البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

في ذكراها السنوية هل حقًا باع الإخوان الثورة في محمد محمود؟

المحتوي الرئيسي


في ذكراها السنوية هل حقًا باع الإخوان الثورة في محمد محمود؟
  • أحمد صبرى
    21/11/2014 09:00

في نوفمبر الماضي، حلّت علينا الذكرى الثانية لأحداث محمد محمود التي كانت من الأحداث المفصلية في الثورة المصرية. ارتبطت تلك الأحداث بعبارات شهيرة مثل: “الإخوان باعونا في محمد محمود”، أو “الإخوان تركوا الاشتباكات عشان يكسبوا الانتخابات”، وغيرها من العبارات على نفس الوزن، والتي سأقوم في هذه المقالة بمحاولة تفكيكها عبر إعادة قراءة أحداث محمد محمود من خلال وضعها في سياقها التاريخي والسياسي. أكتب هذا المقال، وأنا كنت ولا زلتُ أحد المؤيدين لمواجهة العسكر في تلك الفترة كما في هذه، ومؤيد لإبراز قضية إخراج العسكر من الحياة السياسية العربية كأحد أولويات الربيع العربي. 

وكي  نبدأ تشريح وإعادة استكشاف أحداث محمد محمود التي بدأت في 19 نوفمبر 2011، لا بدّ من الحديث عن السياقات التي أحاطت بتلك الاشتباكات. وأحد السياقات التي أتت فيها كانت قبل وقوعها بأقل من أسبوع حين تمّ إلغاء قانون العزل السياسي الذي بمقتضاه يمنع المنتمين للحزب الوطني من العمل السياسي (وقد تمت لاحقًا محاولة أخرى لإعادة فرض العزل السياسي عبر البرلمان وتم إلغاؤها بحلّ البرلمان وبالحكم بعدم دستورية العزل، ثم تمت إعادة العزل في مادة بالدستور المصري الذي صوت الشعب عليه في 2012 وتم محوها في دستور الانقلاب)؛ وهو ما عزّز الشعور بأن محاولات الالتفاف على الثورة وتفريغها من مضمونها قد بدأت تطوق الثورة، وهذا ما سأتطرق له بتفصيل في المقال. 

سياق آخر لأحداث محمد محمود، كان الوثيقة التي اشتهرت باسم “وثيقة السلمي” نسبة لكاتبها علي السلمي نائب رئيس وزراء حكومة العسكر الانتقالية في حينه. اجتمعت قوى سياسية مختلفة ومرشحون محتملون للرئاسة في مقر حزب الحرية والعدالة لإعلان رفض الوثيقة، حيث اعتُبرت انقلابًا على التوافق الشعبي، وأُطلقت من هناك الدعوات لمظاهرات مليونية يوم الجمعة 18 نوفبمر وهي المظاهرات الضخمة التي كان الإسلاميون أهمّ الداعين والمشاركين فيها بمن فيهم الإخوان والجبهة السلفية وأنصار حازم صلاح أبي اسماعيل. 

وفعلًا، شهد يوم الجمعة مظاهرات ضخمة، وانتهى اليوم دون وقوع اشتباكات. وفي اليوم التالي، وبعد انسحاب أغلب المتظاهرين من ميدان التحرير، بدأ الهجوم الشرس على المعتصمين في الميدان وما حوله تطوّر لاشتباكات دموية عرفت لاحقًا بأحداث محمد محمود، والتي لم يشارك فيها الإخوان المسلمون بشكل رسميّ، ومن هنا نشأ “الكليشيه” بأنّ “الإخوان باعونا في محمد محمود”. وكانت تلك هي نفس فترة أول انتخابات برلمانية بعد الثورة والتي كان الإخوان أكبر رابح فيها، فنشأ الكليشيه الآخر القائل بأن الإخوان تركوا الاشتباكات وذهبوا للانتخابات على دماء الشهداء. 

هذا الجزء المروي هو المعروف، أما الجانب الآخر من القصة فهو الذي يتم إسقاطه من الرواية: ففي تلك الفترة، كانت هناك قوى سياسية تقف ضد تمديد الحكم العسكري وتدفع باتجاه تسليم السلطة للمدنيين وقوى سياسية أخرى تدعم بقاء حكم المجلس العسكري وإطالة أمده. وقد كان ذلك في ظل موجة الترحيب والاحتفاء المبالغ فيه بالقوات المسلحة كحام للثورة، وأن “الجيش والشعب إيد وحدة”؛ وهي موجة طالت كل التيارات المصرية وليس الإسلامية منها فقط، بل وطالت أيضًا من تحولوا لاحقًا لأشد أعداء المجلس العسكري، وكان هذا أمرًا طبيعيًا في تلك الأجواء الاحتفالية التي دامت عدّة شهور. 

لذلك من السطحية في التحليل أن يتكرّر استذكار هتافات الإسلاميين المؤيدة للجيش وكأنها معيار للخيانة، بينما يتم تجاهل شيوع هذه الهتافات لدى عموم القوى السياسية حينها. من ناحية أخرى، كان هناك حديث في مختلف التيارات المصرية عن الخوف من ان يؤدي الصدام مع المجلس العسكري لصدام مع الجيش، وأن هذا الصدام قد يؤدي لتعطيل الانتقال الديمقراطي إلى أجل غير مسمى، ولذلك كان هناك الكثير من السياسيين فضلوا في تلك الفترة محاولة تجنب الاصطدام بالعسكر، وكان ذلك توجهًا شائعًا سواء عند الإسلاميين أو غير الإسلاميين. 

كان الإحساس في تلك الفترة بوجود تآمر ما أو أطراف ما تحاول الوقيعة مع الجيش أيضًا إحساسًا مشتركًا بين العديد من الشخصيات والتيارات، ولم يكن حكرًا على الإخوان، ومن أمثلة ذلك ما حصل قبلها في مجزرة ماسبيرو، حيث كان الذي وصفها بأنها كانت مخططًا أجنبيًا لفرض الوصاية على مصر وتقسيمها، والذي حذر من تأجيل الانتخابات البرلمانية هو تحالف ثوار مصر، وليس جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها من القوى الإسلامية. 

وكذلك الذي قال أثناء أحداث محمد محمود إنّ المشارك فيها “بلطجي” يستحق الإعدام، واستشهد بفتوى دينية في ذلك كان نائب رئيس تحرير جريدة الوفد الذي كانت له مقالات أيام المجلس العسكري تتهم من يدعوا للعصيان المدني بأنهم “أولاد حرام”، وأن من يدعوا للاحتكاك بالمجلس العسكري ويحرضوا على الشرطة هم أيضًا “أولاد حرام”. وهناك أمثلة كثيرة أخرى توضح الانتقائية التي سادت في سرد أحداث الثورة، حيث يتم استذكار موقف ما للإسلاميين ووصمهم به، وكأنه التفسير الوحيد لأدائهم السياسي، حتى ولو كان خصومهم قد اتخذوا نفس الموقف أو أشد. 

الآن لتشريح أعمق: كل هذا الكلام حول مشاركة أو عدم مشاركة الإخوان في اشتباكات محمد محمود، ولكن لماذا لا نسمع أحد يسأل عن مشاركة باقي الأحزاب؟ هل شارك حزب الوفد؟ أو التجمع؟ أو المصري الديمقراطي الاجتماعي؟ أو مصر الحرية؟ أو الكرامة؟ أو المؤتمر؟ أو حزب السلام الاجتماعي؟ أو الجبهة؟ أو غيرهم من الأحزاب والقوى السياسية؟ لماذا يُستثنى الإخوان المسلمون من بين كل الفصائل السياسية في اعتبار عدم مشاركتهم معيارًا للخيانة؟ 

أحيلكم هنا إلى ما نشرته صحيفة الأهرام عن المظاهرة المليونية ضد وثيقة السلمي حيث قالت بالنص: “رفض حزب المحافظين ومصر القومي وحزب المساواة والتنمية المصريين والأحرار والمصري الديمقراطي الاجتماعي والجبهة الحرة للتغيير السلمي المشاركة في المليونية مؤكدين تأييدهم لوثيقة السلمي، وأن مشاركتهم في المظاهرات تمثل دعمًا للتيار الإسلامي”. 

وأضافت الصحيفة أنّ البرادعي وصف وثيقة السلمي بأنها: “عمل إيجابي وضروري والخلاف حولها لا يستلزم التظاهر، بل ينتهي بالحوار، مؤكدًا أن المجلس العسكري حتي الآن يبدو عازمًا علي تسليم السلطة للمدنيين”. ونقلت الصحيفة أيضًا عن إسلام لطفي مؤسس حزب التيار المصري أنه: “سيشارك في المليونية لكن من أجل هدف واحد هو المطالبة بسرعة تسليم السلطة إلى سلطة مدنية وليس الاعتراض على وثيقة السلمي”. 

في نفس الوقت، قالت الصحيفة إن طلعت السادات رئيس حزب مصر القومي انتقد المليونية “معتبرًا أنها تهدف إلى عرقلة الانتخابات وإحداث الفوضي الخلاقة التي تأملها الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات، مؤكدًا أن حزبه لن يشارك فيها خاصة أنّ المرحلة الحالية تطلب التوقف عن هذه المليونيات والتركيز على الانتخابات البرلمانية”. ومع ذلك، لن تجد أحد يقول إنّ حزب مصر القومي -مثلًا- باعنا في محمد محمود، وإنه أراد الذهاب للانتخابات على جثث الشهداء. في نفس الوقت، نقلت الجزيرة أن الوثيقة قد وافقت عليها أحزاب الوفد والمصري الديمقراطي، وكذلك حزب التجمع الذي أعلن رفعت السعيد بنفسه موافقته على الوثيقة واشترط أن تكون ملزمة، وطالب بتعديلها بشكل “يطمئن القوى الليبرالية والديمقراطية والتقدمية تجاه ما قد يحدث من تحالف بين جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين”. كل هذا التباين الحادّ في المواقف يتم تنحيته من السياق حين تروى حكاية مجزرة محمد محمود، حيث أنه من الواضح أن تأييد وثيقة السلمي ورفض النزول في تلك المليونية يعد أخطر على الثورة من موقف الإخوان الذين عارضوا الوثيقة، ونزلوا ضدها، ولكن امتنعوا عن المشاركة في الاشتباكات التي تلت. 

إن القوى السياسية التي تبنت الوثيقة ودافعت عنها رغم ما تنطوي عليه من مخاطر، لم تتعرض لربع النقد والتجريح الذي تعرض له الإخوان الذين تصدروا حراك الشارع ضدها، بل والأخطر من ذلك -كما سأوضح بتفصيل أكبر- أن هذه الأحزاب هي التي تتقاسم مصر مع العسكر الآن كنتيجة مباشرة لانقلاب 3 يوليو. 

هنا، تكمن أحد أهم المشاكل في تناول البعض للثورة المصرية: ازدواج المعايير. المسألة لم تعد مجرد انتقائية وسطحية، بل صارت ازدواجية حقيقية للمعايير تطورت بعد الانقلاب لمرحلة صارخة من اللا أخلاقية. فها قد رأينا بعض من أدان سحل مواطن في الاتحادية يسكت -بل وبعضهم بارك وصفق- لقتل وجرح واعتقال وخطف الآلاف من المواطنين، ورأينا من تحدّث كثيرًا عن خطر تدخل العسكر في السياسة يبارك تدخل العسكر الآن في السياسة ويعتبر ذلك عملًا بطوليًا سيخلده التاريخ، وجبهة الإنقاذ التي رفضت الاستفتاء على الدستور الشرعي في 2012 بحجة وجود عنف ضد المتظاهرين وانقسام مجتمعي طالب الجماهير بالنزول والتصويت بـ “نعم” على الدستور غير الشرعي، رغم أن العنف والانقسام ازدادا بشكل غير مسبوق في التاريخ المصري المعاصر. 

وكمثالٍ على ذلك، نجد أن هناك مَن يعتبر الإخوان قد خانوا الثورة في لقائهم مع عمر سليمان أثناء الثورة -وهذا نموذج على أهمية إعادة تأريخ الربيع العربي-، فالحزب العربي الناصري وحزب الوفد وحزب التجمع وبعض الوجوه المعروفة الآن بدعمها للانقلاب مثل يحيى الجمل ومصطفى بكري قد حضروا اللقاءات مع عمر سليمان، فإذا كان حضور تلك اللقاءات معيارك لخيانة الثورة، فلماذا إذن يكون الإخوان هم فقط من خانها؟ هل سمعتم مثلًا من يقول إن: “الحزب العربي الناصري ترك الميدان لكي يعقد صفقة مع عمر سليمان”؟ هذا بالرغم من أن هناك ما يشير إلى أن الإخوان (ومحمد مرسي بالذات) دفعوا في تلك الحوارات لإزاحة مبارك من السلطة، وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة مؤقتة للبلاد إلى حين إتمام الانتخابات البرلمانية فالرئاسية، ولم يرضوا ببقاء مبارك لآخر فترته، ولا بتولي عمر سليمان أو العسكر إدارة البلاد. وغيرهم من الإسلاميين أكد أيضًا على ضرورة التمسك حينها بمطلب إزاحة مبارك، كحزب الوسط وطارق البشري ومحمد سليم العوا. 

مظهر آخر من مظاهر ازدواج المعايير، نراه في اعتبار دخول الإخوان للانتخابات البرلمانية في نفس فترة حصول الاشتباكات خيانة وبيع لشهداء محمد محمود -رغم المعطيات التي تفيد بأن حصول الانتخابات في وقتها كان فعلًا هزيمة لقوى الثورة المضادة التي كانت تدفع باتجاه استغلال أي حدث لتأجيل الانتخابات وتعطيل أي إجراءات للانتقال الديمقراطي-، فلماذا لا يقال إنّ باقي الأحزاب التي خاضت تلك الانتخابات البرلمانية قد خانت الثورة وباعت الشهداء أيضًا؟ لقد تفوق حزب الوفد وحقق أعلى نتائج في تلك الانتخابات بعد الإسلاميين، بل وسبق أن برر عدم المشاركة في مليونية رفض وثيقة السلمي بحجة أن المرحلة تتطلب التكاتف “لمرور العملية الانتخابية بسلام”. وقد خاض الانتخابات أيضًا غيره من رموز جبهة الإنقاذ -الذين يصورهم البعض على أنهم نقيض الإخوان والبديل الثوري- مثل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي والمصريين الأحرار وحزب الكرامة ومصر الحرية وغيرهم من الأحزاب والقوى السياسية. 

فمتى سمعتم أحدًا يقول -مثلًا- إنّ المصريين الأحرار باعوا الثورة في محمد محمود كي يذهبوا للانتخابات؟ ومن الجدير بالذكر هنا أنّ حزب الكرامة الذي كان يرأسه حمدين صباحي وقتها قد دخل تلك الانتخابات متحالفًا مع الإخوان، وسجل مرشحيه على قوائمهم، وهذا الذي ساعد الحزب على زيادة مكاسبه الانتخابية فوصل للبرلمان مجموعة من أعضائه من بينهم كمال أبو عيطة الذي صار الآن وزيرًا في حكومة الانقلاب. فكيف يستقيم أن تكون مشاركة الإخوان في الانتخابات معيارًا للخيانة، ولا يتهم حمدين صباحي وحزبه بنفس التهمة وقد ذهبوا لنفس الانتخابات في نفس التوقيت والظروف، لا وبل على قوائم نفس أولئك الذين “باعونا في محمد محمود”؟ 

نقطة أخرى محورية في تأريخ الثورة المصرية يتم تجاهلها، وهي أنّ الإسلاميين كانوا على توترات دائمة مع المجلس العسكري على عكس ما يصوره البعض. والمسألة ليست فقط في أن الإسلاميين، وعلى رأسهم الإخوان، كانوا من أبرز من نزل وحشد في جمعة رفض وثيقة السلمي، ولكن أيضًا أحداث أخرى عديدة منها على سبيل المثال الاعتصام عند وزارة الدفاع وما تلاه من اشتباكات العباسية الشهيرة والتي انتقد الإخوان بشدة العنف الذي مورس فيها وأصدروا بيانًا ربط بينها وبين مجازر محمد محمود وماسبيرو ومجلس الوزراء، وقد قاطع حزب الحرية والعدالة اجتماعًا مع المجلس العسكري اعتراضًا على تلك الأحداث. توترٌ آخر شهدته الساحة السياسية بين الإخوان والعسكر، كان بسبب التشكيلات الوزارية في حكومة الجنزوري، بل وهدد حزب الحرية والعدالة بتعطيل العمل البرلماني وعملية كتابة الدستور لإجبار العسكر على الالتزام بالتعديل الوزاري، وقد كان الحزب أكبر كتلة برلمانية وبالتالي لم يكن يتواءم مع منطق الديمقراطية أن لا ينال أيّ حقيبة وزارية. ومثلها مسألة المجلس الاستشاري للقوات المسلحة الذي أنشأه المشير طنطاوي وضمّ قوى سياسية مختلفة منها حزب الوفد وعمرو موسى وغيرهم، وكان يضم أيضًا حزب الحرية والعدالة ولكنه انسحب منه، ورغم ذلك ستجد من يختصر المسألة برمتها بوصفها صفقات بين الإخوان والعسكر، ولن تجد من يقول -مثلًا- إنها كانت صفقات بين حزب الوفد مع العسكر. 

وفي نهاية المطاف، هناك دليل أوضح: حكم المجلس العسكري انتهى فعليًا بسبب إقالة مرسي للعسكر (راجع تسريبات السيسي التي يظهر من كلامه فيها أن المسألة لم تكن صفقة، بل وإنها أغضبت المؤسسة العسكرية واستدعت التجهز للرد، وراجع كذلك شهادة المستشار محمد فؤاد جاد الله)، ثم انتهى حكمه هو بانقلاب العسكر عليه، بينما الأحزاب المعارضة للإخوان هي التي عملت مباشرة مع العسكر في فترة حكم المجلس وهي التي استفادت من الانقلاب ورحبت به. وهذه بعض ملامح الصراع بين الإخوان (والإسلاميين) والعسكر (وحلفائهم) في الفترة الانتقالية التي يجب أن لا نتجاهلها؛ لأنها كانت الوسط الحيوي الذي جرت في سياقه أحداث تلك المرحلة. 

وممن أكد غياب الصفقات المعتز بالله عبد الفتاح الذي تم تعيينه مستشارًا للحكومة أثناء حكم المجلس العسكري، حيث قال: “لا أعتقد أنها صفقة، بالعكس كانت هناك مساحة رهيبة من الشك، وجرت حوادث كثيرة، يمكنني أن أذكر منها 3 أو 4 وقائع، مثلًا عندما تختار وزيرًا تجد التقارير كلها إيجابية وفجأة تجد المجلس العسكري يرفضه، تسأل عن السبب يقولك أصله إخوان، رغم أن كل التقارير تؤكد أنه ليس إخوانيًّا، ولكن وقع في يقين المشير (طنطاوي) تحديدًا أنه إخوان”، وكذلك وزير الإعلام في تلك الفترة أسامة هيكل أكد أن المسألة لم تكن صفقة، بل صراعًا خفيًا، وأكد أيضًا أن بعض أعضاء المجلس العسكري كانوا “يشعرون بخطورة وصول السلطة للإخوان”، وأنه حذر الحكومة في تلك الحقبة من أن تصبح “الحكومة التي سلّمت مصر للحكم الديني”، ووافق على كلامه علي السلمي ومنير فخري عبد النور وفايزة أبو النجا. 

وهنا سأتعمق أكثر: هل كان للإخوان وغيرهم الحق في القلق من تلك الأحداث التي تلت سقوط حسني مبارك؟ أم أن مخاوفهم لم يكن لها أساس؟ 

إذا تتبعنا السياق في تلك الفترة، سندرك أن المؤشرات كانت قوية على وجود محاولات لتأجيل الانتخابات وتأخير نقل السلطة والالتفاف على كل استحقاق ديمقراطي بهدف إفشال الثورة. فمحاولات الالتفاف على الديمقراطية ظهرت منذ البداية بمحاولة البعض محاصرة استفتاء مارس “الدستور أم البرلمان أولًا”، وإلغاء نتائجه أو تقويضها بفرض مبادئ فوق دستورية. وكذلك محاولات خرق المادة الدستورية التي تحدد اختيار أعضاء لجنة كتابة الدستور من انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وهي مادّة دستورية في الإعلان الدستوري الذي اختاره المصريون بشكل ديمقراطي ولا يجوز فرض الوصاية على هذا الاختيار أو إلغاؤه، وكانت وثيقة السلمي أحد تجليات هذه المحاولات (كان الاسم الرسمي للوثيقة هو: وثيقة المبادئ الدستورية)، وكذلك اقترح محمد البرادعي مادة دستورية تعطي الجيش سلطة حماية “مدنية الدولة”، كي لا تتحول لـ”دولة دينية”. 

ونجد أن السياق نفسه كان مستمرًا قبل وبعد أحداث محمد محمود. فمثلًا في إبريل 2012، قال نائب رئيس حزب الوفد بصراحة: “إنه لا مانع من تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية حتى يتم الانتهاء من صياغة الدستور”، وهو ما كانت ترفضه العديد من القوى الثورية التي رفضت أن يصاغ أي دستور تحت حكم العسكر. وقبل شهرين تقريبًا من أحداث محمد محمود، اجتمعت قوى سياسية متنوعة في مقر حزب الوسط لترفض محاولات تمديد الفترة الانتقالية، وكان من بين المشاركين جورج إسحاق وعمرو حمزاوي وغيرهم، وفي نفس تلك الفترة صرح أحد قيادات حزب الحرية والعدالة أيضًا بأنّ الحزب لن يسمح بتمديد الفترة الانتقالية، ولا يُتصور أن يجمع هؤلاء على رفض شيء غير موجود. وليس هنا المكان لرصد كل تلك التفاعلات. لكن من أراد الرجوع لتلك الفترة، سيجد أن محاولات بعض القوى السياسية لإطالة أمد حكم العسكر وتأخير الديمقراطية وإلغاء ما صوت عليه الشعب كانت واضحة في كل ركن من أركان تلك الفترة وجزءًا أساسيًا من صراع لم يكن مستترًا. 

لذلك، فمخاوف الإسلاميين وغيرهم في تلك الفترة المضطربة من محاولة استغلال أحداث مثل أحداث محمد محمود لإعادة رسم الخارطة السياسية بشكل استبدادي لها ما يبررها؛ لأن هناك فعلًا من حاول ليّ ذراع المشهد السياسي لصالحه، رغم نتائج الاستفتاءات والانتخابات. وقد ترسّخ ذلك أكثر بسبب أنّ أحداث محمد محمود كانت قبل الانتخابات البرلمانية مباشرة، بينما كانت أحداث مجلس الوزراء قبل المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية، بينما وقعت مجزرة بورسعيد فوْر تولي مجلس الشعب لمهامه، ولذلك فسر البعض ذلك بأن هناك أطرافًا تريد إشعال الاشتباكات في الشارع وجر الإسلاميين لها في كل نجاح انتخابي أو سياسي بهدف استغلالها بأيّ شكل لتعطيل الانتقال الديمقراطي وتقوية الفرص السياسية لبعض القوى المنافِسة، وربما إنشاء حملة قمع للإسلاميين تحت شعارات حماية الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب وغير ذلك، وهو ما تم فعلًا بعد الانقلاب. 

وسأروي هنا قصة شخصية: زرت مصر مرتين في 2011 بعد سقوط مبارك، وفي إحداها التقيت مع أحد قيادات حركة 6 إبريل وحدثني عن رؤيته السياسية لتلك المرحلة -أي رؤيته الشخصية وليس رؤية الحركة-، فتفاجأتُ بأنّه يتمنّى تمديد فترة حكم العسكر لأنه يخشى من فوز الإخوان. تناقشتُ معه، وحاولت إقناعه بأن الأوْلى الخروج من هذه المرحلة الحرجة، ولكنه كان فعلًا مقتنعًا بأن استمرار العسكر الآن أفضل كي “تتجهّز” باقي الأحزاب للانتخابات، رغم أنّه من الطبيعي في ظل الديمقراطية أن تكسب أو أن تخسر وأن تحاول تعويض خسائرك في الانتخابات القادمة. 

هذا النقاش لا يمثل حركة 6 إبريل، ولكنه يمثل عقلية سائدة مخترقة للكثير من النّخب المصرية -والعربية-؛ لذا تكرر مثل هذا الكلام مرارًا في مقالات وتصريحات هذه النخب ويمكن العودة لها لمن أراد، فأغلبها منشور على الإنترنت. وكاستعراض بعض التصريحات التي تفيدنا في فهم سياق تلك الحقبة، أذكر هنا حديث البرادعي في لقاء تلفزيوني قال فيه: “مِد الفترة الانتقالية، مافيش استعجال”، وقد أقر عمرو حمزاوي في لقاء تلفزيوني آخر بأن بعض القوى الليبرالية واليسارية طالبت المجلس العسكري فعلًا بتمديد فترة حكمه. 

وحين تم توجيه السؤال للمعتز بالله عبد الفتاح كي يدلي بشهادته على تلك المرحلة، ذكر فيما ذكر أن قيادات الجيش “استجابوا لمطالب القوى الليبرالية واليسارية بتأجيل الانتخابات البرلمانية”، وأن اللواء العصار قال له إن “رموزًا ليبرالية وقيادات أحزاب وسفراء كانوا يأتون إليهم (أي إلى المجلس العسكري) بطلب تأجيل الانتخابات خوفًا من الإسلاميين”، وأن هدف العسكر من مد الفترة الانتقالية كان منع مصر من أن تصبح “دولة دينية”، وأن المجلس العسكري أراد أن يكون الرئيس المصري المنتخب من أي تيار إلا الإخوان، و”عمل كل حاجة تؤدي إلى عدم فوز الإخوان لكنهم في النهاية فازوا”. وتضمنت شهادته العديد من النقاط المهمة لمن أراد أن يراجعها، وهي شهادة تؤيد الفكرة القائلة بأن العسكر كانوا منذ بدايات الفترة الانتقالية متآمرين ضد الفصيل السياسي الأكبر على الساحة المصرية، خصوصًا بعد استفتاء مارس. 

هذه هي نفس رسالة قوى الثورة المضادة حينها وإلى اليوم، وهي عقلية تمتد في مصر إلى عام 1992على الأقل حين طالبت نخب ثقافية وإعلامية من حسني مبارك أن يبطئ أي عملية إصلاحات ديمقراطية خوفًا من أن ينتج عنها فوز الإسلاميين في الانتخابات. مرت عشرون سنة تقريبًا منذ ذلك الحين، وما زالت العقلية نفسها، وخلال العشرين عام لم تتعرض هذه النخب لقمع قاس على العكس من الإخوان الذين عانوا خلالها من الحبس والأحكام الجائرة وتشويه السمعة، بينما كان العديد من خصومهم يتصدر وسائل الإعلام ويتحرك داخليًا ودوليًا في جهوده السياسية المختلفة التي لم تشكل في جلها تهديدًا جوهريًا للنظام. وبعد كل هذه الأعوام، ما تزال هذه النخب تشتكي بأنها غير جاهزة للانتخابات، بينما الإخوان جاهزون. ويكاد بعضهم أن يلوم الإخوان على أنهم منظمون، وكأن في ذلك تعديًا من الإخوان على غيرهم، أو كأن أحدًا يمنعهم من أن ينظموا عملهم السياسي مثل الإخوان وأفضل إن أرادوا. 

نفس العقلية ما تزال مسيطرة عليهم ومستمرة في كلامهم، فها هو أحمد شفيق يصرح بأنه ضد إجراء الانتخابات البرلمانية الآن؛ لأن الإخوان سيعودوا، بالرغم من الانقلاب والمجازر والاعتقالات وإغلاق القنوات والصحف وحلّ الجماعة وحل ذراعها السياسي ومصادرة أموالها وتشويه سمعتها يوميًا بدون حق الرد، لا يزالون متخوفين من الانتخابات التي ستؤكد مرّة أخرى كم هم فشلة في كل استحقاق ديمقراطي حتى حين يكون خصمهم مستهدفًا من كل أجهزة الدولة. ولذلك، نجدهم فشلوا في كلّ الانتخابات والاستفتاءات بعد الثورة في حين نجح الإخوان فيها جميعًا. 

هي في نفس العقلية التي قد تؤيد الديمقراطية في القشرة، ولكنها في اللب والجوهر تعارضها، لأنها لا ترى الديمقراطية إلا في كونها “العملية السياسية التي ستأتي بنا إلى الحكم”، وما سوى ذلك فلا بد أن به عوارًا، الشعب هو المذنب فيه أو الإخوان أو الديمقراطية نفسها. أما إذا انتصروا هم في الانتخابات -مهما كان انتصارًا صناعيًا-، فستجدهم فورًا يتفاخروا بوعي الجماهير وباختيار الأمة وعبقرية الشعب وأهمية الديمقراطية… إلخ. 

ولفهم السياق أكثر، راجع مثلًا تصريحات لعمرو موسى حينها بأنّ: “هناك تيارات لا تريد إجراء انتخابات رئاسة بأيّ ثمن، وهي نفس التيارات التي اقترحت من قبل مجلسًا رئاسيًا غير منتخب ]…[، وهي أيضًا نفس التيارات التي اقترحت تمديد الفترة الانتقالية لسنوات بصرف النظر عن الضرر الذي يسببه استمرار الأوضاع الانتقالية”. وهذا الإقرار منه جاء بعد كلامه في يونيو 2011 حين أعلن أنّ عنده “تحفظًا على إجراء الانتخابات في سبتمبر؛ لأن الساحة المصرية غير جاهزة بشكلٍ كامل؛ لأن الوقت ضيق جدًا لكتابة برامج الأحزاب الجديدة وإقناع المواطنين بالانضمام لها”. وبإمكانك أن تراجع فيديوهات وتصريحات وبيانات تلك الفترة لترى هذا السياق الذي يتمّ نسيانه أو تناسيه رغم أنه السياق الذي جرت فيه هذه الأحداث. 

من الواضح أن الخوف من استغلال الأحداث في الالتفاف على الديمقراطية كان موجودًا في ذلك الحين لدى عدة قوى سياسية وله مبرراته، ولذلك كان حزب غد الثورة (وهو ليبرالي وليس إسلاميًا) ممّن أدانَ مجزرة محمد محمود واعتبرها عملًا إجراميًا عمديًا تتحمل مسؤوليته الجيش والشرطة وحكومة عصام شرف، وأضاف بأنّ “تعمّد العنف له علاقة وإشارة موجهة للانتخابات المقبلة، في محاولة من العسكري لتمديد الفترة الانتقالية”. وهذا دليلٌ آخر لعلّ بعض مَن نسي أن يتذكر الآن كم كانت تلك مرحلة مضطربة ومتقلبة من الثورة المصرية ومن الطبيعي أن يقلق هذا الفريق السياسي أو ذاك من محاولة إقحامه في اشتباكات مثل اشتباكات محمد محمود لوجود تربص بعملية الانتقال الديمقراطي. 

ولعلّ من الملفت أن بعض القوى والشخصيات التي أنكرت على الإخوان عدم مشاركتهم في أحداث محمد محمود تحجّجوا بأنه حين تسيل الدماء لا يوجد أيّ خيار أخلاقي سوى النزول إلى الشارع، ثم وجدناهم هم أنفسهم يعلنون براءتهم من دعوات النزول في الذكرى الثانية لمحمد محمود وامتنعوا عن النزول رغم أن مجموعات قد نزلت ووقعت اشتباكات سالت فيها الدماء وسقطت الجثث. فإذا كان المبدأ الذي انتهجوه لا يقبل أي عذر للإخوان، فلماذا لا يطبقون هذا النهج على أنفسهم وعلى رموزهم؟ ومثلهم حركة تمرد حين رفضت النزول في ذكرى أحداث مجلس الوزراء بحجة “عدم وجود جدوى للتظاهرات في هذا التوقيت والظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد، ونحن في أمس الحاجة للاستقرار وانتهاز المرحلة الانتقالية”، وأن “التظاهرات في التوقيت الراهن على غير هوى غالبية الشارع المصري”. 

وكذلك تنديد مختلف الإسلاميين بمجازر محمد محمود يتم نسيانه أو تناسيه من السرد التاريخي، ومثله مسألة مشاركة العديد منهم بشكل فردي في الاشتباكات أو في دعم الثوار (وهناك العديد من الأدلة، راجع مثلًا شهادة عبد الرحمن الديب، والذي أصبح لاحقًا من شهداء مجزرة رابعة). مراجعة وفهم السياق الحقيقي للأحداث يمكننا من أن نعيد قراءة تلك الأحداث ومواقف الإخوان منها كي نفهما في ضوء الظروف التي أحاطت بتلك الأحداث. فتلك الاشتباكات لم تتم في الفضاء ولم تبدأ من العدم كي يتم عزلها بهذا الشكل التعسفي عن محيطها التاريخي. 

بيان مرشد الإخوان المسلمين في التعليق على أحداث محمد محمود نموذجٌ لما أقصده، وهو يضعنا في مواجهة السياق التاريخي الذي يتم تجاهله اثناء استعراض تلك المرحلة من عمر الثورة. جاء في البيان أنه: “في يوم السبت 19/11/2011م، وقع عدوان غاشم من الشرطة على مجموعة من المواطنين المعتصمين بميدان التحرير اعتصامًا سلميًّا، وكان منهم مجموعة من مصابي ثورة 25 يناير، واستفزّ هذا العدوان كلّ من رآه على شاشات التلفزيون فتنادى الشباب بالنزول لمناصرة المعتدى عليهم، ورفض هذا السلوك الإجرامي في التعامل مع المواطنين المصريين، وحدثت اشتباكات بينهم وبين قوات الشرطة، والعجيب أنّ دعوات وجهت إلى الإخوان المسلمين من بعض المسؤولين إلى النزول إلى الميدان؛ بل النزول في بعض عواصم المحافظات. 

وبتدارُسِ الموقفِ واستعراضِ المشهدِ العامّ، تجلى لنا يقينًا أن هناك رغبةً في استدراجنا إلى الشوارع، ثم حدوث صدام ضخم بين قوات الأمن وكتلة الإخوان المسلمين الكبيرة، ينتج عنه خسائر ضخمة في الأرواح والممتلكات؛ ليُستغلّ ذلك في التحلل من الالتزامات الديمقراطية وعدم إجراء الانتخابات البرلمانية”. وسواء اتفقنا او اختلفنا مع البيان؛ إلّا أنه في ذلك السياق السياسي والتاريخي للثورة يمثّل رؤية سياسية مقبولة ومتوقعة. 

بالإضافة لذلك، يجب أن ننظر للسياق التاريخي الأعمّ والأشمل. فالقوى الإسلامية أكثر من غيرها لديها تأثر بالتجارب السياسية التي وقعت في غزة والجزائر وتركيا، حيث كان تغيُّر قواعد اللعبة السياسية إلى شكل ديمقراطي بدرجة أو بأخرى لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر سيحترم هذه القواعد الجديدة، والجزائر مثال جيد على ذلك. أدت انتفاضة أكتوبر 1988 إلى أنْ يقوم النظام الجزائري بإقرار الانتخابات البرلمانية متبوعة بالرئاسية. وفي ذلك الوقت، قدرت المخابرات الجزائرية أنّ الإسلاميين سينالون حوالي 30% من مقاعد البرلمان، وقد حاولت عدة أجنحة في النظام السياسي تأجيل الانتخابات أو تغيير قوانينها بشكل يحجم انتصار الإسلاميين المنتظر. في نهاية المطاف، اضطر النظام لخوض الانتخابات فكانت المفاجأة أن الإسلاميين حققوا في الجولة الأولى فوزًا بمقدار يقارب الـ50%. 

وبسبب عدم وجود أي وسيلة قانونية لمنع إتمام الجولة الثانية، قام العسكر -باعترافهم لاحقًا- بإجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة وتصوير المسألة على أنها استقالة طوعية منه بدون ضغوط أو طلب من أحد. وباستقالة الرئيس، يتوجب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية، وهكذا تم الالتفاف على انتفاضة أكتوبر، ومن ثمّ تصاعدت الأحداث وما تلاها من عنفٍ دمويّ مُفزع نعرفه جميعًا، ثم ترسيخ لدكتاتورية ما تزال الجزائر تعاني منها. 

وقد أشار السلمي لمثل هذه المخاوف عند الإخوان أثناء فترة حكم المجلس العسكري، حين قال إنّ الإخون كانوا رافضين إعطاء الجيش صلاحية “حماية الشرعية الدستورية”، وذلك “خوفًا من تكرار نموذج تركيا أن كل ما الجيش يرى أمورًا لا تعجبه يتدخّل بحجة حماية الشرعية”، والمعتز بالله عبد الفتاح ذكر هو أيضًا أنّ الإخوان في فترة حكم المجلس العسكري كان “عندهم منطق عدم الرغبة في الاستحواذ على المشهد، مثلًا هو كان خايف من سيناريو الجزائر في الوقت ده فيؤدي لتدخل الجيش في السياسة”. 

بمراجعة تفاعلات تلك الفترة، نرى أن القوى الإسلامية في مصر كانت أقوى وأكبر فصيل دفع لإنهاء فترة حكم العسكر ولإقرار قواعد اللعبة الديمقراطية، بينما كانت كتلة صلبة من المعارضة المصرية تعمل مع حكومات العسكر المتعاقبة، وتحاول علنًا وسرًا تأخير أو تعطيل كل استحقاق ديمقراطي نالَه الشعب المصري بدمائه في ثورة يناير. 

الآن، وقد حاولت تفكيك جانب الإسلاميين ومواقفهم، لا بد لي أن أفكك جانبًا آخر من نفس المعادلة وهو جانب جبهة الإنقاذ. جبهة الإنقاذ الوطني التي تشكلت في أواخر 2012 هي أهم جزء في المعارضة المصرية وتجمع أغلب القوى المعارضة، وهي التي يقدمها الكثيرون على أنها طريق الثورة، وأنها البديل الصحيح. ولكن هنا أيضًا يوجد جزء مفقود من السياق. 

مكونات جبهة الإنقاذ ضمت أشخاصًا مثل عمرو موسى الذي كان وزير خارجية مبارك، ولكنها ضمت أيضًا من كانوا جزءًا أساسيًا من حكم العسكر بعد سقوط مبارك. هذا الجزء المهمل من الثورة المصرية مهمٌّ في وضع أحداث مثل أحداث محمد محمود في سياقها الصحيح. لقد قام العسكر بتعيين قيادات من الأحزاب التي شكلت جبهة الإنقاذ لاحقًا في مناصب وزارية واستشارية وقربها منه، بينما كان يمنع الإسلاميين من الوصول للوزارة رغم أنهم أثبتوا أنهم أكثر شعبية بكثير في الانتخابات والاستفتاءات التي سبقت انتخابات الرئاسة. 

فعلى سبيل المثال، أحمد حسن البرعي القيادي الكبير في حزب الدستور (حزب البرادعي) تولى وزارة القوى العاملة والهجرة، وجودة عبد الخالق من حزب التجمع تولى الوزارة مرتين في عهد العسكر (وهو الذي يرى بأن هتاف “يسقط حكم العسكر” يقوله ببغاءات لا يفهمون شيئًا)، وانظر لعمرو حلمي الذي تولى وزارة الصحة ويحيى الجمل الذي عين نائًا لرئيس مجلس الوزراء ومنير فخري عبد النور من حزب الوفد الذي تولى وزارة السياحة، وطبعًا الببلاوي الذي كان نائبًا لعصام شرف أيام حكم العسكر، وغيرهم، لدرجة أن أسامة الغزالي حرب رئيس حزب الجبهة استعرض وجود الببلاوي والسلمي والجمل فقال معلقًا: “إن الحزب ]أي حزب الجبهة[ هو من يتولى قيادة مصر”. 

ولم يمض على تصريحه هذا سوى فترة بسيطة، حتى تم إعلان النتائج النهائية لانتخابات مجلس الشعب كي يكشف شعبية هذا الحزب الذي “يتولى قيادة مصر”، ويزعم في شعاراته أنه “يمثل 77% من الشعب”، تحت حكم العسكر، فينال أقل من نصف في المائة من الأصوات مما جعله قانونيًا لا يستحق التمثيل، فكان عدد مقاعده البرلمانية صفر مقعد، ومثله الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي والمصريون الأحرار، وكلهم من أحزاب جبهة الإنقاذ. 

وهذه الأحزاب التي عملت مباشرة في إدارة مصر خلال فترة حكم العسكر هي نفسها التي أعادها العسكر الآن ليتقاسم معها حكم البلاد. فانظر مثلًا لزياد بهاء الدين من الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي يعمل الآن نائبًا لرئيس مجلس الوزراء وزيرًا للتعاون الدولي، وانظر للبرادعي الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون الخارجة (كان المنصب شاغرًا للبرادعي فقط لأن عصام الحداد مساعد محمد مرسي للشؤون الخارجية قد اختطفته قوات الانقلاب واحتجزته في مكان مجهول بدون تهمة)، ثم استقال، وكمال أبو عيطة من حزب الكرامة الذي صار وزيرًا للقوى العاملة والهجرة، ومنير فخري عبد النور (وزيرًا مرة أخرى، هذه المرة للتجارة والصناعة)، وطاهر أبو زيد من حزب الوفد الذي صار وزيرًا للرياضة، وحسام عيسى الذي كان سابقًا من أعضاء حزب الدستور واستقال قبل الانقلاب، وهو الذي صرح أثناء حكم مرسي بأن الجيش سيتصدى للإخوان إذا “شعر بأن الوطن إلى الهاوية”، واعتبر أنّ المظاهرات التي تطالب الجيش بالانقلاب هي “بمثابة اعتذار عن الشتائم والسباب وسوء الظن طوال الفترة الانتقالية”. 

أضف للقائمة عمرو موسى الذي كان يرأس حزب المؤتمر، وهو الآن يرأس عملية غير قانونية ولا دستورية لتعديل الدستور، ناهيك عن الببلاوي الذي هو الآن رئيس وزراء حكومة الانقلاب، وهو من الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي كان في أيام مرسي يعتبر وزير الداخلية سفاحًا وكذابًا يهدم الوزارة لصالح “ميليشيات” الإخوان، وها هو الحزب الآن يترأس حكومة الانقلاب التي تضم وزير الداخلية نفسه. 

أما المضحك المبكي الذي يتناساه البعض، هو أن هناك قياديًا كبيرًا في حزب الجبهة الديمقراطية وهو نائب رئيس الحزب والمتحدث الرسمي باسمه قد تولى منصبًا أساسيًا في أثناء فترة حكم المجلس العسكري كنائب لرئيس الوزراء اسمه علي السلمي. نعم، هو علي السلمي نفسه الذي باسمه تسمت تلك الوثيقة سيئة السمعة. وقد كان وقتها قد استقال من حزب الجبهة وانضم لحزب الوفد قبل أن يستقيل من الوفد، ويعود لحزب الجبهة مرة أخرى، والحزبان من أحزاب جبهة الإنقاذ التي “أنقذت الثورة”، وجبهة الإنقاذ متحالفة مع الحزبين رغم أن علي السلمي هو أحد رموزهما وهو من كان وراء الوثيقة التي أدت لحشد مليونية 18 نوفمبر، ثم مجزرة محمد محمود، ولكن الإخوان هم من باعوا الثورة! 

ولزيادة انحطاط المشهد، أصدر حزب الجبهة بيانًا بمناسبة الذكرى الثانية لأحداث محمد محمود (التي كانت نتيجة وثيقة السلمي) يدعو فيه الشباب لفتح صفحة جديدة مع الأمن! 

وقد اعترف السلمي بأن الوثيقة كانت تهدف “لحفظ مصر من تغول الجماعات الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان في الحكم”؛ مما يؤكد أن التآمر كان يجري وقتها لعرقلة الديمقراطية عبر صياغة قوانين لعرقلة الفصيل السياسي الأوفر حظًا، كما رحب السلمي باحتمال ترشح السيسي للرئاسة. وبمراجعة اللقاءات الصحفية والتصريحات التي صدرت عن هذه النخب السياسية المصرية يتبين أنهم كانوا في بعض الأحيان أشد من العسكر كيدًا للثورة ولقيم الديمقراطية والتعددية. 

إذن، هل المعارضة المصرية فعلًا ضد حكم العسكر؟ انظر لتصريح حمدين صباحي لصحيفة سعودية قبل الانقلاب بأيام أن هتاف “يسقط حكم العسكر” قد أضر بالثورة، وحاول إبعاد المسؤولية الجنائية عنهم. وانظر كذلك لتصريح أحد قيادات جبهة الإنقاذ والمنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير (التي يشكل البرادعي وجهها الأبرز)، ورئيس الحزب الاشتراكي المصري أحمد بهاء الدين شعبان قال في بدايات 2013 لصحيفة سعودية أخرى: “أتصور أن هتافات »يسقط حكم العسكر« كان خطًا من الشباب الثوري”. 

وانظر لهم في فترة حكم مرسي حين قام ممدوح حمزة بمطالبة الجيش علانية بالانقلاب على رئيس الجمهورية المنتخب قبل مضي 10 أيام على رئاسة مرسي، وقد حصلت عدة مظاهرات تطالب الجيش بإسقاط مرسي وكانت هناك عدة مؤشرات على أن بعض النخب المصرية المعارضة كانت تعمل في الخفاء لأجل إنهاء حكم مرسي بشكل انقلابي أو تقويض حكومته والتجسس عليها، وهو ما ثبت لاحقًا وباعترافاتهم. 

هل هذه هي الثورية المعارضة لحكم العسكر؟ وهل هذه المعارضة تستحق أن تتقاسم مصر مع السلطات العسكرية والأمنية والمخابراتية أكثر من الأحزاب المنتخبة ديمقراطيًا والتي كانت ولا تزال أكبر ضحية للقمع العسكري منذ أيام عبد الناصر وإلى عهد الانقلاب؟ 

قد تختلف أو تتفق مع الإخوان المسلمين في مواقفهم بعد سقوط مبارك، ولكن هذا لا يبرر أن تتم معاملة تلك الفترة بوضع مسلمات وكليشيهات لا يتم نقدها وتحليلها، ولا يجوز أيضًا أن ينتزع مواقف الإخوان من السياق التاريخي آنذاك للثورة المصرية، فيتم تسطيحه في بعد واحد رغم أنه متعدد الأبعاد، كما لن يصح تحليلك لتلك الأحداث إذا كنت لا ترى سوى أخطاء الإخوان وكأن القوى الأخرى كانت ثورية مخلصة ونبيلة أو أن موقفها غير مهم رغم أنها -بعد عسكر الجيش والداخلية والمخابرات- الوارث الحقيقي لمصر. 

وأخيرًا، أريد أن أذكر مسألتين مبدئيتين تتعلقان بالوضع المصري ولكن يمكن تعميمهما على دول أخرى. أولًا لا يستقيم أن يقوم طرفٌ ما بلوم آخرين على أنهم لم ينزلوا الميدان حين سالت الدماء، ويعتبر ذلك خطأ غير قابل للنقاش والتحليل، ثم يقوم هذا الطرف نفسه بارتكاب نفس الشيء ولا ينزل للشارع رغم سيلان أضعاف تلك الدماء. كيف يستقيم أن تلوم فريقًا سياسيًا على أنه لم ينزل معك حين وقعت المجزرة، وأنت رفضت النزول معه حين وقعت مجازر أكثر وأكبر وأسوء، بل وتعد أكبر مقتلة في التاريخ المصري الحديث؟ 

المسألة الثانية، هي أنه لا يوجد أي فريق سياسي ملزم بالنزول معك في كل موقعة. كل الأحزاب، خصوصًا الكبيرة منها، لها حساباتها التي كثيرًا ما تكون معقدة وبالذات في فترات الاضطراب السياسي وقد تستشكل ظروف المعركة على هذا الحزب أو ذاك، فهذا طبيعي ومتوقع، وقد يؤدي الاضطراب في المشهد وغموض الرؤية إلى أن يفضل حزب أو تيار أن لا يدفع بنفسه للمعركة؛ لأنه لا يشعر بالاطمئنان للظروف المحيطة بها. ولا أفهم سبب السذاجة السياسية عند بعض النخب “الثورية” المصرية التي تتحدث، وكأن على الإخوان المسلمين أن لا يكونوا لاعبًا سياسيًا في الساحة المصرية كغيرهم، بل أن يتحولوا لمجرد ماكينة حشد وظيفتها الوحيدة أن تدخل معهم بلا سؤال في أي اشتباك. وقد انسحبت قوى مختلفة من ميدان التحرير ومحيطه في موقعة الجمل مثلًا بسبب شدة العنف، ولا يمكن اعتبار المنسحبين خونة لمجرد أنهم في تلك اللحظة المشحونة قرروا أن الأنسب هو الانسحاب. 

هذه محاولة لتفكيك وإعادة تركيب بعض من أحداث الثورة المصرية، أملًا في أن تستحث هذه المقالة المزيد من المحاولات المشابهة لتأريخ أعمق للربيع العربي، وعلى أمل أن يكف بعض النشطاء عن التحليل المبالغ في التبسيط في تناولهم لأحداث شديدة التعقيد.

*المصدر: صحيفة التقرير

أخبار ذات صلة

  الذين يروجون لخروج المهدي قريبا، ليبايع بين الركن والمقام في الحرم المكي بموسم الحج القادم ؛ يسهمون في ملء الأرض جورا وظلما، لأنهم يفتحون باب فتن جد ... المزيد

قال رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، إنه بعد عام من "الهجوم الغادر" على طرابلس، "نزف إليكم" نبأ تحرير العاصمة.

 

المزيد

بانقضاء رمضان هذا العام..سقطت ادعاءات

وزالت أوهام ، ألقى بها المرجفون الرعب في قلوب ملايين المسلمين، بسبب ماروجوه من مزاعم حول(الصيح ... المزيد

قال النبي ﷺ (لا تقومُ السَّاعةُ حتى تَلْحَقَ قبائلُ مِن أُمتي بالمشركينَ، وحتى تَعبُدَ قبائلُ مِن أُمَّتي الأوثانَ، وإنه سيكونُ في أُمَّتي كذَّابون ثل ... المزيد

قالت وزارة الدفاع العراقية، إن مروحية تابعة للجيش، أصيبت بنيران مسلحي تنظيم الدولة، خلال مهمة عسكرية في محافظة ال ... المزيد