البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

عن حرب الهوية و شعاراتها

المحتوي الرئيسي


عن حرب الهوية و شعاراتها
  • وائل صلاح الدين
    29/12/2014 04:11

هل هي حرب على الهوية ؟ هل هي حرب على الإسلام ؟ أم أنها معركة تحرر وطني و استقلال ؟ و هل هما وجهان لعملة واحدة أم أنهما موضوعان منفصلان ؟

و هل الحرية مقدمة على الشريعة تقديما زمنيا؟ أم أنها مجرد قنطرة ؟ أم أن الضمانة الوحيدة للحرية هي الشريعة ذاتها ؟

هل السلطة تحارب الإسلام ؟ أم تحارب الإسلاميين ؟ أم تحارب من يقف في طريق نفوذها و مصالحها دون تمييز ؟

هل الثورة ( العقائدية ) هي الحل ؟ أم ثورة شعبية تطيح بالطغيان و تترك الناس أحرارا ؟ أم أن الثورة الشعبية هي عقائدية بالضرورة ؟ و هل هؤلاء الحكام طغاة و بغاة ؟ أم أنهم كفار أعداء ؟ أم غير ذلك ؟

في خضم سنوات ( التيه ) التي نحياها , و التي يبدو أنها كتبت علينا كما كتبت على بني إسرائيل من قبل حتى تتعلم الأجيال دروس الحرية , يضرب التيه في أطناب الثوار بكل معانيه , تيه الفكرة و الاستراتيجية ,تيه التكتيك و العمليات , تيه الخطاب و التجميع , تيه التمييز بين الخصوم والمحايدين , بل و الخصوم بدرجاتهم المختلفة .

تبرز الأسئلة السابقة و تتكرر , و تتردد صداها اختلافات تبدأ صغيرة ثم لا تلبث أن تتعمق بين أبناء صف الثورة , بل بين أبناء الفصيل الأكبر فيها و هي الحركة الإسلامية بتنوعاتها المختلفة .

و تتلخص محاور التبين ربما في نقاط :

-         مكانة الحرية في الشريعة و علاقتها بها .

-         محور الصراع بيننا و بين الطغاة , و هل ينطبق محور الصراع على منطلقاته ؟ أم أن هناك تمييزا بينهما ؟

-         من الحلفاء و من الخصوم ؟ و هل التقسيم هنا على أساس الموقف من الشريعة أم على أساس الموقف من السلطة ؟

الحرية أم الشريعة ؟

سؤال مغلوط في رأيي : ( أيهما أولى : الحرية أم الشريعة ؟ ) و بمنطق هذا السؤال يمكننا أن نسأل أيضا سؤالا أبين في المغالطة ( أيهما أولى : تحقيق العدل أم تطبيق الشريعة ؟ ) .

و مكمن المغالطة هنا هو المقارنة بين الجزء والكل , و اعتبار ( الشريعة ) كلا جامدا تكلف به جهة واحدة و هي السلطة , بينما الحقيقة أن الشريعة مجالات تطبيقها واسعة جدا , و متنوعة في جهات التكليف والإسناد , فهناك ما هو من واجبات الفرد ( فرض العين ) , و ما هو من واجبات المجتمع ( فرض الكفاية ) , و ما هو من واجبات السلطة ( فروض متوقفة على ولي الأمر ) , والأخيرة تلك أضيقها حدودا , و أعلاها تعميما , و أولى واجباته و فروضه هي تحقيق العدل , لذلك يبدو السؤال ساذجا جدا ( أيهما أولى تحقيق العدل أم تطبيق الشريعة ) مع أن أولى واجبات الشريعة على السلطة هي تحقيق العدل .

و كذلك إن سألت عن الحرية , و من جميل كلام الإمام البنا رحمه الله و رضي عنه و أسكنه منازل الشهداء و الصديقين في رسالته (بين الأمس و اليوم ) :

(إذا قيل إلام لكم تدعون ؟ ... فقولوا ندعو إلي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والحكومة جزء منه والحرية فريضة من فرائضه ، فإن قيل لكم هذه سياسة! فقولوا هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام ) .

فالحاكم الذي يريد الإسلام فأول واجباته العدل , و الشعوب التي تريد الإسلام فأول واجباتها الحرية , و هي هنا لا تقع في تلك الثنائية المغلوطة ( الحرية قبل الشريعة ) , بل الحرية جزء من الشريعة , فأي ساع لتطبيق الشريعة مهملا الحرية هو طاغية مستتر يداري طغيانه بزي الإسلام كما الحال في المملكة السعودية مثلا , و أشد الطغيان ماتستتر بعباءة العقيدة .

كان للدكتور حامد ربيع – رحمه الله – أبو الدراسات السياسية في مصر تقسيم دقيق للأنظمةالسياسية , نقله عنه الدكتور رفيق حبيب و الدكتور سيف الدين عبد الفتاح و غيرهما , يحدد فيه أن لكل نظام سياسي قيمة مركزية يدور حولها , فالنظم الليبرالية تدور حول قيمة الحرية , و النظم الشيوعية تدور حول قيمة المساواة , بينما النظام الإسلامي يحدد العدل كقيمة مركزية حاكمة , و في تقدير الشخصي أنها القيمة الأشمل , التي تشمل الحرية في داخلها , و تشمل المساواة أيضا , لكنها تخلصت من الفوضى التي تتركها الحرية دون مراعاة الحقوق , و من الظلم الذي تتركه المساواة دون مراعاة الفروق , فالعدل أن تعطي لكل ذي حق حقه , و ألا تفرق بين المتماثلين , فالحرية مشمولة بالعدل أيضا .

و الطبيعة التدريجية للإسلام بديهية , بل إن بناء الإسلام نفسه يفرض ذلك , فهناك أركان و قيم حاكمة , ثم هناك فرائض و واجبات تتوزع على مقاصد و مراتب الضرورات و الحاجات والتحسينات , ثم هناك المندوبات و المستحبات , ثم المصالح المرسلة و مراعاة الأعراف و المباحات و الترفيه و اللهو , كل هذا لا يتصور أنه من نفس الدرجة و الأهمية , وبالتالي نفس الأولوية .

على ماذا يدورالصراع ؟

هل نحن في معركتنا مع الطغاة ندعوهم لتطبيق الشريعة ؟ هل نحن ثائرون عليهم لأنهم خرجوا على الثوابت الإسلامية ؟ و بالتالي هل ينتهي الصراع بأن يعلنوا الرضوخ لأحكام الإسلام و تقديس مقدساته ؟

هل هم يحاربون ( الإسلام ) أم ( الإسلاميين ) ؟ أم أي قوة تقف في طريق مصالحهم ؟

حينما حاصرت قوات الشرطة و الجيش مسجد الفتح , و حينما حرقوا مسجد رابعة العدوية , لم يفعلوا ذلك لأنها مساجد يذكر فيها اسم الله , و إنما لأنها كانت مراكز للثوار , و هم –لأنهم مجرمون فجرة – لا يقيمون وزنا لمقدسات الإسلام , فلا فارق بين أن تتحصن منهم في مسجد أو في مقهى , فهذه كتلك عندهم في حالة تهديدك لمصالحهم .

نعم هم مجرمون فجرة لا يقيمون وزنا لمقدسات الإسلام , و لا يرقبون في مؤمن إلا و لا ذمة , لكنذلك ليس دفاعا عن عقيدة أخرى , و لا عن فكر ما , و إنما فقط دفاعا عن مصير و مصالح.

ليس عند السلطة أي مانع من تصدير فئات تجهر بالكفر و العداوة للإسلام – انظروا لكثير من مقالات الصحف القومية كالأهرام مثلا و ما يجري في كواليس خرائب الثقافة و إغداق الجوائز على أمثال سيد القمني و غيره , لكن أيضا ليس عندهم أي مانع من تصدير فئات أخرى تخدم طغيانهم بلسان الدين , كعلي جمعة و أحمد الطيب  و شوقي عبد الكريم و ياسر برهامي و يونس مخيون و أمثالهم , السلطة العسكرية ليست ( علمانية ) و لا ( يسارية ) و لا ( ليبرالية ) , إنما هي فقط ( عسكرية طاغية ) , عبد الناصر أقام إذاعة القرآن الكريم و هو في نفس الوقت يقتل حملة القرآن الكريم , ليس هناك تناقض في ذلك , هي أدوات فقط , تستخدم عند اللزوم و تستهجن في غير وقت اللزوم .

نعم هناك حرب على الإسلام حقيقة , لكنها ليست حربا على ( وجود الإسلام ) و إنما على ( فعالية الإسلام في المجال العام ) , هم يريدون ( إسلاما تفصيلا ) , يستخدم كأفيون للشعوب يخدرها و يسكنها , و في نفس الوقت يروج للحاكم و للسلطة و ويأتمر بأمرها , لذلك هم حرب على ( إسلامك ) الذي يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي .

إذن هو ليس صراعا على ( وجود الإسلام ) , و إنما هو صراع على قضايا الإسلام الأساسية في الحكم , و هي العدل و الحرية .

بالطبع منطلقنا إسلامي بكل جوارحنا , نبتغي بالثورة على الظالم وجه الله , و نريد بها تحقيق قيم الإسلام و أحكامه , و السكوت على الظلم مع القدرة على دفعه ذنب نعاقب عليه في عقيدتنا , لكن إسلامية المنطلقات شيء مختلف عن عقائدية الصراع .

دعنا نضرب مثالا أوضح , ما محور الصراع بين المقاومة الفلسطينية – التي تشكل المقاومة الإسلامية منها القلب – مع الصهاينة ؟ هل هو ( صراع العقيدة الإسلامية مع العقيدة اليهودية ) أم هو ( صراع المقاوم مع المحتل ) ؟

نعم دفع المحتل عملية عقائدية المنطلقات , لكن محور الصراع هنا ليس صراع العقائد , و هناك فارق بين هذه و تلك .

لذلك يصبح سؤال ( هل السيسي كافر أم لا ) سؤالا لا معنى له في المعركة , بل له محال أخرى اجتماعية بالأساس – هل يفرق بينه و بين زوجته و هل يرث و يورث و ما إلى ذلك – أما في الصراع السياسي , فنحن نطلبه للقصاص لا لتطبيق حد الردة , و لن تشكل عقيدته معنا فارقا , إذ ربما هي لا تشكل معه هو نفسه أيضا فارقا .

ليست القضية في فكر و اعتقاد الخصم , بل في سؤال ( على أي شيء يدور الصراع ؟ ) .

و هي هنا معركة تحقيق العدل , و نيل الحرية و الاستقلال , و ليست أبدا صراعا لإجباره على تبني الشريعة و لا تطبيقها .

من الحليف ومن الخصم إذن ؟

الحليف هو كل ساع للعدل و الحرية , و الخصم هو كل طاغية ظالم و مؤيد له , باختصار شديد .

كتب الفقه السياسي مليئة بالاستشهاد بحلف الفضول ( الذي أقر النبي صلى الله عليه و سلم أنه لو دعي لمثله في الإسلام لأجاب , أي سيحالف الكفار على تحقيق العدل ) .

و الاتفاقية بين النبي – صلى الله عليه و سلم – و اليهود في المدينة ( وثيقة المدينة ) التي أصلت لمبدأ الدفاع المشترك و الأمة متعددة العقائد و الثقافات في ظل سيادة الرسالة– صحيح أن البعض يشكك في صحتها , لكنها ثابته بأدلة كثيرة , تفصيلها للدكتور (أكرم ضياء العمري ) في ( السيرة النبوية الصحيحة – محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية ) .

و هناك أيضا الأدلة القرآنية , يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد في ( أصول الإفتاء و الاجتهاد التطبيقي في نظريات فقه الدعوة الإسلامية ) :

( و مبحث الحلف يقود إلى ذكر حالة أخرى يمكن أن يأتيها الدعاة هي أدنى من الحلف و أظهر حكما, و ذلك أن تستفز الدعوة من لا يفقه مواعظ الشرع من الأحزاب أن يقاتلوا معا دفاعا عن البلد , أو دفعا للظلم , أو أن يشاركوا في عملها السلمي المؤدي إلى معاكسة خطط العدو الاقتصادية و الاجتماعية , كمثل مقاومة خطة التطبيع , إذا لم تستوعب تلك الأحزاب و الجماعات و النقابات الدوافع الدينية و المنطق الفقهي الموجه لها .

فالحركة الإسلامية في كل آن تتعامل مع أجيال من المسلمين نوازعهم شتى و إيمانهم درجات , تخاطبهم أن يكفلوا قضايا الإسلام و أن يشمروا للجهاد , و ليس كل من تخاطبه قد بانت له حلاوة الإيمان و موازين الفقه , و لذلك يسوغ لها في خطابها العام أن تحاور الناس على قدر عقولهم و هممهم و خلفياتهم و محركاتهم النفسية , كما كان من قوم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري – رضي الله عنه – يوم أحد لعبد الله بن أبي و اصحابه :قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا , فلم يستجيبوا , فذكر القرآن ذلك في قوله تعالى :

( و ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله و ليعلم المؤمنين , و ليعلم الذين نافقوا , و قيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا , قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) . آل عمران 67

قال القرطبي :(  و ذهب قوم من المفسرين إلى أن قول عبدالله بن عمرو : أو ادفعوا إنما هو استدعاء إلى القتال حمية , لأنه استدعاهم إلى القتال في سبيل الله و هو أن تكون كلمة الله هي العليا , فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك , عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم و يبعث الأنفة , أي قاتلوا دفاعا عن الحوزة ,ألا ترى أن قزمان قال : و الله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي !

و ألا ترى إلى أن بعض الأنصار قال يوم أحد لما رأى قريشا قد أرسلت الظهر في زروع قناة : أترعى زروع بني قيلة و لما نضارب ؟ و المعنى إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا دفعا عن أنفسكم و حريمكم )

فهذا التفسير يجيز لنا أن نقيس عليه و أن يكون خطابنا السياسي و الإعلامي أحيانا على مقدار مايفهم الناس , من غير توسع يتميع به الفكر الإسلامي و الموقف الدعوي ) انتهى كلام الراشد .

إذن فكل خصيم للدكتاتورية بحق هو حليف أيا كان فكره , و كل حليف للطغيان فهو خصم أيا كان طول لحيته .

ربما أطلت , ربما لم أوضح الفكرة جيدا , فسامحوني , و استغفروا لي .

سبحانك اللهم و بحمدك , أشهد ألا إله إلا أنت , أستغفرك و أتوب إليك .

أخبار ذات صلة

  الذين يروجون لخروج المهدي قريبا، ليبايع بين الركن والمقام في الحرم المكي بموسم الحج القادم ؛ يسهمون في ملء الأرض جورا وظلما، لأنهم يفتحون باب فتن جد ... المزيد

قال رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، إنه بعد عام من "الهجوم الغادر" على طرابلس، "نزف إليكم" نبأ تحرير العاصمة.

 

المزيد

بانقضاء رمضان هذا العام..سقطت ادعاءات

وزالت أوهام ، ألقى بها المرجفون الرعب في قلوب ملايين المسلمين، بسبب ماروجوه من مزاعم حول(الصيح ... المزيد

قال النبي ﷺ (لا تقومُ السَّاعةُ حتى تَلْحَقَ قبائلُ مِن أُمتي بالمشركينَ، وحتى تَعبُدَ قبائلُ مِن أُمَّتي الأوثانَ، وإنه سيكونُ في أُمَّتي كذَّابون ثل ... المزيد

قالت وزارة الدفاع العراقية، إن مروحية تابعة للجيش، أصيبت بنيران مسلحي تنظيم الدولة، خلال مهمة عسكرية في محافظة ال ... المزيد