البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

عصبة الثائرين انتفاضة عراقية أم تفوق استخباراتي إيراني

المحتوي الرئيسي


عصبة الثائرين انتفاضة عراقية أم تفوق استخباراتي إيراني
  • المهدي بوتمزين
    12/05/2020 12:46

لاشيئ ثابت حقا  في العلاقات و النظم الدولية حتى ما يمكن أن يوصف  مجازا بالحميمية منها , فلا أثر يذكر للود الأسطوري بين مؤسسات تحكمها النفعية المحضة و تدحض كل ما يعكر الصورة العامة لها . إن النظام الدولي يعرف باطنيا ارتجاجات صاخبة مستمرة  لا تنعكس عبر الجدارالمرئي للعامة من خلال السلطة الرابعة حيث تبقى الإمبريالية الإعلامية تحتفظ بمفهومها التوسعي السلبي و الأجوف   . هذا التداخل الساحق بين الواقع السياسي و الطبق الإعلامي يعد مؤيدا لغياب تصور عام كفيل بإقامة جسر معرفي نحو إدراك شامل للواقع . فالحصيلة البديهية لمجموع عددين لا يعني في مسرح الأحداث نتيجة محددة بعينها ؛ و مرد الأمر إلى تعدد العناصر المجهولة  و الفجائية في مدخلات الموضوع ما يجعل المخرجات  دون قيمة مطلقة .

على هذا النسق تسري  مسارات الأحداث السريالية في العراق التي لا يمكن التكهن بمستقبلها إلا في تقدير عدد الضحايا فقط ؛ شأنها في ذلك كباقي البلدان التي لم تُحدد سلطتها السياسية بشكل متفق حوله . فالامر ببساطة  لا يتعلق بجملوكية أو ستراتوقراطية أو غيرها من نظم الحكم المألوفة ؛ في شأن  العراق أنحو منحى تسيُّد باكورة مصطلح أؤمن بقدسيته في تظهير الأمور و رفع اللبس وهو ''الإستعموقراطية''  الذي يتداخل  فيه مصطلحا '' الإستعمار '' و '' الديمقراطية '' ,  و يعني  نظام حكم يمكِّن الشعب من ممارسة الديمقراطية لكن على مستويات متدنية , بحيث يمكن للمواطن أن يدلي بصوته في الإنتخابات لكن دون الإذعان في ممارسة الإستقلالية و الحرية التي تتجاسر على الحقوق الإستعمارية للطرف الاَخر الذي يبقى له الحق في تحديد مَن الواحد ضمن المجموع .

بلاد الرافدين تُحكم  منذ سقوط الرئيس صدام حسين و تبعثر أوراق حزب البعث العراقي  بالإستعموقراطية , فتارة تقع تحت حكم طهران و تارة أخرى تحت سلطة واشنطن و تل أبيب و هكذا دواليك .

في الأيام القليلة الماضية ظهر تنظيم مسلح جديد في العراق يكنَّى بعصبة الثائرين, ويرجح ارتباطه بإيران التي أضحت أخطبوطا متعدد الأذرع في محاولة منها لإقامة هلال شيعي يمتد حتى لبنان , مما يجعل خشية الملك عبد الله الثاني بن الحسين من إيجاد حكومة عراقية متعاونة – بمصطلح دقيق عميلة – لجمهورية إيران حقيقة واقعة  .

عصبة الثائرين بدأت نشاطها العسكري بإستهداف معسكري التاجي و بسمايه , كما قام التنظيم المسلح بإصدرا شريط مرئي يرصد فيه منشاَت السفارة الأميركية  وسط بغداد و قاعدة الأسد التي تتواجد فيها قوات أميركية بمحافظة الأنبار, كما أظهرت ذلك جملة من الأخبار الصحفية و الإخبارية . هذه التوطئة العملياتية تؤكد على أن العناصر و الكوادر تمتلك الخبرة الميدانية المسبقة  كجزء ضمن الجيل الخامس من الحروب التي تباشرها الجماعات بالوكالة  في المنطقة .

الهدف وراء إنشاء هذه الفصيل العسكري لا يمكن أن تتحدد دوافعه الإستراتجية و التكتيكية إلا من خلال المحددات العملياتية التي سيظطلع بها في المستقبل , و إن كانت بعض الأراء ذهبت إلى أن ماهية الفصيل تهم التغطية عن تحميل المسؤولية لفصائل أخرى ترتبط عضويا بالحرس الثوري الإيراني وتبعا لذلك تجنب الغضب الأميركي المباشر على إيران  .

مناسبة الحديث عن عصبة الثائرين لا تخصه ككل بل كجزء ضمن المجموع . و الإطار الذي تبلور فيه هذا الفصيل لا يختلف عن العشرات من المجموعات العسكرية المشكلة للذرع الحديدي الإيراني الخميني الشيعي في المنطقة . هذه المجموعات على إختلاف بِرْوزها التنظيمي سواء اكانت لواء أو حركة أو سرية أو كتائب أو غيرها , فهي بالمحصلة النهائية تملك نفس الأيديولوجيا و تخدم نفس الأهداف المملاة . وفي هذا المقام لا مناص من طرح تساؤل حول المرامي الحقيقة للصراع الأميركي – الإيراني في العراق , و هل هذا الصراع حقيقي أم لعبة شطرنج مخابراتية ؟

العلاقة بين طهران و واشنطن مرت  بتداخلات و صِدمات عدة , و اختلفت حسب الشروط الظرفية التي تقتضيها المصالح . فإبان حكم محمد رضا بهلوي تأسس جهاز الإستخبارات الإيراني الذي كان يحمل إسم '' السفاك'' وذلك بمساعدة من المخابرات الأميركية و الإسرائلية , و الحكم الإيراني قبل الثورة الخمينية كان خاضعا للإملاءات الغربية .

بعد الثورة الإسلامية الخمينية عام 1979 , تغيرت مسارات الأحداث و العلاقات الدولية فأضحت أميركا تُوسم في القاموس السياسي الإيراني ب الشيطان الأكبر . ومنذ ذلك الحين و هي تعمل على تثبيت الفقه الشيعي في مناطق عدة لاسيما المجاورة لها مثل العراق . هذا الأخير كان تحت حكم صدام حسين فدعمت إيران فيلق بدر الذي كان له دور كبير في إسقاط حكم صدام حسين , الذي كان هدفا معلنا لمقصلة طهران و واشنطن في الاَن نفسه .

بعد السقوط المدوي و دخول بغداد في دوامة لا متناهية من الصراع , احتدم معها السباق  للتمركز و السيطرة على البلد . هكذا بدأت أميركا في إقامة قواعدها العسكرية و دعم بعض الجماعات المسلحة , و بالمقابل باشرت طهران تأسيس حلفاءها ذوي المرجعية الدينية الموحدة . فأنشئ مقتدى الصدر جيش المهدي في أواخر سنة 2003 لمواجهة الجيش الأميركي و حماية المناطق و المزارات الشيعية .

فتوالت التنظيمات الموالية لطهران  و استمرت المواجهة مع واشنطن و حلفاءها , إلى وقت ظهور تنظيم الدولة المسلح ''داعش '', حيث إجتمعت مرة أخرى أهداف البلدين كسابقتها إبان مرحلة الكيد لنظام صدام حسين . فأعلنت واشنطن تحالفا دوليا لمواجهة داعش ؛ و أصدر المرجع الشيعي في العراق علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي التي بموجبها اجتمعت جماعات مسلحة موالية لطهران ضمن ما يسمى الحشد الشعبي, الذي يعد قوات نظامية في الجيش العراقي , هذا الحشد تأسس بأمر من الرئيس العراقي نوري المالكي – ذو المذهب الشيعي - .

رغم دخول إيران في حلف مواجهة الإرهاب إلا أن واشنطن لم تخفف من حصارها الإقتصادي عليها أو إيجاد صيغة تفاهم حول برنامج طهران النووي . فلعل الثناء الأميركي على الحشد الشعبي في حربه ضد داعش , يجد مبرره في الرغبة الأميركية لإنهاك إيران في حروب على عدة جبهات أو على النقيض تماما من ذلك الرغبة في جعلها جدارا ناريا لتدمير البلدان ذات المذهب السني و تمكين الشيعة من السيطرة على زمام الأمور .

هذا ما تحقق تماما  , فعدد من رؤساء العراق و كبار مسؤوليها لهم ولاء لطهران.  إما بسبب العقيدة الدينية و الفقهية أو كونهم عملاء لها في البلد . و هذا ما كشفت عنه أزيد من 700  وثيقة استخباراتية مسربة , كشفت عنها جريدة نيويورك تايمز و موقع أنترسيبت ؛ ترصد جملة من الوقائع و التفاصيل التي جرت بين سنتي 2014 و 2015 , منها زرع طهران لعملاء لها في الحكومة العراقية لرئيس الوزراء حير العبادي كبطانة غير رسمية   و الكشف عن اَلاف من العناصر الأخرى في شتى المواقع و المناصب داخل العراق .

التفكير النمطي التقليدي  الذي يمكننا من استقراء التفاصيل و استنباط اَثارها أو الإنحياز للإدراك المتأخر  , يحيلنا إلى أن الهدف الأثيل لتغيير النسيج الإجتماعي و السياسي في البلاد العربية , يعزى إلى إتفاقية بريطانية –فرنسية '' سايكس بيكو ''  , إلا أن الواقع اليوم يُوجد طرفا اَخر و هو الجمهورية الإيرانية الإسلامية . فهل تعد طهران و واشنطن أعداء أم حلفاء في الظل ؟

إن ما المواجهة التي تقودها طهران ضد أميركا و حلفاءها هي معركة صادقة و واقعية , تريد من خلالها تملك الأسلحة الدفاعية و المحافظة على حدودها . و هذا النجاح تكلل على أكثر من نقطة في سوريا و العراق و اليمن  . و هو الإنتصار نفسه الذي تُحققه كوريا الشمالية و كوبا و حزب الله و حركة المقاومة الإسلامية حماس و حركة طالبان و غيرهم .  فإيران تحقق إنجازات عسكرية و استخباراتية كبيرة جدا , و هي تحاول تملك قواعد و حلفاء لها في المنطقة درءا لأي تقدم إسرائلي – غربي .

فالعراق اليوم لا يمكن عدُّها شعبيا و مؤسساتيا متمتعة بالإستقلالية الكاملة حتى نعتبر جزافا  أن انتفاضة بريئة يُراد لها التحقق . فالشيعة  و الأكراد يتقدمون في البلد على حساب السُنَّة , و هذا هدف تسعى إليه إيران حقيقة  , ولعل في نَفَس واشنطن شيئ من هذا البرنامج التغييري للنسيج العربي الإسلامي و لذلك تترك متعمدة فراغا لتُفعمه إيران , و هذا ما يُدرك مبدئيا من خلال الخطاب الغربي المناهض للإسلام الذي يشير بالبنان إلى الإسلام السني دون الشيعي  و إلى السعودية دون إيران في الجانب الديني .

أخبار ذات صلة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛

 

- لا يوجد في الإسلام شيء اسمه (عابر جنسيا)، ولا متحول جنسي، والعمليات ا ... المزيد

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الماضية منشورات وأحاديث ،يتوقع فيها أصحابها ارتفاع وباء كورونا قبيل منتصف شهر مايو ،وذلك بناء على روايات ... المزيد

أعلن تجمع سعودي حقوقي، مساء الخميس 30 أبريل/نيسان 2020، إطلاق سراح باحث إسلامي موقوف منذ 4 سنوات بالمملكة، وذلك بعد أيام فقط من وفاة شيخ الحقوقيين الدكتور ع ... المزيد

تحت عنوان "دراسات منهجية" كتبت سلسلة "سلفية مبتدعة" ونُشر في 3 أجزاء بمجلة "الكلمة الطيبة" - تشرفت برئاسة تحريرها- وكان الجزء الأول في عدد أ ... المزيد