البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

عن الاطمئنان والارتياح النفسي كمعيار لمعرفة الحق

المحتوي الرئيسي


عن الاطمئنان والارتياح النفسي كمعيار لمعرفة الحق
  • د. كريم حلمى
    15/04/2019 12:57

مما صرت أسمعه من كثير من الشباب في ساحة النزاعات الفكرية والمنهجية هو الاحتكام للاطمئنان القلبي والارتياح النفسي والقبول العام.

 

وهذا المسلك غير صحيح أبدًا، خاصة فيما يتعلق بالدين، فإن الأصل في الإسلام هو التسليم والانقياد، وهذا في نفسه فيه نوع مخالفة لمبدأ (الارتياح أولًا)!

 

بل الشارع يخبرنا بذلك مباشرة، وبصورة مكثفة، وهذا من أعظم معاني كمال الدين وشموله، أنه يشخص مشاكل النفس التي تتصادم مع أصول الشرع، ويبرزها، ويعالجها ..

 

وأنت تجد القرآن في مواضع كثيرة يجعل اتباع الشرع والانقياد له مقابلًا لاتباع الهوى، والتعبير بـ (الهوى) جليل جدًا، والمراد به ما تميل إليه النفس وترتاح به.

 

والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن مهلكات ثلاث، منها: هوى متبَّع، ويخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بصراحة شديدة كذلك، "حُفت الجنة المكاره، وحُفت النار بالشهوات"، ولا تتصور أن الشهوات قاصرة على شهوة البطن والفرج وما شابه، فالأفكار لها شهوات ومكاره كذلك.

 

والنبي صلى الله عليه وسلم يبيّن لنا قاعدة مركزية في معرفة حقيقة الإسلام والتسليم، فيقول صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، فكيف يكون الهوى حينئذٍ هو الحاكم على قبول ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتصحيحه؟!

 

لكن! .. ألم يقل إبراهيم عليه السلام: "ولكن ليطمئن قلبي"؟! .. ألا ينبغي أن يطمئن القلب لما يؤمن به الإنسان؟!

بلى، هذا حسن جميل، لكن اطمئنان القلب له حدوده ومواضعه، فالإنسان إذا اطمأن لوجود ربه، وأن ربه هو الإله الذي ينبغي أن يطيعه عباده، وأنه أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذا الدين وتلك الشريعة، إذا اطمأن قلبك لذلك، بمعنى معرفتك أن هذا حق وإن لم تهوه نفسك، فحينئذ وجب عليك أن تقبل كل ما تُؤمر به، وأن تستسلم له، وألا تجد في صدرك حرجٌ منه، وإن لم تستطع فهم الحكمة، وإن كان ذلك يخالف طبعك وما تميل إليه نفسك وما تراه أنت صحيحًا حسنًا!

 

والله سبحانه قد خلّد درسًا عظيمًا راسخًا في ذلك المعنى، فلما نزلت آية من سورة البقرة فهمها بعض الصحابة على غير وجهها، وشق عليهم ما فهموه جدًا، فشكوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فغضب، وقال لهم: "لعلكم تقولون: سمعنا وعصينا، كما قالت بنو إسرائيل!"، هذا مع أن الله سبحانه لم يرد ما فهموه على قولٍ قوي في تفسير الآيات، فقالوا: "سمعنا وأطعنا!"، واستغفروا الله، فنزل قوله سبحانه: "وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك مصير".

 

ويخلّد القرآن مثالًا عظيمًا آخر، وهو إبراهيم عليه السلام، الذي يُؤمر بذبح ابنه!

قد يدور في بال كثير من الناس في ذلك الموقف وساوس كثيرة!

أين رحمة الله؟! .. أين العدل الإلهي في موت طفل صغير لا جناية له؟! .. كيف يقبل العقل ذلك؟! .. كيف تطيقه النفس؟! .. هذه مجرد رؤيا .. الأولى ألا يلتفت لها .. مستحيل أن يكون ذلك هو دين الرب الحكيم!

لكن إبراهيم عليه السلام، وكذلك ابنه الصبي المؤمن، علما أن الله هو الحق، وأنه يعلم وأنتم لا تعلمون، وعلما أن رؤية [الأنبياء] حق، وأنه لا مفر من الاستسلام لأمر الملك العلّام! .. فكان الثناء من الله على نبيه لأجل ذلك الاستسلام، وكان التخفيف واللطف!

 

هذه القصة لم تذكر في القرآن عبثًا، لكن لأن نفس الاختبار، يتكرر كل زمان، ومع كل أحد!

 

كثير من كفار قريش لم يؤمنوا لرسوبهم في نفس الاختبار، لأنهم ليسوا على استعداد لمعاداة الدنيا بأسرها وما ينتج عن ذلك من ضغوط سياسية واجتماعية ..

ليسوا على استعداد لمفارقة أهلهم بل لمواجهتهم في الحروب وقتلهم إذا لزم الأمر!

ليسوا على استعداد لدفع فاتورة ذلك الإيمان!

 

بعض الخطابات المعاصرة تقوم على فكرة (إسلام السوق)، وبمناسبة هذا المصطلح لا علاقة له بالبحث عن الربح المادي أو ما شابه، لكن المراد أن هذه الخطابات تؤسس أنساقًا على مبدأ (العرض والطلب) الفكري، على مبدأ (الرواج)، على مبدأ (ما يطلبه السوق)، على مفاهيم السوق تلك!

 

تقدم نسخة معدلة من الإسلام، تقبلها النفوس الرافضة إلى حد كبير، نسخة متصالحة مع الفكر الشائع، مع الـ mainstream، نسخة منزوعة أسباب الحرج.

 

هنا تنعكس القاعدة النبوية، فالذي يصح مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ويُقبل ما هو تابع الهوى، لا العكس!

 

ولا يشترط أن تكون هذه الخطابات سيئة النية، بالعكس، أكثرها حسن النية، وتريد بذلك معالجة الإشكالات التي تمور في نفوس الناس، مخافة أن يدفعهم ذلك إلى ترك الدين جملة! .. لكن هذه براجماتية خطيرة، والنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد

 

وهناك موقف عظيم جليل جدًا في هذا المعنى، وهو أن بعض المشركين كلموا النبي صلى الله عليه وسلم طويلًا لكي يقدم بعض التنازلات اليسيرة في مقابل إيمانهم، كأن يمس آلهتهم فقط، مجرد مس، ثم يؤمنون ويكسرون الألهة، أو يؤجل دعوته لسنة فقط، ثم يؤمنون .. ففكر النبي صلى الله عليه وسلم لبرهة أن يوافق ..

صفقة رابحة جدًا، موقف لدقيقة سيوفر سنوات من النزاع والحروب والبلاء والأذى .. ثم تراجع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل في ذلك قولًا شديدًا، والله ما سمعت هذه الآيات حتى أشفقت من سماع النبي صلى الله عليه وسلم لها.

قال سبحانه: "وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا" !

 

عود على بدء .. في ظل هذا، فإن بناء معرفة الحق على الاطمئنان أو الارتياح النفسي غير صحيح، بل أحيانًا طلب الارتياح النفسي وإرادة الخروج من مأزق الإشكال يكون أهم سبب للإيمان بغير الحق، ثم تقنين ذلك وشرعنته!

وده defense mechanism نفسي متكرر كثيرًا في حياتنا!

 

أخبار ذات صلة

سنحاول -معاً- جمع ما يتوفر من دلائل موضوعية، تثبت أو تنفي هذا الزعم بأن الرئيس السوداني المعزول عمر حسن البشير كان شخصية إسلامية، وأنه أستمر في حكمه ل ... المزيد

عندما كان موسى عليه السلام يكافح لتحرير قومه من ظلم الفراعنة واجه متاعب جديرة بالتأمل، وجل هذه المتاعب كان من قومه أنفسهم!.

 

المزيد

تأخر الإجابة اختبار صعب يحتاج إلى صبر.

هو اختبار ثقة في الله، واليقين بوعده، فمن نجح فيه نال عظيم الأجر بلا سقف ولا حدٍّ المزيد