البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

"فوزي فارس" المكلف برعاية أسر المعتقلين من الإخوان فى سجون عبدالناصر

المحتوي الرئيسي


  • محمد عدس
    31/12/1969 09:00

جريمة الانقلاب العسكري لم تقتصر على قتل معارضيه ، واعتقال عشرات الآلاف منهم ، وتعذيبهم .. وإنما تجاوزت هذا كله إلى اضطهاد أَسَرهمِ وأطفالهم ؛ حيث استهدفتهم سلطات الانقلاب بعمليات إرهاب وحصار وتجويع ، لتمزيق هذه الأسر ، ودفع أفرادها إلى التسوّل والتشرذم .. كان لابد أن يتطوّع أناس لجمع المال ، لكفالة هذه الأسر البريئة ، ورعاية أطفالها وحمايتهم من الظلم البيِّن الواقع عليهم .. ولكننا نسمع فى الأخبار أن قادة هذه العملية الإنسانية وعددهم عشرة من أصحاب القلوب الرحيمة والضمائر الحية ، كانوا مجتمعين فى شقة بمدينة ستة أكتوبر .. لم يعلموا أنهم موضوعون تحت رقابة المخابرات . 
 
هاجمهم البوليس ؛ وبدلا من القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمات ، قاموا بقتلهم جميعًا بالرصاص ، وإلقاء أسلحة بجوار جثثهم ، وتصويرها ، لسبك رواية البوليس أنهم قاوموا السلطة بالسلاح فاضطرت إلى قتلهم ..
وهي قصة بذيئة حقيرة حقارة العدالة الناجزة التى يروّج لها السيسى ووزيرعدله .. 
 
لا عبقرية جديدة فى هذه القصة ، فإنها منقولة طبق الأصل من عمليات مشابهة وقعت فى الجزائر تحت السيطرة العسكرية ، وفى أندونيسيا "فى عهد الدكتاتور" سوهارتو" وفى الفلبين أيام الدكتاتور "ماركوس" وفى الشيشان، .. وفى جميع الدكتاتوريات المتوحشة فى أمريكا اللاتينية .. بتخطيط أمريكي صهيوني ، ورعاية شخصيات أمريكية صهيونية بعضهم تقاعد لكبر السن مثل هنرى كِسنْجر ، و آخرون لا يزالون أحياء ، يعيشون بيننا و ويمارسون نشاطهم ، فى بلادنا حتى هذه اللحظة ..
 
أفهم هذه الحقائق جيدا .. من الناحية النظرية ؛ دراسةً وبحثًا وتأليفًا ، ولى -من الناحية العملية- خبرات فى هذا المجال ؛ تصادف أننى كنت شخصيًّا طرفا فى بعضها .. أذكرها لأول مرة بمناسبة أولئك الأبرياء المساكين الذين لقوا حتفهم بسبب نبل أخلاقهم وشرف مقاصدهم فى رعاية أسر المعتقلين والمسجونين والمقتولين غيلة وغدرًا .. فقد كان "فوزى فارس" متهما بنفس التهمة فى زمن عبد الناصر .. ولكنه كان أسعد حظًّا فقد اكتفوا باعتقاله وتعذيبه ..
 
كان فوزى فارس مطاردًا من قِبَلِ شرطة عبد الناصر، وكان عبد الناصر يعرفه معرفة شخصية وبالإسم ، فهو لم يكن لينكر أن فصيلة فوزى فارس من المحاربين المتطوّعين كانت مكلّفة بإمداده والمحاصرين معه بالفالوجة الفلسطينية سنة ١٩٤٨م بالطعام والماء والمؤن ، وكما كان فوزى فارس مكلًّفًا بإمدادات المحاصرين بالفالوجة ، كان مكلّفًا بإمداد أسر المعتقلين من الإخوان المسلمين فى سجون عبد الناصر سنة ١٩٥٤ وما بعدها ..
 
الحقيقة التى لم أتحدّث عنها من قبل ، والتى لا يعرفها حتى إخوته وبناته أنه تم القبض عليه فى شقة بالدور الثانى فى عمارة رقم ٣ بشارع الهلباوي المتفرّع من شارع منيل الروضة بالقاهرة ، فى منطقة قريبة من كبرى الجامعة (الحالي) حيث كان فى زيارة عمته الوحيدة الحاجة زينب فارس ، وقد تصادف أن تكون هذه الشقة هي سكنى ، وأن تكون هذه السيدة هي أمي .. لم يكد فوزى فارس يستريح بضع ساعات ويتناول غداءًا ساخنًا فى جو أُسَريٍّ حُرٍمَ منه فى بيته لعدة أسابيع بسبب مطاردة الشرطة له.. حتى دق جرس الباب الخارجي ، على غير موعد ..
 
قمت متثاقِلًا لأرى هذا الشخص المتطفّل ، فرأيت شابا بثياب مدنية فى العشرينات من عمره ، يتكلم بهدوء وثقة ، وبكثير من الأدب .. وجرى بيننا حوار قصير .. سأل: من يسكن هذه الشقة ..؟ لم يعجبنى السؤال.. فقلت له .. وماذا يعنيك أنت بهذا الأمر .. هل أنت من طرف صاحب العمارة ..؟ ومن أنت حتى أعرف إلى من أتحدّث..؟ .. قال دون أن يفارقه الهدوء: أنا من المباحث ..؟! قلت وأنا أرفع صوتى قليلا ليسمع من بالداخل:
 
وأنا محمد يوسف عدس طالب بكلية الآداب ووالدتى مقيمة معي بصفة مؤقته لظروفى الصحية ولاقتراب مواعيد إمتحانات آخر العام الدراسي.. فسأل: هل يمكن أن تذكر اسمها..؟ فقلت: ليس من حقك أن تعرف .. وليس من واجبى أن أجيبك على هذا السؤال ..
 
لقد تملكنى شيء من الغضب وهممت أن أغلق الباب لولا أن سمعت صوت فوزى فارس قادما نحونا من الداخل.. إذ يبدو أنه أدرك أن الموضوع سيتطور إلى مصادمة غير مستحبة .. يدرك عواقبها ، خصوصًا فى ظل قوانين عبد الناصر المستجدّة ، بمعاملة الذين يؤوون المطاردين من الإخوان المسلمين معاملة المجرمين .. ولكي يمنع فوزى فارس هذا الاحتمال قرر أن يستسلم ولا يعرّض عمته وابنها لمخاطر الاعتقال والمحاكمات والاضطهاد المؤكد فى هذه الحالات ..
 
فما أن رآه ضابط المباحث حتى بادره قائلا: أنت فوزى فارس..؟ فقال: نعم أنا هو... قال: هل يمكن أن تأتى معى إلى قسم الشرطة لتجيب على بعض الأسئلة..؟ قال: نعم .. لا مانع .. أمْهلنى فقط لحظات أجمع حاجاتى .. وقف ضابط المباحث بجسمه يملأ فتحة الباب حتى لا ينغلق ، ووقفت أنا أمامه فى الداخل وقد أسقط فى يديّ .. أضرب أخماسًا فى أسداس.. ولا أعرف ماذا أفعل أو أقول فى هذا الموقف المفاجئ ..
 
خرج فوزى مودّعًا ونزل مع ضابط المباحث ، فنزلت خلفهما أتابع المشهد وأرى إلى أي جهة يذهبان ... وعلى مسافة غير بعيدة لاحظت أربعة شبان يقتربان من فوزى ، فجرى بينه وبينهم حوار بالإشارة لم أفهمه .. ولأن وجوههم مألوفة لى حيث رأيتهم عدة مرات فى صلاة الجمعة بمسجد الروضة ، وأعرف أنهم من أصدقاء فوزى ، فذهبت إليهم .. أستفسر منهم عما حدث.. قالوا نحن نتابع الموقف ونعلم ما حدث لفوزى من المكوجى المواجه لعمارتكم .. وكنا مستعدين للاشتباك مع ضابط المباحث وتخليص فوزى منه حتى يتمكن من الهرب .. ولكنه رفض وحذّرنا بشدة .. لأن هروبه سيؤدى إلى إساءة بالغة لعمته وابن عمته .. وفهمنا منه أنه اتفق مع ضابط المباحث ألا يورد فى محضره أي ذكر لاسميهما..
 
وعلمت منهم أيضًا أنه كانت لديه فرصة للهرب إلى السودان عبر الصحراء ولكنه رفض أيضًا حتى لا يتخلّى عن واجبه فى مساعدة أسر المعتقلين .. ياله من رجل نبيل ...!
 
عدت إلى البيت لأرى والدتى فى حالة من الذهول والحزن العميق على ما انتهى إليه حال أحب أبناء أخيها إليها .. ورأيت أمامها رزمة من الأوراق المالية من فئة المئة جنيه .. فسألتها .. ما هذه النقود ..؟ قالت: هي أموال باقية مع فوزى كان يحاول توزيعها على أسر المعتقلين ، تركها عندى لتوصيلها إلى من يتولّى أمرها بعده .. سألت وكيف نفعل هذا..؟ قالت: هو رشّحك أنت لتوصيلها لشخص معين وكتب لى رقم الهاتف هذا مع إسم الشخص .. احفظه جيدًا ثم مزّق الورقة .. ففعلت ..
 
ثم سألتها هل تحدث إليك عن هوية هذا الشخص وكيف أتعرّف عليه إن التقيته..؟ قالت: هو إبن السفير الباكستانى فى مصر .. اتصل به واسأله عما تريد معرفته وصف له شكلك وملبسك ، ولا تذكر له أي بيانات إضافية عن نفسك أو اسمك أو محل سكنك ، فقط اذكر له أنك "من طرف فوزى فارس" وأن معك أمانة منه تريد توصيلها إليه .. قلت لها: هل ذكر لك فوزى لماذا اختارنى لهذه المهمة بالذات..؟ قالت: نعم .. هو قال إنك لست من الإخوان ولست مراقبا من الشرطة .. والكل يعلم أنك تتردد على المحاضرات العامة وحفلات الموسيقى الكلاسيكية فى قاعة "إيوارت التذكارية" بالجامعة الأمريكية .. وعلى برامج الموسيقى العالمية التى ينظمها "يحيى حقى" فى قصر عابدين ، وفى دار الأوبرا المصرية ..
 
قمت بتفيذ تعليمات فوزى فارس بالحرف ، وبهدوء تام .. ودون أي لجلجة ولا اضطراب ، وفى الموعد الذى اتفقنا عليه بالدقيقة كنا معًا أمام باب قاعة إيوارت التذكارية ، تعرفت عليه من سحنته الباكستانية وطول قامته ، وتعرّف علي من بدلتى البنيّة اللون ونظارتى الطبية ذات الإطار الأسود .. أشار إلي لأتبعه فتبعته وهو يستدير حول مبنى الجامعة الأمريكية يمينا فى ميدان التحرير، حتى وصلنا إلى مطعم قريب من مكتب شركة مصر للطيران فى شارع طلعت حرب .. حيث دخلنا ، وجلسنا على مائدة صغيرة فى ركن من المطعم .. قال: سنتناول القهوة والشاي ، وسأضع حقيبتى مفتوحة تحت المائدة ، لتُسقط فيها الأمانة ، ونحن نتحدث ونضحك بطريقة طبيعية .
 
وستخرج من هنا قبلى حتى أطمئن عليك .. ولا تلتفت خلفك حتى تصل إلى محطة الأوتوبيس أمام مبنى مجمّع التحرير أوفى أول شارع القصر العينى ... ثم قال بعد هنهة: يمكنك الآن أن تنصرف .. أستودعك الله .. وانسى هذا اللقاء.. لقد أدّيت واجبًا أرجو الله أن يحسبه لك فى ميزان حسناتك..

أخبار ذات صلة

قال تعالى في سورة الأنفال :

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَاب ... المزيد

شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن عملية "نبع السلام" تنتهي بشكل تلقائي عندما "يغادر المزيد