البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

عاشوراء يوم انتصار السنة

المحتوي الرئيسي


عاشوراء يوم انتصار السنة
  • علاء سعد حميده
    22/10/2015 12:05

ليست الشبهات التي تثار حول صيام يوم عاشوراء والاحتفال به من قبيل الشبهات التي يوجهها أتباع مذهب تجاه مناسبة دينية عند أهل مذهب أخر.. ولا دحض هذه الشبهات والرد عليها يمثل انتصارا لرأي فقهي أو ترجيحا له على آخر، فالقضايا الخلافية في الفقه بها سعة وتيسير، ولا  يدلو فيها بدلوه إلا الراسخون من أهل التخصص والاجتهاد -ولست منهم-..
 
ولسنا كذلك بصدد دعوة للتأكيد على سنة صيام ذلك اليوم، فإن واقع الحال – ومن خلال المشاهدة المباشرة- يخبرنا أن ثلاث مناسبات يحرص المسلمون على إحياء سنة الصيام فيها حتى تكاد تشعر بأجواء شهر رمضان المعظم من كثرة أعداد الصائمين خلالها وهي (يوم عاشوراء -يوم عرفة- الأيام الست من شوال)! 
 
خطورة تلك الشبهات أنها تأتي ضمن حملة ممنهجة للإساءة إلى والتشكيك في السنة النبوية المطهرة وكتبها ورواتها ومدونيها.. وتتزامن الحملة الممنهجة على السنة النبوية مع عدة ظواهر خطرة تجتاح العالم العربي والإسلامي، منها علو أصوات دعاة الفوضى الدينية ودعاة الإلحاد ودعاة الانحلال القيمي والأخلاقي للنيل من ثوابت الدين ومقدساته.. وإفراد مساحات إعلامية معتبرة تطل برأسها كل يوم مرتفعة بما يتصادم مع القيم الإسلامية الثابتة والمستقرة في المجتمعات المسلمة، في ظل سيطرة متزايدة لأصحاب رؤوس أموال ضخمة تثار ضدهم شبهات فساد وإفساد مالي وسياسي وأخلاقي واجتماعي على منابر الإعلام بأنواعه!.
 
وفي ظل دعم سياسي من أنظمة حاكمة تخوض حربا ضروسا ضد تيار الإسلام السياسي – بغض النظر عن موقفنا الثابت من الدعوة إلى مراجعة فكر هذا التيار وإصلاح أسسه البنائية ومنهجيته الفكرية والحركية والهيكلية والإدارية- تلك الحرب التي أوقعت أنظمة الحكم في أخطاء كارثية وفق رؤى متباينة لأجنحة وفصائل داخل تلك الأنظمة، فمنها جناح متطرف يرى مواجهة الدين الذي يُعد مرجعية ما لتيار الإسلام السياسي، هذا الجناح يُعلن عن نفسه بقوة مستدعيا كل ما يُسيء إلى ثوابت الدين، ويكرّم ويدعو دعاة الإلحاد والفوضى الدينية والأخلاقية، ودعاة الإباحية إلى منصات التكريم والاحتفالات الحكومية الرسمية وشبه الرسمية، مُعتبرا الحرب على الإسلام السياسي فرصة ذهبية لتدمير ثوابت الدين، وجناح امني مهووس (بفوبيا) الإسلام السياسي يرى في كل ملتزم دينيا، معارضا سياسيا محتملا يقف في وجه النظام، وبالتالي فهو يطبق سياسة تجفيف المنابع تجاه التدين، وجناح يحيا على الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويرى في القيم والمبادئ الدينية الخطر الأكبر على مشاريعه القائمة والمستقبلية، وجناح رابع يدعو إلى مراجعة وتجديد الخطاب الديني لا استنادا إلى قواعد الدين وثوابته بقدر ما تتملكه هواجس خطورة الإسلام السياسي على مستقبله في الحكم!.. يساند تلك (الهوجة الحمقاء ضد الدين والتدين)، صمت كثير من علماء المؤسسات الدينية خوفا من شمولهم بالحملة الشعواء على تيار الإسلام السياسي وتصنيفهم ضمن رموزه ودعاته، وركوب آخرين موجة الإساءة للثوابت عجزا أو نفاقا أو قصورا في  الرؤية أو تصفية لحسابات مذهبية أو فكرية أو شخصية، أو أيا كانت الدوافع المختلفة لركوب تلك الموجة البغيضة..
 
الظاهرة الثانية هي اتساع نسبة الإلحاد والإباحية بين الشباب والتعبير عنها بشكل أكثر جرأة، في وجه مجتمعات متشظية ومنقسمة في أعقاب أحداث سياسية كبرى وثورات إصلاحية وأخرى مضادة..
 
ثالث الظواهر هي امتداد رقعة هذه الدعوات والمظاهر لتشمل مجتمعات عربية كثيرة، فلم تعد مقتصرة على مجتمع دون آخر.. ولكنها تتطاير تطاير الدعوات إلى الثورات السياسية والاجتماعية ذاتها..
 
تنتشر هذه الظواهر وسط مُناخات مناسبة لها تدعمها عدة عوامل إضافية، منها: 
1 -حالة التشكك والخلط بين الدعوة إلى الحرية السياسية والفكرية وبين التحرر من الثوابت والقيم والمبادئ الدينية والأخلاقية والأعراف الاجتماعية، وفقدان الثقة في المناهج التي لم تستطع الوصول بالثورة إلى أهدافها الطموحة.. ويمكن أن نطلق على هذا العامل اختصارا وتبسيطا (حالة التململ والتمرد التي تجتاح شباب ما بعد الربيع العربي)..
2 - ثورة الاتصالات الرقمية العالمية.. والسهولة الفائقة في تبادل الأفكار، وانتشار الدعوات المختلفة دون أدنى درجة من درجات (الفلترة) والتمحيص.. في كافة الاتجاهات (ثورة الانترنت وتجلياته).
3 – انهيار المؤسسات الدعوية والتربوية المرتبطة بتيار الإسلام السياسي والجماعات الدينية أو على أقل تقدير استنزاف طاقاتها واستهداف أفرادها في المعركة الطاحنة مع أنظمة الحكم، مما أعجزها عن سد الفراغ الروحي والقيمي والأخلاقي لدى الشباب المبلبل (نظرية وضع البيض كله في سلة واحدة)..
 
4 – عزوف الشباب عن متابعة برامج ومناهج بقايا الدعاة الجدد، والدعاة غير المسيسين، على خلفية اتهامهم بممالئة الظلم والخنوع للظالمين (شعار: الساكت عن سفك الدماء بلا محاكمات عادلة شيطان أخرس ولو صلّى وصام ووعظ الناس ألف عام).. يدعم ذلك كله سعي القطاع غير المؤدلج من صناع الإعلام والثقافة إلى تحقيق أرباحا طائلة من جراء تبني كل ما من شأنه إحداث الإثارة والضجيج بين الناس لتحقيق الأرباح الخيالية من نسب المتابعة، بعيدا حتى عن تبني أي من وجهات النظر المثارة! 
 
وسط كل هذه الأجواء الضبابية، وحالة السيولة القيمية والمعرفية والاجتماعية، تأتي الشبهات التي تثار عن الاحتفاء بيوم عاشوراء.. لا بهدف تصويب خطأ يقع فيه المسلمون بصيامهم لهذا اليوم إحياء لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.. ولكن لتوجيه سهام التشكيك والاتهام للسنة النبوية في مجملها، ومن ثم تسفيه منهج حُماتها عبر الزمن، وصولا إلى التشكيك في رواتها وكتبها ورواياتها ومتونها على السواء!!
 
تعتمد هذه الشبهات على توجيه سهام الطعن في الأحاديث الشريفة الواردة في فضل صيام عاشوراء والتي أخرجها الصحيحين وغيرهما من كتب السنة.. بحجة تعارض المتون! مما يحقق الهدف الأهم والأعمق لأصحاب تلك الحملة وهو الطعن على الصحيحين وكتب السنة ومنهجها في جمع وتدوين السنة النبوية.. والطعن على رواة الحديث من الصحابة أنفسهم، وإشاعة فكرة مؤداها أن تلك الكتب (كتب السنة) وُضعت لنصرة فصيل سياسي ليستحوذ على المُلك في ظل الخلافات بين دولة بني أمية وأشياع علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- ومن ثم الخلافات السياسية بين بني العباس وبني أمية.. خلوصا إلى أن صلاح الممالك والدول والمجتمعات لا يكون إلا في فصل الدين عن سياسة أحوال الناس!
 
يأتي هذا المقال – وليس البحث- في إطار الانتصار للسنة النبوية الشريفة بالحق، بتوجيه النقد المنهجي للمنهج الذي اتبعه مروجي تلك الشبهات بموضوعية وإنصاف وتجرد من الهوى.. دون أن يحكي شبهات المشككين تفصيلا، ولا ردود وأبحاث علماء الأمة قديما وحديثا على تلك الشبهات، فكل هذا يمكن للقارئ الرجوع إليه للاستزادة والتوثيق، لكن المقال يهتم بالمنهج أو الإطار العام- ولذلك هو مقال وليس بحث علمي حول المناسبة- وسبب اقتصاره على الإطار المنهجي لحملة التشكيك في مناسبة عاشوراء، أن الطعن في المناسبة ليس مقصودا بذاته، ولكن لتحقيق الطعن في السنة من ورائه.. فتهافت منهجية دعاة حملة التشكيك يُسقط بالتبعية كل حملتهم ضد السنة النبوية سواء بتوظيف تلك المناسبة أو غيرها من المناسبات الإسلامية.. حيث وقع مروجي تلك الشبهات في أخطاء منهجية جمة منها:
 
1-  إهدار قيمة التخصص العلمي والخلوص إلى نتائج التشكيك في صحة أحاديث صوم عاشوراء دون تحري رأي أهل الاختصاص من علماء الحديث والفقه.. وهو خطأ منهجي يرفضه هؤلاء الشباب أنفسهم إن تناول فرد غير متخصص النقد أو التشكيك تجاه قضية علمية طبية أو هندسية أو اقتصادية أو اجتماعية – على سبيل المثال- ولطالبوه باحترام التخصص العلمي..
2-  بنوا حكمهم المتشكك على سماع طرف واحد هو طرف المشككين الذي ألحن في حُجته، دون الرجوع إلى دحض الشبهة عند الطرف الآخر للموازنة بين الرأيين، والحكم على الأمر من خلال مراجعة أدلة كل فريق.
3-  عدم بذل جهد بحثي علمي حقيقي ينبنى عليه نتائج معتبرة، واقتصار الأمر على جمع شبهة من هنا وأخرى من هناك دون تمحيص أو مراجعة أو جمع كافة الآراء في المسألة والموازنة والترجيح بينها.
4-  نتيجة ما وصل إليه هؤلاء المشككين – ويدعون إليه عبر الفضاءات المختلفة باعتباره فتحا في عالم النقد- لم يكن جديدا أو مبتكرا، وكأنهم اكتشفوا ثغرة خطيرة في كتب ومنهج تدوين السنة النبوية.. بينما هم يرددون شبهات قديمة أطلقها أتباع المذهب الشيعي.. ورد عليها علماء أهل السنة.. فالشبهة في جوهرها وتفصيلها قديمة مستهلكة.. والردود عليها قديمة قدمها أيضا.. غير أنهم روجوا للشبهة ولم يلتفتوا لما يدحضها (كبرا أو جهلا).
 
5-  أن أصل هذه الشبهة موجود في كتب وروايات الشيعة، ومن الثابت عقلا ومنهجا عدم االنقل عنهم في تلك المسألة تحديدا لاعتبارين، الأول أن مذهبهم يقدح في كل من خالف منهجهم من كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وبالتالي هم أهل خصومة وإنكار واضحين، والثاني أن يوم عاشوراء تحديدا يوافق بدعة شنيعة أحدثوها في الدين من إقامة المأتم المتجدد على وفاة الحسين رضي الله عنه فيه، وإحياء بدع اللطم والممارسات المازوشتية فيه.. وبالتالي فإن إحياء اليوم بالصيام والعبادة يفسد بدعتهم المتوارثة عبر الأزمان.
 
هذا من حيث النقد الموجه إلى المنهج الذي بنى عليه المشككين في مناسبة عاشوراء شبهتهم، أما من حيث الردود التي تدحض هذه الشبهة، ففضلا عن تفصيل علماء الأمة في المسألة تفصيلا شافيا جمع بين الأحاديث وبين مناسبة كل حديث منها، بحيث وضح أصل صيام عاشوراء عند قريش والذي وافقهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وكان يوم تُكسى فيه الكعبة، ولقريش في الجاهلية شعائر دينية لها أصل في ملة إبراهيم عليه السلام مثل الحج والعمرة وعمارة البيت وسقاية الحجيج والرفادة وغيرها من الشعائر التي أبقى عليها الإسلام أو وافقت الإسلام، وإن غير تفاصيل بعضها مثل الوقوف مع الناس في عرفات يوم الحج الأكبر.. ثم وضح أصل صيام يوم عاشوراء عند اليهود كذلك بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة باعتباره يوما نجّى الله تعالى فيه موسى عليه السلام.. وفي سياق تلك الردود على شبهة وضع أحاديث صوم عاشوراء في الصحيحين وكتب السنة، نؤكد خصوصا على:
 
1 – كثرة الأحاديث المروية في هذا الباب واختلاف رواتها، لا يعارض بعضها بعضا كما يظن أصحاب الشبهات، ولكنها تعضد بعضها البعض وإن اختلفت متونها، بحيث تقترب من التواتر بين الرواة على المناسبة نفسها.
2 – أظهر الشبهات التي تثار حول صوم عاشوراء، أنه مناسبة وضعها خلفاء بني أمية لإلهاء الناس عن واقعة قتل الحسين-رضي الله عنه- بكربلاء في ذات اليوم.. فكيف لم يبطل صيام هذا اليوم الأئمة الأربعة، ومنهم الإمام أحمد الذي وقف للحكام في فتنة خلق القرآن فسُجن وجُلد دون أن ينطق إلا بما يعتقده حقا وصوابا؟!.. ولماذا لم يبطله كذلك خلفاء بني العباس وكانوا في خصومة سياسية مع بني أمية، وقد مُكنوا من حكم المسلمين بعدهم؟.. ( إن أولى الناس بإبطال بدع بني أمية الدينية وممارساتهم السياسية هم بنو العباس).. بل لماذا لم يبطل صيام هذا اليوم الصحابي عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- خلال ثورته على حكم بني أمية وانفصاله بإمارة الحجاز؟.. الأكثر من ذلك أن عبد الله بن الزبير نفسه هو أحد رواة بعض أحاديث الحث على صيام عاشوراء!.. وعبد الله بن الزبير عاصر واقعة كربلاء وعاش بعدها سنوات حتى قام بثورته على عبد الملك بن مروان!!
3 – ومن الشبهات كذلك أن اليهود لا يحتفلون بعيد الفصح أو العبور وفق الحساب القمري، وأنهم يعتمدون الحساب الشمسي.. والحقيقة الموثقة من الموسوعات اليهودية أن طريقة الحساب عندهم قمرية شمسية.. تجمع بين الحساب بالشهور القمرية والسنة الشمسية، وتدور خلالها أيام وشهور السنة دورات معينة يزيدون خلالها شهر كل عدة أعوام.. واحتفالهم بعيد الفصح مازال يوافق دخول الربيع وهو يأتي في شهر نيسان بالتقويم اليهودي، وهو شهر يقابل في التقويم الميلادي ما بين شهري مارس وابريل.. ومن الطبيعي أن يرد النبي صلى الله عليه وسلم أصل اليوم الذي يحتفل فيه اليهود بنجاة موسى عليه السلام إلى أصل التقويم بالأهلة لأن هذا هو أمر الله للمسلمين.. ولأن هذا كما أوضح العلماء كان عن طريق الوحي للنبي بأن هذا اليوم يوافق يوم عاشوراء من المحرم.. علما بأن شهر نيسان في التقويم اليهودي هو أول الشهور في السنة اليهودية.. والعجيب في الأمر أن التاريخ الهجري ليوم عاشوراء في السنة العاشرة للهجرة يوافق الخميس 18من ابريل عام631ميلادية.. وهو العام العاشر الهجري الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول منه، والذي يصح أنه قال في مناسبة عاشوراء فيه (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر).. باعتباره آخر عاشوراء حضره النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته.. فيكون بذلك شهر نيسان اليهودي موضع الاحتفال بعيد الفصح المعمول به لدى اليهود حتى الآن متوافقا مع يوم عاشوراء.. مع الأخذ في الاعتبار أن المناسبات الإسلامية لا تحتسب إلا وفقا لمواقيت الأهلة كما قال تعالى.. (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)سورة البقرة آية189
 
من كل ما تقدم أقدم التهنئة إلى أمة الإسلام بيوم عاشوراء، مؤكدا على أنه يوم تنتصر فيه سنة النبي صلى الله عليه وسلم على شبهات المغرضين والجاهلين.. يوم نصومه كما صامه نبينا صلى الله عليه وسلم، إحياء لسنته وتثبيتا من أنفسنا.. فكل عاشوراء وأنتم بخير؛؛؛    

أخبار ذات صلة

الكنيسة الكبرى :

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

المزيد

ألغت المحكمة الإدارية العليا، الجمعة، قرار مجلس الوزاء الصادر بتاريخ 24/ تشرين الثاني/ نوفمبر 1934، بتحويل "آياصوفيا" بإسطنبول من المزيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

واقع العالمانية التركية:

المزيد

الحمد لله وبعد فهذه مسائل فقهية حول أحكام صلاة المريض ،وما يتعلق بها من أحكام الطهارة وغيرها . وقد كان الحامل على جمعها وكتابتها ما نعاني منه جميعاً من ا ... المزيد