البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

علامَةُ العلَّامَة

المحتوي الرئيسي


علامَةُ العلَّامَة
  • د.جمال الباشا
    12/11/2015 08:46

قد يحِقُّ لطالب العلم أن يُعجبَ بعلم شيخه وينبهرَ بشخصيته، فهذا لا يُستغرَبُ إذا ما اتَّسَعَ فارقُ بينِهما، وكلما كان الطالبُ أقلَّ حظًّا من العلم بَعُدت المسافةُ وازدادَ الانبهار، فإذا لم يكن له شيخٌ غيرُه فحينئذٍ يصدُقُ قوله فيه: لم تَرَ عيني مثلَه.
 
لكن ما لا يحقُّ للطالب هو أن يَفتَتنَ بشيخه أو يفتنَه أو يفتِنَ به بمغالاته في مدحِه وإطرائه لما في ذلك من خطرٍ على دين المادِحِ والممدوحِ والممدوحِ له. 
 
ومما تتجلَّى فيه صورةُ الغلوِّ إطلاقُ ألقاب التفخيم على من لا يستحقُّها كوصفه بـ"العلامة" أو "البحر" ونحو ذلك!! 
فسماعُ العالم لمن يقدِّمُه للجمهور بين يدَي المحاضرة، وهو يصفُه بتلك الأوصاف المُفخَّمة، أو قراءتُه ذلك في تقدمةٍ مكتوبةٍ له في كتابٍ أو موقعٍ وسكوتُه دون ردٍّ أو دفعٍ لهوَ إقرارٌ منه على الاستحقاق، وعلامةٌ على الرضا والانبساط والمصادقة، وهذا لا يكونُ ممَّن له حظٌّ من علمٍ راسخٍ ونفسٍ زاكية، فالعُجْبُ والغرورُ من قواصِم الظهور. 
 
ولعلَّ كثيرًا من هؤلاءِ المُعجَبِ بهم والمعجبين بأنفسهم يصدُقُ فيهم قولُ الشاعر:
 
ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها
كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولةَ الأسد
 
وأما فتنةُ الطالب المغالي فهي في الرياء الخفيِّ، فهو بثنائه على شيخه وجعله وحيدَ قرنه وفريدَ عصره، إنما يشتهي أن يُعليَ شأنَ نفسه، ويُعرِّفَ الناسَ بفضلِ من يطلبُ عليهم العلم، إذ هو يطلبُ العلمَ على أعلم أهل زمانه!! 
فهو يُزكِّي نفسَه بتزكيةِ شيخِه، ويمدحُها بمدحه، وكأنه يقول: هذا شيخي فليُرني امرؤٌ شيخَه. 
 
ويجدُرُ بي أن أشيرَ إلى أنَّ لقبَ "علاَّمة" قد امتُهِنَ في زماننا إلى حدٍّ كبير، وصارَ الأصاغرُ يُطلقونه على مَن يُعجبون به من شيوخهم بلا ضوابط ولا معايير، مع أنَّ دلالتَه عند أسلافنا كانت على العالم المتفنِّن المتبحِّر في سائر العلوم الشرعية وأدواتها التي لا تقوم إلا بها، من ذهنٍ متَّقِد، وبديهةٍ حاضرة، وحافظة فيَّاضة، مع صلاحٍ في الدين والهَدي الظاهر. 
 
فصيغةُ "فعَّال" للمبالغة، فإذا أُضيفَت التاءُ على اسم العَلَم المُذكَّر فذلك يفيدُ بلوغَ الكمال المُمكنِ من الصفة التي تضمَّنها الاسم. 
 
بقيَ أن أشيرَ إلى أنَّ من أسبابِ تضخيمِ ألقابِ بعض الأشخاص هو التأثُّرُ بفكره ومنهجِه والرغبةُ في ترويجها والانتصار لها بجعل أصحابها رموزًا فذَّةً تستَحقُّ أن تقلَّدَ ويؤخَذَ عنها. 
 
ولا يكادُ يخلو الغلوُّ بحالٍ من ذلةٍ للتابعِ وفتنةٍ للمتبوع، والنياتُ بحرٌ بلا ساحِل.

أخبار ذات صلة

رحيل البغدادي يضعف -لا شك- من معنويات أنصاره ومتابعيه، ويمنح -على الجانب الآخر- المناوئين شيئا من الزهو والانتصار.

لكن أثره على الأرض ... المزيد

لا وعي إلا بوحي .. وبخاصة في أزمنة الفتن، وإذا كان زمان تاريخ الإسلام ينقسم - كما أخبرت صحاح الأحاديث - إلى خمس مراحل هي : مرحلة النبوة ؛ ثم الخلافة على منها ... المزيد