البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

"غافر".. سورة الفرادة حيث يخرج العظماء بعيدا عن نظام الجماعة الضالة

المحتوي الرئيسي


  • عمر محمود أبو قتادة
    19/01/2016 09:15

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصصحبه أجمعين.
 
أما بعد
 
فسورة غافر كما سميتها في مبحث آخر سورة الفرادة، حيث يخرج العظماء بعيداً عن نظام الجماعة الضالة كما خرج مؤمن آل فرعون من مجتمعه وانتظم في سلك الحق والهدى، وصاحب هذه الفرادة يملك عقلاً سديداً، وإرادة صلبة، والتزاماً بالحق الذي يعتقده، وله القدرة على بيان ما عنده من الحق للمخالف، بل الزامه به، لا بقوة الدليل فقط، لكن بقوة التزامه بالحق الذي يؤمن به، اذ كلما كان المرء ملتزماً بما يؤمن به كلما كان قوياً في حجته امام خصومه ومخالفيه، والعكس كذلك صحيح،ولذلك جاءت هذه الفرادة في مؤمن آل فرعون، ثم رأينا لفظاً تكرر في هذه السورة وهو لفظ المجادلة، حيث ورد خمس مرات هي:
- وذلك في مطلعها في قوله تعالى( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد).
- ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب).
-(الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)
-( إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير)
-(ألم تر إلى الذي يجادلون في آيات الله أنى يصرفون)
ومن تأمل في تصرفات أحوال المجادلين بالباطل في هذه السورة يرى عجباً وتنوعاً في الأحوال والمصائر وطرق الوقاية، وإليك بعضها مما يدلك على غيرها وأعظم منها:
- ارتبط في مطلعها الجدال في التقلب في البلاد، وذلك يبين أن هؤلاء لهم سطوة وقوة ومن نوع الملأ المذموم في القرآن، وهذا معناه أن قوة ما عندهم في الجدال إنما من خارج الحجة لا من داخلها، وهذا من أفسد أن اع قوى الحجج، إذ الحجة الصالحة هي التي يمتلكها الدليل من داخله، لا من خارجه، فالذي يفرض دليله بما معه من قوة المال والسلطان والجنود هو من أفسد ما يقع في هذه الحياة ومعانيها، وهذا من نوع طرق فرعون كما تبسطه سورة غافر ( المؤمن) هذه، فهو بما معه من باطل القوة والعلو قال لهم(ما أريكم إلا ما ارى) كما في هذه السورة، ولذلك حجته بعسكره وملكه وسلطانه وماله، فهو يسكت أكبر الخصوم وأعظمهم بجنوده إن رفضوا وبماله إن سكتوا وقبلوا، وبالتالي نبه القرآن تاليه والمؤمن له بقوله( فلا يغررك تقلبهم في البلاد)، فلا تتبعهم بمثل هذه البهارج والأكاذيب التي لا علاقة لها بالحق الذي أنت تؤمن به،ولو تأملت مطلع السورة لرأيتها تتناسب مع هذا الأمر العظيم، وذلك بقوله جل في علاه( ذي الطول) أي الله، فهى سبحانه من يملك القوة والملك وكل شيء، وهو سبحانه( إليه المصير) وبهذا تعلم تناسب الآية هذه( غافر الذنب...)، وبين قوله( ما يجادل في آيات الله..) ليكون إيمانك بالغيب مسقطا لسلطانهم الذي يمنع عنك رؤية قوة حجة الحق.
 
وهذا كله مقدمة لحديث موسى عليه السلام وفرعون، لأن هذه الصورة التاريخية هي التي تحقق لك معنى اتباع الحق حتى أمام منطق القوة والتقلب في البلاد.
 
قليل هم من يذهب للحق لأنه يملك الدليل في نفسه، مبتعداً عن الباطل حتى وهو يسكت الحق بالظلم والطغيان وقوة العساكر، فكن أنت منهم كمؤمن آل فرعون.
 
خلال عرض صورة الباطل في نفس صاحبه وقبل الذهاب لحالة الجدال بالباطل مرت السورة على حقيقة نفس الكافر والفاسد والعاصي بقوله تعالى( إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم انفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون)
 
هنا تحسيت الآيات الربانية نفس المجادل بالبطل، اذ هو يظهر أمامك مجادلاً يملك الأدلة، وله نفس تطمئن لما معها، ولكن هذا الظاهر مخادع كاذب، بل هو في داخله يعيش حالة المقت والسب لنفسه، والكره لموقفه، ذاك لأنه صغر أمام الباطل، وتضاءل أمام ماله وسلطانه، وضعف أم تهديده وجبروته، فهو يمقت نفسه ويكرهها، وبالتالي هو يعيش شعور الخزي بينه وبين نفسه.
 
هكذا عليك أيها المؤمن العالم ان تفهم حالة خصمك، فلا تغرك جعجعته، ولا تذهب جاهلا إلى مظهره دون مخبره، ومهما سببت انت عليه، فهو يسب نفسه أكثر، ولذلك لا تذهب بعيداً في ظنك أنه يحادل مقتنعا بباطله، ولا تظن انه يؤمن بما يظهر لك في حواره، بل قل كما قال ابن العاص رضي الله عنه: والله إني أعلم أنك تعلم أنك كذاب.
ثم تذهب الآيات إلى حجج الله الفاصلة، والذاهبة إلى حالتي الإنسان في النظر:
(هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً،)
فالله لا يقيم الحجج العقلية على عبيده فقط، ولكن يقيم عليهم حجج الإحسان، ذلك لأن الحجج العقلية تقيم المعاني العقلية، وأما الإحسان فهو يقيم المعاني النفسية والقلبية، وبالتالي يتحقق بهما الإقرار والخضوع، وهما أس العبادة في هذا الدين.
 
وللحدث مع الجدال في سورة الفرادة( غافر، المؤمن) له صلة إن شاء الله تعالى.

أما بعد
وما زلنا مع سورة (المؤمن/ غافر) وبحث المجادلة بالحق لدحض الباطل، وعرض صور الحجاج بالباطل، والمجادلة بالسوء،ومما ينبغي أن يعتنى به أن هذه السورة تكرر فيها لفظ( البينات) ست مرات، وهي تعرض حجج الحق، وما أعطاه الله لأنبيائه، ففيها قال تعالى:
--( ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) وهذه (البينات) كانت مقدمة لبيان الحجة الإلهية على الأقوام قبل اهلاكهم، فقال تعالى عقبها(فكفروا فأخذهم الله الله إنه قوي شديد العقاب)
-- ومن قول مؤمن آل فرعون لقومه، وذلك في بيان حجة الأنبياء الصادقة ، والتي تلزم البشر اتباعها(أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم)، وهي تبين أن مصدر الحق هو الله تعالى.
-- ثم أتت من قول موسى عليه السلام في بيان ما أتى به يوسف عليه السلام من قبل، وأن ما اتى به بين واضح، ولكن قوبل بالاتباع مع الشك، والأمر كما قال ابن كثير وبعض المفسرين أنهم اتبعوا يوسف مع شك، لأن دعوته خالطها سلطان، فأخذوا هديه مع الشهوة ورغبة اصابة ما يحصل لهم من سلطانه، فقال تعالى( ولقد جاءكم يوسف بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به)
--ثم اتى هذا اللفظ في معرض بيان انقطاع حجة الكافر على ربه يوم القيامة، اذ كان في هذه الدنيا على بينة من الحق لما أتى به الأنبياء، فلم يخف عليه شيء منه، وبهذا أعذر ربنا في عذابهم، والله يحب العذر، فقال تعالى( أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات، قالوا بلى ، قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين الا في ضلال)
-- ثم جاءت في بيان التزام الصالحين بها، وترك ما عداها، لأنه وهي كذلك بينة، فإنها ملزمة، فقال تعالى( قل إني نهيت ان أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين)
--ثم كان خاتمة ذكر هذا اللفظ القرآني الواصف لحجج الله تعالى على خلقه،مبينة صفة الحجة الإلهية مقابل الباطل وعلم الآباء الذي لا يملك سلطة الحق في نفسه سوى أنه إرث مأخوذ من السابقين بلا برهان، فقال تعالى( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم)،وكلمة الفرح هنا عجيبة، ذلك لأنها تكشف لا مجرد الإلتزام بكلمة الآباء، ولكن بافتخارهم وسعادتهم بها، مما يدل ان تلقيهم لبينات السماء كان بكره وغضب، والحال إذا كان هذا فإنه يدل على انتفاعهم بهذا العلم الخبيث، وذلك لما يحصل لهم به من سلطان الباطل، وأخذ الناس به عبيداً، كما هو شان علوم الجاهلية التي تقابل علوم السماء، فإن التاريخ يثبت أن هذه العلوم هي التي تحقق سلطان الطواغيت على عبيدهم، فهم بهذا يفرحون بها، وهو مصداق قوله تعالى عن التابع والمتبوع( ربنا استمتع بعضنا ببعض)
ومن جمع بين بينات الحق وتكرار لفظها في هذه السورة مع لفظ الجدال علم اتصالهما ، ذلك لأن الجدال بالباطل يجب أن يقابل بالبينات.
وعود ألى موطن جدال المبطلين:
الآية الثانية التي ذكر فيها جدال المبطلين في سورة غافر قوله تعالى(وجادلوابالباطل ليدحضوا به الحق)
ومن عجيب الجواب على هذا الفعل قوله تعالى( فأخذتهم)
وهذا دليل أن مثل هذا النوع من الجدال لا يحتاج إلى مقارعة الكلمة بالكلمة، ذلك لأن هؤلاء ليس مبعث جدالهم طلب الحق، ولا البحث عنه، ولا هم في معرض الذهاب إليه ما لو ظهر على ألسنة خصومهم، بل هم همهم الوحيد ما قاله تعالى( ليدحضوا به الحق)
والباطل الذي أراده الله هو ما عرضه مما تقدم ذكره، من قوله تعالى( تقلبهم في البلاد) اي أسر الناس وقتلهم وتعذيبهم، فليس معهم في هذا الميدان إلا هذه الحجج، ولذلك كان العرض الإلهي لهذا الحال صورة فرعون حيث قال:(فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) وكذلك مما يعجب له جواب القرآن على هذا التخطيط والكيد والفعل المجرم بقوله( وما كيد فرعون إلا في ضلال) ذاك لما قال بعدها(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)
وتأمل ورورد كلمة الهدى في قوله عما أتى به موسى عليه السلام( ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني اسرائيل الكتاب)
ومما ينبغي أن يرعى نظرك إن كنت مهتما بهذا الشأن الجليل أن ترى تقدم قوله تعالى على هذا الموطن من الجدال( وهمت كل أمة برسولها ليأخذوه) وهي مقدمة سلقت قوله( وجادلوا بالباطل) فهي تبين لك أن جماعة الكفر وفراعنة الوجود يضعون أمام من جادلهم السيف والعصا والسجن، وبحضور هذه الأدوات وتخويف العبيد بها يكون بعد ذلك ( وجادلوا بالباطل)، فحينها تسقط الجموع، وتلتحق بهم، لا لقوة الحجاج ولكم لسلطة القوة والبطش والتخويف.
من أجل هذا يا عبد الله تم عرض صور الحق وأتباعه ، ومن هم ، فتأمل السياق وما فيها من قوله تعالى( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) فهؤلاء هم عدد الحق، وهم أتباعه، يقابل الله بهم ( تقلبهم في البلاد)، وذلك لتأكيد قوله(فلا يغررك).
ثم تأمل ما جاء الله به( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما)
فماذا عند الطواغيت وأهل الباطل؟
إنما هو الباطل، وهذا يقابله العلم، وعندهم السلطان والتخويف به، وهذا يقابله رحمة الله، فلا تكن أسير لحظتك، فتخضع لكلماتهم الباطلة، او تخاف من سلطانهم الجائر.
وها هي الصورة التاريخية لصدق خبر الله لكم( فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب) ذلك لأنه تقدم قوله(فاخذتهم فكيف كان عقاب)

أخبار ذات صلة

أطروحة كقولهم: إن العرب لم تكن لهم حضارات أو لم يكونوا أمة حضرية بطبيعتهم، وقد سوق لها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي -غفر الله له- في كتابه فقه السير ... المزيد

منعت السلطات الأردنية حزب جبهة العمل الإسلامي من إقامة احتفالية بمناسبة مرور عام على تأسيسه، بحسب ما أعلن الأم ... المزيد

تعليقات