكر الأخر .. وكان فاتحة خير لبرنامج العسكر ومرتكز انطلاق للعلمانية .. ولقد بحت حناجر الشعب فيه لتمكين الشريعة وأبى مرسي أن يذكر كلمة الشريعة طوال خطابه .. أراد أمرين الأول أن يظهر بين مؤيده لإرضائهم بوجوده معهم .. والثاني أن يخطب ود العسكر والعلمانيين والقوى الخارجية فانتهى به المطاف على أيدي من داهنهم .. ولم يقبلوا منه هذا التلاعب فاستغلوا الخطاب في زيادة الهشاشة الداخلية  وتنميتها لإجهاض الانتفاضة .. وهو من أكبر أخطاء مرسي بعد تقاعسه عن إنشاء جهاز أمني قوي يحمي الانتفاضة .. فلا هو أقر عين مؤيديه .. ولا أعد قوة ليوم كريهة .. ولا رضي عنه مخالفوه .. وأصبح الخطاب مرتكز للانقسام الشعبي وفرخ بعد ذلك أزمات متتابعة .. 
- تخويف المجتمع: من انهيار الاقتصاد .. أو الغزو الخارجي من أجل السيطرة على قناة السويس .. استغلت البورصة وتقلباتها في إخافة الشارع المصري من الهم الاقتصادي .. وأشغل الرأي العام بالاحتياطي النقدي والمدة التي يمكن أن ينتهي فيها .. وتبارى الإعلام الخاص في إشاعة الغزو الأمريكي .. بل لقد طالب البعض58 من الولايات المتحدة الأمريكية التدخل في مصر بعد أن يأسوا من قبول الشعب المصري لهم .. وهذا كله من باب إخافة الناس .. قال تعالى { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ {173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ {174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {175} آل عمران .. وقال تعالى { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {36} الزمر .. فهذا دأبهم ما انفكوا عنه .. للتسلط على شعوبهم وتنفيذ ما يحلوا لهم .. 
- حشد تظاهرات معارضة .. وإثارة المزيد من الفوضى الأمنية .. ندر أن خلا ميدان التحرير .. ولم تتوقف الإضرابات الفئوية .. وقطعت الطرق .. واحتج بكل اللهجات على تعيين بعض المحافظين .. وتعرض بيت الرئيس بمحافظة الشرقية للهجوم .. واغتيل بعض من جنود مصر في سيناء .. وافتعلت أزمات وضخمت .. وأصبح كل من يعاني حكة ينادي بمظاهرة مليونية .. وحشد الأعلام شياطينه .. وأساء الأدب ليلاً ونهاراً .. والرئيس يعفو ويصلح .. يعفو في الحق الخاص ويصلح في الحق العام .. والمخابرات الحربية تعبث بالدولة ومتحالفة ضد الحكومة مع بعض عناصرها ومع المؤسسات سيئة السمعة كالقضاء ومؤسسة البلطجية والأمن الوطني أمن الدولة سابقاً وعددا من مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها المؤسسة الدينية كالأزهر والكنيسة ومؤسسة السينما .. شكل ذلك انقلاباً في الأفكار والخرائط .. وبدأ الإعلام حملة عدم شرعية الرئيس مرسي .. والدعوة إلى ثورة أخرى .. ومطالبة الجيش بالتدخل .. وأخيراً قامت بإنشاء حركة تمرد تمهيدا للقيام بانقلاب عسكري تحت مظلة شعبية وهمية .. فأوهمت الشعب بجمعها لتوقيعات الملاين المطالبين بإنهاء الحكم الحالي .. وبلغ من غشهم أن صرح أحدهم59 على التلفاز أنه وقع على 16 وثيقة لتمرد .. فما بالك بمن أنشأها كم مرة وقع يا ترى؟ .. ثم أَخرجت وأُخرجت مظاهرات 30 يونيو لتدعم الانقلاب القادم .. 
- استقطاب قادة الجيش للمعارضة العلمانية واللبرالية وحزب النور والكنيسة والأزهر والإعلام ومؤسسة السينما .. والاجتماع بهم سراً وعلناً .. والدفع بالدولة نحو المزيد من الأزمات .. وتوجيه الإعلام ورجال المال60 لتمويل حركة تمرد وغيرها من مظاهر العصيان ..  ثم التآمر مع خمسين من الشخصيات المشهورة61 في مصر من أجل القيام بالانقلاب .. وأن الأمر لن يتجاوز أسبوعاً .. لتلافي انقسام البلاد .. وعدم الدخول في حرب أهلية .. فكيف هو الوضع الآن في مصر؟! .. هل انتهى الانقسام؟ .. وهل توقف القتل؟ .. وهل اختفت نذر الحرب الداخلية؟ .. أم أن صراعاً مسلحاً بين حكومة الانقلاب والثائرين قد بدأ وسقط القتلى من الطرفين؟ .. وهل كان الشعب المصري منقسماً أم أنها الشلل السياسية العلمانية واللبرالية التي روجت لذلك؟ .. هذا ما أوقع فيه السيسي ( مصر ) من أجل تنفيذ إرادة أسياده من التحالف اليهودي الأمريكي السعودي الإماراتي .. فليذهب الشعب المصري إلى حتفه من أجل عيون وقحة وأفواه شرهة في تلك البلاد .. استعذبت مص دماء المسلمين .. 
- القيام بالانقلاب .. وخطف الرئيس .. وإعلان حالة الطوارئ .. وفض التظاهرات بالقوة المفرطة .. وتعيين العسكريين في قيادة مفاصل الدولة لإحكام السيطرة العسكرية .. وتعيين رئيس لا يحترم نفسه ويقبل بدور "الطرطور" .. وتشكيل حكومة يقودها رجل معتوه .. ووزير دفاعه السيسي جاهل بالأمن القومي المصري فهو لا يعرف إذا كان جنوب السودان انفصل عن شماله .. فعادوا بالبلاد لحالة التخلف السابقة .. وكبت طموحات الناس .. والقتل العشوائي لإرهاب الشعب .. وغلق القنوات الفضائية الإسلامية تحديداً .. والقبض على عناصر التيار الإسلامي وتقديمهم لمحاكمات .. وتبرئة ساحة مجرمي النظام السابق الذين أفسدوا البلاد طوال عهد مبارك .. وتبرئة مبارك ومحاكمة مرسي .. وهدم المشروعات التي طمح الشعب إليها .. وإلغاء مشروع قناة السويس من أجل عيون حاكم الإمارات .. وإشغال الشعب بأزمة الخبز والوقود والغاز ودعم السلع والأمن .. وإشاعة حالة من الإرهاب الداخلي تتولى فيه الحكومة ضرب الشعب باسم المعارضة .. والغريب حجم العجز الذي ظهروا به في علاج أزمات الشعب فلما قاموا بالانقلاب إذن إذا كانوا بهذا الحجم من الجهل والتخلف .. أم أنهم يتعمدون إذلال الشعب وتأديبه لاختياره للإسلام؟!! .. 
وكما كان في عملية أجاكس الإيرانية كيرميت روزفلت ونورمان شوارزكوف ففي المستقبل سيبرز الدور الأمريكي وأسماء ضباطه الذين وقفوا خلف الثورة المضادة في مصر تمويلاً وتخطيطاً .. وتنفيذاً .. ألم تقوم بعض سيارات السفارة الأمريكية بدهس المواطنين في أيام الانتفاضة الأولى .. إن غداً لناظره قريب ..
فهل سينجو هؤلاء من غضب الله وانتقامه؟! محال .. فهذه كلها نذر لثورة جديدة ضد هذا النظام المستبد والمستأثر كما حدث في روسيا 1905 ثم 1917 .. ومصر في حالة غليان .. والانفجار وشيك .. والخيارات مفتوحة بين: القيام بانتفاضة مسلحة كما حدث في ليبيا .. أو حرب عصابات تدمر بنيان الدولة كما حدث في أفغانستان .. أو غيرها من وسائل التغيير .. وربما حالة من الفوضى كما في الصومال .. والغيب عند الله ..
***
خلاصة برنامج عمل الثورة المضادة خلال الفترتين:
منظرو الثورات وضحوا الفرق بين الثورة والثورة المضادة .. رغم أن الثورة المضادة تستخدم نفس تقنيات الثورة: كالإضرابات والمظاهرات والاجتماعات السرية والعلنية .. والعمل على اضطراب حبل الأمن .. ووقوع أعمال عنف وعصيان وتمرد واغتيالات سياسية .. وطرح شعارات مطالبة بإصلاح الأوضاع .. ولكن .. إذا  كانت عملية التغيير62 تستهدف الانتقال بالبلاد من واقع إلى واقع أكثر تقدما .. استحق هذا العمل اسم الثورة .. أما إذا استهدف العمل العنيف الانتقال بالبلاد إلى واقع أكثر تخلفا .. أخذ هذا العمل اسم  الثورة المضادة حتى لو استخدم تقنيات الثورة في التحريض والتعبئة والعنف .. عموما تلخص برنامج الثورة المضادة في العناصر التالية:
1- ضرب التنمية الاقتصادية: 
وهو الركن الأول في صيانة المجتمعات قال تعالى { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4} قريش .. فتدهور الوضع الاقتصادي من خلال شل حركة الإنتاج وإغلاق الطرق .. الأمر الذي من شأنه إغلاق بعض المصانع وزيادة عدد العاطلين .. الذين يمكن تجنيدهم لمهام أخرى ..
2- تدمير الأمن: 
وهو الركن الثاني الذي يتحقق به استقرار المجتمعات .. فإشاعة عدم الاستقرار في البلد .. من خلال نشر الفوضى وتشجيع الإضرابات وإقناع أكبر عدد ممكن من الأهالي بأن أمانهم مفقود .. ليس في عيشهم فقط ولكن في حياتهم أيضاً .. ولعب البلطجية دور أساسي في هذه العملية .. باعتبار أنهم الأقدر على الترويع وتوزيع الخوف على قطاعات المجتمع .. وإثارة النعرات والعداوات الدينية .. بالاعتداء على المسلمات وبحرق بعض الكنائس .. بما يؤدي إلى تفتيت المجتمع وشرذمته .. ومن ثم تغييب فكرة الإجماع الوطني .. وإبراز الوجه القبيح للقضاء بأحكام بالبراءة وأخرى مخففة لا تتناسب وحجم الجرم .. كل هذا أدى لانهيار في البنيان المصري الداخلي ..
3- إفشال العملية السياسية: 
هدم مؤسسات الشعب والوقيعة بين مؤسسات الدولة .. خصوصاً تلك التي تحمل السلاح .. لكي يصبح الاحتكام إلى السلاح أحد البدائل المطروحة لحسم الخلافات .. وتوفير الغطاء السياسي للعنف لإتاحة الفرصة للقوى المناوئة أن تسهم في توتير المجتمع وترويعه .. إلى جانب ترهيب الأجهزة الرسمية .. 
استثمار المنابر الإعلامية في إحداث أكبر قدر من التشويه للحاضر والتشكيك في المستقبل .. وتتجاوز حدود التشويه إلى التجريح والحط من قدر السلطة وكسر هيبتها .. ورفع منسوب الاجتراء والتطاول عليها لكي يصبح إسقاطها احتمالاً وارداً وغير مستبعد .. ولا تسأل عن هيبة النظام بعد اتهام رئيسه بالخيانة وحديث إحدى الصحف عن أنه كان جاسوساً للأتراك!.. وضع العراقيل أمام محاولات إقناع الناس بأن ثمة بديلاً جديداً يلوح في الأفق .. وتشجيع العصيان المدني والسعي إلى توسيع نطاقه كي تشارك فيه قطاعات واسعة من المجتمع.
تعميق الاستقطاب السياسي من خلال إثارة خلافات الفرقاء السياسيين ووضع العراقيل أمام التوافق في ما بينها .. ومن ثم دفعهم إلى أبعد نقطة في الفراق .. بحيث يغدو العيش المشترك متعذراً .. وبالتالي إفشال مخططات إقامة النظام البديل ..
تحسين صورة النظام السابق لإذكاء مشاعر الحنين إليه .. بعد أن تبهت مساوئه في الذاكرة .. خصوصاً في ظل استمرار معاناة الناس بعد الثورة جراء الحصار المفروض عليها .. لأن استمرار الفراغ والإبقاء على أنقاض النظام السابق على الثورة كما هي يسهل عملية استبدال النظام المستجد بغيره ..
4- الانقلاب العسكري
لم تنجح جهود الثورة المضادة في تشويه صورة الرئيس بشكل تام وإن نالت منه كثيراً .. كما لم تتمكن من إفشال برنامجه ولكن حدت من نجاحه .. لأني أعتقد أنه لو تركت الفرصة للإخوان أو حتى لأي تيار وطني حقيقي .. لكان نجاحهم باهراً ولأوضح حقيقة العسكر وعصابته " القضاء والكنيسة والأزهر والإعلام ...الخ" وكرههم للشعب وسرقتهم له واغتصابهم لمقدراته .. وليأس العسكر ومن معهم من أن يروا السلطة مرة أخرى .. ولعانى العالم من عودة قوة إسلامية حقيقية على الساحة الدولية تقف لتنصر الدين وتعيد له أمجاده .. لأن الإخوان أنفسهم مرحلة تسلم لمرحلة أخرى وتركيبية أخرى من مراحل تطور الفكر الإسلامي وعودة الخلافة .. وهذا ما يخشاه الغرب ومواليه من حكام العرب والعجم .. وبالتالي تحتم التخطيط منذ البدء لإنهاء حالة الانتفاضة بالثورة المضادة ثم وفي الختام بانقلاب عسكري ..
لقد لعبوا على المحاور كلها "الاجتماعي والأمني والاقتصادي والسياسي والعسكري" بكل ما يملكون من قوة .. ولكنهم فشلوا في إقناع الشعب أن يكون لهم دور في الحياة السياسية .. ناهيك عن أن يقنعوه بأحقيتهم في الحكم .. لقد كان فشلهم ذريعاً .. وتوجوه بانقلاب يمثل قمة المنحنى في الفشل ..
***
 
السلبيات التي وقع فيها الثوار وأدت للانقلاب العسكري:
لم تكتمل مهمة الثوار الذين قاموا بانتفاضة يناير .. من وقت التنحي إلى وقت العزل .. لقد توفر للانتفاضة مناخ الثورة .. من العوامل الموضوعية وأيضاً قسطا كبيرا من العوامل الذاتية .. لكنها افتقدت لعوامل النجاح .. نشأت الانتفاضة عفوية وأرادتها التنظيمات السياسية كلها لنفسها .. سواء كانت التنظيمات دينية أو غير دينية .. إسلامية أو مسيحية .. صوفية أو سلفية .. كلهم أنكرها في البداية .. وكلهم تبناها بعد ذلك .. لكنها أرْدتها .. وتأكد أنه لابد لنجاح أي عمل من وجود جهة حقيقية تبدأه وتنهيه .. وتتحمل في سبيل ذلك مخاطر جسام .. وتتوقع لنجاح ذلك إسالة الدماء .. وتبقى أعصابها قادرة على تحمل ما توجهه من فظائع بشعة .. وجرائم حقيرة .. ونظام مسعور .. لعل انتفاضة يناير كانت تجربة لثورة حقيقة أظلت على أفق مصر .. ثقلت بها الأيام .. وأصبح وضعها وشيكاً ..
ما يهمنا هنا أن نعرف نقاط الضعف التي صاحبت الانتفاضة في بدايتها واستمرت معها حتى  الانقلاب عليها .. ويرجع أسبابها الحقيقة لقلة التجربة والاختلاف الأيدلوجي والتضاد في الأهداف .. هذه السلبيات للأسف ساندت المجلس العسكري ودعمته وأضفت الشرعية السياسية عليه .. وأهلت البلاد للعودة إلى الوراء مرة أخرى .. ومن هذه النقاط ما يلي:
1- قبول الثوار بأن يتصدر الجيش المشهد بعد إزاحة مبارك .. وكان المفروض عليهم الاستمرار في التظاهر واستكمال العصيان المدني الذي بدأ في بعض المناطق حتى يعم الدولة كلها ليسقط النظام بالكامل .. إذ لا فرق بين مبارك وجنرالاته فكلهم في الجريمة سواء .. وهم الخصم الحقيقي المحلي النائب عن العدو الأمريكي اليهودي .. ومهمته الرئيسية هي هدم الفرد المصري المسلم تحديدا وتحويله إلى مسخ .. فهل يعقل أن يتولى هو بناء المواطن المصري المسلم؟! ..
2- رغم توفر الجانب الموضوعي للثورة منذ سنوات وهو الفساد والاستعباد والفقر .. ولكن انعدم الوعي الثوري .. فخرجت أو أخرجت الثورة بشكل عفوي .. وتتابع دخول المنتفعين عليها متزعمين لها .. وكل يمثل إرادة خارجية أو داخلية .. وكلهم متنافرون لا يخدمون الشعب ..
3- انعدام القيادة ابتداءً .. وتم علاج هذه المشكلة بشكل خجول عبر عدة مجالس للتنسيق بين الثوار .. وكانت أغلب القرارات ردود أفعال على ما يقترفه النظام والمجلس العسكري بعد ذلك .. بل إن بعض الكتاب والصحفيين كان أكثر تأثيراً على الحكومة من المتظاهرين .. وكثيراً ما خطب المجلس العسكري ودهم وحل ضيفاً على فضائياتهم .. والأخطر والأدهى وجود حالة من الهدم بين التيار الثوري لأي قيادة تظهر .. وخاصة من التيار الإسلامي بشقيه الإخوان والسلفيين ( هدم حازم أبو إسماعيل ) .. وكان على العقلاء الالتفاف حول أي رمز يحقق لهم الوحدة والإلهام والانطلاق .. وفق رؤية قوية وحازمة يندر فيها الارتجال وردود أفعال .. 
4- أدى انعدام القيادة والقبول بالمجلس العسكري إلى تنافس التيارات السياسية والدينية للتحالف مع العسكر .. ومال أغلبها لأن يستخدم من قبل المجلس العسكري لتحقيق أهدافها الضيقة .. وتحول من أهداف الشعب إلى أهداف الأحزاب .. وفقد الثوار في الشارع البريق والقوة اللهم إلا في حالات نادرة من الاجتماع الوطني في أوقات الخطر .. 
5- خانت القوة الحزبية التي تشكلت أبناء الشعب بغض الطرف عما ارتكبه المجلس العسكري من جرائم قتل وفقأ أعين واعتقال .. كما انتقم المجلس من بعض العناصر الثورية .. وقدمها للمحاكم وسط نوع من الرضا وغض الطرف من القوى السياسية خاصة إذا كان المعتقل إسلامي
6- سقط الثوار في أسوء مخاوفهم عندما لم يقوموا بإنشاء مؤسستين: الأولى جهاز أمن قوي يحمي الثورة ويعطى صلاحيات واسعة في القبض والاعتقال لعناصر النظام السابق ومجرمي الأمن .. والثانية تشكيل محاكم ثورية تمارس القضاء الثوري على المجرمين من عناصر النظام السابق والمفسدين من الأمن والبلطجية خلال المسيرة الثورية .. فوكل الأمر للمجلس العسكري الذي أحيا جهاز الأمن الفاسد وشكل محاكم من القضاة الضالين الذين طالما خدموا مبارك وأسلافه .. 
7- اتضح لاحقا أن جزء من الثوار العلمانيين والإسلاميين هم أيضا وكلاء لأنظمة إقليمية وأنظمة عالمية63 .. وكان لهم دور سيئ في الانقلاب على المبادئ العامة .. سواء الإسلامية أو الوطنية .. مارسوا سياسة المصلحة كما نص عليها تشرشل .. وهجروا القرآن وجعلوا مرجعيتهم كتاب الأمير لميكافيللي .. وكلاهما (العلمانيين وجزء من السلفيين ) كان معول هدم ورجعية للدولة الجديدة .. ذكرني بما قامت به أسرة آل سعود وأسرة الشريف حسين وأسرة محمد علي في هدم الخلافة الإسلامية في مطلع القرن الماضي .. وشكلوا مع النصارى طابور خامس في خاصرة الانتفاضة ..
8- تمالأت الكنيسة المصرية ورجال الأعمال النصارى على هدم دولة الدكتور هشام قنديل .. وعقدت في الكنائس ندوات ومحاضرات لعدد ممن تصدر المشهد الثوري .. كما حركوا أتباعهم من النصارى في الانتخابات لرفض ما يقبل به الإسلاميين .. ودفعوهم مرات للخروج في تظاهرات مناصرة للجيش .. وكان خروجهم الأكبر في 30 يونيو .. شكل النصارى حجرة عثرة رافضة للانتفاضة منذ اليوم الأول .. وطوال مسيرة الثورة كانوا الجهة الأكثر رفضاً للتغيير والأكثر تحركا لنيل مكاسب من المناخ الثوري .. وكانوا القسم الأخطر من الطابور الخامس ..
9- انتشار الأحزاب في فترة تاريخية تستلزم قيادة حازمة لتيار ثوري موحد على الأقل ضد النظام السابق ومؤسساته .. وكان الأفضل64 لهم أن يتولى مجلس قيادي من قبل الثوار .. فيمهد الطريق أمام النظام القادم .. وكما المفروض في معظم الثورات أن يتحرك بالحد الأدنى للإجماع الوطني .. وأعتقد أن فرصة الإسلاميين في هكذا مجلس كانت أفضل من غيرهم لتواجدهم بقوة في الانتفاضة .. وكان يمكنهم مع الزخم الشعبي فرض صورة التغيير التي يرغبون فيها خاصة وأن الكنيسة كانت رافضة للانتفاضة وحثت رعاياها على عدم المشاركة فيها .. ولي تعليق مفصل في أخر المقال عن الأحزاب وجدوى وجودهم ..
10- انقسام المجتمع تحت مظلة الخداع الإعلامي والأهواء السياسية المتنافرة .. وانتفاء وجود أي رابط يساعد في إعادة توحيد الصف .. خاصة بعد خطاب مرسي في الاتحادية .. والذي كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر ما تبقى من وحدة ثورية .. خاصة مع رعاية الجيش لكل ما يفرق الصف .. وحرص الكنيسة وكذلك الأزهر على الدفع في اتجاه العودة لحكم العسكر بقبول كافة المبادرات والوثائق السياسية65 أو محاولة تعديل بعض بنودها بما لا يخالف الخط العام لها .. وبلغ بالأزهر أن برر تطاول وجرأة أحد وكلاء العسكر على الله عز وجل .. لقد كان أمام شاويش الأزهر فرصة للعمل لدين الله إلا أنه آثر السير على نفس النهج .. فحينما احتاجه الشعب احتجب .. ولما جاء العسكر مارس دوره التوجيهي بكل حماس ..
11- إهمال الدكتور مرسي66 لإنشاء قوة لحراسة الثورة على غرار الحرس الثوري الإيراني67 أو حتى الأمن المركزي المصري! .. قوة تتبع الرئيس ويتقوى بها في فرض النظام الجديد وحمايته .. ويأمن من غدر العسكر .. وغيرهم من قوى الداخل أو الخارج .. فالسلطة والحكم لا تحمى بالخطب الرنانة أو الأماني والأحلام .. أو حتى حسن الظن أو المشاعر المرهفة .. كما يذهب بها الغفلة .. الحكم يحتاج إلى مصحف وسيف .. قرءان يهدي وسيف يحمي .. والدكتور مرسي تحرج من التلفظ بكلمة الشريعة وأهمل صناعة السيف .. ودندن حول الشرعية واعتمد على الجيش .. فلم ينفعه أي منهما ..
12- إهمال الدكتور مرسي لممارسات حكام العرب وتدخلاتهم .. بدا منذ اللحظة الأولى أن العرب منقسمون على أنفسهم .. تميل الغالبية منهم لرفض الثورات خشية العدوى الثورية .. وقلة دعمت التغيير .. فمنذ أن تحركت طائرة بن على طاغية تونس هاربة إلى جزيرة العرب ( السعودية ) .. دلت على أنها تقف في الصف المعادي لتحركات الشعوب .. حتى لو كانت رغبة الشعوب في أن تحكم بالإسلام فقد وقفت ضدها وانقلبت عليها وتجربة مصر كانت البرهان على حقيقة العقيدة التي ينتهجها حكام نجد والحجاز .. ولا يختلف حكام الإمارات العربية عنهم قيد أنملة .. ورغم ذلك فقد غض الإخوان الطرف عنهم .. وتركوهم وأتباعهم من أصحاب المدرسة السلفية بالإسكندرية حتى أسقطوا الدولة والانتفاضة .. ولم يروا في وقاحة شرطي الإمارات هما ينتبه له .. حتى بلغ به الأمر تمويل بعض الفضائيات وكذلك المظاهرات ضد الحكم الجديد .. هذه الغفلة أو الإهمال أو المداهنة بشرت بمستقبل الدولة ونهايتها ..
13- إهمال الدكتور مرسي القضاء على النظام القديم وكوادره .. كان من الأولى استخدام كوادر جديدة متخصصة من شباب الثوار لا علاقة لهم بالنظام السابق ( سياسة الترقيع وتطيب الخواطر ) .. لقد ترك قيادة الجيش كما هي وكان الأولى به "صرف وحبس ومحاكمة" القيادات من رتبة عقيد فما فوق من الخدمة باستثناء من يعرفون ولاءه .. وتقديم قيادات جديدة لم ترسل بعد للدراسة في الولايات المتحدة وتعود منها وقد تحول ولاؤها لخدمة اليهود والأمريكان وحسابهم البنكي .. وكذلك يفعل بالأمن والقضاء .. وسائر المؤسسات المتورطة مع النظام السابق .. فالثورة عملية تغيرية شاملة تهدم لتبني .. والعبث أو التراخي تكون عواقبه وخيمة .. 
14- سارع الدكتور مرسي بالتغطية على الحاقدين والخائفين ووصفهم بأحسن الصفات .. فمرسي كال المدح لضباط الجيش والشرطة .. ولم يظهر قبح وجه حكام الخليج .. واستمر في علاقة غريبة مع الولايات المتحدة .. وتنكر عمليا للتيار الإسلامي .. وسقط في امتحان رباني بسيط حينما رفض مقابلة ضباط الشرطة الملتحين والتقى بالفاسقين من أهل السينما والمسرح .. ونسج مع الكنيسة كما نسج مع العلمانيين واللبراليين .. ومارس ذلك لآخر يوم من حكمه .. وكان الأولى به أن يرتمي في حضن أنصاره .. ويجتهد في إصلاح الدولة وتأديب المتحالفين ضدها .. فالضعيف إذا تهاون في التحرك بأوراق قوته فتح الباب ليلتهمه القوي .. وقد كان ..
15- تعامل الدكتور مرسي مع الإعلام بضعف وذل .. فمرسي يمكنه التغاضي عن حقه حينما يكون مواطنا عاديا .. أما حينما يكون في المسؤلية العامة فهناك حد من الهيبة لا يجب التغاضي عنه مهما كان الرجل يميل إلى التواضع واللين .. وإلا تفقد الدولة السيطرة على الرعية وتدخل في فوضى لا نهاية لها .. وكما ورد في الأثر "واللـه تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" وقيل‏ ‏"‏قد أعذر من أنذر" .. فتوجب عليه إن تطاول إعلامي أو أي كائن من كان أن يعاقبه لا أن يتنازل عن حقه .. ليكون ذلك فطاماً له وزجراً لغيره عن إساءة الأدب .. فإن امتناع الناس مما لا يحل لمخافة العقوبة أكثر من امتناعهم خوفاً من الله تعالى .. وقد تطاول الإعلام68 حتى على الإسلام والإسلاميين بسبب ضعف مرسي وقلة حيلته .. وأصبح كل من هب ودب ينال من الدين إذ لا رادع لهم .. أهكذا يكون حظ الدين عندما يتولى الإخوان الحكم؟!! .. فكيف بغيرهم من العلمانيين واللبراليين وأتباع الكنيسة الحاقدين .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
16- تضخيم خطر الإخوان المسلمين  رغم أنهم الألين عريكة بين التيارات الإسلامية .. ورغم إشكاليات منهجهم السياسي ورؤيتهم للتغيير .. والخلط في باب الولاء والبراء69 الذي يعيشون فيه .. إلا أن خصومهم شنوا عليهم حرباً شرسة .. لأن مجرد رؤيتهم تذكرهم بالإسلام والدين والحلال والحرام .. وما هم فيه من تيه وضلال .. والعصاة يحبون أن يكون الناس كلهم على دربهم .. فلا يؤرقهم فيه آذان يصك آذانهم ويوقظ ضمائرهم وينكد عليهم سكرتهم .. فضخموا من أخطاء الرئيس وعزلوه عن الشعب وجعلوه خاص بجماعته ينقاد لها .. وما يصدر من قرارات فهي من المرشد .. وهذه القرارات ضد الشعب ولصالح الإخوان .. في مقابل .. أطروحات وصورة خادعة عن العلمانيين واللبراليين .. وبدأت حرب باردة داخليا بتمويل إقليمي ودولي .. لعبت فيه الكنيسة ونصارى مصر دوراً بارزاً .. والمعروف أن النصارى قاتلهم الله يطفحون على السطح .. ويسمون المسلمين سوء العذاب حينما تواتيهم فرصة .. حال ضعف المسلمين ودعم الصليبية العالمية لهم .. ولقد تكرر هذا الدور التعيس مراراً عبر التاريخ .. وبالتالي يجب أن يؤدب كل من شارك من هؤلاء تأديباً يقهر وساوسهم فلا يعودوا لذلك مرة أخرى .. 
لقد صَلب الرئيس مرسي نفسه على مذبح الديمقراطية والشرعية وأطلق العنان لسياط جلاديه تقطع في أوصاله وتمزق جسده وتنهش من لحمه .. نعم لقد رضي بذلك .. وعجز عن حماية هيبته .. وأضاع حلم أتباعه .. قال عمر رضى الله عنه اللهم إني أشكوا إليك عجز الثقة وجلد الفاجر .. هذه الكلمات لا تعيد شيء سلب بالقوة .. ولكن بها من العزاء ما يعين على فهم الدرس واستقدام إستراتيجية جديدة .. للإخوان ..
تحالفت كل هذه العناصر وتآمرت فأنجبت الثورة المضادة ونجحت في خداع الشعب .. إلى حين ..
***
 
وختاماً:
لم تنجح انتفاضة من أول مرة ولكنها عائدة إنشاء الله .. قد يخفق جيل ولكن الجيل التالي يستفيد من تجربة وتضحيات وآلام من سبقه .. ولأن الشعوب لا تموت .. وتتعلم من تجاربها .. وتعمل على تلافى الأخطاء السابقة .. وكان من أهم هذه الأخطاء هو عدم وجود أيدلوجية70 واحدة خلف الثورة .. مما أدى إلى الانقسام مباشرة بعد التنحي .. والقبول بالعسكر كحكم وهم الخصم ..
وحتى يصل التيار الإسلامي لذلك عليه أن يتخلص من بعض أدرانه .. ومنها الترقيع الذي يجيده البعض .. فالمنهج الإسلامي انقلابي كامل لا يقبل بالترقيع أو المداهنة أو المشاركة .. إنه منهج نقي خالص .. فإذا كانت حالات البطش السابقة دجنت بعض الوحدات الإسلامية .. وجعلتها تميل إلى لعب دور الذي لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم .. لكنه يرقع ويساند .. فقد انتهى هذا الزمان .. انتهى بظهور جيل أسامة بن لادن .. 
ومن الأدران التي يجب زوالها أيضاً .. الطابور الخامس المتمثل في شريحة باتت معروفة للجميع .. شريحة نالها قسط من العمالة .. أدركت ذلك أو لم تدرك .. وعلى الشباب المنضوين معنويا تحت رايتها أن يعرفوا الحق ولا يغرهم الرجال .. فالحق أولى بالإتباع .. فمن أشد المتاهات على الشباب هو إتباعهم لأسماء لها حظ من العلم والقبول من أهل البلاد أو من خارجها .. ولكن للأسف هذه الأسماء أضعف من أن يقودوهم  ناهيك عن أن يغيروا بهم ..
ومن الأدران أيضا ما يطلق عليه زورا مصلحة الدعوة .. شريحة تستعذب الصبر على أذى الحاكم "بغير ما أنزل الله" .. وعلى ظلمه .. وعلى موالاته لأعداء الله .. حتى تصل بهم رؤيتهم لتأمين أنفسهم بالإبلاغ عن إخوانهم المجاهدين لوحدات الأمن .. أي انتكاسة أخلاقية هذه .. وأي نذالة وسفالة اجتماعية ..
ومن الأدران السكوت عن واقع الأمة السياسي فلا تسمعهم يعرضون الواقع على الإسلام .. إنها شريحة تطل من الفضائيات لا ترى دعوتها في غير ذلك .. لا تخرج للحاكم ولا للناس .. يفتون ويقولون من وراء الشاشات .. ولكن تفاعلهم مع مجتمعهم والتغيرات المصاحبة له لا علاقة لهم بها ..
على التيار الإسلامي أن يدعم قيادة قوية .. وليعلم أنه لا وجود لإنسان كامل .. ولكن يوجد إنسان يمكنه أن يصل بالسفينة بقوة وسط أعاصير هائجة .. وعندما تتحول الثورة إلى دولة .. وتثبت أركانها .. وتبني كيانها .. لتؤسس للمرحلة التالية .. لن يتواجد قائد يرضى عنه الجميع أيضاً .. وإلى أن يُتدارك كل ذلك .. سيعاني الشعب والتيار الإسلامي  .. وسيظل مناخ التغيير قائم .. وأجواء الثورة في الأفق .. إلى أن تهب رياح النصر والتمكين .. وتهنأ الشعوب المسلمة .. 
لقد أكدت الانتفاضة الشعبية والانقلاب العسكري على قضية في منتهى الأهمية .. وهي ضرورة مراجعة كل التيارات الإسلامية لأطروحات التغيير ومحاولة وجود فكرة جديدة تعتمد على التنسيق المتبادل بينها بدلاً من النقد السلبي والعداوة الفارغة ..  فبعد ابتلاء الإخوان بنكبة جمال عبد الناصر مالوا إلى العمل من خلال التغيير السياسي من خلال العملية الديمقراطية .. وفي عهود القهر أخضعهم التزوير .. وبعد الانتفاضة انتزعت منهم السلطة بقهر الجيش .. وهذا يعني أنهم دخلوا في دائرة مفرغة لا أول لها ولا نهاية .. والتيارات الدعوية التي كانت تنتظر أن يأتي غيرهم بالإسلام وجدوا أن الانتفاضة السلمية في مصر وتونس أو المسلحة في ليبيا يمكن أن ترفع عنهم خزي العيش والاستكانة والمداهنة في ظل الحكم الطاغوتي .. والتيار الجهادي المحلي سواء من أراد منهم التغيير بثورة شعبية أو بانقلاب عسكري مدعومين بعناصر حراسة قد يعتذروا بأنهم لم يحظوا بالفرصة كاملة لاستكمال تجربتهم فتم استدراجهم أو اكتشافهم .. والحقيقة أن هذه كانت تجربتهم الكاملة .. وحتى التيار الجهادي العالمي ( القاعدة ) وإن كان قد نجح في المهمة التي تكفل بها وهي إضعاف النظام العالمي المسيطر .. لتتحرر الشعوب وتختار لنفسها .. فهذا الشق الأخير كان في وعي الشعوب لكنه لم يكن ناضجاً عند باقي التيار الإسلامي .. مما يعني أن الجزء الثاني في البرنامج لا يقل أهمية عن الأول .. وعليه فلتعمد القاعدة إلى تبني مع قضيتها العالمية قضية محلية تدعمها لتكون نقطة انطلاق للعالم فإن لم تقدر على ذلك .. فلا أقل من التنسيق مع التيارات الإسلامية المحلية سواء اقتنعت أم لا فعلى الأقل تكون مستعدة .. أو على الأقل يتم التنسيق مع التيارات الجهادية المحلية لتستثمر الفرصة وتستكمل المسيرة سواء بالتحرك الشعبي أو بالانقلاب العسكري .. والفرصة الآن متاحة في ظل الثورات والحروب الدائرة في المنطقة .. وأي ما تكون الفكرة فعلى التيارات الإسلامية المحلية والعالمية أن تتعاون سوياً وتجلس وتتفق وتنسق بينها .. فوجود أي تيار إسلامي في الحكم هو مرحلة لما بعدها سواء كان هذا التيار إخواني أو جهادي أو دعوي .. ومن التجارب الجديرة بالدراسة في هذا الباب تجربة الصومال .. لقد التقت فيه ثلاث إرادات وفق الله اجتماعها .. مجموعة من أبناء الصومال أرادت الجهاد لإقامة الدين .. وتنظيم القاعدة الذي تحرك إليهم لتدريبهم ومشاركتهم في الجهاد .. وقد انطلقت القاعدة من السودان الذي وفر لهم إيواء آمن .. حينما كان يحكمها التيار الترابي وهو صورة من صور التيار الإخوان .. وقد نجحت التجربة في وقتها بإخراج الأمريكان من الصومال .. ثم تولد كامتداد طبيعي وتطور مرحلي "المحاكم الإسلامية" وهي تيار حظي بتأييد شعبي في الحكم .. إلى أن عمد النظام العالمي مدعوما ببعض الدول العربية ومتحركا من الحبشة إلى إسقاطه بالقوة .. ولكن الشباب لا زالوا يقاتلون أسأل الله أن يوفقهم ويثبت أقدامهم وينصرهم على عدوهم .. 
من أراد أن يحيى أبناؤه وأحفاده تحت ظل الإسلام فليبذل كما بذل المسلمون الأوائل .. فعاشت بتضحياتهم أجيال لقرون تحت مظلة الإسلام .. لم يكن طريقهم سهلاً معبداً .. وليس هناك طريق سهل للوصول إلى ما وصلوا إليه .. ولن يكون اليوم لدينا طريق سهل يوصل لذلك .. ومن المعيب أن يبذل الكفار وأذنابهم من الجهد ما يعيق جهدنا .. ويوم نكون على العطاء أكبر وللجهد أمضى .. فذاك اليوم .. 
عابر سبيل
22-12-2013
 
فصل في الإستراتيجية
تمهيد
إن رغبة الإنسان الأول في تأمين حياته على وجه البسيطة وطبيعة الصراع القائم حين ذاك .. حصرت أولوياته في تأمين المأكل والمسكن والدفاع عن عشيرته ضد ما يواجهها من أخطار فتبلور فهمه الإستراتيجي حول الأمن الذي لا يتم إلا من خلال القتال فسعى دائما لاكتساب التفوق في القوة على بني جنسه وعلى الحيوانات أيضا وحتى على بعض الظواهر التي أوجدها الله في الطبيعة .. 
ولما دار الزمان دورته وتعاظمت أعداد البشرية ظل هذا الهاجس حجر الزاوية في عقلها .. وطورت من برامجها القتالية فتحركت من الدفاع إلى الهجوم .. ثم تفننت في أشكال الهجوم عبر التاريخ .. ولهذا ارتبط تدوين التاريخ عادة بسير الشخصيات السياسية " أنبياء أو قادة " وبسجلات وقائع الحروب الحاسمة أكثر من غيرها من الموضوعات التي أفرزتها البشرية أو عانت منها على مر الزمان .. والناس يحفظون أسماء القادة العسكريين البارزين أكثر مما يعرفون أسماء أجدادهم ويتغنون ببطولاتهم وما أنجزوه لأممهم من فخر وشرف .. ويتمثل الصغار هؤلاء القادة في لهوهم كما يعيش أشخاصهم المراهقون والشباب في أحلام يقظتهم .. وتدون عنهم الأساطير وخوارق الأعمال .. 
ولهذا عندما حصر بعض المفكرين مفهوم الإستراتيجية71 في العمل العسكري من معارك وحروب فقد كانوا متأثرين كثيراً بما درجوا عليه في صباهم كما أنهم كانوا متأثرين أكثر في فحولتهم بإدراكهم لمفهوم القوة القاهرة القادرة على تحقيق كل شيء وبهذا التصق مفهوم الإستراتيجية بالحرب .. حتى باتت الكلمة وكأنها تعبر عن خطة الحرب وما بها من معارك فقط .. دون الالتفات إلى ما سجله التاريخ من تعايش وفق تحالفات أو اندماجات تمت بوسائط اجتماعية أو سياسية أو دعوية عقدية .. أو من خلال الكثرة العددية أو التقدم العلمي .. أو السيطرة على مصادر القوة الاقتصادية .. أو بسبب الهيبة والعظمة .. والتي تهيئ كلها أو بعضها تفوقا وقوة قد تكون قاهرة يخشاها البعض أو ناعمة يحذوا حذوها الآخرين دون الحاجة لخوض الحرب ..
في هذه المحاضرة سوف نطرق موضوع الإستراتيجية ونلمس بعض جوانبها التي تهمنا من حيث فهم أسسها وما نحن في حاجة إليه .. ونطرق باب الإستراتيجية الإسلامية لفتح النقاش حولها لإثرائه  .. بحسب تحركات الأنبياء في دعوتهم ومرادهم .. وما يترتب على نجاح الدعوة والوصول لمرحلة الدولة ومن ثم الانطلاق للبشرية في كامل الكوكب .. 
وليس مرادي أن أستشرف ما يمكن أن تتوافق عليه الدول الإسلامية أو العربية اليوم من أوهام لا ترقى حتى لعمل سوق مشتركة فهم لا زالوا بعيدين جداً عن أي شكل من أشكال التعاون الحقيقي لأسباب كثيرة .. من أهمها الجامع الذي يجمعهم .. فبرغم التاريخ الإسلامي العظيم إلا أنهم لا يفتشون في تراثهم .. وفي ميراثهم الكثير لو فقهوا .. ومن أكثرها تأثيراً أسباب شخصية فعلى الرغم من نضج الشعوب إلا أن القيادات لازالت أسيرة أحلام يقظتها أو مطامعها .. ومنها خضوع إرادتهم واستسلامهم لما يفرضه عليهم العدو الصليبي اليهودي من أوامر .. والعجيب في هذا الزمان أن قادة العالم الإسلامي أصبحوا حريصين على إرضاءهم ويتسابقون في التنفل قبل أن تصلهم الأوامر .. أضف إلى ذلك أن برامجهم - إن كان لهم برنامج جاد - تحاول تقليد الغرب وتتبعه حذو القذة بالقذة ولا تسير وفق مراد الله خاصة في باب العقيدة والثقافة والعادات والأعراف .. وهذا باب لا يستهان به لأنه يضرب هوية الأمة في الصميم .. عن همام72 قال: ( كنا عند حذيفة فذكروا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرون} .. فقال رجل من القوم: إن هذا في بني إسرائيل .. فقال حذيفة: نعم الإخوة بنو إسرائيل إن كان لكم الحلو ولهم المر .. كلا والذي نفسي بيده حتى تحذوا السنة بالسنة حذو القذة بالقذة ). هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .. وعن حذيفة73  قال: ( أول ما تفقدون من دينكم الخشوع .. وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة .. ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة .. وليصلين النساء وهن حيض .. ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل .. لا تخطئون طريقهم ولا يخطأنكم .. حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة فتقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس .. لقد ضلّ من كان قبلنا إنما قال الله : {أقْمِ الصّلاةَ طَرَفَيْ الّنهَارَ وَزُلْفَاً مِنَ اللّيْلِ} لا تصلوا إلا ثلاثاً .. وتقول الأخرى: إيمان المؤمنين بالله كإيمان الملائكة ما فينا كافر ولا منافق .. حق على الله أن يحشرهما مع الدجال ). هذا حديث صحيح الإسناد74 ولم يخرجاه .. 
وسوف نستعرض بعض التعريفات لنصل في النهاية إلى مفهوم أكثر قربا لهذه المرحلة من التاريخ.
 
أولاً تعريف الإستراتيجية:
تعبير الإستراتيجية مشتق من الكلمة اليونانية strategos بمعنى فن القيادة  Art of generalship  وهي مشتقة من stratos وتعني الجيش وكلمة agein  وتعني قيادة أو إدارة واستخدمت هذه الكلمة في اليونانية القديمة  strategos بمعنى قائد الجيش ومنها اشتقت   strategie  فن قيادة الجيش ..
اقتصر كلاوزفيتز75 تعريفه للإستراتيجية على الحرب فيقول (هي فن إعداد المعارك ووضع الخطط الحربية العامة) وقال ( هي فن استخدام المعارك كوسيلة للوصول إلى هدف الحرب .. أي أن الإستراتيجية تضع مخطط الحرب .. وتحدد التطور المتوقع لمختلف المعارك التي تتألف منها الحرب كما تحدد الاشتباكات التي ستقع في كل معركة ) 
تعريف هنري لويد76 ( قصد بالإستراتيجية العسكرية استخدام القوة المسلحة بواسطة الدولة لتحقيق أهدافها ).
تعريف فوندر غولتز ( أنها اتخاذ الإجراءات ذات الطبيعة العامة بالنسبة لمسرح الحرب ككل ).
تعريف مولتكه77 ( أنها عملية الموائمة العملية للوسائل الموضوعة تحت تصرف القائد لتحقيق الأهداف ). 
تعريف ليدل هارت ( الإستراتيجية العسكرية هي فن توزيع واستخدام مختلف الوسائل العسكرية لتحقيق هدف السياسة ) .. وهو يعتقد أن الهدف من الإستراتيجية ليس البحث عن المعركة .. بل البحث عن وضع استراتيجي ملائم إن لم يؤدي بنفسه إلى النصر فإنه يخلق ظروفا ملائمة لمعركة تأتي بعده وتنتزع النصر حتما ..
تعريف الجنرال اندريه بوفر78 يقول ( الإستراتيجية هي فن حوار الإرادات التي تستخدم القوة لحل الخلافات ) .. وذلك على أساس أنه يعتقد أن هناك وسائل أخرى في ظروف معينة تؤدي إلي تحقيق هدف الإستراتيجية دون استخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة ..
وذكر البعض79 ( بأنها فن استخدام وتطوير قوى الأمة السياسية والعسكرية والمعنوية أثناء السلم والحرب على السواء لدعم الأهداف القومية للبلد المعين .. وتشمل صيانة وتنمية قدرات البلاد في كل المجالات خلال المرحلة التاريخية ).
كما قدم ماوتسي تونج80 تعريفه الخاص بالإستراتيجية فيقول ( حيثما كانت حرب يوجد وضع كلي للحرب .. وإن دراسة القوانين الموجهة للحرب والتي تتحكم في وضع الحرب الكلي هي مهمة علم الإستراتيجية )81
ويقدم الفكر العسكري السوفيتي82 على لسان المارشال"سوكولوفسكي" للإستراتيجية بأنها عبارة عن ( نظام المعلومات العلمية عن القواعد القياسية للحرب كصراع مسلح يخدم مصالح طبقية معينة .. وعلى أساس دراسة خبرة الحروب والموقف العسكري السياسي .. والإمكانات الاقتصادية والمعنوية للدولة .. والوسائل الجديدة للصراع المسلح ونظرات العدو المحتملة .. تقوم الإستراتيجية بدراسة أحوال وطبيعة الحرب المقبلة .. وفي الوقت نفسه هي ميدان النشاط العملي "للقيادة السياسية - العسكرية العليا والقيادة العسكرية العليا" الذي يهدف إلى فن تجهيز الدولة والقوات المسلحة للحرب وإدارة  الصراع المسلح في ظروف تاريخية معينة ) .. 
أما الفكر العسكري الأمريكي فقد قدم بواسطة هيئة الأركان العسكرية الأمريكية عام 1959 تعريفا للإستراتيجية بأنها ( فن وعلم استخدام القوات المسلحة للدولة بغرض تحقيق أهداف السياسة القومية عن طريق القوة أو التهديد83 باستخدامها )84
ويقول المهندس مصطفى حامد85 ( السياسة توجه وتراقب الإستراتيجية .. تخطيطا وتنفيذا ونتائج .. والإستراتيجية توجه وتراقب التنفيذ التكتيكي .. وعليه فالإستراتيجية تعنى: التخطيط طويل الأمد من أجل تحقيق أهداف كبيرة الحجم والأهمية أما الإستراتيجية العسكرية: فهي الخطط الكفيلة باستخدام القدرات العسكرية المتوافرة .. لتحقيق الأهداف السياسية للدولة أو الأمة  .. أو حركة تحرير).
ومن خلال فهم هذا التطور في مفهوم الإستراتيجية خلال القرنين المنصرمين ومن خلال منطلقنا الإسلامي86 الذي نتحرك إن شاء الله إلى إعادة سيادته على الأرض يمكننا القول بأن العمل الحربي "الجهادي" هو أحد وسائل الإستراتيجية العامة وما يوضع له من نظريات أو وسائل وتطبيقات يطلق عليها الإستراتيجية العسكرية وهي جزء من كل .. أما الإستراتيجية العامة للأمة فهي الخطة التي تمكنا من تحقيق أهدافنا ( أهداف الرسالة ) اعتماداً على الله أولاً .. ثم ما هو متاح لنا من موارد وما حققنا من قدرات في كافة المجالات .. وقد يكون من المناسب تقسيم الإستراتيجية العامة ( الخطة ) إلى مراحل وفقا لقوة الدولة أو التنظيم وضعفه وقوة الخصم وضعفه .. ولكل مرحلة أهدافها التي إن تحققت تمكنا من الانتقال إلى مرحلة أخرى لتصل في النهاية لتحقيق الأهداف التي رغبت فيها الدولة أو التي من أجلها أنشئ التنظيم .. ولذلك فالإستراتيجية العامة عبارة عن خطط طويلة المدى تشمل في بطنها خطط قصيرة المدى ..
هذا من طرف .. ومن طرف آخر فالبحث والنقض والحوار والتخطيط في الإسلام لوضع الاستراتيجيات منضبط بمنهج سماوي .. يطلق له العنان في البحث ولكن من أجل قيم عليا وغايات سامية .. كما أنّ هناك ضوابط تمنع المفكرين من الانجرار وراء مبادئ لا علاقة لها بالإسلام مثل "الغاية تبرر الوسيلة" .. وبالتالي يتم توظيف ما في الدولة من موارد وطاقات وقدرات متنوعة .. من أجل أن تعمل مسيرة الأمة على تحقيق مراد الله منها.
ويمكن صياغتها بالنص التالي « هي قدرة الأمة أو الدولة أو التنظيم الفكرية على البحث والتفكير لاختيار أفضل الوسائل الممكنة .. وتوظيف الموارد المتاحة .. لتحقيق أهداف الرسالة الإسلامية سواء دارت رحى الحرب أو لم تدور » .. أي التخطيط لإدارة موارده وعناصر قوته البشرية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية والدعوية والنفسية والدبلوماسية والجغرافية والتاريخية مع الاستفادة من عناصر ضعف خصمه في نفس المجالات: لإعلامه برسالة الإسلام وما يدعوا إليه .. أو لتهيئة مناخ يفرز مؤثرات داخلية أو خارجية تؤدي إلى تفتيت عناصر قوة الخصم وتنحيه عن الصراع .. أو لإخضاعه وإبعاده عن المنافسة على عقل الإنسان وقراره .. أو قبوله وتبعيته لمنهج الله .. سواء دارت رحى الحرب أو لم تدور ..
فالرسالة الإسلامية87 هدفت إلى: 
توحيد الخالق وإفراده بالعبادة قال  { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ {25} الأنبياء .. وقال  { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {56} الذاريات .. وقال  { هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ {52} إبراهيم .. وقال  { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ  حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {36} النحل
كما رمت إلى سياسة الدنيا بإقامة العدل والتكافل بين بني آدم كافة وفق تشريع سماوي منصف رحيم .. سواء للمسلمين أو من بقي على كفره من أهل الكتاب طالما هم يحيون داخل دار الإسلام وفق التشريع الإسلامي قال  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {8} المائدة .. وقال  { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8} الممتحنة .. وقال  { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ {13} الشورى .. وقال  { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ {18} الجاثية ..
وحراسة وجودهم وحفظ أموالهم وتأمين انطلاقتهم لنشر عقيدتهم.. قال  { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {60} الأنفال .. وقال  { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً {84} النساء ..
ولتحرير العقل برفع الضغوط والحجب عنه لتمكينه من الاختيار .. وتأمين العقول المسلمة من سلبها فكريا أو حسيا .. وحفظ العقول من أي مؤثر يشوش عليها أو يضر بها أو يحجب رؤيتها قال  { وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ {12} براءة .. قال  { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {265} البقرة .. وقال  { وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً {83} النساء .. وقال  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {90} المائدة .. لقد قال خالد بن الوليد  وقت إعلان إسلامه بين يدي رسول الله  حينما لاطفه .. فرد بقوله: " كان يمنعنا من الإسلام رجال كنا نرى أحلامهم كالجبال" .. إن مقتل هؤلاء حرر عقل خالد ومن كان مثله ليختار .. كما تؤمن العقول من السقوط تحت تأثير الأفكار الخبيثة من علمانية ولبرالية وغيرها .. كما يحفظ العقل من أن يغيب بالخمر وما شابهها .. 
وعمارة الأرض باستثمار نعم الله في الكوكب على أحسن وجه ممكن قال  { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ {61} هود .. وقال  { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ {14} يونس .. 
فالأهداف الإسلامية أهداف عامة لصلاح البشرية .. لا ترفع جنس على جنس .. ولا تتعصب لعرق دون عرق .. فقد جاءت من خالق الإنسان لصلاح أمر الإنسان في مسيرته إلى الله .. ليقطف الثمرة .. فيقر عقله في الدنيا ويقنع وتهنأ روحه وتسمو .. فيقصر طرفه على ما رزقه الله .. فلا يحركه الطمع أو الحسد .. وإنما تحركه الدعوة لانتشال العالم من الغفلة والضياع والتيه .. فتأمن المعمورة وتسكن .. 
وعليه فبقدر ما نبعد عن تعريف كلاوزفيتز ونقترب من تعريف كلا من ليدل هارت وبوفر .. ونختلف معهما .. فالهدف الحقيقي ليس السعي إلى المعركة بقدر السعي لخطاب العقل والروح وتزكية النفس لإدخالهم في الدين .. والسعي أيضا لبناء موقف موات لتحقيق الحسم سواء حدثت معركة أم لا .. وكما قال الحكيم الصيني صن تزو88 " إن إخضاع العدو دون قتال هو قمة المهارة " .. قال  { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {125} النحل .. وقال  { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ {193} البقرة .. وعن جابرُ بنِ عبدِ اللّهِ قال: قال رسولُ اللّهِ : «أُعطِيتُ خَمساً لم يُعطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأنبِياءِ قبلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شَهرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسجداً وَطَهوراً، وَأَيُّما رَجُلٍ من أُمَّتي أدرَكَتْهُ الصلاةً فلْيُصلِّ، وَأُحِلَّتْ ليَ الغَنائمُ، وكان النبيُّ يُبعَثُ إِلى قَوْمهِ خاصَّةً89 وَبُعِثتُ إِلى الناسِ كافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعةَ» رواه البخاري .. وقال  { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ {151} آل عمران .. وفي تفسير قول الله  { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {60} الأنفال .. تحمل الآية توجيها استراتيجياً عميقاً ورائداً فتحدد الرؤية السياسة في بناء المؤسسة العسكرية في ضوء المهام المراد تحقيقها سواء دارت رحى الحرب أم لا .. وهي تمثل مذهباً عسكرياً راقياً .. فمهمة القوة90 بمفهومها العسكري والعام في الإسلام ليس الإفناء ولا الإبادة ولا اغتصاب مقدرات الشعوب وإنما "ابتدءاً بتأمين الذين يختارون هذه العقيدة91 على حريتهم في اختيارها .. فلا يصدوا عنها .. ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها .. وثانياً: أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على "دار الإسلام" التي تحميها تلك القوة .. ثالثاً: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي وهو ينطلق لتحرير "الإنسان" كله في "الأرض" كلها .. ورابعاً: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها ولا تعترف بأن الإلوهية لله وحده ومن ثم فالحاكمية له وحده سبحانه" .. أهـ من الظلال .. بمثل هذه القوة في الخطاب يجب أن تكون القوة في الوسائل .. وبمثل هذه القوة في الطرح يجب أن تأتي كلمات الدعاة .. فالناس أسرى لكل منطق فصيح قوي لا تلعثم فيه ..
ولا شك أيضا أن هذه القوة تفرض نوعا من الهيبة والحماية لدعاة الإسلام حين ينطلقون في أرجاء المعمورة لهداية البشر للإسلام .. فلا يمنعهم أحد .. ناهيك على أن يعتدي عليهم كائن من كان .. إن الهيبة تفرض على آذان المستهدَفِين بالدعوة نوع من الاحترام يجعلهم ينصتون بتدبر وتأمل لكل ما ينطق به الداعية .. ما كان لينالها الدعاة إلا بسبب القوة التي تطل على رؤوسهم في خلفية المشهد .. قال  { لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ {13} الحشر .. فالقتال92 في الإسلام ليس لمجرد الرغبة فيه ولكنه وفق أسس وضوابط ينطلق منها ليحقق مراد الله في عمارة أرضه فإن تحقق مراد الله بغير القتال أي من خلال الدعوة .. أو من خلال قوة الإسلام الناعمة93 من خلال السمعة الحسنة للإسلام التي تغلف حركة التجارة الإسلامية أو الأمن والأمان والأمانة الذين تحيا فيهم المجتمعات الإسلامية .. أو من غيرها من الوسائل المتاحة والمشروعة كالحصار الاقتصادي والضغط النفسي فهو المراد .. وإلا عمدنا إلى تحقيق مراد الله بالجهاد في سبيل الله ..
وحتى الجزية94 التي يفرضها الإسلام على المعاندين الرافضين95 للدخول فيه .. فإن كانت تؤخذ في الظاهر من أجل تأمين إقامتهم في الدولة الإسلامية .. إلا أنها فرصة زمنية من قبل الله لهم ليعايشوا المسلمين ويراجعوا رؤيتهم لهم ولمبادئ دينهم لعلهم يسلمون .. فهي مهلة زمنية مفتوحة ولكنها مدفوعة الثمن في إطار برنامج الدعوة .. ومتى ما أسلموا رفعت عنهم ..
والإسلام لا ينظر فقط إلى الوضع الراهن ولكنه يستشرف ما يجب أن يكون عليه المستقبل .. ولا يكتفي بتصنيف حالة السلم التي تلي الحرب .. وتصنيفات المجتمعات والأنظمة التي أفرزتها الحرب .. ولكنه يحدد كيفية التعامل معها ويوجه حياتها .. في ضوء ما ذكره ابن القيم في تلخيصه السابق. 
***
 
وعود لموضوعنا فإننا نخلص للآتي:
1- الأهداف التي يجب أن تحققها الإستراتيجية الإسلامية لم يضعها أحد من ساكني الأرض وهي متحررة من العقل الآدمي .. فهي أمر من الله وإلزام لهم بالعمل على تحقيقها .. وأن يأخذوا في سبيل تحقيقها بما في الوسع .. بوسائل دعوية أو جهادية أو غيرهما .. أما نتائج هذا العمل من توفيق أو دونه فمرده إلى الله .. قال  { ... قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ... {154} آل عمران .. وقال  { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ {3} يونس .. 
2- أن مجال الإنسان المسلم فيها هو العمل على وضع الإستراتيجية التي تحقق هذه الأهداف ..فالإستراتيجية عملية ذهنية قائمة على واقع يتيح لنا وسائل وإمكانات نسعى من خلالهما لتحقيق أهداف الرسالة .. وبتعبير مستحدث هي خطة السياسة العامة للوصول إلى أهدافها من خلال معرفتها بواقعها وإمكاناته .. وتوظيف وسائلها المناسبة .. وبقدر ما تعددت الوسائل المتاحة بقدر ما جاءت الإستراتيجية قوية ومؤثرة.
3- مجال الإستراتيجية هو كافة الموارد المتاحة للأمة من عناصر قوتها البشرية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية والأمنية والدعوية والنفسية والدبلوماسية والجغرافية والتاريخية والدينية وهي الإمكانيات المتاحة أمام الساسة أو ما يمكن تسميته بوسائل السياسة التي يجب العمل على تقويتها. وكما أن هناك إستراتيجية عسكرية فهناك إستراتيجية اقتصادية وإعلامية و و....الخ .. والتي تتكون منها مجتمعة الإستراتيجية العامة للدولة.
4- في الإستراتيجية لا يكفي أن نتعرف على مواردنا وإحسان إدارتها فقط .. بل يجب أن يكون حاضرا في الإستراتيجية قدرات الخصم أو المنافس .. وليس مجرد التعرف على عناصر القوة والضعف للخصم في نفس المجالات الإستراتيجية ولكن دراسة هذه العناصر بعمق للعمل على التفوق عليها ومن ثم تأهيلها للهزيمة في الصراع .. سواء من خلال وسيلة الحرب أو أي وسيلة أخرى .. وسواء تم ذلك من خلالنا أو من خلال عوامل خارجية قمنا بدعمها أو حتى من داخل معسكر الخصم بالعبث بتركيبته الاجتماعية وهز وحدته السياسية الداخلية أو إضعاف بنيته الاقتصادية .. فالنصر على الخصم ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً فإن انهياراً داخليا يؤدي نفس النتيجة وبتكلفة أقل بكثير من تكاليف وتضحيات العمل العسكري فإن لم يهزم فعلى الأقل إضعافه وإخراجه من ساحة الصراع أو المنافسة من أجل هدايته أو للقضاء عليه في مرحلة تالية بحسب لينه وعناده.
5- إن عملية وضع الإستراتيجية ما هي إلا عملية البحث عن أفضل الأساليب والطرق والأدوات لتحقيق الأهداف التي تم تحديدها .. على مراحل متتالية وبكفاءة تنفيذية مرنة مع الأحداث والوقت .. سواء كانت إستراتيجية تنموية أو كانت تغيرية .. ولفهم ذلك وعلى افتراض كونها خطة تغيرية " أي للسلطة " فليس بالضرورة أن تتم إدارة الصراع بالحرب فقط .. ولكن من المؤكد حتمية القتال في مرحلة لاحقة .. إذ ما يمكن تغيره بالكلمة لا يستخدم فيه العصا .. وما يأتي بتأليف القلوب ببعض المال أحقن لدماء المسلمين .. وما تفعله القوى الناعمة أرضى للصدور من نار الحرب .. وما يترتب على الاحتكاك التجاري من نشر الأخلاق والآداب يمثل عدوى ثورية .. وما تفعله مناورات الحصار الاقتصادي من إرهاق للخصم يساعد على تفتيته .. وما يتولد عن امتلاك الأسلحة النوعية من إرهاب يردع هواجس القادة .. وعليه فليست الحرب أو الكفاح المسلح وحدهما وسيلة الصراع .. لكنهما جزء رئيسي منه لا غنى عنهما ولكن يستخدما بالقدر المناسب وفي الوقت المناسب حالهما كحال أي دواء .. وأوراق الضغط وإضعاف الخصم وعزله كثيرة ووسائل السياسة96 متنوعة تستخدم المناسب منها في الوقت والمكان المناسبين ..
ومن المؤكد أن الدعوة بالكلمة وتأليف القلوب والقوى الناعمة ستكون محدودة الأثر ما لم تكن تستند على قوة عسكرية تؤدي هيبتها إلى دعمهم وتقوية وحماية تحركهم .. وبدون هذه القوة العسكرية لا تحترم الأمم وتكون نهباً لغيرها .. والعلاقة متشابكة وكل الوسائل لا تؤدي دورها بدون غيرها .. وعوامل عملية التغير من التعقيد بحيث يتعذر على أي دراسة أن تحصرها وتصنف الروابط بينها .. 
أضف لهم قوة الاقتصاد الذي يسمح ببناء القوة العسكرية والإنفاق عليها وعلى ما يصاحبها من أعباء .. ولقد جمع الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بين المال والنفس في قرابة عشر مواضع من القرآن لم تقدم فيها النفس على المال إلا مرة واحدة فقط .. وذلك لبيان أهمية المال في البناء والحرب .. قال  { لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {88} براءة .. 
6- نؤكد على أن الحرب هي واحدة من وسائل السياسة التي تلجأ إليها عند الحاجة لتحقيق مناخ أفضل لاستمرار العمل السياسي ( الدعوي ) وبمفهوم أدق " إزالة العراقيل التي تمنع تقدم الرسالة " .. وهذا يكون في حالات القوة أما في حالات الضعف فالحرب عادة ما تكون ذات هدف محدود97 في انتظار انقلاب موازين القوة أو تساويها .. وقد توقف القيادة السياسية الحرب لتستخدم وسيلة أخرى دعوية أو اقتصادية تحقق أهدافها بتكاليف وتضحيات أقل .. لكن القيادة لا توقف بحال من الأحوال عملية الإعداد للحرب ..
7- أن ما يعقب حالة الحرب ليس بالضرورة أن يكون نصر أو انتماء للإسلام أو إقرار بالجزية فربما تكون هدنة تمارس خلالها وسائل أخرى للوصول إلى هدف السياسة .. فحالة السلم أو التوتر التي تعقب الحرب ترتبط بمدى القوة والضعف الذي خرج به كل معسكر .. والذي قد يفرض نمط تعايش مستحدث حتى تتوفر شروط جديدة تغير من شكل الخريطة مرة أخرى .. وهنا تأتي الرؤية الإستراتيجية المرنة التي تؤهل نفسها للعمل على كافة الاحتمالات التي تسفر عنها الحرب.
***
العلاقات والفواصل بين الأهداف والاستراتيجيات والتعبئة والتكتيك:
الأهداف: 
هي الغاية المنشودة من سعي الأمة في الأرض .. والتي تم توجيهها إليها من القيادة السياسية في البلاد .. والأهداف بهذا الشكل عامة .. وقد يتم الوصول إليها عن طريق أهداف مرحلية تبنتها مراحل الإستراتيجية .. 
وقد بينا من قبل أن الأهداف العامة لأمة لا إله إلا الله هي: تصحيح الانحراف العقدي للبشرية وإتباع شريعته .. وإقامة العدل الاجتماعي بينهم .. وحراسة98 وجود المؤمنين وحفظ أموالهم وتأمين انطلاقتهم في الدعوة .. وصيانة العقول من الشبهات والسلب وتحرير عقول البشر بإزالة العوائق99 لتسهيل الاختيار .. وعمارة الأرض بحسن استثمار المقدرات على الكوكب .. وبينا أنه تم توجيهنا إليها من خلال الخالق  ..
من سمات وخصائص الأهداف:
1- والأهداف يجب أن تكون واضحة غير مبهمة ومنتفي عنها التناقض لتنجح مهمة واضعي الإستراتيجية في الاختيار بين الوسائل المتاحة .. فلا يصح أيضاً أن يكون الهدف ضبابيا يجعل اختيار وسائل تنفيذه تتضارب فيما بينها .. ولا يصح أن يكون الهدف فضفاض يحتمل الكثير من التأويلات فيتصرف المنفذون كلٌ بحسب فهمه واجتهاده .. 
2- الشمول والتكامل: عادة ما يكون بين الأهداف هدف أعلى ينضوي فيه معاني الأهداف الباقية .. وتعمل معه بقية الأهداف بانسجام لتصل للتكامل .. كما يجب أن يكون الشمول والتكامل أيضاً بين الأهداف والقطاعات المختلفة .. وبالتنسيق الداخلي بينها .. 
3- واقعية الأهداف أي أنها حقيقية وليست ضرباً من الخيال لا يمكن تحقيقها .. مع وضع ضابط مهم وهو مدى إمكانية تحقيق الهدف في ضوء الإمكانات المتاحة أو المتوقع عمليا الحصول عليها في مرحلة لاحقة لوجود أرضية تسمح بذلك .. وبالتالي تنفيذها سواء في المرحلة الحالية أو في مراحل لاحقة100 عند تهيئة مناخ يساعد على نجاحها ..
4- أن تلبي طموحات النفس البشرية السوية الباحثة عن الأمن والاستقرار لمعتقدها ولحياتها ولأموالها أثناء مسيرتها العمرية .. على مستوى الفرد ومستوى الأمة ومستوى البشرية .. فلا يصح أن تلبي شهوات شريحة أو تميز طائفة دون سائر البشر ..
5- كما أن هذه الأهداف تخضع لعملية مخاض دقيقة تمتاز بحساسية شديدة وفق المنظور الإسلامي لتكون قابلة للتنفيذ في الواقع .. عملية المخاض101 هذه صالحة للتطبيق حتى على مستوى القرارات التنفيذية وفي هذا المقام سوف أوجز المقصود منها على الرغم من حاجتها لكتاب خاص وكل بند لباب كامل: 
أ- المخاض الشرعي102 الذي يبحث في سلامة هذه الأهداف وموافقتها للشريعة الإسلامية ..
ب- المخاض السياسي يبحث في المآلات من وراء هذه الأهداف حاليا ومستقبلا ..
جـ- المخاض الاقتصادي وهو القدرة على تحمل نفقات تنفيذ الأهداف وما يترتب على تنفيذها من أعباء وتبعات مالية إضافية غير منظورة .. قد تسقط العمل كله .. على سبيل المثال لتنفيذ عملية عسكرية فإنها تحتاج إلى نفقات مباشرة .. وقد تحتاج لنفقات لم تكن في الحسابان أثناء الإعداد لتنفيذ العملية .. وبعد التنفيذ تظهر نفقات وتكاليف جديدة كرد فعل لتطورات ما بعد العملية .. ( التأمين .. التهجير .. العلاج .... الخ ) ..
د- المخاض الاجتماعي يبحث في دور المجتمع ومشاركته وحضوره وعن قدرة المجتمع على تحمل عبء تنفيذ هذه الأهداف وما يترتب عليها لأنها تمر من خلاله .. وهل قام التنظيم بدوره في توعية المجتمع103 وتحضيره للصراع؟ .. فعلى الرغم من الأهمية العظمى لهذا البند إلا أن هناك إهمال كبير لإعلام ولإعداد الأمة .. بل قد يغيب هذا الدور تماما عن كثير من المنتسبين للتيار الجهادي عندما يسعون للتغيير في أقطارهم .. 
وإن كانت القاعدة سعت لإعلام الأمة وتحريضها وتوعيتها بالصراع القائم وبيان حقيقة عدوها وخبثه وبينت أصنافه ورتبت أولويتها وبينت طريق التغلب عليه .. لكن تظل هناك مساحة كبيرة من الأمة تشوش عليها الأنظمة الحاكمة وتضللها .. فلا يجب إهمال هذه الشريحة من التوعية والتحريض.
هـ- المخاض الأمني الذي يبحث ردود الأفعال العدائية على مستوى المحيطين الداخلي والخارجي .. والحلفاء والأعداء .. الظاهرين والمخفيين .. والتي قد تشل ردود أفعالهم البرنامج برمته أو تنهيه .. فدور المخابرات لا غنى عنه في تأمين الأمة .. والحكيم من ينظر في عواقب الأمور.
ز- المخاض العسكري وهو متعلق بالقدرة التنفيذية لقواتنا هل نقدر أم لا .. وليس المقصود هو الإعداد والقيام بمعركة عسكرية واحدة وإنما بالحرب ككل طالت أم قصرت .. والصراع قائم ومستمر إلى يوم القيامة .. وتضحيات الأمة وجهادها ماض إلى يوم القيامة .. والحكيم104 من أعد ورتب ونظر في العواقب وأقدم على العمل متوكلا على الله وترك حصاد الأمر له سبحانه.
الإستراتيجية العامة:
يقول الجنرال الفرنسي أندريه بوفر عن مفهوم105 الإستراتيجية أنه نمط من التفكير .. برغم تعقيده .. أن يكون بمثابة مرشد عملي لتحقيق غايات السياسة على خير وجه .. وخاصة لتفادي الأخطار الجسيمة التي يُظهر لنا التاريخ الحديث أمثلة عديدة منها .. أهـ
ومن خلال ما سردناه آنفاً نلاحظ أن الإستراتيجية هي: « خطة تحقيق الأهداف .. بالبحث ودراسة كافة الوسائل الممكنة لاختيار أفضلها .. في ضوء الموارد المتاحة .. واستخدامها بانسجام بواسطة كافة الإدارات » .. ولكن الأهداف بطبيعتها تنحاز لمجموعة من الوسائل .. والأهداف لا يمكن تحقيقها بدون الانسجام بين كافة الإدارات وتكامل أدوارها .. فمن الوسائل مثلا الحرب وهي تخضع للإدارة العسكرية التي يجب دعمها من الإدارات الأخرى وخاصة الإدارة الاقتصادية .. وهكذا .. ويمكننا استبدال كلمة إدارة بقيادة أو وزارة .. 
أما مسؤولية وضع هذه الأهداف واختيار الوسائل وتحقيق الانسجام بين الإدارات المختلفة وتوزيع الأدوار بينهم فهي مهمة القيادة السياسية العليا106 في الدولة .. الذين يبحثون عن أفضل الأساليب والطرق والأدوات لتحقيق الأهداف وهذا هو جوهر الإستراتيجية ..
ومسؤولية تنفيذ هذه الأهداف تقع على عبء الإدارات التنفيذية المختلفة كلا بحسب دوره فيها .. وأيما إدارة أو قيادة تنفيذية مثلاً ( القائد العسكري العام ) وجدت شحاً في الوسائل التي تحت يديها .. فمن حقها التنبيه .. فإن لم تؤخذ رؤيتها بعين الاعتبار فلها رفض القيادة أو الاستقالة .. دون أن يفرض على قيادته العليا الوسائل التي يجب أن توضع تحت تصرفه .. لأن في ذلك خروجا على حدود اختصاصه ..إذ أن مسؤوليته في حدود استخدام القوات المسلحة ..
ومن حق القيادة العليا أن تقوم باستبدال القيادات التنفيذية التي فقدت ثقتها فيها .. ولكن لا ينبغي للقيادة العليا أن تقوم بتكليف ما ولا توفر له مقومات نجاحه .. أو تقوم بعرقلة عمل القائد التنفيذي بالتدخل في استخدام أجهزته .. أو بتجريده من بعض وسائله .. إن واجبها هو تحديد طبيعة مهمته بكل وضوح وتفسح له المجال للتنفيذ ..
وعلى مستوى العملية العسكرية فالقيادة السياسية إذا وجدت أن عدوها يتمتع بتفوق عسكري عام أو محلي في ميدان من ميادين العمليات فقد تقرر تنفيذ إستراتيجية ذات هدف محدد .. وتستطيع القيادة السياسية أيضا أن تصر على التريث حتى يتعادل تناسب القوى .. ويمكنها تأخير الجهود العسكرية أو إيقافها نهائيا في انتظار نتيجة حاسمة لعمل اقتصادي أو دعوي .. كما يمكنها اعتبار تدمير قوات العدو عملا يفوق قدرتها ولا يستحق الجهد الذي يبذل من أجله وأن الوصول إلى هدف سياستها ممكن بتكتيك أخر أو المساومة عليها خلال مفاوضات الصلح.
وخلاصة القول أن القيادة السياسية هي التي تأخذ قرار الحرب بدأ وانتهاءً وتعمل على انسجام كافة أجهزة الدولة لخدمة المجهود الحربي .. والقيادة العسكرية: تقدم توصياتها في البدء والانتهاء .. وتقوم بالإعداد والتحضير للحرب .. وإدارة الحرب وتنفيذها باستخدام القوات المسلحة وفق المهمة المحددة.
من الجمل البديعة التي أعجبتني تشبيه المناورات السياسية أو العسكرية ووسائلهم المتبادلة بظاهرة المد والجزر107 .. فالإقدام أو الإحجام في المناورات السياسة يؤتي ثماره إذا استخدمنا أي منهما في الوقت الصحيح .. والدفاع أو الهجوم كلاهما يأتي ثمرته إذا استخدم في الوقت المناسب .. فالدعوة والجهاد كلاهما يأتي بثمرته إذا استخدمناه في الوقت المناسب .. 
من الملاحظات السابقة وغيرها يتبين لنا السبب في أن الإستراتيجية يجب أن تكون صلبة108 والتنفيذ مرن .. 
هدف الإستراتيجية: 
هل تهدف الإستراتيجية الإسلامية أو تعمل وسائلها من أجل تحقيق أهدافها العامة إلى القضاء على الخصم وإبادته؟ .. أو إخضاعه بالقوة لمنهجها وسلبه إرادته؟ .. أو تعمل على استعباده ونهب ثرواته؟ .. أم لتفتيت عناصر قوته وتعميق عناصر ضعفه وتحرير فكره؟ ..
مر أكثر من 1400 عام على ظهور الإسلام ووفاة النبي الخاتم محمد بن عبد الله  .. ولم تسطر البشرية في تاريخها الحضاري والعسكري منه على وجه الخصوص أن الإسلام انطلق في الأرض من أجل إبادة الجنس البشري109 أو اغتصاب المقدرات أو قهره على اعتناق معتقده .. ولكنه حمل رسالة الخير والحرية للبشرية من المعتقدات الباطلة .. وتحطيم قيود استعباد البشر لهم .. ولتحرير عقولهم من الأوهام والهواجس فيعبدوا الله الواحد الأحد .. وتصبغ مسيرتها إليه  بشريعته .. ودربها بمنهجه ..
وبناء عليه فالإسلام يعمد في الدعوة إلى إستراتيجية التفتيت فهو يناقش بقوة الحق العقائد المخالفة ويضعها أمام حقيقة ثابتة لا تتزحزح وهي الإقرار بربوبية الله وإنفراده بعملية الخلق .. وهو ما لا أجد مخالفاً فيه بين بني آدم وهم يقرون له  بذلك .. قال  { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ {38} الزمر .. وبحسن البيان ورقته يدعوهم الإسلام ليعودوا إلى ربهم فيصرفوا له وحده العبادة دون سواه .. قال  { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {125} النحل .. وقال  { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ  حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {36} النحل .. ثم يأخذهم الإسلام إلى ما فيه صلاح حياتهم بتطبيق شريعته ونهجه لينتشلهم من موبقات الأفكار البشرية والأطروحات الشيطانية .. قال  { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ {15} يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {16} المائدة .. ويحرر عقولهم وإرادتهم من كل سقف أو قيد يمنع من وصول الحق إليهم .. ليحسنوا الاختيار بين ما هم عليه ومنهج الله .. قال  { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {265} البقرة .. ثم يحترم إنسانية من خالفه ويعامله بمنتهى العدل والرحمة .. قال  { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8} الممتحنة .. وحتى الذين يرفضون منهجه ويعلنون الحرب عليه ويشنون عليه الغارات من أهل الكتاب .. يردعهم الإسلام بحزم وحينما يقهرهم يعقد لهم عهداً يصلح لهم حياتهم ويحترم حقوقهم خلال إقامتهم في دار الإسلام يؤدون ما عليهم ويأخذون ما لهم مدة حياتهم ووفائهم بالعهد .. قال  { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ {29} براءة .. هذا هو الإسلام قوة في الحق .. ورحمة وتلطف وحسن بيان وحجة في الدعوة  .. وعدل وبر مع المسالمين .. وحزم وقهر للمعاندين ..
وقبل أن نغادر هذه النقطة أحب أن أحرر بنداً غاية في الأهمية أدعوا به من خلال هذا الكتاب قارئه من غير المسلمين .. وألفِت به نظر الجميع إلى أن الإسلام هو الرسالة الإلهية العامة الوحيدة للبشرية جمعاء .. بخلاف أخواتها السماوية السابقة فاليهودية ما جاءت إلا لتحرير بني إسرائيل وإعادتهم على النهج القويم .. والنصرانية سارت على نفس الدرب110 وأكدت على حقيقة حصرها ومحدوديتها ببني إسرائيل فقط .. ففي إنجيل متَّى111 - وهو من الأناجيل المعتبرة لدى النصارى ويسمونها بالأناجيل القانونية112 - فيه وصية للتلاميذ الاثني عشر توضح حقيقة قصر الدعوة النصرانية على بني إسرائيل فقط فيقول في الإصحاح العاشر: [5هؤُلاَءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً:« إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. 6بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ »].
بل إن كاتب إنجيل متى يعود مرة أخرى ليؤكد هذا المعنى ويجزم به بما لا يدع مجالا للشك في قصة المرأة الكنعانية التي توسلت لنبي الله يسوع المسيح بن مريم عليه وعلى أمه الصديقة السلام ليداوي ابنتها من المس .. ففي الإصحاح الخامس عشر: [21ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. 22وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً:«ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا». 23فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ:«اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!» 24فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ»].
وفي إطار هذه التوجيهات الصارمة والحصرية بل إن بقية هذه القصة113 تجعلنا جميعاً نمعن التفكير وبعمق في حقيقة الوجود الكنسي في الغرب والشرق على اختلاف مذاهبهم!! .. وما هو متحتم عليهم معرفته ودراسته والتأمل والتفكر فيه؟ .. فبدلا من محاربة الإسلام عليهم أن يدرسوا التوجيهات الإنجيلية والتوراتية فيما يتعلق بمشروعية الانتماء إليها .. ويخلص للحقيقة التي لا يخفيها الليل ولا النهار .. فالإسلام هو الدين الذي اصطفاه الخالق المعبود للناس جميعاً .. وألحق بهم الجن أيضاً .. قال  { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {158} الأعراف .. وقال  { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ {29} قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ {30} يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {31} وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {32} الأحقاف ..
فيا أتباع النصرانية ممن اعتنق هذه الديانة أو ممن أرسل أحداً ليبشر بها راجعوا وصايا كتبكم لتتحرروا مما كبلتم به أنفسكم .. ومن هذا المنبر المتواضع أدلكم بيقين أن الدعوة الوحيدة الصحيحة اليوم لهداية البشرية وقيادتها للخلاص هي الدعوة الإسلامية .. وأن الدعوة الموسوية والعيسوية الخاصتين ببني إسرائيل ما كان لهما إلا إتباع الدعوة المحمدية.
فحسب هذه الإرشادات فدعوة عيسى عليه السلام لبني إسرائيل فقط ووصيته لتلاميذه تؤكد أيضاً أنها لتصحيح انحراف بني إسرائيل فقط .. فلماذا تحرك الكنسيون ليمارسوا التبشير لغير بني إسرائيل؟!! .. بل هؤلاء (الكلاب) أصلاً ما كان لهم أن يدخلوا في النصرانية!! .. وما كان لهم (الكلاب) أن ينطلقوا بها للعالم!! .. وأن ما هم فيه (الكلاب) ليس إلا حيلة يهودية لاستعبادهم واستخدامهم لحمايتهم .. فهم ليسوا إلا كلاب حراسة .. وهذه مسألة ليست عسيرة على الإفهام ..
وعلى حين غرة .. يباغت كاتب الإنجيل الجميع في آخر فقرة من إنجيله .. بل في آخر عددين بما ينقد ما سبق وتحول الرسالة العيسوية من كونها محصورة في اليهود إلى الانطلاق نحو العالمية .. وهو ما يؤكد حقيقة المؤامرة التي نصبها اليهود على البشرية .. فليس من المقبول منذ نبي الله موسى عليه السلام وإلى أخر أنبياء بني إسرائيل لم تطلق الدعوة إلى العالم كله .. وكان الأولى أن يتم ذلك في حياته .. فكيف يتم ذلك بعد المعاناة والألم والموت والبعث على حد زعمهم .. فالمشهد الأخير في الإنجيل مشهد مسرحي بامتياز .. والقصة كلها تميل إلى شكل أسطوري يناسب ما خطط له اليهود .. 
فيقول كاتب إنجيل متى في إصحاحه الأخير وفي فقرة الختام: 16وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. 17وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. 18فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً:«دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. 20وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ.
فالمقبول للبشر وأي عاقل أنه لكي تنطلق للمرحلة التالية لا بد أن تنجح وتنهي المرحلة الأولى وهذا لم يتحقق في دعوة المسيح عليه السلام .. فدعوته بلغت لبني إسرائيل ووجهت بعداء شديد .. وأفضل تلاميذه أنكروه في أخطر اللحظات التي تظهر فيها معادن أتباع الرسل .. الذين سيحملون هم الرسالة من بعده .. وبالتالي فالدعوة لم ترقى بمن أرسل لهم (خراف بني إسرائيل الضالة ) إلى مستوى تالي .. كما لم ترقى بمن يتحمل همها من بعده ( تلاميذه114 الذين فروا وتركوه ثم أنكروه .. تلاميذه الذين اتهمهم بقلة الفهم وضعف الإيمان ) .. أنى لهم أن يحملوا أمانة للعالم كله .. هكذا وفي آخر لحظة له على الأرض يتبدل كل شيء ودونما مبرر معقول .. يتركوا بني إسرائيل وينطلقوا إلى عالم الكلاب .. هذا يثير الكثير من التساؤلات والشكوك .. فقصة الختام بالكامل تبدوا ملفقة والصحيح هو ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه وجاء على لسان نبيه محمد  .. فالمسيح لم يُصلب بل رفعه الله إليه .. وألقى شبهه على واحد من أخلص حواريه وانتهى أمره كما هو مقرر ودفن ولم يقم من الأموات .. وكان هذا ملهمٌ جداً فقد انتقلت الرسالة من بني إسرائيل إلى أمة جديدة .. 42قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا! 43لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ. 44وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ!» .. يالها من نبوءة ملهمة .. لقد أثبتت التجارب المتتالية أن بني إسرائيل غير أمناء لحمل الرسالة للعالم أجمع .. وأن هناك تكليف لأمة أخرى ( بني عمهم إسماعيل الابن البكر لأبيهم إبراهيم ) سوف تحمل هذه الأمانة وفق منهج صالح إلى آخر الزمان .. 
لكنهم اليهود .. اليهود تجار مهرة يحاولون الاستفادة من كل شيء حتى مما يصيبهم من كوارث ومصائب فهم ينظرون لكل الأحداث التي تحيق بهم ويطرحون أسئلة لها نتيجة واحدة .. كيف نستفيد من ذلك؟ كيف ندير الريح في اتجاهنا؟ إن قصة الصلب والفداء وتحويل شخصية المسيح إلى وثن .. والترويج للفكرة خارج النطاق اليهودي .. وبثه بين أمم الأرض .. ويشكلوا به عهداً جديداً .. إنها قصة تناسب الوثنية الرومانية ويسهل عليها تقبلها .. فعقولهم صاغت ما هو قريب من ذلك .. واستخدام معتنقيه ليشكلوا منهم خطوط للدفاع عن العهد القديم .. فاليهود لا يمكن لهم الاستمرار في الحياة وسط بحر الأمم مع فساد معتقدهم ولهذا أجادوا في تربية واستخدام الأمم الأخرى ككلاب حراسة تزود عنهم ..
وإذا فهم الغرب هذا لأدركوا بما ساقهم اليهود من عهد شاؤول بولس الفيلسوف اليهودي الذي حرف النصرانية وزادها ضلالاً وصرفها عن العبادة والطهارة وساقها إلى الإرجاء .. ثم استخدم الوافدين الجدد إليها لحماية وخدمة اليهود .. لا لأن ينقذهم من الوثنية التي كانوا عليها فقد أبدلهم وثناً بوثن .. وسخرهم لمآربهم .. وما كان عليهم أن يتكلفوا مشقة كل هذا لو فتحوا قلوبهم للإسلام .. ولكان العالم أكثر أمنا وأفضل حالاً .. بعيداً عن أوهامهم وصراعهم الزائف ..
وخير تعقيب أنهي به هذه النقطة قوله : { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً {155} وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا {156} وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا {157} بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا {158} وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا {159} النساء ..
عود على بدأ .. فإن الإستراتيجية الإسلامية تعمل على تفتيت عناصر قوة المخالف لها كما تتحرك لتعميق عناصر ضعفه وتحرير فكره .. وذلك على كافة المستويات العقدية خاصة ومن ثم العسكرية والاقتصادية ...الخ .. وهي حريصة على انتشالهم من الكفر إلى الإسلام115 ومن الضلال إلى الإيمان .. وما جهاد الطلب ( الحرب الهجومية ) في دعوتها إلا لإزالة ما استعصى على الدعاة منهم ومنعهم من هداية البشر وحاربهم ووقف حجر عثرة أمام العقول لتتحرر وتختار .. وما جهاد الدفع ( الحرب الدفاعية ) إلا لحفظ الوجود الإيماني .. ورد الصائل الذي يريد استئصال الدين .. وإبادة المسلمين .. واغتصاب مقدراتهم ..
***
الاستراتيجيات الدنيا ( المتعلقة بالعملية التنفيذية ):
هي المستوى الثالث في التخطيط .. فبعد أن وضعت القيادة السياسية الأهداف المطلوب تحقيقها .. ورسمت خطتها الإستراتيجية العامة ووزعت الأدوار على الوزارات المختلفة لتنسجم في تنفيذ خطة الدولة .. تأتي خطط الوزارات ثالثاً لتضع إستراتيجيتها في ضوء الجزء الخاص بها من خطة الدولة ..
ويمكن شرح هذا من خلال المثال التالي: نفترض وجود مجموعة من رجال المال يرغبون في الاستثمار في سلعة ما .. ولتكن مثلا سيارة .. يقوموا باستدعاء المتخصصين والمهندسين ويطرح عليهم الهدف المطلوب تنفيذه ومواصفاته .. يقوم هؤلاء المصممون بعمل تصاميم ونماذج يضعون فيها الشكل المطلوب ويضع المهندسون تصورهم لقوة الماتور ومناسبته لوزن السيارة والسرعة المطلوبة ونوعية الأراضي التي ستسير عليها .. وبعد الانتهاء من هذه الدراسة والاختيار بين البدائل المختلفة يختار رجال الأعمال نموذجا مناسباً .. فيتم استدعاء مجموع جديدة من المصممين والباحثين والمهندسين من أجل تقديم مقترحاتهم حول تقسيم السيارة لعدة أجزاء تجمع معا في النهاية وبناء الورش التي سيتم تصنيع الأجزاء بها وإمكانية استيراد أجزاء من ورش خارجية تناسب الجودة المطلوبة وبعد تمام هذه الدراسة والأبحاث يتم إنشاء الورش المطلوبة وتجهيزها بالمعدات والعمالة .. يكلفها رجال الأعمال بمهامها في الجزء الخاص بها وجداول الإنتاج للأعداد المطلوبة منهم وتوقيتات إرسالها للورشة النهائية .. تقوم الورش المختلفة بدراسة الجزء الخاص بها وتقسيمه لوحدات أصغر وتوزع هذه الوحدات على ماكينات الورشة محددة عدد الساعات لكل نوبة عمل وتصل لفترة العمل اليومية التي تقسمها لمجموعة من الورديات وتحدد عمال والمهندسين لكل وردية وتضع لنفسها هامش أعطال واحتياطي من الميكنة والأفراد لضمان ألا تتعطل عن الإنتاج ثم تباشر العمل بتجميع الجزء المطلوب منها وتقوم إدارات الورش بإرساله لورشة التجميع النهائية .. من خلال نجاح الورش المختلفة في التوقيتات المحددة تستلم الورشة النهائية جميع الأجزاء من الورش المختلفة .. وتقوم بجمعها معاً وتخرج المنتج النهائي إلى إدارة التسويق التي تولت خلال فترة البناء والتجهيز الإعلان والتسويق لهذه السيارة .. ومن خلال تجربة المنتج يتم إدخال التعديلات عليه بإزالة العيوب وإضافة المزايا
اللون الأخضر يمثل الأهداف .. واللون الأزرق يمثل الإستراتيجية العليا .. واللون الأحمر يتناول الإستراتيجيات الدنيا والتعبئة والتكتيك .. أما اللون البنفسجي فقد تكون هذه وزارة الحرب أو الوزارة المكلفة بالمهمة النهائية والتي تعاونت معها كل الوزارات لإنجاح المهمة وتحقيق النصر ..
اللون الأخضر والأزرق هي مهام القيادة السياسية .. واللون الأحمر هو برنامج عمل القيادات التنفيذية .. واللون البنفسجي هو القيادة المنتقاة من المجموعة التنفيذية لتحقيق الحسم ..
الإستراتيجية العسكرية:
كنموذج للمجالات التخصصية ولأن موضوع الكتاب هو الحرب نأخذ الإستراتيجية العسكرية كنموذج لغيرها من المجالات التنفيذية .. وكما أسلفت فمع مرور الزمان وتطور الأسلحة والهدف من الحرب اختلف تعريفها .. 
فإذا قدمنا بتعريف مختصر للإستراتيجية العسكرية بقولنا " هي فن توزيع ( التعبئة ) مختلف الوسائط العسكرية واستخدامها ( التكتيك )  لتحقيق هدف السياسة من الحرب" .. أجد مناسبا أن أعرف لها من خلال التعريف أولاً بما هو مندرج فيها .. فنعرف التكتيك ثم التعبئة .. لنصل إلى أنسب تعريف للإستراتيجية العسكرية .. 
 
التكتيك116: 
العلاقة بين الإستراتيجية والتكتيك عبارة عن تشابك يصعب معه إيجاد الحدود بينهم في أثناء التنفيذ ومن الصعوبة بمكان تقدير لحظة انتهاء الحركة الإستراتيجية وابتداء الحركة التكتيكية .. إذ لا يختلف أحدهما عن الآخر إلا في المستوى فالتكتيك يشمل مدى المعركة .. في حين أن الإستراتيجية لا تتجاوز هذا الحقل فحسب بل تعمل على التقليل من المعارك إن أمكن .. ولهذا فالتكتيك جزء من كل ..
التكتيك علم تبلور من سجل الحرب عبر التاريخ .. إلا أنه موهبة وفن عند التطبيق في أعمال القتال المباشرة في مختلف ساحات الاشتباك الحربية .. البر والبحر والجو .. وهما (العلم والفن ) سواء في التخطيط أو التنفيذ .. فهو علم صقلته التجارب ومدعوم بالفن والموهبة الفطرية ..
النار والحركة هما عنصرا المناورة التي يتوجب على الجندي إتقانهما بحسب ساحة الحرب .. ومستفيداً من تضاريس الأرض .. كما يجب أن يسيطرا على تفكير المخترعين عند ابتكارهم لوسائل الحرب لتناسب المناورة العسكرية .. لأن التكتيك مرن ومتفاعل مع كل سلاح أو معدة حديثة يتم استخدامهم بواسطة العنصر البشري المشحون بالمعنويات بحسب ما تمليه طبيعة الأرض ..
العمليات التكتيكية أشبه بعملية المد والجزر .. فالبحار الخبير يدرك أن كلاهما يحقق المراد إذا استخدم في الوقت المناسب .. وعسكرياً فالهجوم والانسحاب وأيضا الدفاع يحقق النجاح المطلوب .. فإذا كان الغرض تدمير قوات العدو هاجمنا .. أما إذا كان المراد المحافظة على القوات في إطار عملية تفُوق إمكاناتنا انسحبنا .. أما إذا كان الهدف الحفاظ على الأرض وإعادة تنظيم القوات دافعنا .. وهذه المواقف تكتيكية يستحيل القيام بها بعيداً عن الإستراتيجية إذ يجب أن يكون مخططاً لها من قبل ..
وكاستعراض بسيط لما يحدث في ساحة القتال عندما تلتقي قوات الطرفين: تحاول كل قوة منهما أن توجه على الأخرى اكبر قدر من الضربات وأن تحتمي في الوقت نفسه قدر المستطاع من ضربات القوة الأخرى المعادية لها .. وهي في سبيل تحقيق هذين الغرضين ( الهجوم والحماية ) تجري الحركة اللازمة لطبيعة كل منها ..
يعرف كلاوزفيتز  التكتيك بقوله: "إن التكتيك هو نظرية استخدام القوات المسلحة في الاشتباك" ..
أما "ليدل هارت" فيعرفه بقوله: "عندما يؤدي استخدام وسائط الحرب إلى معركة حقيقة فان الاستعدادات التي تتخذ لإعداد مثل هذا العمل وتنفيذه تشكل ما يسمى التكتيك".
ويقول ماوتسي تونغ أن " دراسة القوانين الموجهة للحرب والتي تتعلق بأوضاع الحرب الجزئية فهي مهمة علم الحملات وعلم التكتيك".
ويقدم الجنرال اندريه بوفر تعريفه الخاص فيقول:" أن التكتيك عبارة عن فن استخدام الأسلحة في المعركة للوصول إلي المردود الأقصى ".
يعرف المهندس مصطفى حامد117 التكتيك بقوله: "هو الإجراءات العملية في ميدان القتال التي تحقق الخطة الإستراتيجية" .. ويقول عن عناصر التكتيك: إجراءات التكتيك العسكري لا يمكن حصرها .. ولكنها جميعا تقوم على المناورة بعنصرين فقط لا غير هما: النيران والحركة .. أما هدف التكتيك: كما للتكتيك وسيلتان له أيضا غايتان هما: المحافظة على قواتنا و إبادة قوات العدو.
أما دائرة المعارف البريطانية فتعرف التكتيك بأنه "فن وعلم خوض المعارك .. وهو يتعلق بكيفية مواجهة الاشتباك .. وكيفية توزيع القوات .. واستخدام مختلف الأسلحة .. وتنفيذ التحركات اللازمة للهجوم أو للدفاع" ويقدم الفكر العسكري السوفييتي التعريف التالي للتكتيك: " يقوم التكتيك بدراسة القوانين الموضوعية التي تحكم الأعمال القتالية .. كما يقوم بتطوير أساليب إعداد وتوجيه القتال في البر والبحر والجو".
يتعلق التكتيك بعدد من العناصر: العنصر البشري المشحون معنوياً .. الأسلحة والآلات والمعدات العسكرية وارتباطها بالزمن .. طبيعة ساحة المعركة وتضاريسها ( برية .. جوية .. مائية ) .. الحركة الميدانية ( خطة التنفيذ ) ملائمة كل ما سبق هجوماً ودفاعاً وانحيازاً .. وتعريفنا للتكتيك هو تحقيق الانسجام والتناسق والتوافق الزمني بين العناصر السابقة لمفاجأة العدو وإرباكه وتدمير قواته ومن ثم تحقيق النصر في المعركة .. 
كما أن للتكتيك مبادئ118: الحيطة .. المرونة .. المفاجأة .. الحشد .. الخداع .. السرية ( الأمن ) .. الاستطلاع ( المعلومات ) .. المبادأة .. الاقتصاد في القوة .. ملاءمة الوسائل مع الهدف .. الروح المعنوية ..
العقيدة119 التكتيكية: هي تعليمات ونظم تدريب وكتيبات خدمة الميدان .. التي تقنن الخبرات المعتمدة في مجال البحث عن تطابق الوسائل المادية مع الأعمال التكتيكية .. والعكس بالعكس .. 
أي .. المناهج العامة التي تبين أفضل شروط استخدام للسلاح والعتاد والقوات في المهام القتالية المختلفة من الهجوم أو الدفاع أو الانحياز .. مع مراعاة خصوصية كل معركة .. 
وبناء على ما سبق من عناصر مرتبطة بالتاريخ ومبادئ وعقيدة يمكن صياغة تعريف أكاديمي للتكتيك120 بأنه:
(علم اكتشاف حركة القوانين الموضوعية التي تتحكم في إعداد وإدارة أعمال القتال الجزئي خلال مرحلة تاريخية معينة من مراحل تطور قوى الإنتاج وتقنية التسليح والحماية والحركة والفكر العسكري المرتبط بها جميعاً )
( فن تطبيق هذه القوانين الموضوعية على الحالات الخاصة والمتنوعة والمتغيرة للاشتباكات والمعارك المختلفة في البر والبحر والجو ) أي أنه علم في معرفته وإعداده العقائدي أو المنهجي المسبق .. وفن في تطبيقه العملي المتغير .. 
 
التأمين الإداري ( التعبئة - العمليات ):
تستخدم الدول المصطلحات الثلاث للدلالة على معنى واحد وهو الحشد للحرب .. وقد يقصر البعض كلمة التعبئة على التعبئة العامة للدولة .. ويقصر المصطلحان الآخران على الحشد لميدان المعركة .. 
التعبئة العامة للدولة يقصد بها " مجموعة التدابير التي تتخذها الدولة عندما تتحول من حالة السلم إلى حالة الحرب" .. "مجموعة إجراءات121 موضوعها أن تتحول الجيوش البرية والبحرية من حالة السلم إلى حالة الحرب .. وتقتضي التعبئة استدعاء الرجال والاستيلاء على بعض السلع والأدوات والسيارات وغيرها" ..
وأما رؤية المهندس مصطفى حامد للتعبئة فيقول: هي الحلقة الوسطى ما بين الإستراتيجية والتكتيك وعسكريا يمكن القول بالآتى: التعبئة هي "تحريك القوات والمعدات إلى أماكن قريبة من مسارح العمليات المرتقبة وفقا لما جاء في الخطة الإستراتيجية" ..
ويمكني القول أن التعبئة لميدان القتال هي: حشد القدر المناسب من القوات والإمكانات في المكان المناسب لتحقيق استمرارية تقديم الدعم للمعركة وفي إطار التوقيت ( الزمن ) المناسب لإنجاح سلسلة المعارك ومن ثم الحرب ..
 
الإستراتيجية العسكرية:
يعرف المهندس مصطفى حامد الإستراتيجية العسكرية: بأنها الخطط الكفيلة باستخدام القدرات العسكرية المتوافرة .. لتحقيق الأهداف السياسية للدولة ( أو الأمة .. أو حركة تحرير ) .. 
وقد سبق في مقدمة المحاضرة بأنها: "استخدام القوة المسلحة بواسطة الدولة لتحقيق أهدافها" .. وهي: "فن توزيع مختلف الوسائط العسكرية واستخدامها لتحقيق هدف السياسة" .. وتعريف بوفر الذي يجعلها أحد عناصر المواجهة وهو "فن استخدام القوة للوصول إلى أهداف السياسة وهي حوار الإرادات التي تستخدم القوى لحل خلافاتها" ..
وفي العصر النووي122 تحولت إلى: "منع قيام الحرب والحفاظ على السلام وذلك من خلال الردع"123 .. لكن هذه الإستراتيجية لم تنجح بسبب الحروب بالوكالة وحروب العصابات من طرف .. ومن طرف آخر لأن الدول التي تملك سلاح الردع لا تملك منهجاً يصلح الحياة124 .. 
يميز العسكريون بين الإستراتيجية والتكتيك واللوجستيك ( التأمين الإداري ) .. فالتكتيك هو فن استخدام الوسائط العسكرية أي "استخدام القوات المسلحة في الاشتباك .. أو هو فن استخدام الأسلحة في المعركة للحصول على أكبر قدر من الفاعلية .. وإجراءات التكتيك العسكري لا يمكن حصرها .. ولكنها جميعا تقوم على المناورة بعنصري النار و الحركة لتحقيق النصر في الحرب بأقل خسائر ممكنة.
أما اللوجستيك فهو فن نقل القوات والمعدات والأسلحة إلى مناطق الحشد لمسارح العمليات المرتقبة وفقا لما جاء في الخطة الإستراتيجية.
وبالتالي فالإستراتيجية هي "علم تنسيق هذين النوعين من العلوم العسكرية لتحقيق النصر .. ولكيفية استخدام القوة المسلحة لتحقيق أهداف الدولة".
وعلى القيادة العسكرية الإسلامية عندما تدرس أهداف الرسالة وتعي ضوابطها .. وتستلم مهامها .. وتباشر عملها لتضع إستراتيجيتها عليها أن تقوم بمعالجة سبعة عناصر دائمة وأساسية مندرجة تحت شقين: الأول شق البناء وتحته خمسة عناصر: بناء الفرد المسلم125 عقائدياً ومعنوياً .. إعداده عسكرياً .. تصنيع ما تحتاجه الحرب من معدات ووسائط وتقنيات منسجمة مع عصرها أو استكماله من الخارج .. الاهتمام بالبحوث العلمية في مجال التقنية .. دعم برامج التطوير والابتكار .. الثاني شق الحرب وتحته عنصرين: التعبئة للعمليات .. التكتيك .. 
 وبالتالي لا تواجه القيادة العسكرية الإسلامية مهامها منفردة عن منظومة الدولة فهي بحاجة ماسة للمتخصصين في العلم الشرعي الذين يعملون على إيضاح عدالة الحرب التي يخوضها الجنود والمقابل الغيبي الذي يمنح الجندي روحاً معنويةً لا تقف أمامها الجبال كما يعملون على تثقيفه بفقه الجهاد فلا يقع في المحظورات التي تحد من ثوابه أو تحرف نيته .. فعلى العلماء وطلبة العلم مهمة البناء العقلي والنفسي للمجاهد من منطلق العقيدة الإسلامية داخل المعاهد العسكرية .. ويأتي دور أهل الخبرة والتجربة العسكرية في نفس المعاهد ممن خاضوا الحروب ولديهم القدرة على إيصال المعلومة وتربية الجند لإعداد وتنظيم القوة العسكرية ( الجنود وعرفائهم ونقبائهم126 ) في ضوء طبيعة الحرب المرتقبة وإفهام كل مستوى الدور التنفيذي المطلوب منه وإكسابه المهارة والاحترافية في الوسائط التي يستخدمها .. وفن تنسيق التعاون بين صنوف الأسلحة المختلفة .. كما يضع أمامهم القدوة العسكرية وما كان في تجاربهم ومعاركهم من أفكار ناجحة من المهم تعلمها أو أخطاء يجب تلافيها .. وتأتي أهمية الدور الاقتصادي وما يمكنه توفيره من تمويل لابتكار وتصنيع المعدات والوسائط والتقنيات الحربية أو لدور الأبحاث العلمية وبرامج التطوير .. وكلما كان الاقتصاد قوي كلما كانت العمليات العسكرية المرتبطة به نشطة وفعالة ومناسبة لزمانها .. وأخيراً تصب كل هذه العمليات لقادة الحرب الذين ينسقون بين التعبئة والتكتيك .. أي فن نقلها وتوزيعها مع مختلف الوسائط العسكرية .. واستخدامها لتحقيق أهداف الرسالة ) ..
هذا الشرح المختصر تطرق إلى نظرية البناء العقائدي والمعنوي للفرد .. والإعداد العسكري الميداني .. والإنتاج الحربي المتماشي مع عصره .. ثم التعبئة .. ثم التكتيك .. وبين أن الإستراتيجية تنسق بين العمليات لتحقق أهداف الرسالة ..
الإستراتيجية المباشرة والإستراتيجية غير المباشرة:
عندما تحرك الإنسان للتأمين والحماية ابتكر أسلوبين للمواجهة مع خصومه .. وقد تولدا من خلال حسابات التفوق في القوة .. ففي حال تساويه في القوة أو تفوقه كان يستخدم إستراتيجية قتال مباشرة أشبه ما تكون بتناطح الثيران فلا ينتهي القتال حتى تتحطم رأس الأضعف منهما .. أما النوع الثاني وهي إستراتيجية القتال غير المباشر فيستخدمها الطرف الأضعف الذي لا يمكنه مقابلة خصمه في مواجهة عسكرية .. فيعمد إلى ابتكار أساليب أخرى مصاحبة للقتال لتفتيت قوة الخصم .. وهذه أشبه بمصارعي الثيران الذين يتجنبون أخذ الثور من قرنيه ويفضلون العمل على إنهاكه واستنزافه ومن ثم قتله .. في حين تزعم كلا من ليدل هارت وبوفر النظرية الثانية .. نظّر كلاوزفيتز للنظرية الأولى حيث اعتبر القوة العسكرية الأداة الرئيسة لتحقيق الأهداف الوطنية .. ولا تستثنى استخدام عناصر القوة الأخرى إلى جانب القوات العسكرية .. فالعناصر السياسية والاقتصادية والثقافية تشكل أجزاء مكملة للقوة العسكرية ومجموعها يحدد لنا مفهوم الإستراتيجية المباشرة . ويعطي عامل السرعة فيها أهمية كبرى وذلك لعدم إفساح المجال للعدو بترتيب وضعه والرد علينا وبالتالي إجباره على الخضوع لإرادتنا .
 
أولاً: الاستراتيجية المباشرة يشبه كلاوزفيتز جوهر الحرب بصراع بين متصارعيين يحاول كل منهما إخضاع الآخر لإرادته بواسطة القوة البدنية .. أما الهدف المباشر فهو القضاء على الخصم وجعله عاجزاً عن كل مقاومة .. وهكذا يمكن أن نقول إن العنف المادي هو الوسيلة .. وتبقى الغاية هي فرض إرادتنا على العدو .. وللوصول لهذه الغاية لا بد من تجريد العدو من سلاحه .. وهذا هو الهدف الحقيقي للعمليات الحربية ..
لهذه الإستراتيجية سمتين أساسيتين هما الاستخدام اللامحدود للقوة .. تجريد العدو من سلاحه .. وبناء على ذلك يرى كلاوزفيتز الاعتماد على مبدأين لتوجيه خطة الحرب الأول دفع العدو إلى مراكز ثقل قليلة أو مركز واحد ( حشد القوى قدر المستطاع ) .. الثاني حصر الهجوم عليها بأقل عدد ممكن من الأعمال الرئيسية ( العمل المباشر بأسرع ما يمكن ) .. 
وقد ترجم الكونت فون مولتكه رئيس الأركان العامة الألمانية عقيدة كلاوزفيتز في الهجوم المباشر على فرنسا إلى عمل من خلال: البحث عن القسم الأعظم من قوة العدو .. تدميره بقوى متفوقة .. تستمد كفاءتها من تعبئة الطاقة البشرية للأمة .. والتخطيط الدقيق في زمن السلم .. مع الاستفادة من شبكة المواصلات الألمانية المتطورة نسبياً آنذاك ..
المبادئ العامة للإستراتيجية المباشرة:
لأن الحرب شأنها شأن الحياة فلا يمكن إخضاعها لقوانين جامدة لا تتغير .. لأنها قد تصح في ظروف ولا تصح في أخرى .. وهذه المبادئ تساعد على تحديد اتجاه عام للعمل ويمكن تلخيصها بالأتي:
1- على الإستراتيجية أن تسير جنباً إلى جنب مع السياسة القومية ..
2- الجيش المعادي هو الهدف الأول للإستراتيجية ..
3- لا بد لتحقيق أهداف الإستراتيجية من توفير الحد الأقصى من القوة ..
4- لا يوجد نظام ثابت في قيادة الحرب بل يعتمد ذلك على الدراسة السليمة وشخصية القائد ..
5- العنف الدموي السمة الدائمة للحروب ..
6- يجب أن تكون الحرب جماعية ومطلقة ( مفهوم الأمة المسلحة ) ..
7- لا يجوز تغيير الإستراتيجية أثناء الحرب إلا للضرورات القصوى127 ..
ثانياً: الإستراتيجية غير المباشرة ( العليا ) تبحث في تحقيق الأهداف بوسائط غير عسكرية بالدرجة الأولى .. وبالإنهاك العسكري بالدرجة الثانية إذا اقتضت الضرورة .. أي بمعنى أنها تبحث عن الحسم عن طريق استخدام الوسائل النفسية .. كالدعاية والإشاعة .. وتسميم السياسة والاقتصاد .. والضغط الدولي .. والتفتيت الداخلي وغيرها .. وتستهدف كذلك تدمير معنويات العدو والحفاظ على معنويات الأصدقاء .. وتستخدم أسلوب الحرب الثورية .. 
وفي المجال العسكري طور الكاتب الشهير ليدل هارت نظرية التقرب غير المباشر بعدم مجابهة العدو مباشرة إلا بعد إزعاجه ومفاجأته وزعزعة توازنه بتقرب غير متوقع .. وهذا يعني أيضاً التقرب نحو العدو من اتجاهات غير متوقعة .. أو التقدم في اتجاهات يمكن تغيرها بحيث ينصرف تفكير العدو عن الهدف الحقيقي .. 
ويمكن تحقيقها بأحد الصور التالية :
أولاً: استخدام الأساليب السياسية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية لتحقيق الأهداف .. وقد طبقها هتلر عند احتلاله النمسا وشيكوسلوفاكيا 
ثانياً: اللجوء الى أسلوب حرب العصابات طويلة الأمد ، كما حدث في الجزائر وفيتنام .. 
ثالثاً: فتح جبهات ثانوية في أرض العدو أو في أقاليم دول تابعة أو مؤيدة له بعيداً عن جبهة القتال الرئيسة ، وقد طبقت بريطانيا هذه الإستراتيجية في الحرب العالمية الثانية بفتح جبهة شمال أفريقية .
رابعاً: إثارة الفتنة داخل دولة العدو بحيث يؤدي إلى اقتتال مواطنيه وأضعافه من الداخل .. وهذا ما طبقه اليهود في لبنان لغرض ضرب الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية .
خامساً: الاستيلاء على هدف جزئي بسرعة كبيرة بفضل المباغتة وتفوق القوات ثم التظاهر بالتوقف قبل القيام بعملية أخرى ، ثم تكرار ذلك بصورة متتالية .. وقد طبق اليهود ذلك عام 1948 بعد الهدنة الأولى  .
 طبعاً يكون العامل النفسي في الإستراتيجية  غير المباشرة مسيطراً وسائداً كما تزداد أهمية عامل الوقت إلى حد كبير ويتقلص عامل القوة فيها ، إلا أنه يبقى ماثلاً .
المذهب العسكري128:
يتأثر أي مذهب عسكري بأصوله التاريخية .. وسجل أمته الحربي عبر الزمان .. كما يرتبط بالشعارات التي تطلقها الأمة وترفعها وتلتزم بها .. فنحن كمسلمين نرفع شعار الوحدة الإسلامية129 .. وعودة الخلافة .. كهدف من أجل إعادة سيادة الشريعة الإسلامية على الأرض .. وبالتالي يكون الجهاد ضد: الحكام المرتدين الوكلاء للغرب أو الشرق الموالين130 لهم .. والعمليات ضد الدول التي تدعمهم .. أو الجهاد ضد: الدول المحتلة لأراضي المسلمين .. تكون هذه الحروب عادلة ومشروعة .. ويقف إلى جوارها عموم الأمة الإسلامية .. بالمال والنفس .. حدث هذا في أفغانستان وتكرر في غيرها .. وسيظل إن شاء الله يتكرر لأن الحياة في ظل الإسلام رغبة حقيقية تعيش في عقل الأمة ووجدانها ..
وللمذهب العسكري وجهان مترابطان: 
الأول: ( شرعي - سياسي - اجتماعي ) من أجل تحقيق أهداف الحرب المقبلة 
الثاني: ( عسكري - تقني ) من أجل خوض الحرب ..
والمذاهب العسكرية تختلف من أمة لأخرى لاختلاف العقائد والأيدلوجيات .. والمبادئ الأساسية لعملية الإعداد السياسي والمعنوي للأمة .. 
المذهب العسكري131 عبارة عن: توجيهات مرشدة ومجموعة آراء وأفكار ( حول جوهر الحرب المقبلة المحتملة .. وأهدافها وطبيعتها .. وحول إعداد البلاد والقوات المسلحة ووسائط الصراع اللازمة لخوضها .. ضمن إستراتيجية معينة ) ..
وفي ضوء التعريف السابق فالمذهب العسكري يرتبط بالنظام السياسي للدولة وبأعبائها في قطاع السياسة الداخلية والخارجية وبالحالة الاقتصادية والثقافية للبلاد .. وهو يحمل طابع الحرب المقبلة ومسائل بناء القوات المسلحة وتحسين تجهيزاتها التقنية .. وأساليب التطوير لفن الحرب وطرق خوضها .. مع تقدم الزمن .. فالمذهب العسكري سمة من سمات الدولة .. 
مثال: تفاعل المذهب العسكري الأمريكي مع المتغيرات عبر الأيام:
يقوم المذهب العسكري الأمريكي على إستراتيجية الرد الشامل (Prevalent Returning Strategy) .. "إن على الولايات المتحدة أن تكون جاهزة لتوجيه ضربة نووية شاملة في الزمان والمكان المناسبين وذلك خارج حدود أوروبا" .. 
لكن المذهب العسكري الأمريكي تفاعل في مطلع الألفية الثالثة ليناسب طبيعة الحرب الجديدة التي فتح بفضل الله بابها تنظيم القاعدة .. فجاءت إستراتيجية "الضربات الاستباقية" .. 
نلحظ أن فكرة القوة سيطرت على المذهب العسكري الأمريكي .. فكتاب "دليل ضابط الركن في القوات المسلحة الأمريكية" يعرف الإستراتيجية العسكرية بأنها: "فن استخدام القوة المسلحة وعلمها .. بغرض تحقيق أهدافها السياسية القومية .. عن طريق استخدام القوة أو التهديد بها" .. ولنلق نظرة سريعة على التغيرات التي رافقت المذهب العسكري الأمريكي132 في النصف الثاني من القرن الماضي:
في خمسينيات القرن الماضي اعتمد المذهب العسكري الأمريكي على التهديد بإشعال الحرب العالمية النووية من أجل تحقيق أهداف أمريكا الإستراتيجية السياسية والعسكرية ..
وفي الستينيات ظهرت في أمريكا إستراتيجية جديدة .. الرد المرن (Supple Returning Strategy  ) .. وهي أن الإستراتيجية يجب أن تكون مرنة وحاسمة في الوقت نفسه .. وتلحظ الاستعداد لخوض أي حرب عالمية نووية أو تقليدية كبيرة أو صغيرة ..
وفي عام 1971م أعلنت واشنطن عن إستراتيجية الردع الواقي (Strategy Deterrence Protector ) .. فقد قسمت الحرب في مذهبها حسب طبيعتها وتصنيفها لأربعة أنواع وفقا للوسائط التي تستدعى للاشتراك ومقاييس التنفيذ وتناسب القوى في ساحة الصراع: "الحرب النووية الإستراتيجية الشاملة .. الحرب النووية المحدودة على مسرح العمليات .. الحرب التقليدية الشاملة .. الحرب التقليدية المحدودة على مسرح العمليات" ..
ولوحظ على عتبة الثمانينيات انقلاب مفاجئ فقد غدت القوة وحدها هي المؤثرة في سياسة واشنطن الخارجية .. وأعلنت عن مناطق مصالح حيوية133 حول العالم .. ووفقا لمبادئ المذهب العسكري للولايات المتحدة التي تقترح وترسم الإعداد ومجري الحروب المحتملة في أراضي ما وراء البحار .. فإن قوات أربع قيادات موحدة من أصل خمسة ووسائطها منتشرة حول العالم حتى في زمن السلم "في أوروبا .. في المحيط الأطلسي .. في  المحيط الهادئ .. في القارة الأمريكية" .. وبناء على المهام العسكرية فقد قسمت القوات الأمريكية "إلى قوات إستراتيجية وقوات عامة وقوات وسائط نقل القطاعات وقوات احتياط وقوات تدخل سريع" لتأمين التدخل السريع المباشر في منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة وأي منطقة أخرى في العالم .. وهذا مع انتشار شبكة من القواعد العسكرية في جميع المناطق المهمة استراتيجيا في العالم .. كي تحقق مرونة للانتقال إلى الأعمال القتالية، وتؤمن لهذه الغاية الوجود الدائم لتجمعات هامة من القوات العسكرية الأمريكية، على مسارح ما وراء البحار ولتردفها بالتعزيز اللوجيستي والتسليحي في حالة الأزمات.
في عام 1982م تبنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بصورة رسمية نظرية العملية أو الموافقة الجوية – البرية (Theory OF Operoitions Air-land) وقد تضمنت هذه النظرية وجهة نظر جديدة للقيادة العسكرية الأمريكية حول طبيعة وطرائق خوض الأعمال القتالية .. أن جوهر نظرية العملية (الموقعة) الجوية - البرية من وجهة نظر الخبراء العسكريين الأمريكيين ينحصر في العمل على سحق العدو على كامل عمق البنية العملياتية للقوات المعادية، وذلك عن طريق التأثير عليه إلى أقصى حد ممكن بالأسلحة النووية والكيميائية والأسلحة العالمية .. جاءت حرب الكويت عام 1991م وُطبقت فيها نظرية العملية الجوية - البرية.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 م تبنت إدارة بوش إستراتيجية الحرب الإستباقية .. وهي الهجمات التي فرضت على الولايات المتحدة الأمريكية إعادة النظر في عقيدتها الأمنية التقليدية السابقة والمتضمنة عنصري (الردع والاحتواء) حيث أن تلك الإستراتيجية القديمة نسبياً لم تعد قادرة علي الاستجابة للتحديات الأمنية التي يفر منها هذا النوع من التهديدات الخطيرة وغير المألوفة - للأمن القومي الأمريكي.
أن الصدمة الناجمة عن هذه الهجمات أضافت إليها بعداً جديداً، فقد واجهت الولايات المتحدة تهديداً جديداً ومتغيراً، في حين وجدت الحكومة الأمريكية نفسها من دون فكرة شاملة أو خطة عملاقة لحماية الوطن الأمريكي من أي هجمات جهادية جديدة. 
وجرت صياغة الرد الأمريكي134 علي الحاجة إلي سياسة أمنية جديدة في ثلاث وثائق نشرت في العام 2002م وهي إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة والإستراتيجية القومية لمكافحة أسلحة الدمار الشامل والإستراتيجية القومية لأمن الوطن وهذه الوثائق الثلاث تحدد مختلف أوجه الجواب الأمريكي الذي يفترض أن يحشد أدوات سياسية وعسكرية ودبلوماسية وقانونية (على الصعيدين المحلي والدولي) ضمن برنامج إجمالي لتعزيز الأمن الأمريكي. 
وكانت نظرية الحرب الاستباقية Preemptive War أو نظرية بوش الأمنية .. لقد حدد المذهب العسكري الأمريكي الجديد لإستراتيجية الحرب الاستباقية الأمريكية بضع أهداف إستراتيجية منهما اثنان رئيسيان هما: مكافحة الإرهاب، والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل .. يمكن القول إن الحربين الوقائية والاستباقية هما احتمال آخر ذو طابع مختلف إلى حد ما .. فالحروب الاستباقية Preemptive War تشير إلى الأعمال العدائية التي تبدأ في ضوء القناعة بأن هجوم العدو متوقع بشكل حتمي .. وتعتمد الحروب الوقائية  Preventive Warعلى الافتراض بأن العدو سيبدأ الحرب في المستقبل القريب وأنها ستكون ملائمة جداً للطرف الذي يباشر العمليات الحربية .. ويكتفي الرئيس الأمريكي الأفريقي بالضربات الوقائية دون الدخول في حروب محدودة كسلفه .. فيقوم بتوجيه ضربات بالطائرات الآلية على العناصر التي تشكل خطر قائم أو محتمل على الولايات المتحدة في أي مكان من العالم ..
والمثال علي الحرب الإستباقية هو عدوان إسرائيل في حرب يونيو عام 1967م .. والمثال على الحرب الوقائية الغزو الأمريكي الأخير للعراق عام 2003 م وفق وجهة نظر القيادة الأمريكية الحالية ..
***
مما سبق يتبين الفواصل بين الأهداف والاستراتيجيات .. وبين الإستراتيجية العامة للرسالة الإسلامية وما يندرج تحتها من استراتيجيات تخصصية ترتبط بوسائل السياسة المختلفة .. وكذلك في داخل التخصص مثلا داخل العمل العسكري تظهر الفواصل بين الإستراتيجية والتعبئة والتكتيك .. 
كما يظهر لنا الفوارق بين القيادات داخل الدولة .. القيادة السياسية .. القيادة العسكرية والمهام المختلفة لكل منهما ومستويات القرار والتبعات .. 
لقد كانت العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية غاية في الوضوح في الدولة الإسلامية .. كما أن كل قيادة كانت تدرك مهامها وحدود التعامل مع المستويات الأعلى أو الأدنى أو المتوازية ..
وبسبب ذلك الوضوح والفصل بين المهام وعدم الجمود داخل الخطوط التي رسمها سايكو وبيكو .. لم تظهر مشكلات مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي .. وكثير غيرهم من أدوات الاستعمار من حقبة الإنجليز وإلى عهد الرئيس الأفريقي الأمريكي ..
***
 
الملحق ( أ ):
الثورة الروسية 1905
 
في 27 كانون الثاني ( يناير ) 1904هاجم الأسطول الياباني مرفأ بورت آرثر ( Port Arthur ) دون إعلان الحرب .. ودمر أسطولا روسيا ضخما في معركة غير متكافئة استمرت45دقيقة .. أظهرت خلالها بحارة السفن الروسية بطولات رائعة .. ولم يستسلموا لقوات العدو فاغرقوا سفنهم .. ونزلت القوات اليابانية في كوريا ثم في منشورات .. وفي أيار ( مايو ) 1904حاصرت القوات اليابانية الحامية الروسية في قلعة بورت آرثر ودارت معارك طاحنة استمرت سبعة أشهر .. وأدت إلى سقوط القلعة في 20 كانون الأول ( ديسمبر ) 1904 .. وقد فقد اليابانيون خلال هذه المعارك زهاء 110 آلاف بين قتيل وجريح .. علي حين بلغت خسائر الروس 35 ألفا وهكذا سيطر الأسطول الياباني على بحر البلطيق.
وفي شباط ( فبراير ) 1905 جرت معركة ضخمة بالقرب من موكدن ( Mukden ) هزمت القوات الروسية هزيمة فادحة. وبلغت خسائرها 89 ألفا .. على حين خسر اليابانيون 71 ألفاً .. وكانت خاتمة هذه المعارك معركة تسوشيما ( Tsushima ) البحرية . وكانت خسائر روسيا في الحرب الروسية –اليابانية نحو 270 ألف قتيل وجريح بالإضافة إلى تدمير اكبر أساطيلها .
وفي 5 أيلول ( سبتمبر ) 1905 وقعت معاهدة صلح بين البلدين المتحاربين في قاعدة بورتسموث ( Portsmouth ) البحرية بالولايات المتحدة .. حيث أنهت هذه المعاهدة الحرب بين روسيا واليابان .. وتعهدت فيها روسيا بالجلاء عن منشورات .. والتنازل عن القطاع الجنوبي لسكة حديد منشورات .. وحصلت اليابان على النصف الجنوبي من جزيرة ( سخالين sakhaline ) .. وعلى ملكية الامتياز الروسي الخاص باستئجار جزيرة ( لياوتونغ Liao-tung ) .. وعلى أثر هذه الحرب بدأ التذمر يستفحل بين صفوف الشعب الروسي نتيجة الهزائم التي ألحقها اليابانيون بالجيوش الروسية من جهة .. ونتيجة استبداد الحكم الأوتوقراطي القيصري من جهة أخرى .. وكانت المسألة الزراعية من أهم الأسباب التي ساعدت على اندلاع الثورة .. فبدأ التمرد بأن عمت البلاد موجة من المظاهرات والاضطرابات والإضرابات .. وبدأ تحرك العمال وتبعهم الفلاحون .. وكثرت الأحزاب والمنظمات الشعبية المعارضة .. ومن هذه الأحزاب: حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي .. وهو أهمها .. وحزب الحرس الأحمر الذي ضم عمال المصانع المسلحين .. وحزب المناشفة الأممين وهو مؤلف من عمال بتروغراد بقيادة ليون تروتسكي. 
وفي 3 كانون الثاني ( يناير ) 1905 أضرب عمال مصنع بوتيلوف ( potelov ) في بتروغراد ( وهو الاسم القديم لمدينة لينينغراد ) احتجاجا على طرد بعض العمال المنتسبين إلى المنظمة الغابونية (منظمة مؤلفة من عمال المصانع في بتروغراد يقودها الأب جيورجي غابون ( Georgy Gapon ) ..وعم الإضراب بتروغراد ابتداء من ( 8 كانون الثاني - يناير 1905) .. وبلغ عدد المضربين 150 ألف عامل .. وتوقفت أكثر المؤسسات الكبرى عن العمل .. كما توقفت الصحف عن الصدور ..
وفي يوم الأحد .. في الصباح الباكر من 22كانون الثاني(يناير) 1905 ( الموافق 9يناير حسب التقويم الروسي القديم ) صاغ العمال .. بمعاونة الأب غابون .. عريضة حددوا فيها مطالبهم .. وكان أهمها: "إنشاء مجلس تأسيسي .. وتقديم الأرض للفلاحين .. وحرية الكلام .. والنشر والاجتماعات .. وتحديد ساعات العمل اليومي بثماني ساعات بدلا من 16 ساعة" .. وتوجه عمال بتروغراد بقيادة الأب غابون .. مع زوجاتهم وأطفالهم بثياب العيد .. نحو المقر الدائم للقيصر نيقولا الثاني في قصره الشتوي في بتروغراد .. يحملون صور القيصر والأيقونات ويرتلون الصلوات .. وكانت الحكومة القيصرية على علم مسبق بهذه المظاهرة السلمية .. فأعدت للقائها خير قواتها التي تضم الحرس القيصري والقوزاق وفرق الخيالة .. وما أن اقترب المتظاهرون من البوابات والجسور المؤدية إلى وسط المدينة حتى نفذ الجنود أوامر القيصر فضربوا المتظاهرين بالمدافع والرشاشات الثقيلة .. وأعلمت فرق الخيالة سيوفها برقابهم رجالا ونساء وأطفالاً .. وأجهزت على الجرحى منهم .. فقتل في هذه المجزرة الرهيبة في يوم واحد أكثر من ألف مواطن .. وجرح ما يقارب الخمسة آلاف .. وقد عرف هذا اليوم في التاريخ بيوم الأحد الدموي .. وأثارت هذه المجزرة الرهيبة سخط الشعب والجيش معا .. فهب الملايين من العمال إلى السلاح .. ودعوا إلى النضال والانتقام والثورة  ..
وفي كانون الثاني(يناير) 1905 قامت في موسكو إضرابات جماهيرية رافقتها مظاهرات سياسية تأيدا للبروليتاريا .. وجرت في عدد من المدن اشتباكات عنيفة مع الشرطة والقوات العسكرية .. كما اضرب 440ألف عامل من عمال المصانع .. وامتدت موجة الإضرابات إلى جميع أنحاء البلاد .. وشملت الإضرابات في الشهور الثلاثة الأولى من العام 1905اكثر من800ألف شخص ..
وهب الفلاحون بعد العمال .. ففي كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) 1905 انفجرت الانتفاضات الفلاحية في مختلف مناطق روسيا .. وفي 12 أيار (مايو) عام 1905 اضرب عمال الحياكة في مدينة ( ايفانوفو-فوزنسنسك IVANOVO-VOZINSINSK ) واستمر إضرابهم حتى أواخر تموز(يوليو) .. وكان إضرابا ضخما اشترك فيه 30 ألف عامل .. وفي هذه الأثناء أنشئت أول منظمة للعمال في روسيا [ أول سوفييت (أو مجالس ) مندوبي العمال ] في بتروغراد .. وضمت ممثلي المصانع والعمال .. وكانت مهمتها تنظيم الإضرابات المختلفة وقيادتها .. وفي صيف 1905 ساند الفلاحون العمال وشملت الإضرابات الفلاحية معظم أرجاء البلاد .. وهاجم الفلاحون أراضي الملاكين العقاريين وأحرقوها .. وأنشئوا أول اتحاد سياسي لهم هو ( إتحاد الفلاحين ) كما أنشئت المليشيا للمحافظة على الأمن .. وأنشئت مجموعات قتالية لصد الشرطة والقوات العسكرية .. وكان لإنشاء هذه التنظيمات الثورية تأثير على الجيش والأسطول .. فانتشرت الأفكار الثورية بين الجنود والبحارة .. وكانت انتفاضة السفينة ( بونيومكي PONIPMKY ) (السفينة المتمردة) حدثا ثوريا ضخما .. إذ انضمت لأول مرة سفينة حربية كبيرة إلى جانب الشعب الثائر .. وبقيت .. كما قال لينين ( ارض الثورة التي لم تقهر ) ..
وفي 18تموز(يونيو)1905أرسلت الحكومة القيصرية أسطولاً بحريا مؤلفا من (12 سفينة ) لقصف السفينة المتمردة في البحر الأسود .. فاتجهت هذه السفينة إلى الشواطئ الرومانية للتزود بالوقود والمؤن .. إلا أن الحكومة الرومانية رفضت السماح لها بذلك .. فبقيت هذه السفينة أكثر من أسبوع في البحر الأسود تحت الراية الحمراء تثير الذعر والرعب في السلطات القيصرية التي ظلت تطاردها وتقصفها بمدفعية السواحل حتى اضطرتها في النهاية للتوجه إلى رومانيا من جديد والاستسلام للسلطات الرومانية ..
وفي أيلول ( سبتمبر ) من العام نفسه جرى بقيادة البلاشفة إضراب جماهيري شامل قام به عمال موسكو .. واشترك فيه عمال المطابع والخبازون وعمال التبغ وعمال السكك الحديدية .. وقاد مجلس السوفييت هذا الإضراب .. فكان كما وصفه لينين بالبرق الأول للعاصفة الذي أضاء ساحة المعركة ..
وفي تشرين الأول ( أكتوبر ) 1905 .. بدأ إضراب عمال سكة الحديد في موسكو .. وامتد إلى بتروغراد .. ثم تحول إلى إضراب سياسي في جميع أنحاء روسيا .. وقد شل هذا الإضراب الموصلات في الإمبراطورية .. وتوقف عن العمل أكثر من مليون شخص فكان إضراباً ضخما لم يشهده أي بلد حتى ذلك الحين .. واشترك فيه العمال والمثقفون والأطباء والمهندسون والمعلمون والصحفيون .. وتوقفت الجامعات والمعاهد والمخازن عن العمل.
وفي هذا الوقت أنشئ حزبان برجوازيان معارضان للثورة هما: حزب الاكتوبريين (octobrists) .. وهو حزب يميني مثل البرجوازية من كبار الصناعيين والتجار .. وكانت مهمته الإبقاء على نظام الحكم .. وحزب الكاديت (kadet) .. وهو حزب الديمقراطيين الدستوريين وكان مكونا من الليبراليين المنتمين إلى الطبقات المالكة والمثقفين البورجوازيين .. كما كان حزب الإصلاح السياسي.
وفي نهاية تشرين الثاني( نوفمبر ) 1905اندلعت انتفاضة البحارة في سيباستوبول ( sibastopole ) وفلاديفوستوك ( vladivostock ) .. ولكن المدفعية القيصرية قصفت السفن الثائرة فحطمتها .. واستسلم بحارتها فاعدموا .. وفي 7 كانون الأول ( ديسمبر ) من العام نفسه .. بدأ إضراب سياسي عام تلبية لنداء مجلس السوفييت .. وتوقف عن العمل أكثر من مئة ألف شخص ..لكن القوات العسكرية وقوات الشرطة فرقت المتظاهرين .. وتحول الإضراب إلى انتفاضة مسلحة .. فأقيمت المتاريس .. وبدأت حرب الشوارع .. وكان النضال عنيدا وقويا .. وسقط خلاله المئات من الضحايا .. واستمرت المعارك الدموية عشرة أيام وصفها لينين ( بقمة الثورة وذروتها ) ..
ونتيجة لهذه الثورة وقع القيصر نيقولا الثاني في 30 تشرين الأول ( أكتوبر ) ( 17حسب التقويم الروسي القديم ) عام 1906بيانا عرف ببيان أكتوبر منح بلاده بموجبه مجلسا نيابيا ( دوما ) ..
ولقد انتخب مجلس الدوما الأول في 10أيار ( مايو ) 1906 .. ونال فيه حزبا الكاديت والترودوفيك أكثرية الأصوات رغم أن الانتخابات جرت في ظروف قمع بوليسي رافقتها اعتقالات جماعية .. وقد سعى القيصر جهده لإضعاف هذا المجلس لأنه لا يتفق وسياسته الزراعية الرجعية .. إلا أنه لم يتمكن من ذلك .. فأقال رئيسه ويت ( S.y.witte ) من منصبه .. وعين في 6تموز ( يوليو ) من العام نفسه ستوليبن ( p.a.stolypin ) رئيسا المجلس بدلا منه .. كما أعلن عن عزمه على تأليف مجلس الدوما الثاني وذلك بالاتفاق مع الرئيس الجديد .. ثم حل مجلس الدوما الأول في22 تموز ( يوليو ) عام 1906.
لقد كانت الثورة الروسية الأولى 1905 .. رغم فشلها وعدم وصول القوى الثورية المشتركة فيها إلى السلطة .. وتعرض هذه القوى لعملية قمع رهيبة .. مقدمة لتفجير ثورة 1917 .. كما كان لها أثرها ونتائجها في الحركات العمالية خارج روسيا .. فبتأثيرها اندلعت الثورات في كل من الصين وإيران وتركيا .. كما اتسعت الحركات العمالية وتطورت في بلدان أوروبا والولايات المتحدة الأميركية .. وأثارت شعور التحرر الوطني في الهند واندونيسيا ومصر وبلدان الشرق الأوسط ..
***
 
الثورة الروسية ( 1917 )
 
هي أول ثورة اشتراكية135 منتصرة في تاريخ العالم .. قامت بها الطبقة العاملة الروسية متحالفة مع الفلاحين والجنود الروس الفقراء .. وبفضلها تمت الإطاحة بسلطة تحالف البورجوازية136 مع كبار الملاك في روسيا .. وعلى أنقاض هذه السلطة أقيمت دكتاتورية البروليتاريا137 ..
في مطلع القرن العشرين .. تهيأت الظروف في روسيا للثورة الاشتراكية .. بعد أن دخلت روسيا القيصرية138 .. مع الدول الرأسمالية139 المتقدمة الأخرى .. مرحلة تعفن الامبريالية140 واحتضارها .. تلك المرحلة التي تمثل .. في الوقت نفسه .. عشية الثورة الاشتراكية ..  وكانت التناقضات الطبقية في روسيا القيصرية .. في بداية القرن العشرين .. أكثر تعقداً وأشد حدة عنها في الدول الأخرى .. ووجدت أكثر أشكال الرأسمالية تطورا جنبا إلى جنب مع بقايا المرحلة الإقطاعية141 .. والأساليب الأُوتوقراطية142 .. واستبداد الحكومة وإرهابها القمعي .. إلى جانب كل هذا كانت الطبقة القائدة للحركة الثورية الروسية ( الطبقة العاملة ) تنمو وتزداد قوة في روسيا .. ووصل عدد عمال مصانع السكك الحديدية والبناء والزراعة في العام1913نحو ( 12 ) مليون عامل .. وامتزج الكفاح الطبقي الذي شنته الطبقة العاملة ضد الرأسمالية الروسية .. مع كفاح ملايين الفلاحين الكادحين ضد ملاك الأراضي .. ولأن روسيا القيصرية كانت دولة متعددة القوميات .. اتبعت القيصرية سياسة استعمارية مكشوفة في قهر القوميات التي تتكون أساساً من الفلاحين.
ولقد تضافر الاستغلال الرأسمالي والإقطاعي .. والقهر القومي .. والإرهاب البوليسي .. والاستبداد السياسي .. وتعفن بلاط القيصر نيقولا الثاني .. وهزائم القوات المسلحة الروسية أمام القوات الألمانية .. وبؤس الجماهير إلى جوار بذخ الأقلية المستغلة التي أفادت من الحرب وازدادت غنى حتى وصل السخط الجماهيري إلى ذرى عالية .. ووصلت البلاد إلى أبواب الثورة.
وكانت قد قامت في روسيا .. في العام 1905 ثورة بورجوازية ديمقراطية عنيفة .. إلا أنها منيت بالفشل .. واعتبرها لينين مجرد ( بروفة ) لثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) 1917.. وكانت ثورة شباط ( فبراير ) ( حسب التقويم الروسي القديم الذي يتأخر 13يوما عن التقويم الميلاد ) التي دمرت الأوتوقراطية الروسية .. خطوة هامة قربت ثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) .. ولقد سبق هذه الثورة عدة محاولات قامت بها البورجوازية لإصلاح الأوضاع وإنقاذ النظام عن طريق استبداله بنظام دستوري143 .. وكان آخر هذه المحاولات طلب رئيس مجلس الدوما ( رودزيانكو ) من القيصر في 10شباط ( فبراير ) 1917  [ تقويم قديم ] عزل وزير الداخلية ( بروتوبو بوف ) المكروه شعبيا .. ولقد رفض القيصر هذا الطلب .. وفي 14\2 أضربت 60 مؤسسة  صناعية وهتف المتظاهرون ضد الحرب والأوتوقراطية .. وفي 18و22 أضرب عمال مصانع بوتيلوف للأعتدة الحربية .. وكان يوم 23شباط ( فبراير ) بداية الثورة التي اندلعت على شكل مظاهرات عمالية في بتروغراد اشترك فيها90 ألف شخص .. ثم استمرت الإضرابات والصدمات مع الشرطة في اليوم التالي .. واشترك في الإضراب 200 ألف عامل .. تظاهروا في بتروغراد .. ونددوا بالحكومة القيصرية .. ولم تتخذ السلطات العسكرية تدابير شديدة لقمع الهبة الجماهيرية .. مع أن تعداد الحامية كان حوالي150 ألف رجل .. وفي يوم 25 اتسع الإضراب حتى شمل 240 ألف عامل واستمرت الصدامات مع الشرطة .. ولم يتدخل القوزاق بعنف لقمع المتظاهرين .. مع أنهم كانوا يشكلون مع اليونكرز ( طلاب المدارس العسكرية ) قوة الصدمة التي تعتمد عليها الحكومة لقمع الشغب .. أمام هذه التحولات الخطيرة .. ابرق القيصر نيقولا في يوم 25 إلى الجنرال خابالوف يأمره بوضع حد للفوضى  .. وفتحت فصيلة من فصائل  السيارات المصفحة النار لأول مرة على المتظاهرين .. وهدد خابالوف العمال .. وأمرهم بالعودة إلى أعمالهم قبل يوم 28 .. وإلا فإنه سيرسل إلى الجبهة جميع العمال الذين يمكن دعوتهم إلى خدمة العلم .. وفي  ليلة 25-26 اعتقلت الحكومة حوالي مائة من المناضلين الثوريين من بينهم 5 أعضاء من لجنة بلاشفة بتروغراد .. ولكن الثوار سيطروا على أحياء فيبورغ ( ضاحية عمالية من ضواحي بتروغراد ) بكاملها .. واستولوا على مراكز الشرطة .. وسيطروا على عدة شوارع في العاصمة نفسها .. وفي يوم 26 اتسعت المظاهرات والصدمات وتدخل الجيش ضد الثورة وأطلق النار على المتظاهرين .. وكان الثوار يحاولون استمالة الجيش وتحييده .. وفي المساء تمردت السرية الرابعة من فوج بافلوفسكي .. وتركت الثكنة ونزلت إلى الشارع بقيادة ضابط صف واصطدمت مع الشرطة ثم عادت إلى الثكنة حيث حاصرها فوج بريو براجينسكي .. وجردها من سلاحها واعتقل عدداً من أفرادها .. وقام القيصر نيقولا الثاني بحل مجلس الدوما .. وفي  يوم 27 قرر العمال متابعة النضال .. وكان ذلك يعني العصيان المسلح .. ولقد أدى هذا القرار إلى اندلاع الثورة بشكل عفوي لم تخطط الأحزاب الثورية له .. وحاول العمال استمالة فوج موسكوفسكي وفوج الاحتياط .. ولكن الضباط أحبطوا هذه المحاولات .. وأطلق الجنود النار على الجماهير التي أخذت تطالب بالسلاح .. ونظرا لعدم توفر الأسلحة لدي العمال بشكل مسبق فقد بدأ هؤلاء العمال بنزع سلاح الشرطة لاستخدامه ضد الجيش وانتزاع سلاحه ومقاتلته به .. وتضافر نضال العمال المسلح .. وأساليبهم النفسية لاستمالة الجنود .. والاستفادة من حقد القِطْعَات الاحتياطية على القيادة وعدم ثقتها بها وعدم رغبتها في استمرار الحرب أو الذهاب إلى الجبهة .. فتمردت الأفواج الاحتياطية الموجودة في بتروغراد .. وكان فوج فولهينسكي أول المتمردين وانضم إلى العمال .. وتمرد الفوجان الليتواني وبريوبراجينسكي أيضا .. واستولى العمال الثوريون على الأسلحة من الثكنات ومن مخافر الشرطة ومستودعاتها .. وتضافرت الحركة الثورية العمالية مع الحركة الثورية للجنود الذين نزلوا إلى الشارع .. وأخذتا تعملان معا لكنس النظام القديم .. وانضم فوج موسكوفسكي إلى الثورة التي صارت تملك سيارات مصفحة ورشاشات وآلاف البنادق .. ووقعت اشتباكات بين العمال والجنود الثوريين من جهة .. واليونكرز وقوى الثورة المضادة وبعض قطاعات الجيش من جهة أخرى .. وانتشرت الانتفاضة داخل الجيش كالنار .. وفي مساء 27 انضم فوج سيمينوفسكي إلى الثورة .. وحاول خابالوف قمع الثورة بالقوة .. ولكن القوات التي كان يرسلها لتنفيذ المهمات كانت تختفي وسط الجماهير .. لذا حاول التمترس في مقر الشتاء وتحويله إلى قلعة حصينة والاتصال مع كرونشتادت لاستقدام قوات تقمع الثورة .. ولكن العدوى الثورية كانت قد انتقلت إلى مختلف المناطق .. وعندما احس خابالوف بأن تدابيره غدت بلا جدوى هرب من مقر قيادته في مساء 27 ولم يعتقل إلا  في اليوم التالي .. وفي يوم  28  ترك القيصر مقر قيادته العليا .. واعتكف في تساركويه - سيلا .. وتم توقف وزراء الحكومة القيصرية . وأعلن الإضراب العام في موسكو ..
 هكذا وبكل سهولة انهار النظام القديم .. واستولت الجماهير على السجون وأطلقت سراح الموقوفين السياسيين .. وسيطرت على جميع المؤسسات الحيوية في المدينة .. وأقامت في ( قصر توريد ) هيئة أركان ثورية .. واعتقلت أعداء الثورة وتحقق انتصار الثورة بثمن صغير .. إذ قدر عدد الضحايا في بتروغراد بـ ( 1443 ) قتيلا وجريحا .. من بينهم ( 869 ) عسكريا كان بينهم ( 60 ) ضابطا ..
وعلى أثر نجاح الثورة تشكلت مجالس السوفييتات ( سوفييتات العمال والفلاحين والجنود ) .. وفي 2 آذار ( مارس ) تشكلت حكومة مؤقتة بورجوازية برئاسة الامير لفلوف واستقال القيصر لصالح أخيه ولي العهد الأمير ميخائيل .. ولكن ميخائيل استقال في اليوم التالي .. وتقرر عقد مجلس تأسيسي لتحديد شكل الدولة الروسية المقبل .. وفي 8 آذار( مارس ) جرى توقيف نيقولا الثاني وفرض الإقامة الإجبارية على العائلة الإمبراطورية في تساركويه سيلا .. وكان هناك ازدواج واضح في السلطة بين الحكومة المؤقتة والسوفييتات المنتشرة في كل أنحاء البلاد .. ولقد طالب الشعب الروسي بعد نجاح الثورة بإنهاء الحرب الاستعمارية التي كانت روسيا تخوضها إلى جانب الحلفاء  .. وإقرار السلام .. وإلغاء ملكية كبار ملاك الأرض .. وتخفيض ساعات العمل  .. كما طالب بإطلاق  الحريات الديمقراطية .. ووقف القهر القومي ..  إلا أن الحكومة المؤقتة تجاهلت مطالب الشعب هذه .. ووصل بها الأمر  إلى حد أنها لم تعلن إلغاء النظام الملكي .. انتظارا لأول فرصة تمكنها من إعادة القيصر إلى عرش روسيا .. وأعلنت في27آذار( مارس ) عن عزمها على متابعة الحرب ( حتى النصر النهائي ) .. ورفضت مجالس السوفييتات التي يهيمن عليها ممثلوا البورجوازية الصغيرة ( المناشفة .. والاشتراكيون الثوريون .. والفوضويون ) أخذت زمام السلطة بيدها .. وبسبب تمتع البلاشفة  بتأييد الشعب المسلح .. أصبحوا مؤهلين للاستيلاء على السلطة دون إراقة دماء .. ودون الحاجة إلى تفجير انتفاضة مسلحة .. وفي الثالث من نيسان ( ابريل ) 1917[ بالتقويم الروسي القديم ]  عاد لينين إلى روسيا من منفاه في سويسرا داخل عربة قطار مغلقة حملته مع 30 ثوريا روسيا منفيا عبر ألمانيا وبإذن من حكومتها .. وفي اليوم التالي اطلع قادة الحزب البلشفي على خطته الرامية إلى الانتقال بالثورة من مرحلتها البورجوازية الديمقراطية إلى الثورة الاشتراكية .. وبعد ثلاثة أيام من وصول لينين .. نشرت (البرافدا) - جريدة الحزب البلشفي التي انتقلت بعد الثورة البورجوازية عن السرية إلى العلن - موضعات لينين التي تشير إلى انتهاء المرحلة الأولي من الثورة .. تلك التي أوصلت البورجوازية إلى السلطة .. وبداية المرحلة الثانية التي يجب أن تنتهي بانتقال السلطة إلى أيدي الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين الكادحين .. وإلى ضرورة تحول الثورة البورجوازية الديمقراطية .. إلى ثورة اشتراكية .. وطالب لينين بإتباع تكتيكات144 مؤداها: عدم الثقة بالحكومة المؤقتة .. وعدم مساندتها  .. مع فضحها أمام الشعب نظرا لأنها أدارت ظهرها لمطالبه في السلام والخبز والحرية والأرض .. وإقناع الشعب بأن سوفييتات نواب العمال والجنود هي المؤهلة للاستجابة إلى مطالب الشعب وتحقيقها .. ومن هنا رفع الحزب البلشفي شعار: ( كل السلطة للسوفييتات ) .. ووضع لينين منهاجا لنشاط السوفييتات تضمن ما يلي:- في الميدان الدولي .. النضال في سبيل عقد صلح ديمقراطي عام .. في الميدان الاقتصادي  .. تأميم جميع المصارف .. وإنشاء مصرف شعبي واحد موحد .. وتأميم احتكارات السكر والتعدين .. وفرض رقابة السوفييتات علي كل إنتاج وتوزيع المنتجات .. في الميدان الزراعي .. مصادرة أراضي الملاك بدون أي تعويض .. وتأميم جميع الأراضي الزراعية في روسيا .. في الميدان القومي .. منح شعوب الأقاليم التي تسيطر عليها روسيا حق تقرير المصير.
وفي 24 نيسان( ابريل ) [ حسب التقويم القديم ] انعقد المؤتمر الثاني للحزب البلشفي الروسي .. فصادق على خطة لينين للانتقال إلى الثورة الاشتراكية .. وبدأ الحزب البلشفي نشاطا ضخما بين جماهير الشعب الروسي .. لتعبئتها في وجه الرأسمالية .. ومن أجل إنجاز الثورة الاشتراكية .. وفي أول أيار ( مايو ) 1917 .. احتفل العمال الروس بعيد العمال العالمي .. لأول مرة بشكل علني .. وفي  هذه الاحتفالات جرى التنديد باستمرار الحكومة الروسية في الحرب .. وفي اليوم التالي خرجت مظاهرتان في شوارع بتروغراد:- الأولى صغيرة الحجم .. تحركها الحكومة المؤقتة .. وتدعو إلى الاستمرار في الحرب .. والثانية بلشفية .. ضمت نحو مائة ألف عامل .. تطالب بنقل السلطة للسوفييتات .. وفي هذه اللحظة التي وضعت فيها الحكومة في مأزق حرج .. هرع المناشفة والاشتراكيون الثوريون إلى مد يد المساعدة للحكومة .. فشاركوا في 5أيار ( مايو ) في تشكيل حكومة مؤقتة ائتلافية من ممثلي الأحزاب البورجوازية ( الكاديت أساسا ) .. ترأسها الأمير لفوف .. وتوالت مظاهرات الاحتجاج ضد الحكومة في موسكو وفي مدن الاورال وفي المراكز الصناعية الأخرى .. وأخذت قطاعات واسعة من العمال والجنود في بتروغراد تنفض من حول الاشتراكيين الثوريين والمناشفة .. وبدأ العمال يسحبون من السوفييتات النواب المناشفة والاشتراكيين الثوريين .. ليحلوا مكانهم نوابا بلاشفة .. وازداد مع الأيام عدد المؤيدين للبلاشفة بين عمال وجنود بتروغراد .. وبالرغم من تعاظم نفوذ البلاشفة .. إلا أن نفوذ الاشتراكيين الثوريين والمناشفة ظل هو السائد في روسيا .. واتضح ذلك جليا في المؤتمر الأول للسوفييتات المنعقد في بتروغراد في 3 حزيران ( يونيو ) 1917 [ تقويم قديم ] .. فقد حضر جلسات المؤتمر زهاء ألف مندوب .. لم يكن البلاشفة يمثلون وسطهم سوى أكثر من العشر بقليل .. واستغل المناشفة والاشتراكيون الثوريون الأغلبية .. ومرروا في المؤتمر مشروعهم بتحبيذ سياسة التحالف مع البورجوازية .. ورد البلاشفة بالدعوة إلى إقامة مظاهرة في بتروغراد .. في العاشر من حزيران( يونيو ) .. إلا أن المؤتمر منع المظاهرة  .. عشية اليوم المحدد لقيامها .. عندها قررت اللجنة المركزية للحزب البلشفي إلغاء المظاهرة .. تجنبا منها للصدام مع السوفييتات .. وفي محاولة لامتصاص نقمة العمال .. عاد المؤتمر وقرر إقامة مظاهرة في الثامن عشر من حزيران ( يونيو ) [ تقويم قديم ] .. ولكن تحت شعار الثقة في الحكومة المؤقتة .. ودعا البلاشفة العمال إلى الاشتراك في هذه المظاهرة .. ولكن تحت شعار( كل السلطة للسوفييتات ) .. وفي اليوم الموعود تجمع نحو ( 500 ألف ) من العمال والجنود .. سارت أغلبيتهم تحت الشعار البلشفي .. في حين رفعت قلة لافتة ( الثقة ) بالحكومة .. وخافت الحكومة من النفوذ المتزايد للبلاشفة .. ولجأ زعماء البورجوازية إلى الوسيلة التقليدية لاغتيال الثورات .. وهي ضربها بحجة حماية مؤخرة جبهة القتال .. فقررت شن هجوم عسكري علي القوات الألمانية .. فإذا نجح هذا الهجوم .. توطدت سلطة الحكومة .. مما يسهل عليها مهمة قمع القوى الثورية  .. أما إذا فشل فستلقي باللوم على البلاشفة  .. الذين يقفون ضد الحرب ويفسدون معنويات الجيش الروسي .. وجاء توقيت الهجوم موافقا ليوم قيام المظاهرة.
ولقد مني الهجوم الروسي بقيادة الجنرال بروسليوف وتحت إشراف وزير الحربية كيرنسكي بفشل ذريع .. بسبب سوء تحضيره .. مما أعطى الفرصة  للقوات الألمانية كي تشن هجوما مضاداً .. وتستولي على رقعة واسعة من الأراضي الروسية .. وعلى كميات كبيرة من الأسلحة  والذخائر .. كما أسرت العديد من الجنود الروس .. وفي الهجوم الروسي والهجوم الألماني المضاد خسرت القوات الروسية نحو60 ألف بين قتيل وجريح .. وفي الثاني من تموز ( يوليو ) ترك وزراء الكاديت الحكومة الائتلافية المؤقتة .. وبمجرد فشل الهجوم .. بدأت الحكومة الروسية في تنفيذ خطتها .. فشددت الصحافة الموالية لها الهجوم على البلاشفة .. بدعوى أنهم أحبطوا الهجوم الروسي بدعايتهم ضد الحرب .. إلا أن سخط الجماهير الكامن سرعان ما انفجر بصورة عفوية .. ففي 3 تموز ( يوليو ) [ تقويم قديم ] نظم جنود فوج الرماة الأول المرابط في بتر وغراد  .. مظاهرة مسلحة ضد الحكومة .. وأرسلوا مندوبيهم إلى المصانع وإلى بقية أفواج حامية بتروغراد .. يحثونهم على الانضمام إلى المظاهرة .. ولقد انضم الييهم في مساء 23\7 جنود 9 قطعات عسكرية بالإضافة إلى بحارة كرونشتادت وعمال المصانع الذين تجمعوا في ساعة متأخرة من الليل أمام قصر توريد وأخذوا يطالبون بإسقاط الحكومة المؤقتة وتسليم السلطة للسوفييتات .. وكان البلاشفة بقيادة لينين قد عارضوا القيام بالمظاهرة .. إذ رأوا أن الظروف لم تنضج بعد لإسقاط الحكومة .. فالقوى الثورية الموجودة في العاصمة تكفي للاستيلاء على السلطة .. إلا أن الحفاظ على هذه السلطة كان مستحيلا .. بسبب ثقة البلاد وقوات الجبهة بالحكومة .. مما يجعل وقوف أغلبية الشعب ضد الثورة أمراً مرجحا .. إلا أن البلاشفة عجزوا عن كبح جماح الجماهير الهائجة .. وقرروا السير في مقدمتها لتنظيمها ..
وفي الرابع من تموز( يوليو ) [ تقويم قديم ] خرج أكثر من 500 ألف شخص إلى الشوارع تحت شعار:( كل السلطة للسوفييتات ) .. وضمت المظاهرة فصائل من الحرس الأحمر  ومن بحارة كرونشتادت والجنود الثوريين .. وتردد زعماء اللجنة التنفيذية للسوفييت .. وتمركزت الحكومة المؤقتة في قصر ماري .. واستقدمت من جبهة القتال قوات مضمونة ( فرقة الخيالة 14 .. وفوج قوزاق الدون .. وفرقة من الأوهالانس .. وفوج ايسبورسكي177 .. وفوج مالوروسيسكي ) .. وفتحت هذه القوات النار على المظاهرة وشتتت الجنود والعمال .. وفي ليلة4-5 تموز( يوليو ) حطمت الفصائل الموالية للحكومة مقر صحفية ( البرافدا ) ومطبعتها .. وعهدت الحكومة إلى فصيلة خاصة من اليونكرز ( طلبة المدارس العسكرية ) البحث عن لينين واعتقاله أو قتله .. إلا أن لينين تمكن من الاختفاء مع عدد من قادة البلاشفة ..
وحاولت الحكومة المؤقتة إقامة دكتاتورية للثورة المضادة .. وشنت حملة اعتقالات واسعة .. في الشهر نفسه .. ضد البلاشفة .. وسحبت الوحدات العسكرية الثورية من بتروغراد .. وأرسلتها إلى الجبهة .. وفي الجيش أعيد العمل بعقوبة الإعدام في 27تموز ( يوليو ) .. وتم اعتقال آلاف الجنود لرفضهم تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم .. وتم إعدام العديد منهم رميا بالرصاص .. وانتقلت السلطة بكاملها للبورجوازيين .. عندها تأكد الحزب البلشفي أن إمكانية وصول العمال والفلاحين  الكادحين إلى السلطة بطريقة سلمية قد اختفت .. واستبدل البلاشفة تكتيكاتهم الكفاحية .. بما يتلائم مع الأوضاع الجديدة .. فمنذ 27 تموز ( يوليو ) حتى بداية آب ( أغسطس ) [ تقويم قديم ] انعقد في بتروغراد .. بصورة شبه سرية .. المؤتمر السادس للحزب البلشفي .. الذي بلغت عضويته .. آنذاك .. 24الف عضو .. وقرأ ستالين التقرير السياسي الذي أعده لينين .. الغائب عن المؤتمر .. ولقد ذكر لينين في تقريره ان من المستحيل على الطبقة العاملة الروسية أخذ السلطة بصورة سلمية .. إذ لا يمكن الاستيلاء على السلطة إلا بالقوة  .. بعد إسقاط حكومة الثورة المضادة .. ورأى لينين أن شعار ( كل السلطة للسوفييتات ) لم يعد يناسب الوضع الجديد .. بعد أن أصبحت السوفييتات ذيلا للحكومة البورجوازية .. ودعا لينين المؤتمر إلى تشديد الكفاح لكسب السوفييتات إلى جانب البلاشفة .. وأقر المؤتمر خطة إعداد الانتفاضة المسلحة لإسقاط حكم الرأسمالية .. وصادق المؤتمر على خطة الحزب الاقتصادية .. التي صاغها لينين فيما عرف بـ ( موضوعات لينين ) .. وهي التي رأت أن اقتصاد روسيا يتدهور .. وأن الشعب يعاني من الجوع والفقر المدقع .. وأن قيمة النقد الروسي في هبوط مستمر .. في حين اشتدت التبعية لرأس المال الأجنبي .. مما حول روسيا إلى شبه مستعمرة للامبرياليين الأجانب .. وانتهت الخطة إلى أن إنقاذ روسيا لا يتم إلا بإسقاط الحكومة البورجوازية .. وبنقل السلطة إلى الطبقة العاملة والفلاحين  الكادحين ..
وفي هذا المؤتمر ضُمت إلى الحزب الفرقة التي كان يرأسها تروتسكي .. كما ضُم الجناح اليساري من المناشفة و( الانتر-ديستريكت ) .. ودعا المؤتمر إلى مضاعفة النشاط وسط الجماهير الروسية .. ورص صفوف كل القوى الثورية الروسية .. من أجل إسقاط ديكتاتورية البورجوازية .. وفي 1 آب ( أغسطس ) تم إبعاد نيقولا الثاني وعائلته إلى طوبولسك في سيبير يا (  ولقد بقي القيصر هناك حتى أعدم في العام 1918 ) ..
وفي خريف 1917أوصلت سياسة الحكومة المؤقتة روسيا إلى حافة كارثة وطنية .. بعد أن اتسعت أعمال التخريب في الصناعة وفي وسائط النقل .. وتناقصت المواد الخام والوقود مما تسبب في إغلاق مئات المصانع .. وانتشرت البطالة بين العمال .. واختفت معظم مواد التموين الرئيسية .. وارتفعت أسعار كل السلع .. وكادت البلاد أن تشهر إفلاسها .. بعد أن أغرقت الحكومة المؤقتة الأسواق بالعملة الورقية دون غطاء ذهبي .. وارتكنت الحكومة المؤقتة .. بالكامل .. على القوى الاستعمارية الغربية .. حتى وصلت ديونها من هذه الدول إلى حوالي 60 ألف مليون روبل من الذهب .. ووقعت إضرابات عمالية واسعة .. وتوقف 700 ألف من عمال السكك الحديدية عن العمل مطالبين بتحسين شروط حياتهم .. وما كادت الحكومة تسوي أمر هذا الإضراب حتى أضرب عمال التعدين والأحذية .. وتبعهم 300 ألف من عمال النسيج .. وتميزت هذه الإضرابات عما سبقها من إضرابات  .. بطرد العديد من أصحاب العمل .. واستيلاء العمال على إدارة المصانع .. واشتعلت هبات فلاحية في سائر أنحاء روسيا ..
وفي 21 آب (أغسطس ) سقطت ريغا بيد الألمان .. واستغل الجنرال كورنيلوف القائد العام لجيش الروسي هذه الفرصة وحاول القيام بانقلاب عسكري145 في 27 آب ( أغسطس ) لإقامة ديكتاتورية عسكرية .. وتحركت قواته باتجاه العاصمة .. وهنا تضافر البلاشفة مع الحكومة .. وأحبطوا المؤامرة الانقلابية .. وألقي القبض على كورنيلوف .. وعين كيرنسكي قائدا عاما للجيوش الروسية في 30 آب ( اغسطس ) .. مما أجج حركة الفلاحين .. فهبوا يطالبون بالأرض .. وسيطروا .. في الشهر نفسه .. على 440 ضيعة من كبار الملاك .. وفي الشهر التالي فرضوا سيطرتهم على 958 ضيعة أخرى .. وفي 31 آب ( أغسطس ) [ بالتقويم القديم ] وافق سوفيات بتروغراد على مشروع قرار قدمه النواب البلاشفة بنقل السلطة إلى السوفييتات .. فسارع كيرنسكي .. في اول ايلول ( سبتمبر ) .. إلى تشكيل حكومة مديرين من خمسة أعضاء .. وأعلنت الجمهورية الروسية .. وفي 5 أيلول ( سبتمبر ) وافق سوفييات موسكو على  قرار بنفس معنى قرار سوفيات بتروغراد .. وتوالت بقية السوفييتات في تبني قرارات مماثلة .. وانحازت حاميتا بتروغراد وموسكو إلى صف البلاشفة في الكفاح ضد .. الحرب الاستعمارية ومن أجل إقرار السلام .. وحدث الشيء نفسه مع أسطول البلطيق .. ومع جنود الجبهتين الشمالية والغربية .. وتعاظمت حركة التحرر القومي في الأقاليم التي تهيمن عليها روسيا .. وفي الوقت نفسه كانت الحكومة المؤقتة تعاني أزمة مستمرة في السلطة  .. وجدت تعبيرها في التغير المستمر في مجلس الوزراء .. وعمت الفوضى صفوف المناشفة  .. وانفصل عنهم فريق سمى نفسه (الاشتراكيون الديمقراطيون الأمميون) .. وطالب هذا الفريق بضرورة التحالف مع البلاشفة  .. وظهر جناح يساري في الحزب ( الاشتراكيين الثوريين اليساريين ) .. وبادر إلى التحالف مع البلاشفة .. وتطور الموقف .. حين رفضت ( القاعدة ) العيش بالطريقة القديمة .. في حين عجزت ( القمة ) عن الحكم بالطريقة القديمة .. ودوليا .. كانت القوى الامبريالية مشتبكة مع بعضها البعض في حرب ضارية .. ولم يكن بوسعها وقف هذه الحرب والتفرغ لوأد الثورة في روسيا .. وبذا تكون الأزمة الثورية قد نضجت .. إذ أصبحت الظروف الموضوعية والذاتية مواتية لإشعال الانتفاضة المسلحة صد الحكومة الؤقتة ..
وفي منتصف أيلول ( سبتمبر ) [ حسب التقويم الروسي القديم ] أرسل لينين .. من منفاه الاختياري بفنلندا .. عدة رسائل إلى اللجنة المركزية للحزب البلشفي .. والى لجني بتروغراد وموسكو .. أكد فيها على ضرورة إسراع البلاشفة في الاستيلاء على السلطة في روسيا .. وفي السابع من تشرين الأول ( اكتوبر ) [ تقويم قديم ] عاد لينين من فنلندا إلى بتروغراد .. متخفيا .. ومنذ العاشر من الشهر نفسه .. عقدت اللجنة المركزية للحزب البلشفي عدة اجتماعات .. ترأسها لينين .. وكانت بهدف مناقشة الاستعدادات للثورة وخطوات تنفيذها .. كما انتخبت مكتبا سياسيا من سبعة أعضاء .. وقرأ لينين .. في الاجتماع الأول (10\10)تقريرا عن ضرورة إشعال الانتفاضة المسلحة .. وصادقت اللجنة المركزية على مشروع القرار الذي صاغه لينين .. والقائل بحتمية الانتفاضة .. وان الظروف الموضوعية والذاتية تامة النضوج .. إلا أن اثنين من أعضاء اللجنة المركزية .. وهما كامنييف وزينوفييف .. عارضا هذا القرار .. في حين أيده 20 من أعضاء اللجنة المركزية وامتنع ثلاثة آخرون عن التصويت .. وكان عدد أعضاء  الحزب البلشفي قد بلغ  .. حينذاك .. زهاء400 ألف عضو .. وعن هذه الدورة للجنة المركزية انبثقت ( اللجنة العسكرية الثورية ) .. وترأسها لينين بنفسه .. وأشرفت هذه  اللجنة المركزية للحزب البلشفي في المناطق الصناعية الروسية بهدف قيادة الانتفاضة .. وشكلت اللجنة التنفيذية لمجلس سوفييتات بتروغراد لجنة ثورية عسكرية .. ترأسها بودوفويسكي .. وأرسلت اللجنة مفوضيها إلى كافة الوحدات العسكرية المرابطة في العاصمة وضواحيها .. واستكملت قوى الثورة استعداداتها لشن الهجوم .. وفجأة نشر كامنييف وزينوفييف خبرا في صحفية ( نوفاياجيزن ) المنشفية عن معارضتهما للانتفاضة التي قررت تفجيرها اللجنة المركزية للحزب البلشفي .. وفي الرابع والعشرين من تشرين الأول ( أكتوبر ) [ حسب التقويم الروسي القديم ] .. 6 تشرين الثاني ( نوفمبر ) [ حسب التقويم الميلادي ] دعا لينين قوى الثورة إلى ( حسم الأمر هذا اليوم .. بالذات مساء أو ليلاً ) .. وطلب من اللجنة المركزية للحزب البلشفي السماح له بترك مخبئه في ضاحية فيبورغ والتوجه إلى سمولني .. وما أن وصل إلى مكان الاجتماع حتى أعطت اللجنة العسكرية الثورية الأمر بشن الانتفاضة المسلحة ..
واكتظت بتروغراد ليلة24-25 تشرين الأول ( أكتوبر ) [ حسب التقويم القديم ] بفصائل الحرس الأحمر والجنود والبحارة الثوريين وبسيارات الشحن التي تقل المواطنين المسلحين .. وبناء على أوامر الحزب البلشفي ولينين .. قائد الحزب  .. احتل الحرس الأحمر  والجنود والبحارة الثوريون محطات السكك الحديدية والجسور ومراكز المواصلات ومحطات الكهرباء ودوائر الحكومة ومصرف الدولة .. وتم الاستيلاء على هذا المصرف تجنبا لخطأ ( كومونة باريس ) القاتل .. التي لم تجرؤ على المساس بأصحاب المصارف .. مما أسلمها للإفلاس والجوع .. ومَخَرَ الطراد الموالي للبلاشفة ( أورورا ) في مياه  نهر نيفا  .. وتوقف عند  جسر نيكولا يفسكي .. وفي الصباح يوم 25 كانت أغلب  بتروغراد في أيدي الثوار البلاشفة .. وإن احتفظت قوات الثورة المضادة ببعض  مراكز في وسط المدينة .. بما فيها ( قصر الشتاء ) .. حيث قبع  وزراء الحكومة المؤقتة  .. تحت حماية كتيبة من اليونكرز .. في حين هرب رئيس الحكومة كيرينسكي .. سرا من بتروغراد .. في سيارة السفارة الأمريكية .. واتجه إلى قطعات القوازق المسحوبة من الجبهة .. بغية العودة معها إلى العاصمة .. وسرعان ما صفت قوات الثورة جيوب قوات الثورة المضادة في بتروغراد .. وحتى مساء 25 تشرين الأول ( أكتوبر ) [ بالتقويم الروسي القديم ] ظل (  قصر الشتاء ) .. محاصرا بقوات كثيفة من الحرس الأحمر والجنود والبحارة الثوريين .. وفي الساعة 21 دوت فوق نهر نيفا وبتروغراد .. القنبلة الأولى من مدافع الطراد ( أورورا ) .. إشارة للبدء في الهجوم علي( قصر الشتاء ) .. وبعد ساعات قليلة احتلت قوات الثورة القصر .. حيث اعتقلت الوزراء السابقين  .. وأودعتهم  قلعة بطرس وبولص .. حيث كان القيصر يسجن الثوار من قبل .. ورفرف العلم الأحمر فوق العاصمة الروسية بتروجراد ..
وفي مساء السادس والعشرين من تشرين الأول ( أكتوبر ) [ تقويم قديم ] افتتحت جلسة مؤتمر السوفييتات الثاني .. الذي ضم أكثر من 650 مندوبا .. منهم نحو400 بلشفيا .. وقرابة 180من الاشتراكين الثوريين والمناشفة ما بين 70-80 مندوبا .. غادر معظمهم مكان المؤتمر .. في حين انضمت بقيتهم إلى أغلبية المؤتمر .. واتخذ المؤتمر قرارا بانتقال السلطة كلها إلى السوفييتات .. وألقى لينين في المؤتمر تقارير عن السلام والأرض .. أشار فيها إلى أن البلاشفة عرضوا على حكومات البلدان المحاربة جميعها الشروع فورا بمفاوضات لعقد صلح ديمقراطي عام .. وبدون إلحاقات ولا تعويضات .. أي بدون الاستيلاء على أراضي الغير .. وبدون ابتزاز التعويضات الحربية من المهزوم .. مع منح جميع الأمم والشعوب الحق في تقرير مصيرها .. واقترح لينين على المؤتمر إقرار ( مرسوم الأرض ) .. الذي ينص على مصادرة جميع أراضي الملاك والأديرة والعائلة القيصرية  .. بلا تعويض .. وتمليكها للشعب .. وشكل المؤتمر الحكومة السوفياتية .. التي حملت .. آنذاك .. اسم ( مجلس مفوضي الشعب ) .. وتم تعيين لينين رئيسا لهذه الحكومة .. كما انتخب المؤتمر أعضاء ( اللجنة التنفيذية المركزية لعموم روسيا ) واختار كامنييف رئيسا لهذه اللجنة [  في 8 تشرين الثاني ( نوفمبر ) استبدله بسفيردلوف ] .. وفي إطار الحكومة السوفياتية تم تشكيل ( لجنة الشؤون العسكرية والبحرية ) .. التي ضمت بلاشفة من ذوي الخبرة العسكرية .. وهم : انتونوف .. و أوفسيينكو .. والملازم الثاني كريلينكو .. والبحار ديبينكو ( رئيس اللجنة المركزية لأسطول البلطيق ) .. وكانت هذه اللجنة أول هيئة حكومية سوفياتية للإدارة العسكرية .. وبعد فترة وجيرة أضيف إلى هذه اللجنة أعضاء جدد وتحولت إلى ( مفوضية الشعب للشؤون العسكرية والبحرية ) ..
ولم تستسلم قوات الثورة المضادة للهزيمة .. فقاد كيرينسكي مع الجنرال كراسنوف وحدات من القوزاق من مدينة أوستروف في اتجاه بتروغراد .. بهدف استردادها من الثوار .. وفي 27 تشرين الأول ( أكتوبر ) [ حسب التقويم الروسي القديم ] .. احتل القوزاق بقيادة كراسنوف ( غاتشينا ) الواقعة جنوب  غربي العاصمة .. وفي اليوم التالي احتالوا ( تساركويه - سيلو ) وتقدموا حتى مسافة 20 كيلومترا من العاصمة .. في الوقت الذي أحبط فيه الثوار البلاشفة محاولة قام بها طلبة المدرسة العسكرية للتمرد في بتروغراد .. وتكاتفت فصائل الحرس الأحمر ووحدات حامية بتروغراد والمدفعية والسيارات المصفحة وسفن أسطول البلطيق الحربية في مواجهة هجوم القوزاق .. ونجح الحرس الأحمر والقوات الثورية في وقف تقدم القوزاق والانتصار عليهم على مرتفعات بولكوفو في 30 - 31  تشرين الأول ( أكتوبر ) .. وإجبارهم على التراجع نحو ( غاتشينا ) .. مما هيأ الفرصة للثوار كي ينتقلوا من الدفاع إلى الهجوم ..
وطلب قسم من القوزاق التفاوض مع البلاشفة .. فتوجه ديبينكو يرافقه بحار ثوري واحد .. مساء الأول من تشرين الثاني ( نوفمبر ) [ تقويم قديم ] إلى ( غاتشينا ) .. حيث يتمركز مقر قيادة القوات الرئيسية للقوزاق .. ونجح في إقناع جموع القوزاق بوقف القتال ضد البلاشفة وتسليم غاتشينا .. بل وتقرير اعتقال كيرينسكي وكراسنوف .. وتسليمهما للحكومة السوفياتية .. وفي اليوم التالي أصدرت ( اللجنة الثورية العسكرية ) بلاغاً عن العمليات .. أعلنت فيه دحر قوات كيرنسكي .. واعتقال كافة أركانه .. وعلى رأسهم كراسنوف وفويتينسكي .. في حين هرب كيرينسكي متخفيا في زى بحار ..
واعتباراً من السابع والعشرين من تشرين الأول ( أكتوبر ) [ تقويم قديم ] نشبت في شوارع موسكو اشتباكات دامية .. سرعان ما تحولت إلى معركة حقيقة .. بين قوات الثورة وقوات الثورة المضادة .. وتصدت فصائل الحرس الأحمر .. والجنود الثوريون .. لقوات الثورة المضادة .. التي نجحت في الاستيلاء على الكريملين وبعض المواقع الهامة في موسكو  .. وسارع عمال تولا وفلاديمير وغيرهما من المدن المجاورة لموسكو إلى نجدة ثوار موسكو .. وترأس فرونزه الفصيلة المؤلفة من عمال مدينتي ايفانوفو وشويا لمؤازرة الثوار في موسكو .. ومن بتروغراد وصلت فصائل البحارة الثوريين  .. وخاض الثوار معارك طاحنة ضد قوات الثورة المضادة .. لانتزاع المواقع التي تسيطر عليها .. وفي 3 تشرين ( نوفمبر ) [ تقويم قديم ] أعلنت اللجنة الثورية العسكرية تدمير قوات الثورة المضادة في موسكو .. بعد معركة دامت خمسة أيام .. وانتصار السلطة السوفييتية في باكو وبسكوف ..
ونشب العديد من الاشتباكات والمعارك الأخرى .. من أجل إقامة سلطة السوفيات .. في كييف وخاركوف وطشقند وفلاديقوستوك ومعظم أرجاء  سيبيريا وغيرها من المناطق الروسية .. في حين تم انتقال السلطة إلى البلاشفة في كثير من المناطق بشكل سلمي .. وفي 20 نوفمبر ( تشرين الثاني ) تم احتلال مقر قيادة موجيليف العليا من القوات السوفييتية ..
وحاز الحزب البلشفي .. أثناء ثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) .. على تأييد وحدات كبيرة من القوات المسلحة الروسية .. في حين وصل حجم ( الحرس الأحمر ) في العاصمة وحدها زهاء (40,000 ) مسلح .. بينما انتشر200 ألف آخرون من عناصر( الحرس الأحمر ) في أنحاء روسيا .. ووصل عدد الجنود الثوريين في حامية بتروغراد .. إلى حوالي 150 ألف رجل .. وفي أسطول البلطيق .. المؤيد للبلاشفة .. بلغ عدد المؤيدين للبلاشفة نحو 180 ألف بحار .. يعملون على متن 700 سفينة حربية وقارب مساعدة .. وانضم مئات الألوف من الجنود الثوريين في جيش الميدان وحاميات مؤخرة القوات المسلحة إلى الثورة البلشيفية .. و انعزلت الحكومة المؤقتة عن جماهير الشعب الروسي .. وعن الوحدات العسكرية الروسية .. ولم يقف إلى جانب الحكومة المؤقتة من القوات المسلحة الروسية سوى اليونكرز .. حتى وحدات القوزاق التي  كانت أمل الحكومة الرئيسي .. فإنها  لم تغادر ثكناتها .. عاصية بذلك أوامر الحكومة .. وفي بتروغراد نجحت الثورة البلشفية دون إراقة دماء .. نسبيا .. في حين اتسمت مقاومة القوى المضادة للثورة بالعنف في موسكو .. مما ضاعف عدد الضحايا لدى الطرفين ..
وفي نهاية العام1917 وخلال العام 1918 .. تم تأميم المشرعات الصناعية الكبرى  .. والبنوك .. والنقل .. والتجارة الخارجية .. وحررت السلطة السوفياتية شعوب روسيا من القهر القومي .. وأعلنت المساواة والسيادة الكاملتين لشعوب روسيا كلها .. وفي 3 آذار ( مارس ) 1918 .. توصل السوفيات إلى السلام .. وانسحبت روسيا من الحرب العالمية الأولى .. بعد عقد معاهدة بريست ليتوفسك .. ولكن الحرب الداخلية لم تلبث أن اندلعت .. وساعد على اندلاعها تدخل الدول الإمبريالية ( انظر الحرب الأهلية  الروسية وحرب التدخل ) ..
شكل إعلان حقوق العمال والشعوب المستغلة أساس الدستور السوفياتي الأول ( 1918 ) .. ( دستور جمهورية روسيا الاشتراكية السوفياتية المتحدة ) .. وفتحت الثورة الروسية صفحة جديدة في تاريخ العالم .. وانقسم العالم بها إلى نظامين متعارضين " النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي" .. وكانت هذه الثورة بداية عصر الثورات الاشتراكية في الدول الرأسمالية .. وحركة التحرر الوطني .. ومهدت السبيل إلى الاشتراكية .. 
وتَكمن أهمية هذه الثورة .. في النمط الجماهيري الذي قدمته في مجال المؤسسات الثورية .. ألا وهو السوفييتات .. ولم تكن تلك السوفييتات من صنع حزب سياسي بل من صنع الجماهير ذاتها .. ابتكرها العمال إبان الثورة الروسية الأولى الفاشلة (1905) .. وفيها رأى لينين النموذج المسبق للسلطة الجديدة .. وفي ثورة شباط ( فبراير ) 1917 .. انبعثت السوفييتات من جديد وانتشرت في عموم روسيا .. ونتيجة لانتصار ثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) تحولت السوفييتات من هيئات لتعبئة الجماهير و لإعداد الانتفاضة المسلحة إلى هيئات لسلطة جديدة .. هي سلطة العمال والفلاحين .. ووفرت السوفييتات أحسن الإمكانيات لإشراك جماهير الكادحين في إدارة الدولة الجديدة و في بناء الاشتراكية .. وقضت ثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) على خطر تقاسم روسيا بين الإمبرياليين الأجانب .. وضمنت توطيد استقلال روسيا .. وحطمت هذه الثورة نظام الامبريالية الروسي الذي طالما  عانت منه الشعوب التابعة لروسيا القيصرية .. ونالت هذه الشعوب حريتها146 .. وحقها في تقرير مصيرها .. وأمنت ثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) الشروط والظروف للتغلب على تأخر روسيا الاقتصادي والثقافي المزمنين .. وكانت انتصاراً للماركسية - اللينينية .. وأكدت بصورة ملموسة .. لجميع الكادحين أهمية وفعالية الحزب الماركسي الثوري ..
ولثورة تشرين الأول(أكتوبر)أهمية عالمية كبيرة .. فلأول مرة في تاريخ البشرية تنتصر الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين الكادحين في تحقيق ثورة وإقامة دولة مترامية الأطراف .. وتضم مساحات شاسعة من أوروبا وآسيا .. وبذا انفصل عن النظام الامبريالي بلد يبلغ عدد سكانه عند الثورة أكثر من 150 مليون نسمة .. ويشغل سدس الكرة الأرضية .. ويملك إمكانات اقتصادية هائلة .. ومن هذا شكلت هذه الثورة .. بحق .. انعطافا حاسما في تاريخ البشرية .. حيث أطلقت المبادرات الثورية للعمال في العالم .. كما دفعت حركات التحرر الوطني خطوات واسعة إلى الأمام .. ودشنت بداية نضال البشرية للتحرر من نير الامبريالية .. وأطل فجر عصر جديد على العالم .. عصر انتهاء الرأسمالية وتصفية الامبريالية .. عصر بناء الاشتراكية .. أهـ النقل من الموسوعة العسكرية للمؤسسة العربية للدراسات والنشر ..
 ملاحظات:
* ثورة 1905 كانت انتفاضة سلمية قامت بها الطبقة البرجوازية ضد الحكم القيصري القمعي .. من أجل الحصول على بعض الإصلاحات .. انتهت بالفشل .. 
* انتصرت الانتفاضة المسلحة على الدولة القيصرية القمعية .. ثم تحولت بعد مجيء لينن إلى انتفاضة سلمية لكنها لم تنجح في إسقاط الحكومة البرجوازية المؤقتة .. فتحولت قناعته بأن انتزاع السلطة لا يتم إلا بالقوة .. فعادت لتقود انتفاضة مسلحة .. خاضت معارك طاحنة ودامية .. 
* يلاحظ سرعة انقضاض الطبقة البرجوازية التي لم تشارك في أعمال الانتفاضة أو شاركت بشكل رمزي فيها على الحكم وإقصاء الثوار .. والعمل على إعادة شكل النظام القديم بما يخدم مصالحهم ويثبت أقدامهم في الحكم .. دون إحداث تغيير ثوري حقيقي .. وإزالة هذا الشكل الطفيلي من الحكم لا يمكن من خلال انتفاضة ناعمة مدعومة بالسلاح .. وإنما بانتفاضة مسلحة تقاتل وبقوة ..
* يلاحظ قفز بعض الثوار في مركب الحكومة مستفيدين من كل تحرك ثوري .. فسرعان ما تحولت الحكومة المؤقتة إلى حكومة مؤقتة ائتلافية بعد مظاهرات بتروجراد ..  ومثل هذه التحركات الأنانية تطيل من عمر النظام وبلا فائدة حقيقة .. فإن تغول النظام لاحقاً أكلهم .. فإن استمر بقية الثوار في تفاعلهم الثوري .. فيستمر الأمل بنجاح تجربتهم ..
التعليق: 
يجب ملاحظة أن الانتفاضات السلمية فاشلة مع الحكومات القمعية الدكتاتورية إلا فيما ندر ( الثورة الإيرانية ) .. وأنه لا حل ناجع مع الحكومات الأوتوقراطية إلا بالانتفاضة المسلحة .. وهذا ما تم في روسيا وغيرها من حركات التحرر الوطني .. أما الحكومات المؤقتة المتولدة عن ثورة غير مكتملة والتي لا تلبي مطالب الشعب ولا عمق لها فيمكن لانتفاضة سلمية مع تهديد باستخدام القوة أن تسقطها شريطة أن تكون منظمة وتحت قيادة واعية ولديها غطاء عسكري قوي .. وفي حالة تنمر الحكومة المؤقتة واستخدامها للعنف المفرط فلا حل إلا بالعودة للانتفاضة المسلحة .. وهذا يوفر قناعة بأن الحكم لا يؤخذ إلا بالقوة ..
الانقلاب العسكري يمكنه الانتصار على كافة أشكال الحكومات إلا أنه لا يمكنه الاستمرار في الحكم إذا كان مرفوضاً من الشعب .. ويمكن لانتفاضة مسلحة منظمة جيداً مع حركة عصيان مدني إسقاطه .. وفي حال نجاحهم يجب على قيادة هذه الانتفاضة أن تكون على درجة كبيرة من الوعي من خطر السماح لقيادات الجيش المهزومة بأن تدخل ضمن أي تسوية سياسية تضمن لهم مستقبلاً في إدارة الدولة .. وإلا فإن عمر الانتفاضة سيكون قصيراً جداً هذا إذا لم تحرف عن مسارها .. الواجب هو إعدام هذه القيادات أو القيام بمحاكمة هذه القيادات والقضاء المبرم عليها ..
***
الحرب الأهلية الروسية
وحروب التدخل الأجنبي(1918-1920)
 
هي الحرب التي دارت على الأراضي الروسية بعد ثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) الاشتراكية .. واشتركت فيها القوات البلشفية النظامية ( الجيش الأحمر وشبه النظامية .. الحرس الأحمر  ) ضد التشكيلات المسلحة التي أنشأتها القوات المضادة للثورة ( الجيش الأبيض ) ودعمتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا واليابان وتركيا بالسلاح والمال والخبراء وبفيالق تدخل نظامية ( انظر الجيش الأحمر والجيش الأبيض ) ..
بعد انتصار ثورة تشرين الأول ( أكتوبر ) 1917 الاشتراكية في روسيا .. خاضت الطبقات المستغلة الروسية مقاومة مسلحة ضد السلطة الجديدة .. ومدت الحكومات الأميركية والبريطانية والفرنسية والألمانية يد العون  لقوى الثورة المضادة الروسية .. وفي العام 1918 .. بدأت القوات الألمانية - النمساوية هجومها المسلح على روسيا السوفيتية .. وصد الجيش الأحمر الروسي( الوليد ) المتدخلين في بسكوف ونارفا .. إلا أن ميزان القوى كان يميل لصالح قوى التدخل الأجنبي .. مما اضطر الحكومة السوفياتيى إلى عقد معاهدة صلح مع ألمانيا وحلفائها .. في الثالث من آذار( مارس1918 .. عرفت بمعاهدة بريست ليتوفسك.
وفي الشهر المذكور والشهر الذي تلاه .. احتلت قوات التدخل الألمانية - النمساوية أوكرانيا والقرم ومناجم الفحم في دونيتز .. كما اشتركت مع القوات التركية في غزو منطقة القفقاس .. وكَون الجنرال الروسي كراسنوف - بمعاضدة قوات التدخل الأجنبي - جيش الدون للثورة المضادة .. جند فيه القوزاق .. وشن هجوما مسلحا على تساريتزين ( فولغا غراد الآن ) ..
وفي ربيع 1918 .. تدخل الحلفاء والولايات المتحدة الأمريكية .. وفي السادس من آذار( مارس ) .. نزلت القوات البريطانية .. ثم الأمريكية .. في مورمانسك .. وفي الخامس من نيسيان ( ابريل ) .. نزلت القوات اليابانية في فلاديفوستوك .. وتلتها القوات البريطانية والأمريكية والفرنسية ..
 وفي آب( أغسطس ) .. احتلت القوات البريطانية مدينة باكو .. وغزت تركستان ..
وكون الجنرالات الروس: كورنيلوف .. وألكسييف .. ودينيكين جيشا من المتطوعين أسموه ( الحرس الأبيض ) في الدون في أواخر العام 1917 .. ومارس الحرس الأبيض نشاطه المعادي للثورة الاشتراكية في شمال القوقاز .. إلا أنه تقهقر مع بداية العام 1918.. وفي الخامس والعشرين من أيار( مايو ) بدأ تمرد القوات التشيكية ( المشكلة من أسرى الحرب النمساويين - المجريين في وقت سابق ) على امتداد سكة حديد سيبيريا .. وفي بعض الأقاليم الروسية على نهر الفولغا .. وجاء هذا التمرد بتحريض من القوى الاستعمارية .. واجتاحت البلاد موجة من الهَبَّات والانتفاضات الثورية ضد مقاومة الكولاك للتحولات الاشتراكية الثورية في الريف الروسي.
وفي صيف عام 1918 .. سقطت ثلاثة أرباع الأقاليم الروسية في قبضة الحرس الأبيض الأجنبي .. وانقطعت الصلة بين الجمهورية السوفيتية ومناطق إمدادها الرئيسية .. إلا أن الجيش الأحمر أخذ - منذ النصف الثاني من العام 1918- يحرز المزيد من الانتصارات .. فحرر بعض المدن الواقعة على ضفاف الفولغا .. وبعد استسلام ألمانيا ( تشرين الثاني [ نوفمبر ] 1918 ) للحلفاء  .. سارع هؤلاء إلى الحلول محل القوات الألمانية .. فضربوا حصارا حول روسيا السوفيتية .. وحلت القوات الفرنسية والبريطانية محل الغزاة الألمان والأتراك .. في جنوب أوكرانيا والقرم والقوقاز .. وأُعلن الأميرال كولتشاك .. حاكما أعلى لوروسيا .. في تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1918.. وفي بداية العام 1919 .. أصبح دينيكين قائدا لجيش المتطوعين وجيش القوزاق الأبيض .. في الدون والكوبان والتريك .. وفي أواخر العام 1918وبداية العام 1919 .. انقض الجيش الأحمر على قوات كولتشاك في منطقة بيرم .. وحرر جزءاً كبيراً من أوكرانيا ومناطق البلطيق وروسيا البيضاء .. وأعاد  بناء خطوط مواصلاته مع تركستان .. ومع ذلك .. شنت قوات كولتشاك - يدعمها الحلفاء - هجوما على الأورال .. في آذار( مارس ) 1919 .. في محاولة منها للوصول إلى نهر الفولغا والالتقاء بقوات دينيكين .. إلا أن الجيش الأحمر قطع الطريق على قوات كولتشاك .. بمجرد اقترابها من الفولغا .. وألحق بها الهزيمة ..
وفي العام 1919 .. تم للجيش الأحمر تحرير جبال الأورال وغرب سيبيريا .. كما هزم الحرس الأبيض في الشمال عند بتروغراد ( لينينغراد الآن ) .. فأثرت هذه الهزائم على الروح المعنوية لقوات التدخل الأجنبي .. ووقع تمرد في نيسان ( ابريل ) بين صفوف القوات الفرنسية في البحر الأسود .. وبدأت حركة ( ارفعوا أيديكم عن روسيا ) في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية .. مما اضطر الاستعمارين إلى الكف عن إرسال النجدات إلى قواتهم في روسيا .. بل وإلى سحب قواتهم من أوكرانيا والقرم .. في نيسيان ( إبريل ) 1919 .. ومن منطقة بحر الخزر في تموز ( يوليو ) .. ومن باكو في آب ( أغسطس ) .. واستعاض الاستعماريون عن التدخل المباشر بمضاعفة مساعداتهم المادية للجنرال دينيكين ..
وفي صيف عام 1919 .. بدأت قوات دينيكين هجومها على موسكو .. وفي تشرين الأول ( أكتوبر ) وصلت إلى أوريول وإلى مشارف تولا .. ولكن القوات السوفيتية شنت هجوما مضاداً خاطفاً على قوات الثورة المضادة المهاجمة .. وذلك مع نهاية العام 1919 وبداية العام 1920 .. حيث التقت بالحرس الأبيض في أوريول وفورونيج وروستوف .. على نهر الدون وشمال القوقاز وهزمتها .. كما تم تحرير الجزء الأكبر من أوكرانيا .. وفي آذار( مارس ) 1920 .. تم دحر بقايا قوات دينيكن إلى القرم .. حيث تولى الجنرال الروسي الأبيض ورانجل قيادة قوات الثورة المضادة .. وفي خريف 1919 .. هزمت قوات الجنرال يودينيش في مدينة بترنغراد .. وفي بداية العام1920 قطعت خطوط المواصلات والتموين عن قوات كولتشاك في سيبيريا .. وطرد الجيش الأحمر قوات التدخل الأجنبي من الشمال .. وحرر منطقة القوقاز .. وفي نيسان (ابريل) من السنة نفسها .. استرد الجيش الأحمر أذربيجان .. وأرغمت الحركة الديمقراطية في أوروبا الغربية الاستعماريين على سحب قواتهم ورفع الحصار عن الدولة السوفيتية .. وإن بقيت قوات اليابان في الشرق الأقصى حتى العام 1922..
وأحبط الجيش الأحمر محاولة بولونيا السيطرة على أوكرانيا وروسيا البيضاء  .. وألحق الهزيمة بالقوات البولونية .. وإن فشل الجيش الأحمر في احتلال العاصمة وارسو .. وسارعت الحكومة البولونية إلى طلب الصلح مع الحكومة السوفيتية .. وفي الوقت نفسه أحبط الجيش الأحمر هجوما لقوات ورانجيل شنته من القرم .. وفي عامي1921و1922 سحق الجيش الأحمر تمردات الحرس الأبيض والكولاك والعناصر البورجوازية القومية في كرونشتادت ومنطقة تامبوف وأوكرانيا والقوقاز والشرق لأقصى .. وفي الخامس والعشرين من تشرين الأول ( أكتوبر ) 1922 أتم الجيش الأحمر تطهير منطقة فلاديفوستوك ..آخر معقل لقوات التدخل الأجنبي في روسيا.
وأثناء الحرب الأهلية الروسية وحروب التدخل الأجنبي .. برز العديد من القادة الموهوبين من بين صفوف الجيش الأحمر.
وبانتهاء هذين الحربين أخذت الثورة الاشتراكية الروسية تدعم مواقعها في الداخل .. وبدأت في حياة البشرية صفحة جديدة بترسيخ أقدام ثورة اشتراكية في العالم.
***
 
في الختام  .. أسئلة مرشدة في الثورات
ما الذي حرك الناس للثورة؟ .. المعاناة .. والوعي .. والإرادة .. 
ما الذي من أجله تحركت الثورة؟ .. الحرية .. الكرامة .. العدالة .. ولن يجدوها إلا في الإسلام ..
ما الذي يجب أن تقضي عليه الثورة؟ .. القهر .. الاستبداد .. الكفر .. 
ما الذي تهدف الثورة لإقامته؟ .. إقامة نظام يضمن لها كرامتها ويحقق لها طموحها واستقلالها وفق مرجعيتهم وأصالة هويتهم الإسلامية ..
ما الوسيلة التي تحرك الناس بها؟ وما الأدوات التي اعتمدوا عليها؟ .. اندفع الناس نحو الانتفاضة .. واستخدموا الأدوات السلمية من تظاهرات وإضرابات .. وهي لغة لا يعرفها العدو ولا تهز ضميره ولا تقلق باله .. بل على العكس ينسجم معها ويمكنه التعايش لفترة طويلة حتى تفتر وتذوب .. أو التحايل عليها والاستفادة منها للعودة مجدداً ..
ما الوسيلة التي يجب أن يتحرك بها الثوار؟ وما أدواتها؟ .. يجب التحرك بانتفاضة مسلحة منظمة معد لها مسبقاً وهذه الوسيلة ناجعة إن أحسن التدبير لها .. أو تحول الانتفاضة السلمية إلى انتفاضة مسلحة أو حرب عصابات وهذا التحول سوف يأخذ وقته للقضاء على النظام وتحالفه .. كما يحدث في سوريا اليوم .. والأدوات كثيرة منها أساليب العمل السري في المدن وتكتيكات العصابات في الأماكن الوعرة أو البعيد عن سيطرة النظام .. وهذا لا يمنع من خروج المظاهرات والإضرابات وحتى العصيان المدني الداعم لها .. وعوامل نجاح هذا النوع هو وحدة الفكر والراية ..
في حال نجاح الثورة ما هي عوامل استمراريتها؟ .. المنهج والمرجعية التي تتحرك بها .. مناسبة العمل مع الوقت .. إقامة نظام جديد بكامل مؤسساته وعدم الاستفادة من بعض المؤسسات القديمة إلا في أضيق صورة ممكنة .. إنشاء وحدات مسلحة ووحدات استخبارية لا تنافس القوة العسكرية الأمنية من جيش وشرطة فقط بل وتردعهما حتى يتم إحلال بديلا لهما .. ردع كل من تسول له نفسه ممارسة أعمال أو أقوال تعطل التغيير الثوري بحزم وفق معايير سليمة .. سرعة محاكمة الفاسدين من النظام السابق سياسيين أو اقتصاديين أو غيرهم وتوقيع العقوبة عليهم وتنفيذها بلا أي استئناف وفق محاكم شرعية أقامتها الثورة .. القضاء على المؤسسات البيروقراطية في الدولة خاصة منظومة القضاء والإعلام ورجال الأديان المنحرفين ورجال المال .. العامل الرئيسي في تماسك النظام واستمرار روح الثورة هو الانطلاق بها نحو الأعداء الإقليميين ونحو البعد العالمي .. وعدم حبسها في الداخل .. فالانطلاق يبقي على حيويتها وروحانيتها .. ويديم لها قوة انطلاقتها .. ويحافظ على شبابها .. ويمنع عنها أغلب صور التآكل الداخلي .. هذا ما جعل الإسلام يستمر كإمبراطورية لأكثر من ألف وأربع مائة عام .. وهو ما لن تحظى به أي حضارة أخرى ..
***
 
والخلاصة في الثورات العربية:
هذه الثورات تم الدفع والتحريض عليها لتحدث التغيير المنشود إلا أنه تم استعجالها للقضاء عليها فكان المنتج ثورات عفوية .. 
أما كونها عفوية فلسرعة وضخامة الخروج الشعبي في المنطقة بعد اندلاع الشرارة الأولى وعدم التريث لإعطاء كل قطر الوقت المناسب لبروز مرجعية فكرية موحدة للثورة .. تتبلور أولاً في نضج سياسي يفرز لها قيادات ومنظومة سياسية يتمخض عنهما نظام حكم يكون ثمرتها المقبلة .. وثانياً يمنع عنها ويحصنها من المتملقين والمتسللين والمنافقين وعملاء النظام السابق وجواسيس الأنظمة الغربية التي كانت تقف خلف وكلائها المحليين .. وثالثاً يعالج مستقبل أصحاب الأموال الذين أثروا من خلال النظام السابق وتقف خلفهم مصالح دولية وشركات عابرة للحدود .. ورابعاً يقضي على الذئاب النهمة التي عاشت على دماء شعوبها ونالت من كرامته .. هذه المرجعية الفكرية الموحدة لم تظهر في الثورات العربية .. لم تظهر حتى على مستوى حد أدنى بين الثوار .. فكان كل تيار يجذب الثورة في اتجاه .. وكلهم على فترات متباينة ترك قوة المد الثوري وراح يغازل القوة التي بدا أنها قد تعالج الموقف وتحسمه ولو بقوة دباباتها للتيار الذي يتنازل لها .. وضلت أحلام الشعوب طريقها إلى المستقبل وخمدت قوتهم الثورية بسبب تفاهة المتصدرين للثورة .. وإلى أن تجد الشعوب ضالتها المنشودة وسبيلها المستقيم عليها أن تتحمل وزر إخفاقهم وعليها أن تعالج أولاً ميلها بل ركونها إلى السلمية الخرقاء .. فالنظم لا تولد على الأسرة بين الملاءات والمعاطف البيضاء .. إنها ثمرة زواج شرعي بين الفكر والوقت تكتب مسيرتهما بالدماء والأشلاء .. وستظل الثورة مستمرة حتى تجد ما يوحدها ..
أما أنه تم استعجالها أو الدفع إليها فيرجع سببه الرئيسي إلى احتواء أجواء ما بعد الحادي عشر من سبتمبر من طرف .. ومن طرف آخر لاستثمار أجواء ما بعد الحادي عشر من سبتمبر .. ويقف خلف كل طرف فريقين متضادين: 
أولاً الفريق الذي استعجلها ليجهضها يصطف فيه كثر منهم القيادة العسكرية التي رفضت أن يورث فيها الحكم .. ومنهم الأنظمة الغربية التي ملت من المجرمين الذين يمثلونها .. ومنها أصحاب الأموال والاستثمارات الذين ملوا من النظام الذي يبتزهم ويشاركهم في أموالهم .. وأيضا الهيئات المالية الدولية الذين يتحكمون في اقتصاد الدولة .. 
ثانياً على الطرف الآخر الفريق الذي دفع إليها بشكل مباشر أو غير مباشر كان يقف مباشرة خلف الثورات حالة البؤس التي تعيشها الشعوب من خوف وفقر وجوع وذل وقهر .. وكذلك الرغبة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية .. وعلى رمية حجر من ذلك وبشكل غير مباشر تنظيم القاعدة الذي استثمر تجربة جهاد المسلمين في أفغانستان وما تولد عنه من تداعي الاتحاد السوفيتي وانهياره وتحرر الدول التي سبحت في فلكه .. فسعت القاعدة لتهيئة هذا المناخ لشعوب الأمة الإسلامية بضرب الولايات المتحدة الأمريكية لإضعافها وتسريع انهيارها لتتجرأ الشعوب المسلمة وتثور وتتحرر من حكامها .. 
وقامت الثورات العربية بين التحريض عليها واستعجالها وعفويتها .. وافتقرت لعوامل الربط بينها وبالتالي لم يُـمكن لها ..
السلبية التي وقعت فيها القاعدة أنها اعتمدت على قدرة التيارات والجماعات الإسلامية في المنطقة وإمكانيتها في قيادة التغيير وقدرتها على استيعاب حجم المهمة والعمل على إعادة رص الصف الإسلامي واحتواء المترددين وإخضاع المعاندين .. ولم تبذل القاعدة جهداً كبيراً لتنسيق الجهود مع هذه التيارات والجماعات وتوضيح برنامجها لهم وحثها لهم على التحضير للحالة الثورية القادمة .. كما أن هذه الجماعات والتيارات كانت لديها شكوكها في قدرة برنامج القاعدة على الوصول إلى هذه المرحلة .. فلم تكتف – الجماعات والتنظيمات – بالسكوت وموادعة النظام بل تنفلت بالهجوم على القاعدة وانتقاصها وانتقادها .. وكان الواجب على القاعدة في مسيرتها بعد توكلها على ربها أن تنسق مع التيارات الجهادية في المنطقة ولا تدع الأمر يحدث وكأنه تطور طبيعي للمرحلة الزمنية التي تعيشها الأمة .. 
لماذا اعتمدت القاعدة على التيار الإسلامي في المنطقة ولم تنشأ مجموعاتها الخاصة في البلدان الإسلامية .. أسباب كثيرة أهمها محدودية كوادر القاعدة فسيطر على فكرنا أن التيارات الإسلامية وكذلك الجماعات في المنطقة قد نضجت وتربى لها العديد من الكوادر وأنها ستكون على قدر المسؤولية وتستثمر الفرصة المتاحة لتحقيق مراد الله .. 
ولكنا كنا مخطئين .. 
ونسينا في غمرة الأحداث وسرعتها سنن الله في خلقه .. وفي قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون وبني إسرائيل الكفاية .. فلقد خضع بني إسرائيل للقهر في مصر حتى تشربت قلوبهم بالذل والمهانة .. والعجيب أن القهر والذل والعبودية لم تقودهم إلى التحرر والاجتهاد في كسر طوق الذل والعبودية بل أثمر عقلهم بأنهم يجب أن يتعايشوا مع هذا البؤس ومضوا في درب اليأس حتى أعمل الفرعون فيهم الذبح .. ورضوا به! .. فانتزع الله منهم وليداً ليتربى في قصر الفرعون أبصر في القصر نور الحرية و الكرامة والقوة والمنعة والريادة وتربى على العزة التي افتقر إليها الشعب اليهودي فجاءت مسيرته كلها وفقاً لكرامته وإحساسه بالعزة والقوة والمنعة وتوجت بالنبوة فقاد قومه إلى العزة والحرية وعانى منهم الأمرّين لتأصل الذل بهم ولهذا لم يشأ الله لهذا الجيل اليهودي أن يمكن في الأرض حتى ينشأ جيل جديد ولد في الحرية وتشرب بالعزة .. فلينتبه لذلك في هذه المرحلة .. وقد سبق وبينت ذلك في المقالة الخامسة بعنوان (هذا الجيل .. وجيل يوشع بن نون) من سلسلة ( يا ما في الجراب يا حاوي ) فليرجع إليها .. 
***
 
واليوم على الأمة إدراك الواقع كما هو عليه: 
فعلى قيادة الثورة أن توازن بين حجم الاعتداء الذي يمارسه العدو ورد فعلها عليه .. خاصة إذا أدركت أن العنصر الإنساني منتفي عن العدو  .. العدو هو [ التحالف بين العسكر والبيروقراطية ورجال المال والدين ومؤسسات الإعلام والسينما محلياً .. اليهود والكيان السعودي ودول الخليج إقليمياً .. والأمريكان والاتحاد الأوربي عالمياً ] .. لن يهتم العدو بمشاعركم ولا آلامكم بل إنه في قراره نفسه يضحك ويسخر لأنكم تتبعون مثالية لا وجود لها في عالم الصراع .. وإذا قدر يوماً وخضتم في الدماء لوصموكم بالوحشية والعنف والإرهاب .. ولو اعتديتم بالحرق يوماً على أحد مجرميهم لقامت الدنيا ولم تقعد رغم أن نظام السيسي حرق المعتصمين بالمسجد والأبرياء في سيارة الترحيلات ولم نرى منهم أو نسمع غير تقليب الشفاة .. فلم تصرون على البقاء محل استهزاء وضعف وشفقة والصراع لا علاقة له بذلك .. هل رأيتم منهم بواكي على الأحدث في مصر .. بل على العكس فالتحالف الإقليمي والمحلي كلاهما في بوتقة الفعل القاتل سواء بالنفس أو السلاح أو المال .. واكتمل بينهم كل معاني الموالاة من حب ونصرة وتعاطف وتراحم وتكافل وتعاون وكف كل أنواع الأذى والشر عن الانقلابيين في مصر .. وعالمياً ما رأيناه كان صمتاً وتشجيعاً باطنياً للعسكر على سرعة القضاء على الإرادة الشعبية .. لقد كفرت هذه الدول وارتدت عما تؤمن به وخرجت على ما تدعو إليه وهي إرادة الشعب الحرة في اختيار نظامه وحكامه ..  والحقيقة أنهم هم من دبر وخطط ودعم وأشرف على الانقلاب .. بل ذهبوا أبعد من ذلك فخالف بعضهم دستوره واستمر في دعم حكومة الانقلاب .. وأنكر الواقع وشوهوه وأضلوا شعوبهم بين متاهة هل هو انقلاب عسكري أم رغبة شعبية ..  لقد تحالفوا جميعاً على ضرب أي إرادة شعبية أو إسلامية للتغيير  .. ضرب أي إرادة تعطل عليهم مصالحهم أو تحد من مساحة سوق الخامات أو تسويق المنتجات .. ضرب أي إرادة تعمل على بناء بلدها ليتطور ويدخل مجال المنافسة العالمية ويحد من سيطرتهم على المنطقة وما بها من ثروات .. ضرب أي إرادة تقلق العدو اليهودي .. ضرب أي إرادة تشجع الجهاد وتعيد للمسلمين مفهوم الأمة وتحقق استقلالهم .. إنهم يريدوننا مسخ بشري يتبعهم في ما إليه يذهبون .. قال تعالى { وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {120} البقرة .. هذا بالنسبة لمحمد  .. أما بالنسبة لنا فلن يقبلوا بنا إلا عبيد لأطماعهم ونزواتهم .. وبوابين على شهواتهم .. وبالتالي فلماذا يحاول المشرفون والموجهون للانتفاضة أن يخاطبوا هؤلاء .. هم العدو .. ولماذا يحاولون إظهار تمسكهم بالسلمية معهم وهذا الأمر لا يعنيهم في شيء .. فالإنسانية وحقوق الإنسان هي كلمات جوفاء تستخدم للغش والخداع وحال توافق المصالح .. هم لا يعرفون غير لغة القوة .. والسلمية وسيلة فاشلة في تغيير موازين الصراع وتحقيق أي مكاسب واقعية .. هم لا يعرفون إلا سياسة الأمر الواقع .. فمتى تتحرر إرادة الموجهين للانتفاضة باتخاذ قرارات أكثر حكمة وحزماً وفهما بالصراع؟ .. بل متى تتحرر الشعوب من هذا التوجيه الفاشل والمخدر وأن يخرجوا من متاهة السلمية؟ .. كما تحررت من التلبيس والخداع والتخدير الذي كانت تمارسه الحكومات عليهم .. عموماً طال الأمر أو قصر فستكفر مجموعات من الشعب بالسلمية وما أخشاه هو تحولها للقتال دون أن تكون اكتملت تنظيمها .. وما أدعوا إليه هو الصراع المنظم العاقل الذي يعمل بمشرط جراح .. فحيث يكون الإثخان فعليهم أن يثخنوا .. وحيث يكون الخطاب وإعطاء الفرص فعليهم أن يفعلوا .. أما مللتم من تجريب المجرب .. أما تعلمتم مما فعله جهاز المخابرات العسكرية بمصر .. إن السيسي وجهاز مخابراته وعسكره خالفوا المبادئ التي يظن الشعب أنهم يحمونها .. فانقلب على أسس نشأة أي جيش .. وتردى وجيشه في منهجه الأخلاقي .. وانحرفا عن مسارهما الطبيعي .. وبالتالي افتقرا إلى الحجة الدامغة التي لا تقوى على مواجهة المثل العليا .. وأخطر الحجج وأشد المناهج عليه هو المنهج الإسلامي وقوة حجته .. وعليه: فلا عوض عن الحرب لإسكات الحق وإخفاء الحقيقة .. ولا مكان للشرفاء وأصحاب القيم والمبادئ إلا في غياهب السجون .. ولا سبيل لبقاء النظام واستمراريته إلا بإفساد شعبه وإضلاله .. فإن نجح ببلوغ هذه الغاية فلا حاجة للتغيير .. فكلهم فاسدون .. نجح في ذلك نظام ( مبارك ) المخلوع ويسعى على تعجل إليه وبحماقات متكررة نظام السيسي وزبانيته .. وفي حين ستر نظام مبارك على الكثير من أوراقه وكان أكثر سرية .. جاء نظام السيسي على النقيض وبوقاحة وجرأة وكأنه لا يبالي وفضح كل المنتسبين إليه .. ولعله خير .. فحماقته هذه ستكون سبب رئيسي في القضاء عليه وعلى كل من ولاه .. فالشر مرتعه وخيم .. والجهاد ماض إلى يوم القيامة .. ومهما قتل وأمات فعزاؤنا أن الله حي لا يموت .. وأنه سبحانه بالمرصاد .. وأنه يمهل ولا يهمل .. وعلى هذا الأمل معقود ثم على الجيل الجديد .. الراغب في حياة نظيفة تناسب أحلامه وطموحه .. الذي تبين له شمولية الإسلام دعوة وجهاداً وسياسة واقتصاداً وأخلاقاً وآداباً .. جيل ينتزع الحق ولا يستجديه .. جيل يطير بجناحي الدعوة والجهاد .. جيل دستوره قرآن يهدي وسيف يحمي .. جيل يُصدق النبوءات وتَصدُق فيه .. جيل أسامة بن لادن ورفاقه الأبطال .. قال تعالى { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا {4} فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً {5} ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا {6} إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا {7} عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَامـ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا {8} إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا {9} الإسراء ..
هذه المحاضرات وما يأتي بعد هي ثقافة تغييريه .. الهدف منها أن يخطوا المجاهدون بأقدامهم فوق أرض صلبة وعلى بصيرة .. لأن تجارب التغيير تجارب حية تتفاعل مع واقع متغير له خصوصيته .. وبالتالي يحتاج المتوغل فيه إلى علم بفهم ومهارة بفن ..  والله منه أرجو لهم الهداية والتوفيق ..
***
تنويه:
كنت قد رتبت فصلاً سادساً لهذا الكتاب أسميته وقفات شرعية أقف فيها مع أربع موضوعات أساسية وهي ( من يستحق مسمى الخوارج هل هم المجاهدون الذين يواجهون المحتل ووكيله أو المرتد أم الخوارج هم الملوك الذين خرجوا على الخلافة العثمانية وقادة الجند الذين انقلبوا على من استخدمهم - مصطلحات جديدة تليق ببعض التيارات الإسلامية كالسلفية العلمية أو الرافضين للجهاد أو المنخرطة في أجهزة أمن الدولة يصح فيها لفظ السلفية التعايشية أو مرجئة السلفية أو منافقي السلفية - البحث في مسألة الفرق بين من أراد الحق فأضله ومن أراد الباطل فأصابه كالفرق بين مرسي والسيسي - لا يصح إطلاق قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر دون تفصيل  ) ..
وكنت أظن أنه يمكن الانتهاء من صياغتها في حدود الخمسين صفحة بحيث لا يطول الكتاب ويكون من السهل التفاعل معه .. فإذا بالموضوع الأول يتجاوز المائة صفحة .. فآثرت أن أدون هذا الفصل في مذكرة منفصلة عن هذا الكتاب حتى يتم إشباع نقاش فقراته وتأخذ بعدها وتستوفي حقها .. والله الموفق ..
***

أخبار ذات صلة

ذكر موقع "سكاي نيوز" البريطاني أن وزارة الداخلية قررت سحب الجنسية من البريطاني جاك ليتس، المعروف باسم جاك الجهادي.

 

المزيد

من واقع نصرة الله تعالى لهذا الدين وأهل الحق، رفعة أهل السنة في قلوب الخلق، وخسة أهل البدع والضلال في النفوس؛ فعلى مدار التاريخ كان أهل السنة من علماء وم ... المزيد

قالت مجلة "لوبس" الفرنسية انه منذ وصول رئيس الوزراء الهندوسي القومي "ناريندرا مودي" إلى السلطة عام 2014 وأعي ... المزيد