البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

طرق تعميق القراءة

المحتوي الرئيسي


طرق تعميق القراءة
  • أبو قتادة الفلسطيني
    20/09/2015 05:29

القراءة فعل وغريزة، وكل فعل وغريزة له درجات متعددة، تقوى بتقوية أسبابها وآلاتها، وتضعف بضعف هذه الأسباب والآلات، والناس (القراء) يتفاوتون في هذه الغريزة، ليس بسبب كميتها فقط ولكن لاختلاف درجاتهم في تقوية هذه الغريزة أو إضعافها.
وقبل ذلك قد يسأل سائل: ما هي أعمق قراءة؟ والجواب ولا شك: هي القراءة الناقدة المفسرة:
فهي قراءة كاشفة؛ تكشف لك النص بوضوح دون ضبابية أو خفاء، وتكشف لك عمارته أو خواءه، غناه أو فقره، تكشف لك شجاعته أو جبنه، تكشف لك الكاتب كما تكشف لك الكتاب.
وهي قراءة محاورة: تحاورها حوارًا يرقيّها في داخلك، لا تقبلها ولا ترفضها، بل تحاورها لتنشئ غيرها، غير يكون أرقى وأوسع وأشمل؛ فالأفكار بضدها تتطور وتثمر، وبتوسعها تُقبل بنسبة وتُرد بنسبة، كما قال بعض السلف: "من قلَّ علمه كثر اعتراضه".
وهي قراءة توسع الدلالة؛ فدلالة الحرف مراتب -ككل ما خلق الله وأبدع في الوجود- متفاوت الدرجات، وكذلك النص، والقراءة الناقدة تذهب بك إلى أعلى درجات دلالة النص والحرف، بل وتذهب بك إلى المسكوت.
وهي قراءة استنباط؛ أي بها تستخرج الجزئي من الكلي.
 
وقراءة استقراء؛ أي تستخرج الكلي من الجزئي، فهي قراءة تنشئ لديك الكليات والتي لا فقه بدونها كما قال بن تيمية -والفقه هنا بمعناه اللغوي لا الاصطلاحي-، وتعطيك التعميم، وهو أساس إعمال الحكم وهو مفتاح نجاح الحياة كلها. ومع فهم الفوارق بين الجزيئات والتي ظاهرها المشابهة وظاهرها المخالفة.
هذه جوامع القراءة العميقة التي يجب على القارئ أن يسعى إليها.
إنه مما لا شك فيه أن أعظم طريق لتعميق القراءة لارتشاف رحيقها من مظانها هو كثرة القراءة والاطلاع، كما قال الجاحظ في معنى كلامه: العلم إن أعطيته بعضك لم يعطك شيئًا، وإن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وأنت مع هذا البعض على خطر عظيم.
 
فكثرة الاطلاع والمعرفة لا تزيد مداركك الذاتية والعلمية فقط، لكن تزيد قدرة هذه الغريزة على الغوص في مرامي المؤلفين وكلماتهم، ويصبح عندك القدرة على معرفة مستويات الكتّاب والكتب، كعين الخِرِّيت الخبير، وخاصة إذا اختار المرء اختيارًا موفقًا للكتب وأنواعها، وإذا تنوعت هذه القراءة ولم يقيد الإنسان نفسه في فن واحد لا يتعداه.
كثرة القراءة وتنوعها يجعلانك أكثر قدرة في إدراك المسكوت عنه في الكتب، ليس فقط ما تحسّسه الكاتب ولمسه أو عَرَّض به لكن ما هرب منه وأخفاه، وهذه "شيطنة" يمارسها الكثير من الكتّاب، بعضهم استغفالًا للقارئ وجبنًا منه أو ضعفًا وجهلًا، وبعضهم يمارسها ذكاءً وعن قصد عقلي علمي ليظهر قدراته في هذا الفن الغريب العجيب، وهنا يأتي دور "القراءة الناقدة"، هذه القراءة التي لا تتكون من خلال قواعد تُدرس فقط، بل من خلال طول ممارسة ومعاناة ونظر وسماع.
إن كثرة العلم عند القارئ تجعلان الكتاب الذي يقرؤه يفيد علمًا أكثر؛ فالقراءة -كما ذكرت مقدمًا- ليست تلقيًا فحسب بل هي مشاركة، فكما أنك تستمد منه المعرفة والعلم فكذلك أنت تبسط على مساحات أوسع من المعاني وذلك بمقدار ما معك.
 
وإن نوع القراءة كذلك يؤثر على عمق القراءة؛ فالكتب مراتب بحسب أصحابها ومقاصد واضعيها، وبحسب موضوعاتها، وها أنا أدلك على بعض أنواع الكتب النافعة والتي لها فعل الترياق في هذا الباب، فإن أخطأتها فقد فاتك خير عظيم لا تدركه في سواها، وجامع هذه الكتب أنها كتب سجالية:
- كتب أوائل العلوم؛ فإن لكل علم كتبًا أولى كتبها أصحاب عقول فريدة، شقّوا لهذه العلوم قواعد مكتوبة، وإن علمنا أن هذه القواعد كانت مستقرة في النفوس، ولكنّ هؤلاء السابقين في الحفر والإبانة لهم مزيات ولكتبهم عمق متميز لا يدركه المتأخر، وإن بدا لك أن المتأخر قد بسطه ووسعه وزاد عليه أو عدله أو قوّمه، فإن ميزات كتب السابقين تكون عادة مبينة على كميات هائلة من الأفراد، والتي من خلالها حصل الاستقراء الذي هو: استخراج الكلي من الجزئي كما يعرّفونه، وبه تكوّنت قراءات هؤلاء السابقين المبدعين.
من الخطأ الذي شاع هذه الأيام وانتشر أن العلوم الإنسانية، كاللسانيات والاجتماعيات تتطور في ارتقاء، وهذا الوهم أعرف أنه يسيطر على عقول الكثير من الناس والباحثين، حتى أني مدرك أن الكثيرين سيجابهون قولي هذا بالاستهزاء وليّ الشفاه احتقارًا، ولا بأس، فإن ظلال هذه العلوم تتجلّى من خلال الممارسة كما هو معلوم، تتجلى من خلال الشعر والأدب ومن خلال السياسة بمفاهيمها المتنوعة سواء الدولية أو التربوية أو الاقتصادية، فهل العالم اليوم في هذه الجوانب القيمية أرقى من جدوده أم أنه منحدر ومنحط عن هؤلاء الجدود والآباء؟!
فكر بعقلك قليلًا ودع عنك شعوذات خرافيي الحداثة الكذابين، وسيتجلّى لك الجواب بسهولة.
القيم الإنسانية لا تتطور، والتجارب الإنسانية القيمية لا تتراكم بل هي تعيش في دورات وفي كل دورة يحصل صراع بين قيم الحق والباطل، حق لا يتطور، وباطل يتزخرف، يشهد لهذا الدين والشرع وسيرورة الحياة نفسها.
 
لا أدري إن كتب أحد في هذا الباب لكن رأيت الدكتور مؤنس في كتابه الرائع المفيد (الحضارة) أشار إليها إشارة سريعة، مع أنها كانت حاضرة في عقول الأولين، ولابن القيم فقرة رائعة في كتاب (إعلام الموقعين) عند حديثه العميق عن القياس ورده على من يتصور تطور الأعمال والذي يستلزم من قوله عدم كفاية النص، فإنه فرّق بين نوع العمل وجنسه وبين فرد العمل وآحاده، وليت الكتاب بين يدي لأنقل النص لأهميته.
 
أما دليل الدين، فإن ثبات قيم الدين الخلقية منذ آدم إلى نبينا محمد ﷺ لم تتغير ولم تتبدل، وما اختلف بين الأنبياء هو في الشرائع المعالجة والمقومة لهذه القيم الثابتة؛ فالزنا قبيح في كل الأديان وكذا الكذب والسرقة وشرب الخمر والاعتداء على حقوق الآخرين، والصدق والأمانة وبر الوالدين ورعاية الأسرة والعدل كل الأديان حسّنته ولم تختلف فيه، وإنما الخلاف في الشرع المعالِج والمقوِّم هو المختلف، تشديدًا أو تيسيرًا بحسب حكمة الرب في الأقوام، والعجيب أن اللاحق قلما يستفيد من السابق، مع أن من أساليب الأنبياء وأتباعهم في إحياء هذه القيم والدفاع عنها كانوا دائمي التذكير بعاقبة السابق حين صادم محاسن القيم والأخلاق، ولا معتبر.
أما سيرة الحياة فإن واقعنا يشهد على هذا، وسأضرب مثلًا بما ملأ "المشعوذون" الكلام فيه دجلًا أنه تغير إلى الأحسن، ألا وهو موضوع المرأة، فما أن تدعو إلى حكم شرعي يتعلق بها حتى ينهق المشعوذون: هل تريدون إعادة المرأة للعصور المظلمة؟! ويقصدون بالمظلمة كل عصور آبائنا وأجدادنا.
ما هو الرقي والتقدم الذي حصلته المرأة اليوم؟!
 
مع كل القوانين الحامية لها فإن المرأة في أمريكا -حسب تقريرهم هم لا نحن- تُضرب أكثر مما تضرب البغال في بلادنا، فإن 85% من النساء هناك تعرضن للضرب ولو لمرة واحدة –مع أنهم يقولون أن هذه النسبة غير صحيحة لأن هناك حالات من الضرب لا يُخبر عنها-، وليته ضرب من قِبل إنسان مالك لعقله بل -حسب تقريرهم-  يتعمد الضاربون السُّكر الشديد قبل الضرب ليخرج كل ما في نفسه من قهر تجاه احتقاره وذهاب إنسانيته، بسبب دمار التركيبة الاجتماعية في البيوت.
 
هل بقي هناك من سلعة حقيرة روجت عن غير طريق جسد المرأة؟! هذا الجسد الذي تحول إلى متاع يباع ويشترى، ومن عاش في الغرب ولو قليلًا سيعرف هذه القذارة التي تتقزّز منها النفوس، ولذلك يبقى للمرأة بعض احترام ما دامت نافعة للتسويق حتى إذا ذبلت بعض نضارتها رُميت كقشرة الموز، لا راحم لها ولا راعٍ لكبرها وحاجاتها.
آخر تقرير بريطاني يقول أن 80% من الموظفات المتزوجات مارسن الجنس مع أصدقائهن في المكاتب، والتقرير يعترف أن النسبة الحقيقية أكبر من ذلك، وأما ما يعرفه إخواننا في الغرب من أخلاق المتزوجين والمتزوجات فذكره يقزز النفس ويتعبها.
هذه القوانين التي توجِد الشرعية للعلاقات الجنسية والاجتماعية خارج إطار الزواج كم جنت على الأسرة والطفل والإنسان وقبل ذلك على المرأة نفسها في صباها وشيخوختها؟! إنها أساس إقامة حضارة السجون والمستشفيات.
هذه القاذورات النتنة وغيرها يغطونها ببعض المساحيق الزائفة، وكأن المرأة لم تكن حكيمة لحل المشاكل إلا اليوم، وكأنها لم تكن طبيبة إلا في ظل هذه الحضارة، وكأنه لم يكن لها يد في إدارة شؤون البيت إلا بعد أن صار لها الحق في تغيير العشاق كما تغير أحذيتها.
إن جدتي عائشة بكل احترام وتقدير لها، وبكل حب وإجلال لهيبتها، ما كان لأحد أن يرد لها كلمة، وإن أمي عائشة هي البيت كله، ولا أعلم لأبي دورًا في بيتنا سوى أنه يعمل لإحضار المال لتستلمه هي، ولم يكن يعرف مقداره إلا يومًا واحدًا في العام، آخر شهر رمضان من أجل زكاته.
كان في مجتمعنا سيئات تصارعها الحسنات وما زالت وستبقى هذه السنة -سنة التدافع- إلى يوم الدين.
 
وأما قياس المعارف القيمية على العلوم الطبيعية والمادية، وأنه كما تتطور وتتراكم معارف الإنسان في الصناعات والاكتشافات فإنها تتطور في القيم؛ فهو جهل مركب، وكان على المسلم خصوصًا أن يكون بريئًا منه لوجود الدين العاصم من هذا، لكن رأيت بعضهم قد مال به الشيطان إلى عدوته في هذا الباب، وإن أكثر من رأيته يدندن حوله هو "خالص جلبي"، وهذا الرجل لمعرفته بالطب لأنها مهنته يتبجح بهذه المعرفة ليستهزئ بكثير من القيم الدينية، ويقارن ثبات أهلها عليها بثبات معالجي الأمراض المستعصية بالطرق القديمة لينفر الناس منها ومن أهلها، ولعل فرح العلمانيين به-كما يظهر في الجرائد التي ينشر فيها مقالاته- قوّى لديه نزعة الاستهزاء هذه حتى رأيت له كلامًا خطيرًا وهو الاستهزاء بالأمر القدري، فإنه استهزأ واستهجن كثرة الحيوانات المنوية في الحمار مع عدم حاجة نسله لذلك، ولعل سعار الاستهزاء هو الذي أوصله هذا المنزلق، وهو تلميذ جودت سعيد، وجودت هذا كتبه فيها إبداع وتجديد وأفكارها تبدو لأول وهلة جميلة وبراقة، ثم بالتمعن يتبين أنها وهمية وضعيفة الجذور وحالمة، مع مخالفة الكثير من "خصوصيات فكره" لثوابت الشرع ومصادمتها لسنة الحياة، والكثير من أدلته لهذه "الخصوصيات الفكرية" تصلح دليلًا ضده.
وهما –جودت والجلبي- يدَّعيان وراثتهما لفكر مالك بن نبي، وكتب مالك ولا شك قيّمة، وفيها إبداع في أسلوبها وأفكارها إلا كتابه عن (الأفريقية الآسيوية -مؤتمر باندونغ) فإنه سقطة بكل المعايير.
وتذكر دائمًا: لا يوجد كتاب عدو لك، فاقرأ.
لعلي أطلت في هذه النكتة مع أن لها ارتباطًا بما نحن فيه.
 
كتب أوائل العلوم وإن بدت قليلة الحجم -في أغلبها- إلا أنها تحوي الأسس الأولى لهذا العلم، وتكشف طريقة التفكير التي اتبعها "المبدع" في وصوله لأهدافه، وهذا ليس من خلال شرح مطول مسهب كما يكون عند اللاحق له، بل من خلال نظر الناقد وقراءته العميقة لهذه الكتب؛ ولذلك في هذه الكتب قلما يفصح "المبدع" عن أصوله؛ لأنه في الأغلب يفترض أنه يتعامل مع متخصصين وكبار مثله، وهذا مع مرور الزمن وقلة الوعي عند اللاحقين يصبح كتابه مهجورًا إلى الكتب الأخرى لصعوبة كتابه أو لخفاء معانيه عند "السطحيين"، وبعض هذه الكتب اللاحقة لمحاولة التسهيل لسوء فهم تقتصر في معاني كتب "أوائل العلوم".
 
من هذه الكتب الصالحة للمثال فيما نحن فيه كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي، وهو أول كتب وُضع في أصول الفقه والحديث، وهو بأصول الفقه ألصق.
لقراءة هذا الكتاب قراءة صحيحة يستدعي معرفة أمور مهمة؛ منها معرفة الحال الذي دفع الإمام لكتابته، فالمعروف أن كتب العلم الشرعي كانت تُكتب لسببين: إما للدخول في زمرة العلماء، أي كتابة للمشاركة وهو أشبه بما يُقدَّم اليوم من أبحاث جامعية، وإما أن تكتب لسبب خارجي عن ذلك، كسؤال توجه إليه، أو فتنة وقعت واستدعت الإجابة، وكتاب (الرسالة) ولا شك من النوع الثاني؛ إذ أن الشافعي ألفه بعد أن صار له اسم وحضور في وسط علمي رفيع المستوى حتى قال أحمد بن حنبل قبل قدوم الشافعي إلى العراق -وله رحلتان إليها-: "لقد كانت أقفيتنا -وفي قراءة: أقضيتنا- بين يدي أهل الرأي حتى جاءنا الشافعي"، فهو لم يكتبه للدخول في زمرة العلماء، إذ كتبه وهو المقدَّم فيهم.
 
فمعرفة السبب الدافع لكتابته أمر مهم، ثمَّ لا بد من معرفة أدوات هذا "المبدع"، والشافعي إمام في اللغة ويكفي مدح الجاحظ له حين اعترف أنه أنبغ أهل عصره فيها، واعتراف الأصمعي أنه أخذ شعر هذيل منه وهو فتى في مكة، وإمام في الحديث بلا منازع معتبر، وإمام في الفقه بإجماع الناس، وصاحب عقل غوّاص، واستقرائي واستنباطي.
فمثل هذا الكتاب لمثل هذا الكاتب، وبإبداعه غير المسبوق يجعل للكتاب مزية إدراك هذا العلم والنظر إلى قواعده الأولى.
 
بل إن ما يقال عن أوائل  الكتب يقال عن أوائل الاستنباط والنظر؛ فإن الحكمة الأولى لها عمقها وجمالها وبيئتها المفيدة لعلوم أخرى، انظر إلى كتاب ابن رجب (جامع العلوم والحكم) في أوله، في شرحه لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وقول الشافعي عنه: "هذا الحديث ثلث العلم ويدخل في سبعين بابًا من الفقه"، فتأمل هذه الكلمة كيف انتقلت من أفواه العلماء، يزيدون عليها ويبسطونها، ومع ذلك فإن منهج الاستقراء الذي يتميز به الشافعي واضح جلي في كلمته، وتأمل كيف جعل الحديث "ثلث العلم"، وأما في الفقه فيدخل في "سبعين بابًا"، كل هذا يُعينك في معرفة العلوم وتطورها، وهو يفيد أكثر ما يفيد في قضية مناهج الأقدمين الذين لم يكتبوا في المنهج اعتمادًا على حضوره في نفوسهم، ونفوس أقرانهم، ولم يخطر ببالهم أن يرث هذا العلمَ أهل عيّ وجهالة.
 
نعم يكتنف هذه القراءة -وهي قراءة كتب أوائل العلوم- صعوبة على المبتدئين؛ إذ إن أغلبها كما تقدم مختصرة وأشبه بالمتون، لأن المؤلف -يُفترض في هذا  المؤلف- أنه يخاطب أقرانه، ومن كان هذا حاله فإنه لا يطيل الشرح والأمثلة، ولا تكثر في نفسه أسئلة: " كيف"، لأنه يقدِّر معرفة الآخرين بها، ولذلك يستعان على قراءة هذه الكتب بكتب الشروح في البدايات، مع أن هذه الكتب لا تنتهي شروحها كما هو شأن (مقدمة ابن خلدون)، فهذه كُتب عنها الكثير، وخاض فيها من خاض، ومع ذلك بقي في الأمر متسع لبعض القول عليها.
ومن فوائد قراءة هذه الكتب أنها تمد القراءة لقراءة أخرى، إذ أن "تاريخ العلوم" من أهم العلوم التي يجب أن تُقرأ لتتعمق القراءة كما سيأتي، وتُعرِّفك قراءة أوائل العلوم على تطور هذا العلم إما سلبًا أو إيجابًا، وما هو أصلي فيه وما هو أجنبي عنه، كما تعرفك بمراتب الكتب وتقديرها؛ لأن هذه الكتب -كل الكتب- تكتنفها أمور خارجية خادعة إما مزينة لجهل أو طامسة لعلم، شأنها شأن الناس، فكم من الناس يخدعك بَريقُه ثم تكتشف دناءة معدنه وإما أن يتغابى وهو أذكى الناس وأعلمهم، فقراءة هذه الكتب تعلِّمُك قراءة العلم ومقداره وراء عبارة الكاتب، لأنه كما تقدم لا تنشأ هذه العلوم إلا من كميات هائلة من أفراد وهذا العلم الجديد.
 
من قرأ كتاب سيبويه (الكتاب) يدرك الفرق جليًا بين علم النحو عند الأوائل حيث كان ذوقًا وروحًا ومعنى، ثم صار خُشُبًا مُسنَّدة، قواعد حديدية تشكل هيكلًا فاقدًا للذوق والمعنى.
كان من أماني الشيخ محمود شاكر أن يصل إلينا كتاب الخليل عن بحور الشعر؛ لأنه يعتقد أن البحور مبنية على الدوائر لا على التفعيلة، ويُنظر قوله هذا في كتاب (نمط صعب ونمط مخيف)، وانظر إلى كلامه العجيب في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) حيث يقارن بين عبارة سيبويه في تقسيم الفعل وعبارة من بعده.
ويزعم اليوم "المضبوعون"؛ -أي من وقعوا في أسر الضبع، هذا الحيوان الجبان نهارًا الأسد ليلًا، يحكي عنه أباؤنا قصصًا غريبة، منها أنه يخلب عقل أسيره في الليل عن طريق أمرين: كثرة مخاتلته ثم رش بوله عليه، وبذا يقع الإنسان ضحية للضبع فيلحقه إلى باب وكره، وبعض أمتنا وقع في إسار الضبع بالمخاتلة حينًا وببول الضبع حينًا آخر، وهم من نعنيهم-، أن الأوائل لا بصر لهم بالنقد الشعري مثلًا، أو لا يوجد عندهم منهج عقلي لنقد المتن، أي متن سواء كام وحيًا كالحديث النبوي أو إنسانيًا كالشعر وغيره، وهؤلاء -إن أحسنا بهم الظن وأن سبب ضبعهم هو المخاتلة وليس البول- إنما أوتوا لعدم قراءتهم الكتب الأولى، وإنما قرؤوا -إن قرؤوا- كتبًا كتبها أصحابها للأطفال في زمانهم.
فالمعروف مثلًا أن (رسالة أبي زيد القيرواني) والتي تعد عند بعض المتأخرين مصدر الفتوى للعالم المالكي إنما كتبها هذا العالم المجاهد ليحفظها الأطفال مع القرآن الكريم من أجل تحصينهم ضد الباطنيين -الإسماعيلية العُبيديون– في زمانه.
 
وكذلك (مقدمة ابن الصلاح) في الحديث، فإنما كتبها للطلاب تسهيلًا لهم لحفظ الأمر على طريقة تعريفات المتأخرين لا أكثر، أي أنها تعريف لمصطلحات علم الحديث وليست علم الحديث، فهي مقدمة له، أي لشرح مصطلحاته فقط.
 
وقراءة العلوم من مصادره الأولى تكشف لك أخطاء المتزيدين عليه أو البانين عليه بناءً باطلًا، ومن أمثلة ذلك ما يسمونه اليوم بعلم "المقاصد" الذي ينسبونه إلى الإمام الشاطبي وكتابه (الموافقات)، وعلى الرغم أن الإمام الشاطبي ليس أول من كتب فيه لكنه هو أكثر المقال فيه بسطًا واستدلالًا، وله فضل في هذا لا يُنكر، فلو قرأت فقه المقاصد عند الشاطبي وما يكتبونه اليوم عنه ترى أن الدُرَّ استحال إلى البَعَر، فقد جُرِّدت المقاصد عن روحها الذي شدّد الشاطبي عليه في كل كلمة قالها في كتابه؛ وهي تحقيق العبودية لله وأن أعظم المقاصد هو حفظ الدين وتقديمه على ما سواه من المقاصد الأخرى، فانظر إليهم اليوم وقد حولوا "المقاصد" إلى "الرغبات" و"الشهوات" و"المصالح الدنيوية الذاتية" مع أن الشاطبي شدد على هذا الأمر ونبّه عليه محذرًا من السقوط فيه، ومع ذلك جاء اليوم من جوّز بناء الحكم الشرعي على "المصلحة" تحت حجة فقه المقاصد، حتى لو خالفت النص الشرعي الصحيح، ومن قدَّم حِفظ غناه وليس ماله فقط على حفظ الدين، والشاطبي –رحمه الله- بريء من كل هذه الأهواء والأكاذيب.
 
وعلى الرغم أن هذه الكتب لا تُكثر من "كيف" كما تقدم لكنها كتب سجالية؛ فهي كما قلت نشأت لسبب وظرف، وهذا الظرف عادة وجود المخالف أو انتشار الخطأ، فالكاتب تحضر في ذهنه المناظرة، وإن كتب كتابه على غير طريقة المناظرة، لكنك تتحسس هذا من كتابه روحًا تسري فيه، فتعرف أساس المشكلة فلا تعمم، ومن ذلك قراءة كتب أرسطو التي شكلت منطقه الذي نُسب إليه، فإن قراءتها تكشف لك أن هذا المنطق نشأ لمشكلة بيانية تتعلق "باللغة" وليست لمشاكل "برهانية" حسب تقسيمه، ولمشكلة البيان عنده "اللغة" نشأت "السوفسطائية" التي دفعته لكتابة منطقه في كتبه المتعددة، ولعدم فهم هذا نقل الآخرون "منطقه" إلى بيئات أخرى ليس فيها هذه المعضلة وظنوا أن المنطق عصمة "للعقل" من الانحراف كما أن "النحو" عصمة للسان من اللحن، وهذا التعميم هو دمار للمنطق نفسه وللعلم الذي يُطبَّق عليه وليس ملائمًا له.
 
إن قراءة كتب" أوائل العلوم" تجر وراءها أسئلة وقراءات أخرى، وهذا كافٍ ليُحقِّق للقراءة عمقًا.
- من الكتب التي تعينك على تعميق القراءة، هي كتب "تاريخ العلوم" أي "تاريخ القراءات"؛ فما من علم إلا وينشأ من قراءة، وقد اهتم العلماء قديمًا برصد هذه العلوم وكتابة تاريخها، والترتيب الزمني، وكذلك الترتيب العلمي ومستوياته، والتطور وأسبابه، ومن ذلك تاريخ الفرق العقدية في تاريخ الإسلام؛ فإنه لا يمكن للمرء أن يحكم على هذه الفرق أو أن يعرفها على حقيقتها إلا بمعرفة تاريخها.
 
الفرق العقدية في الإسلام طائفة مختارة رضيت مرجعية التفسير اللغوي للنص القرآني، وهذه المرجعية صحيحة ولاشك، لأن القرآن "كلام"، فهو خاضع لأصول هذا الكلام، وهو عربي، فمرجعيته الذهنية العربية، أي يُفسَّر من خلال كلام العرب وأفهامهم كما أجمع على ذلك كل الفرق المتباينة والمتقاتلة في التاريخ الإسلامي، ولكن لو أخذنا فرق الشيعة مثلًا؛ فإن تاريخها يكشف لك السبب الحقيقي للخلاف -وهذه قراءة نقدية، تكشف وتحاور وتبني وتحكم- فلو قرأت كتاب (فرق الشيعة) للنوبختي -وهو منهم- أو كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني -وهو ضدهم-؛ لوجدت أن سبب التفرق ليس عائدًا لاختلاف الفهوم حول البيان -المرجع- ولكن لأسباب أخرى، حيث تجد أنه ما من إمام من أئمتهم مات إلا حصلت بوفاته فرق جديدة أقلها ثلاث.
 
الدكتور فؤاد زكريا عندما رد على محمد حسنين هيكل في كتابه (خريف الغضب) والذي سماه (كم عمر الغضب؟!) ذكر قدرة هيكل على تأليف أي كتاب يريده خلال مدة قليلة واعترف بقوة هيكل في وصوله إلى أهدافه وعزا هتين القدرتين إلى "أرشيف" هيكل الرهيب، أي "التاريخ"؛ تاريخ السياسات والأشخاص والدول والقوانين، وقوله هذا من جهة نظرية قول صحيح؛ فإن التاريخ هو أساس إدراك الحقائق، وتاريخ أي علم أو موضوع هو الكاشف لحقيقة هذا الموضوع ومقدار صدقه أو انحرافه، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الأمر.
وللذكر فإن محمد حسنين هيكل من أشهر قراء العصر وخاصة السير الذاتية للسياسيين والقادة، حتى ذكر عن نفسه أنه لم يتخل عن برنامج القراءة الذي اعتاده في يوم بنائه على زوجته، خصلة محمودة ولا شك، وهو صاحب أكبر أرشيف يتعلق بتاريخ مصر بعد ثورة يوليو ولحرصه عليه هرّبه إلى خارج مصر، وقد كان يسمي زمن عبد الناصر بصوت سيده، ومن أراد معرفة معناه فليسأل وليكتشف.
 
تاريخ العلوم والقراءات تاريخ سجالي قد لا يكون موجودًا في كتاب مستقل لكنه قد يختزل في جملة مبثوثة في كتاب لم يؤلَّف لهذا الأمر، وهنا تأتي أهمية القراءة الشاملة.
كان من حجج شكيب أرسلان على فساد قول طه حسين في انتحال الشعر الجاهلي هو تاريخ الشعر، فإن الفجوة التاريخية هي التي تثير الريبة والشك في العلم، فكان من قول أرسلان: متى كان الشعر الجاهلي غائبًا مستورًا ثم ظهر فجأة كرعي بلا دليل؟! أين هي الفجوة التاريخية والحلقة الزمانية المفقودة في تاريخه ليثير الشك في نسبه فيكون ابن لغيّة لا ابن رشدة؟!
الإنتاج الإنساني مأسور لأمور متعددة سوى منهج الإنسان وإيمانه، مأسور للجغرافيا وللتاريخ وللحدث وللعواطف والانفعالات، وحين يقرأ الإنسان هذا الإنتاج من خلال محيطه فإنه يقرأ قراءة صحيحة شاملة ناقدة وبذلك يتحرر من أسار التقليد والتسليم والذي هو ضد النظر، ويتخلص من الرفض الكلي والذي هو ضد الموضوعية.
هذا الموقف ليس موقفًا تبريريًا؛ فإن الموقف التبريري قراءة سلبية لا تنتج خصوصية، وليس موقفًا تلفيقيًا؛ فإن الموقف التلفيقي ليس علميًا، بل ما نريده هو القراءة النقدية فحسب؛ لأنها القراءة العلمية الوحيدة.
 
قد يتصور البعض أن ما أقوله هنا من القراءة النقدية وعلاقتها بتاريخ العلوم لا دخل لها في القراءة الدينية؛ لأن مبنى القراءة الدينية على التسليم، ودور التسليم هو إدراك معنى النص لاعتقاده والعمل به، ولكن بإمعان النظر نكتشف الآتي:
 
أن كثيرًا من العقائد التي انتسبت لما يسمى مذهب السلف، إنما يقصد بها "السلف" النسبي وليس الأول كما ينبغي أن يكون، وقبل أن أضرب أمثلة على ذلك دعنا نعترف أن اعتقادنا -وهو اعتقاد صحيح- أن النص الشرعي هو الذي قدم لنا طريقة تفسيره عن طريق المثال، فالنص يفسر بيانيًا وعمليًا؛ فالبيان عربي، والعمل من خلال النبي ﷺ وأصحابه -رضي الله عنهم-؛ فتفسير النص خاضع لفترة تاريخية لا يجوز لنا أن نوسعها لندخل فيها ما ليس منها مهما بلغت درجة تقديره واحترامه، وما بعد هذه الفترة يؤخذ منها ويرد.
أما الأمثلة فسأقتصر على مثالين:
 
أولاهما: انتشار القول أن مذهب السلف هو عدم جواز الخروج على حكّام الجور إلا إذا كفروا، والنقاش هنا ليس في ما هو القول الصحيح ولكن في تسمية هذا القول: "مذهب السلف"، أي تاريخيًا هو قولهم، وإن نشأت مذاهب أخرى فهي لغيرهم، يعني أن هذا قول الصحابة -رضي الله عنهم-. وبمعرفة تاريخ هذا القول يتبين التالي:
في كتاب (الفِصَل في الملل والنِّحَل) لابن حزم يكتشف القارئ أن عددًا كبيرًا من الصحابة على غير هذا المذهب قولًا وعملًا.
يعترف ابن حجر العسقلاني أن هذا المذهب قوي وانتشر بعد حادثة عبد الرحمن بن الأشعث وخروجه على الأمويين الذي انتهى بقضاء الحجاج عليه، فالحادثة نُشرت وأُيدت، وأما قبلها فالاختلاف موجود.
 
التاريخ هو الذي جعلك خارج إطار التقليد والتسليم.
 
ثانيهما: تعيين الطائفة المنصورة الواردة في الحديث، فإن البعض يربطها من خلال خط تاريخي معين ينتهي إلى ما يريد منه أشخاص أو جماعة أو دولة.
النص النبوي المفيد لوجود الطائفة المنصورة فيه إفادة الدوام وعدم الانقطاع حيث يقول ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق). وهؤلاء في محاولاتهم تحديد حقيقتها ضمن أفهامهم الخاصة أنها الخط الذي ينتظم واصلًا إلى ابن تيمية وابن القيم ثم إلى محمد بن عبد الوهاب ودعوته المباركة، وهؤلاء لا أتردد في أن ما يقولون عنهم صحيح، لكن: أين هي الطائفة المنصورة خلال ثلاثمئة عام أو أكثر بين السابق واللاحق؟ أين علماؤها؟ أين جهادها المذكور في الحديث؟ إن بحثت ستجد أن الطائفة المنصورة أعمق في دلالتها من هذا الحصر الذي يستنتجه هؤلاء "المغرضون"، وأن محاولة ربطها من خلال سمت معين غير صحيح، بل "لعل" ما يريدون جعله أصلًا إنما هو تاريخيًا البارحة واليوم واقعًا هو الفرع الذي لم يكتمل، ولأني أقول "لعل"؛ فليس مطلوبًا مني للشرح أكثر من ذلك.
إياك أن تقرأ علمًا بلا تاريخه، بل إياك أن تقرأ كتابًا بلا معرفة تاريخه؛ لأن تاريخ العلم وتاريخ الكتاب وتاريخ الحكمة وتاريخ الكلمة يوسِّع مداركك في فهمها ويضعها في مكانها الصحيح، فالأفكار لا ينتفع بها الإنسان من غير ترتيب وتنسيق بل ربما يكون ضررها أكثر أو خطؤها أقرب، وجزء مهم من ترتيب الأفكار والعلوم وهو ترتيبها زمنيًا مع وجود أنساق أخرى للترتيب تدرس وتعلم في مناهج البحث والدراسة.
 
- النوع الثالث من الكتب السجالية التي تعمق القراءة؛ هي كتب المناظرة والمراجعة والتعليق والنكت -النكتة هي المسألة العلمية-.
(إن من البيان لسحرًا) كما قال رسول الله ﷺ، واللغة عالم غريب، بل لو قلنا إنها أغرب عوالم الإنسان وأعجب ملكاته لكان قولنا صحيحًا، ولذلك هي "ذوات الوجوه"، والأفكار شيء يجل عن الوصف، وأداة حملها هي اللغة، وقد فقه الأوائل ارتباط اتساع اللفظ باتساع ملكة العقل وغريزته، كما قال الباقلاني في (دلائل الإعجاز) وكما هي عبارة ابن تيمية بالنص، وقد وصف الله كيد الكافرين بأنه يزيل الجبال: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}، وكان من مكرهم بحسب قول الله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}؛ وهذا يدل على سطوة وقوة هذه الملكة؛ ملكة البيان، وليوسع المرء مداركه لا بد من الإصغاء إلى فنون الناس -أصحاب هذه الملكة- للإبحار معهم في عرض عقولهم وفي مصادمة عقول غيرهم، ليبصر الناظر بصرًا يرقّيه هو في إدراك وجوه الكلام ومعانيه ومزالقه وخفاياه، ووجوه الكلام هنا هي عينها مرايا العقول والأفكار والمدارك.
فالمناظرة فن راقٍ، بل هي من أرقى أنواع الخطاب، وقد كتب فيها الأقدمون أبحاثًا جليلة ووضعوا لها قواعد عديدة لتحقق المراد منها، ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذا الفن وقواعده، لكن في بيان أهمية "الجدل" العلمي وقراءة أفراده لترقية القراءة الناقدة.
في "الجدل" تقرأ النص وتقرأ الحوار معه، فتقرأ نقيضه أو متممه، لأن "الجدل والمناظرة" لا يعنيان فقط الرد والمخالفة، بل يشملان التنبيه والتوسيع والتقييد والاستدراك وبهذا الاطلاع تحصل على الأشمل والأصح.
 
إن العلم مراتب وأعظم مراتبه أن تعرف ما يخالفه وكيف ترد عليه، بل وكيف تقيمه من خلال أدلة خصمه، وهذا لا يأتي لك إلا من خلال تعلم الجدل والمناظرة والحوار، والبعض من "الصغار" يرون لبعض السلف الأجلاء روايات تنهي عن مناظرة أهل البدع والجلوس معهم، وهذه الأقوال يجب أن تُفهم من خلال ظرفها ولمن قيلت، وأما تعميمها فباطل، ولو افترضنا تعميمها فليس قائلوها بأجل ممن سلك غير هذا السبيل، فهل ينكر أحد مناظرة ابن عباس للخوارج وما نفع الله بها من هداية أكثرهم؟ أو مناظرة عمر بن عبد العزيز كذلك، ومناظرة الشافعي لحفص الفرد في عقيدته الكلامية ومئات غيرها، وأما المناظرات الكلامية فلا تكاد تُحصر؛ كمناظرة مالك لأبي يوسف ومناظرات الشافعي لمحمد بن الحسن الشيباني ومناظرات ابن مبارك لأبي حنيفة.
 
تاريخ عبق لجيّ بالحوار والمناظرة والجدل يدل على حياة ورح مستفزة لتجلية الحقيقة، واعلم أنك لست على يقين مما أنت عليه ما لم تعرف مقالة مخالفيك، فالمقلد ليس عالمًا، وبالتالي ليس هو مقصود خطابي هنا.
 
لقد كان من طريقة رسول الله ﷺ في صناعة الفقيه هو استفزاز المدارك العقلية في أصحابه -رضي الله عنهم-، كقوله عندما سئل عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت إن تمضمض؟!)؛ وهذه هي أفضل طريقة لتعلم الحوار والمراجعة وبناء قواعد العلم.
 
ولذلك أفضل طريقة لتعليم أي علم هو استفزاز الطالب لإدراك الحقائق فيه بنفسه، وهذا لا يمكن حصوله إلا بالسؤال الهادي- من الهداية وليس الهدوء- والموجِّه المستفِز.
ومن عجائب تاريخنا أن الرجل يُشهد له بالعلم والمعرفة إن تمكّن وجلس لحوار مخالفيه، ومن أشهر من عُرف في هذا الفن هو الإمام الشافعي؛ فله مناظرات كالأعاجيب مع مخالفيه ولذلك لُقِّب في بغداد بناصر السنة، والباقلاني لقب بالأستاذ والغزالي لقب بحجة الإسلام وابن فورك لقب كذلك بالأستاذ، وابن تيمية لقب بشيخ الإسلام، وابن حزم الذي قال عنه أبو العباس بن العريف: "لسان ابن حزم وسيف الحجاج قرينان"، ولهؤلاء وغيرهم مشاهد غنية تُعلّم سرعة البديهة والخاطر، واتساع المعرفة، ومن إدارة القول، والغوص في الدقائق الخفية، وكلها شروط واجبة لصنع الحوار الناجح الهادف.
 
وقديمًا قالوا: "وبضدها تتميز الأشياء"، وكذا لا يعرف قوة العلوم وثباتها إلا من خلال عرض المخالفة وبطريقة أمينة صحيحة، وقد اعترف ابن حزم كما في كتابه (مداواة النفوس) بفضل خصومه عليه، بل قال: "لولا وجودهم ما كتبت حرفًا"، وهذا حق؛ فإن أغلب ما كُتب في تاريخنا إنما نشأ بسبب الحوار والخلاف والمراجعة، وفي هذا رد على من زعم سكون العقل الإنساني في تاريخنا وأنه عقل جامد، أو أن اعتماد الأمم على الدين الحق -الإسلام- يعطل العقل والنظر، فمثل هذه الأقوال إنما تصدر من قوم لا يعرفون عنه شيئًا، ولا تغرك الأسماء الكبيرة، فكم اعترف بعضهم أنه لا يعرف شيئًا عن تراثنا البتة.
 
ذكر الدكتور دسوقي صاحب كتاب (القضاء والقدر) وهو في ثلاثة أجزاء، إذ يقول بلفظ لا يمكن نسيانه: "وجهلي بالتراث العربي جهلًا كاد أن يكون تامًا"، وعزا هذه الفاقرة إلى طريقة التعليم وفساد المدارس التي لا تُعرِّف شيئًا عن مصادر القوة في أمتنا وتراثها.
 
وكتابه هذا حري أن يُقرأ، لتعرف الأمة كيف ينظر مثقفوها إلى تراثنا وأنه تراث خرافة ولا أكثر، بل ولترى هذا الاتهام الخطير للشخصية العربية أنها شخصية فصامية، وكأن الأيدلوجيا قاصرة على أمتنا. وكأن الغرب لا يعيش تراثه ودينه، هذه نظرة أقوام لا يعرفون فقط أمتهم ولكن كذلك لا يعرفون الغرب.
ومرة أخرى كتاب زكي بكل ما فيه يصلح دليلًا لحالتين خطيرتين: الأولى: عداء التراث والدعوة لبتره والانتهاء منه، والحالة الثانية: التّصالح مع التراث من أجل تحريفه تحت دعوى تجديده، ولعلّ الحالة الأولى قلَّ دعاتها تحت صمود الأمة وقيادة أئمتها من مفكرين وعلماء وثورة إحياء للتراث عن طريق طباعة الكثير منه، ولذلك اضطروا إلى "التصالح" لتحقيق الاختراق والتدمير، وهو مشروع زكي في الكتاب كما هو مشروع محمد أركون وحسن حنفي ومحمد الجابري، ومن قبلهم حسين مروة والهروي وكثيرون كثيرون، مجال عملهم التراث، ويزعمون "التصالح" معه واختيار القديم النافع لتحقيق التقدم و"التصالح" مع العصر، والعجيب أن هؤلاء كلهم يتفقون على "تفجير" اللغة كأساس اللحوق بالعصر.
رحم الله الرافعي الذي سمى معركة اللغة (تحت راية القرآن).
 
حتى التيار القومي "الملحد" الذي أرسى دعائمه ساطع الحصري والذي لا يرى للدين أثرًا في تكوين "الأمة" تراجع اليوم ليقبل "الدين" باعتبار أصوله وقواعده لا نصوصه وتشريعاته، وقدَّم لهم "المفتون" الفتوى بالقبول والله يقول: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}، وإن طلبهم قديمًا كما قال تعالى: {بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} لا كله، ولو أطاعهم لكانت العاقبة: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}.
 
وقد يقول قائل: هل "المثقفون" اليوم على هذه الشاكلة؟
والجواب: بل هم اليوم أسوأ؛ فإن أمثال زكي نجيب محمود كان ينطلق من منطلقات عقلية بحتة قوامها الجهل بالأمة، لكن "لقطاء الفكر" هذه الأيام أُجراء عمالة، وهم يقرؤون التاريخ والتراث لخدمة خصوم الأمة، وبدعم منهم، فمن الذي يدعم ويرعى أمثال أمين معلوف ليكتب عن (الحروب الصليبية كما رآها العرب) ويدسّ فيها أصبع الشر هنا وهناك، مع أن كتابه هذا مسروق بالكلية –إلا من أسطر قليلة- من كتاب (الحروب الصليبية في المشرق) لسعيد أحمد البرجاوي، ومن لم يصدق فليقارن، وكتاب البرجاوي هذا كتاب رائع بحق، وهو قديم وأعجب 
من عدم انتشاره وهو من أوفى الكتب في هذا الباب، وهو مطبوع سنة 1984 ميلادية.
 
فذكر الدكتور الدسوقي أنه لما قدم بحثًا لأستاذه النشار عن مفهوم القضاء والقدر في القرآن والسنة؛ فوجئ أن هذا الأستاذ الكبير لا يعرف أن هذا المفهوم هو مفهوم قرآني؛ وأن السببية بمفهومها السنني هي حقيقة المفهوم القرآني، إذ كان يظن أن مذهب الجبر هو مفهومه، وكتاب الدكتور الدسوقي لو قيل لك: اذكر أفضل وأجلّ مائة كتاب كُتبت في القرن العشرين فلا تتردد في وصفه معها.
 
وقد ذكر لي طالب جامعي أن الدكتور عبد الرزاق السنهوري -وهو واضع دساتير بعض الدول العربية منها مصر والكويت- جُوبِه مرة في مدرج الجامعة بحكم شرعي يتعلق بمسألة ذُكرت لي وقتها ونسيتها، فما كان من السنهوري إلا الاستهجان أن يكون للإسلام كلام في ها الباب، مع أن السنهوري تغير بعد ذلك وصار يرى الإسلام "أحد" مراجع القانون الدولي والدستوري.
وممن اعترف بعدم معرفته شيئًا عن الإسلام ولم يطلع على تراثه: زكي نجيب محمود كما في كتابه (تجديد الفكر العربي)، وهو الذي يعده البعض الفيلسوف الوحيد المعاصر في العالم الإسلامي.
 
والأمثلة كثيرة جدًا خاصة هذه الأيام، والسهل والواد مليئان بحطب جهنم من "المضبوعين".
 
هناك كتب لا تُقرأ إلا مع ما كُتب حولها وعليها وإلا لكانت قراءتها ناقصة مبتورة، فكتب محمد عابد الجابري لا تُقرأ إلا مع رد الدكتور طه عبد الرحمن عليها، وكذلك ما كتبه جورج طرابيشي، وجورج هذا قارئ من الذروة قلما تجد مثله، وكتبه شاهدة على ذلك، وكل فقرة من كتبه تدل أن وراءها تنقيبًا وبحثًا واطلاعًا، سواءً على كتب التراث -حتى كأنه من أهله- أو على غيره، ومن نظر في كتاب (مذبحة التراث) يرى ذلك جليًّا مع صِغره، ومع أنه غير مسلم إلا أنه يعرض التراث بأمانة وصدق.
 
وكتب الشيخ زاهد الكوثري يحتاج القارئ معها لزامًا لكتاب (التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) للشيخ عبد الرحمن المعلمي، وهذا كتاب لا أعتقد أن قارئًا يملّ منه لو قرأه عشرات المرات؛ فهو كتاب يُعلِّمك القراءة الصحيحة، ويكشف لك خدع الكاتبين، بشرط ألا تلتفت فقط إلى أفراد بحثه ولكن إلى منهج دراسته وكتابته، والشيخ المعلمي إمام يقال فيه بحق: كم ترك الأول للآخر؟! وفيه رائحة الأقدمين وعقلهم.
 
وهذان مثالان لباب تصنف فيه مجلدات، وهذه الكتب -الردود والجدل والاستدراك والنكت- لها ميزات لا تجدها في غيرها لعمقها واعتمادها على قواعد علمية ودراسات شمولية فاحرص عليها.
 
كما كان الأوائل يحرصون على إيصال علومهم عن طريق الحوار بين المختلفين؛ فالجاحظ ألَّف كتابه (الحيوان) مبتدئًا المناظرة فيما هو الأفضل "الكلب أم الديك"؟ وفي كتابه (البيان والتبيين) مناظرة في فضل العصا، وابن القيم يعتمد هذا كثيرًا في كتبه كما في (إعلام الموقعين) في مبحث المختلفين في القياس، وفي (روضة المحبين) حيث ذكر مناظرة بين القلب والعين، وفي (طريق الهجرتين) في مناظرة بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وهذا أمر كثير في كتبه.
 
ومما ينبغي التنبيه عليه أنه بعد رحلة طويلة لك مع القراءة ستكتشف أن أفضل طريقة للقراءة هو أن تقرأ كل الكتب بطريقة سجالية، فما من كتاب إلا وفيه رد وجدل واستدراك ونكت على غيره، وستكتشف أن قيمة الكتاب هو بمقدار تحقق لك فيه؛ لأن هذه القضايا هي روح الكتب وحياتها ومصدر قوتها وألقها، وإن خلا الكتاب منها فهو كتاب جامد لا حياة فيه، وكفى للتدليل على هذا الأمر كتاب الله تعالى؛ فإنه كتاب الجدل المهتدي بحق إن فقهناه بحقه.
 
ومن قرأ الكتب بهذه العين تحصَّل على حقيقة القراءة الناقدة بكل معانيها، حتى كتب الحديث وروايته؛ فإن المصنفين فيه كانوا يستحضرون المخالف في كتبهم، فابن تيمية يرى أن الإمام مالك أنشأ كتابه ترتيبًا وتبويبًا ردًا على أهل الرأي، ومن نظر في أبواب البخاري رأى أن الكثير منها في الرد عليهم، ومحمد بن الحسن الشيباني يسمع أن أهل الشام يتهمون أهل العراق أن لا بصر لهم بالسِّير فينشط لكتابة (السير الكبير) ويعقبه بكتاب (الرد على سير الأوزاعي).
وهذا في تصنيف من بعدهم أظهر وأوضح، فإذا كانت كتب الرواية هذا نَفَسها فما بالك بغيرها؟!
 
ومن طرق تعميق القراءة هو قراءة الكتب على أهل فنِّها، فإن قرأت على كاتبيها فهو الأصل وإلا على أهل البصر بفنها وعلومها.
اعلم أنه ما من نص إلا ويصنع آخرًا، وما من نص يكتبه كاتب إلا وهو يرى أن في نفسه نصًا مستورًا لم يستطع الإبانة عنه؛ فهذا الشافعي -وهو من هو في فن الإبانة عن نفسه- يعترف أنه بقي في نفسه معانٍ لم يستطع الإبانة عنها، كما في كتابه (جِماع العلم)، وهو ككل كتب الشافعي آية سِحر بيانيّ عميقة، فيه من فن المناظرة والاستدلال والحوار شيء عجيب، ولا يعدُّ المرء طالب علم إن لم يقرأ ويتذوق كتب الشافعي (الأم) و(الرسالة) و(جِماع العلم) و(اختلاف الحديث).
ولذلك كثر قول القائلين: "وما لم أكتبه أحب إليّ"، وقد اشتهر قول القاضي الفاضل كاتب صلاح الدين في صراع الكاتب مع نصه لإصلاحه وتعديله والزيادة عليه، كما هو مُثبَت في الورقة الأولى من قِبل محقِّق (معجم الأدباء) ناسبًا النص للعماد الأصفهاني –وهو قرين القاضي الفاضل البياني- والصواب أن النص للقاضي.
هذا النص الآخر الذي يصنعه النص الـمُنجَز، وهذا النص المختبئ عزةً وامتناعًا لا يمكن الوصول إليهما إلا من خلال الحوار مع الكاتب إن قدرت وإلا مع قرينه الحاضر، وهذه طريقة السلف الأقدمين وما زالت إلى يومنا هذا مع أهل حكمة الكتابة والقراءة.
يحيى حقي صاحب القنديل؛ (قنديل أم هاشم) اعترف أن الجلوس مع الشيخ محمود شاكر فجّر عنده تذوق اللغة وأسرارها. وكذا اعترف إحسان عباس صاحب (غربة الراعي)، وهذان مع شأنهما المعروف في الأدب لكن رحلة الرُّقي لا تتوقف.
 
كانت القراءة على الشيوخ شرطًا تجيز لك رواية الكتاب، وربما يبدو للوهلة الأولى أن سبب ذلك يعود فقط للتوثيق؛ أي توثيق نسبة الكتاب لصاحبه، وهو سبب صحيح، ولكنّ هذا الشرط يُحقِّق فوائد أعمق من هذا السبب منها:
- يُلاحَظ أنّ الكتاب بين يدي كاتبه يتشكّل مرات متعددة بعد كل قراءة وعرضة، فالكاتب نفسه يكتشف فوائد جديدة تستدعي الزيادة أو النقصان أو التبديل؛ لأن القراءة أشبه بالاختبار، وأي فعل إنساني عُرضة للمراجعة، والكتاب كالإنسان؛ أي أنّ عامل الزمن جزء منه، والفارق أن الكتاب الجيد يستمد من الزمن قوة بخلاف السيء فإن الزمن يُبليه ويهلكه؛ فإنه يبدأ "كتابًا أخضرًا" ثم يبهت حتى يصبح "أصفرًا"، فالقراءة لا تفيد القارئ المتلقي فقط لكن تفيد الواضع نفسه. 
- أن القراءة اختبار لأثر الكتاب على الإنسان، إذ تحصل كثير من القراءات بع زمن من انتشار الكتاب بين الناس، وخلال القراءة يتم مناقشة هذه الآثار وأعراضها مما ينتج نصوصًا أخرى رديفة، ومحاورة سواء من الكاتب نفسه أو من غيره من أهل الفكر والنظر، ومن أمثلة ذلك ما وقع لكتب سيد قطب من مراجعات حولها في زمنه، وما زالت إلى الآن تنشئ الأسئلة، ولو كان الوضع سليمًا وفي ظروف صحية وموضوعية لأبان كثيرًا عن مقصوده، ولذلك يُقال أنه طلب من رفيقه في السجن الأستاذ عبد المجيد الشاذلي أن يشرح أفكاره شرحًا أصوليًا، فكان كتاب (حد الإسلام وحقيقة الإيمان)، مع أن هذا الكتاب لا يستطيع أحد أن يقول إنه شرح لما يريده سيد، بل هو نص آخر يحتاج إلى نصوص أخرى.
وكذلك ما نشأ من جدل حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي احتاجت إلى عشرات الكتب لتشرح دعوته وكتبه، خاصة حين تُرى بعض الأفهام المنكسرة عن خط الفهم الأول، فكما 
 
قيل إن الفكر الواحد يتأثر ويتعدد بحسب العقول الوارد عليها، كما ينكسر الضوء خلال انتقاله من بيئة إلى أخرى.
- إن جلوس صاحب الكتاب لرواية الكتاب أولًا هو إعطاء الثقة لهذا الكتاب ولهذا الكاتب؛ ذلك لأنه لا يتستَّر وراء كلام مسروق أو مصنوع من غيره، كما يحصل هذه الأيام من قِبل الكثيرين.
اتصل بي شاب تقي –نحسبه والله حسيبه- وفوجئت به يخبرني أن والده يُنكر السنة النبوية الشريفة، فطلبت منه أن يرتب لي حوارًا معه، فقال لي: لو اطلعت على كتبه أولًا، فوافقت، وأرسلها لي، ثلاثة كتب ضخمة، بل ضخمة جدًا، فقرأتها ولم أجد فيها جديدًا، بل كلام مكرر يدل على أن صاحبها لا يعرف شيئًا عن السنة، لكنني أحسست أنها كتب أُلقيت إلقاءً ثم كُتبت، وقد أخبرته بهذا، فقال الشاب: ولهذا أرسلتها لك، فإن والدي –الثري وضابط الشرطة القديم- يكتب كيفما اتفق، كلامًا هراءً ويرسله إلى أساتذة جامعيين، وبأمواله لهم يقومون بكتابتها من جديد، ثم تُنشر باسمه، فوالدي لا يستطيع أن يحاور ولا أن يشرح ما في كتبه. قال لي هذا متأسفًا مع أن والده أهدى كتبه كما في المقدمة إلى هذا الولد الخجل من والده الكذاب!18
لذلك قلت مرة إن من فوائد الفضائيات اليوم أن عرّت لنا الكثير من الأسماء التي كانت تتخفى وراء كتبها المسروقة أو المصنوعة والمنحولة.
من يقرأ كتاب محمد شحرور (القرآن والكتاب) ويراه يعرض نظرية الترادف والتباين في اللغة يظن أن الرجل هو ابن هشام هذا العصر، وحين تسمعه توقن أنك أمام رجل لا يفرِّق بين الألف وكوز الذرة –كما يقول أهلنا في مصر-.
 
ثم بعد ذلك إن الكتب العميقة هي التي يجلس الناس لدراستها، ويحرص العلماء على كشف علمها وغوامضها ودررها، وإذا كان من فقه العرب أنهم كانوا يسمون الأشياء العظيمة بأسماء متعددة، فكثرة الأسماء تدل على فضل المسمى أو ولعهم به؛ كالسيف والأسد والخمر والمحبة، فكذلك كثرة الشُّراح ومجالس شرحه تدل على فضل الكتاب وقيمته، ولذلك كان من أماني الخطيب البغدادي أن يجلس لقراءة كتابه في بغداد ويسمعه الناس منه –أي كتاب (تاريخ بغداد)- وقد حصل له هذا الفضل.
 
ولأهمية قراءة الكتب على أهلها أو المتخصصين فإن القراءة الجماعية تفتح آفاقًا للعقل لا يعرفها بالصمت، بل إن الصمت يُنيم العقل كما قال أحد الخلفاء، والحوار والعطاء ينمّيانه؛ ولذلك لا ينمو العلم في شيء كما ينمو بالعطاء، ولقد جربت هذا من نفسي فإن قراءة الكتب على إخواني كانت تفتح عليّ آفاقًا لا أعرفها من نفسي، فكنت أشكر لهم تعلمهم وهو في الحقيقة تعليم لي. بل إن أعظم ما ينتجه الإنسان ينتجه من خلال الحوار؛ سماعًا ومشاركة للكتب. وحين لا يجد المرء مقدمًا في علم فيمكن له مع إخوة على نهمته أن يتفقوا على قراءة كتاب ثم يجتمعون لمناقشته وقراءته جماعيًا والبحث فيه، وسيجد المرء بهذه التجربة ترقيًا لفكره وفكر إخوانه، وأن قراءتهم للكتب الأخرى ستصبح أكثر وعيًا وعمقًا.
كان مما ذُكر عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي –رحمه الله تعالى- وقوة إدراكه للكتب أنه كان يُسأل من بعض تلاميذه: أين نجد هذا الكلام؟ -وذلك لكلام يقوله لهم في الدرس-، فيقول لهم: هذا في الكتاب المقرر عليكم، ثم يريهم الموطن، فيتعجبون كيف أدرك هذه المعاني، مع أنهم اشتركوا في نفس النص.
 
ومن طرق تعميق القراءة هو الكتابة؛ أي كتابة الأبحاث العلمية لا لنشرها كما يسارع البعض إلى ذلك، ولكن للوصول إلى نتائج لك تُشكِّل رؤيتك لقضايا علمية كثيرة وللحياة، وقد تبدو لك بعض القضايا منتهية ومفروغًا منها، فإن درستها وتعمقت فيها قد يتغير رأيك، وإن لم يحدث ذلك فإن رؤيتك تصبح أشمل وأعمق، وستكتشف أن كل بحث أفادك في قضايا أخرى ربما فقهتها على وجهها وربما نشأ حولها أسئلة دفعتك لدراسة أخرى.
 
في كتابة الأبحاث العلمية تكتشف خبايا الكتب ومواطن المسائل ومذاهب أصحابها، ولكن لأدلك على أفضل طريقة لكتابة الأبحاث من خلال نموذجين أذكرهما الآن: 
1- كتاب الشيخ صالح العلي (دفاع عن أبي هريرة)؛ هذا الكتاب عندما قرأته لم يأتِ على ذهني إلا قضية واحدة، وهي أني قلت: "إن لم يكن من فضل لصاحبه إلا أن يأتي يوم القيامة مع أبي هريرة لدفاعه عنه لكفى"، فهو كتاب لا مثيل له في الدفاع أمير المؤمنين في الحديث أبي هريرة، هذا الأمير –علمًا وعملًا- الذي أبغضه الكافرون والزنادقة والمنافقون كان دومًا بوابة خير للدراسة والعلم والبحث، وللدفاع عنه نشأت كتب هي في القلل من العلم ككتاب الدكتور مصطفى سباعي (السنة النبوية ومكانتها في التشريع)، وكتاب الشيخ عبد الرحمن العلي في الرد على محمود أبي رية وكتب أخرى، لكن كتاب الشيخ العلي ليس له مثيل في هذه الحرب الرائعة.
والشيخ العلي هو عينه "محمد أحمد الراشد"19 والذي كتب تحت هذا الاسم مجموعة كتب رائعة في أهدافها وعلومها كـ(العوائق) و(المنطلق).
ماذا صنع الشيخ حتى كتب كتابه الرائع (دفاع عن أبي هريرة)؟
 
قام الشيخ بقراءة كل كتب السنة المطبوعة وقتها، وكل كتب السيرة، وكل كتب الرجال، وكتب الطبقات والتاريخ وحيث وجد ذكرًا لأبي هريرة وما يتصل به أثبته وحفظه.
بهذه الطريقة العلمية العميقة كتب كتابه، فلم يعتمد على فهرست أو على إحالة، بل قرأ الكتب قراءة كاملة، فأفاد نفسه والآخرين.
وقطعًا أن نهاية الرحلة لم تكن فقط هذا الكتاب الرائع بل حصيلة علمية استقرّت لديه، رفعت شأنه وعلمه ونفسه.
وبمثل هذه الطريقة كتب ناصر الدين الأسد كتابه (مصادر الشعر الجاهلي) وقد أتى بالعجائب.
2- قصة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني مع الورقة الضائعة، حيث فقد ورقة من مخطوط كان ينظر فيه وهو مقيم في المكتبة الظاهرية في دمشق، وقام بالبحث عنها بين طيات المخطوطات الكثيرة، وخلال بحثه قام بقراءة المخطوطات والنظر فيها، ثم جعل يُثبِت كل حديث مسند في هذه المخطوطات.
النتيجة حصيلة من الخير جعلت كتب الشيخ أهم المصنفات الحديثة لمواطن الحديث النبوي المسندة، إذ لا يوجد للسلسلة الصحيحة والضعيفة شبيهة في الدلالة على موطن الحديث من المصادر الأصلية بعد كتب السيوطي والسخاوي، ومن نظر فيها علم مقدار قراءة الشيخ وبحثه وجهده في المخطوطات.
رحم الله الشيخ ناصر فإنه رجل كتاب بحق، عاش معه وله وأعطاه كل عمره، ولا ينكر فضله على نشر السنة والحديث إلا كل جاهل لا يعرف قيمة الرجال. 
هناك الكثير من الباحثين دخلوا في دراسة بعض المسائل وفي أذهانهم تقرير شيء، وبالدراسة خرجوا بنتائج أخرى، مثل الشيخ إحسان إلهي ظهير في دراسته عن التصوف-والتي صدرت في مجلدين-؛ فإنه ذكر في أول الكتاب أنه بدأ دراسة التصوف وهو يظن أن التصوف مذاهب ودرجات في البدعة، ثم تبين له أن التصوف مذهب واحد، وهي نفس النتيجة التي خرج بها محمود عبد الرؤوف القاسم في كتابه (الكشف عن حقيقة التصوف)، وكُتب الشيخ إحسان –رحمه الله تعالى- تدل على قراءة شمولية طويلة. 
وهذا كثير منتشر.
 
وهناك نوع آخر من الأبحاث غير دراسة المواضيع العلمية العامة وإنما دراسة شخصيات أو كتب، وبها ستخرج بكمية هائلة من القراءة الناقدة، فالشيخ بكر أبو زيد خرج بفوائد جمّة وهو يقرأ لابن القيم –وإن كان اقتصر على فهرست كتبه في النشر- ولكن لا بد خرج لنفسه وعقله بفوائد لا تحصى. وبكر هذا –كما قال لي سعد الحصين- شيء عجيب في القراءة، حتى إنه لا يكاد يُعرف له أي نشاط اجتماعي لتفرّغه للكتاب، وذكر لي أنه صلى معه يريد محادثته، فما إن انقضت الصلاة حتى بحث عنه فرآه مسرعًا خارجًا.
وكتبه تدل على هذا؛ وفي كتابه الرد على الشيخ عبد الفتاح أبي غدّة في موضوع العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج، ذكر أنه قرأ (الإصابة في معرفة الصحابة) عدة مرات –لا أذكر الآن عددها-.
 
والشيخ عبد الفتاح أبو غدة فنّان بحق في إخراج الكتب، فما أن يضع يده في كتاب حتى يجعله خَلقًا آخر، بإضافة التعليقات العلمية وزيادة الأبحاث، والتي ربما خالفتُها لكن نعترف لصاحبها بالقراءة. والرجل له عين حاذقة فيما يعلق من الكتب فيبرزها، ثم إنه يعتني اعتناءً زائدًا في الطباعة وإخراجها، ولم أعرف إلا بعد وفاته أن الدار التي تطبع كتبه هي دار خاصة له، ومما يريحك في تعليقاته أنك لا تحس تبجُّحًا كما ترى من غيره من الصغار، والرجل لا أعلم له مثيلًا اليوم في هذا الفن، مع أن الكثير يجري.
ومما يؤسف له اليوم أن بعض الجهلة يأخذون هذه الفوائد من قرّاء ويضيفون عليها بعض اللمسات المزينة وينشرونها بأسمائهم لشهرتها، موهمين القراء أنها لهم، وهي لآخرين ممن لا يُعرف لهم اسم بين الناس، والناشرون لسُعارهم المادي يشجعون على هذا النشر لهذه الكتب بأسماء المشهورين، ولأن الكثير من القراء يقتنون الكتب لهذه الأسماء حتى لو كانت حجرًا لا قيمة له.
ولقد رأيت من يطلب من بعض النَّهمين الشباب في القراء أن يقرأ له مجلدات ويستخرج منها فوائد يريدها لينشرها باسمه، وهذا سيء في الناس؛ فكيف وهو ينتشر بين من يُنسب للعلم وأهله!!
أصلح الله الحال وهدى الضّال.
 
ومن قرأ كتب أهل العلم القدماء يتبيَّن أنهم كانوا يُقوّون علمهم ونظرهم بهذه الطريقة –أي كتابة الأبحاث-؛ فإن المرء الناقد لا يخطئ أبدًأ أن (ملخص المستدرك) للإمام الذهبي لا يعدو أن يكون تجربة للإمام للتمرين على نقد الأحاديث والتعليق عليها.
 
فالقصد أن كتابة الأبحاث والدراسات العلمية والرصينة تقوّي لدى المرء القراءة الناقدة وتجعله أكثر اهتمامًا بالنصوص والبحث فيها، لكن هذا لا يدل على أن كل من كتب بحثًا أو كتابًا فهو من أهل "القراءة الناقدة"، فالكثير يسرق من هاهنا ويضع هاهنا ويقول ألَّفته أنا! وخاصة هذه الأيام التي صار سهلًا الحصول على المراد، وكثرته في آلات النشر الحديثة. ونحن هاهنا نتكلم عن صناعة القارئ لا الكاتب، وإن كان القارئ الجيد لا بد أن يجد نزوعًا للكتابة ولكن قد يقهرها فتموت عنده بعد مدة، فالمطلوب استغلال هذه النَّزعة من أجل تنمية قراءاته ومعارفه وعلومه.
 
القراءة طريق طويل لا ينتهي، وهناك بعض الكُتّاب يظهر من كتبهم أن قراءاتهم قد توقفت، فاهتماماتهم قديمة ولا جديد لهم حول القضايا الحادثة والجديدة، بل ولا مراجعة لهم لأهل التأثير هذه الأيام، فهل بقي مكان اليوم ليُكتب عن طه حسين أو العقاد أو لويس عوض؟! أو هل بقي مكان اليوم ليُكتب عن الحزب القومي السوري؟!
إني أعتقد –وهذا رأي قد يُخطئ- أن قضايا معاصرة كبيرة تحتاج اليوم للكتابة حولها وخاصة من قِبل أهل الإسلام، فكم كُتب اليوم عن البُنيوية والحداثة وما بعد الحداثة من وجهة نظر إسلامية أو من وجهة نظر أدباء إسلاميين؟ مع أنه قد كُتب عنها الكثير اليوم من قِبل أهلها وخصومها من غير الإسلاميين، من هنا أعتقد أن المفكرين الإسلاميين اليوم متخلفون عن الفعل الإسلامي –كما كتبت هذا بتوسع في (لماذا انتصرنا؟)-، وقد مضى زمن الفكر الإسلامي الراقي كما كتبه مالك بن نبي وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وسيد قطب ومصطفى صادق الرافعي، وما كتبه غازي التوبة قديمًا، -والحقيقة هو كتاب واحد وهو كتاب (الفكر الإسلامي المعاصر)، وأما كتبه الأخرى فتدل على عدم عناية بالتجديد وكذلك عدم التعمق-. أما بعض ما يُكتب اليوم من قِبل المفكرين المسلمين فهو على غِرار "أبو اعرفوني"، وإني لحزين أن أقول هذا الكلام، ولكن ماذا أقول والكل يرى هذا التخلف!
فهل كُتب إسلاميًا في العولمة الاقتصادية ممثل (نذر العولمة) ليحيى عبد الحي زلوم؟! وهل كتب إسلاميًا في البنيوية مثل (المرايا المحدبة) لعبد العزيز حمودة؟! –وله (المرايا المقعرة) ولم أقرأه، لكن (المرايا المحدبة) رائعة من الروائع وفيه شجاعة محمودة أمام طوفان الشذوذ-.
 
ليتذكر مشايخنا ومفكرونا وأساتذتنا أن الكتابة الجيدة تصنع القارئ الجيد وتُرغِّب الهارب في القراءة، وإنّ بعض مَنْ يكتب منّا ما لو وُجد محتسِب لحجر عليه، ولكن ماذا نفعل حين يكون من أصحاب الأيدي الطويلة، وهو لوحده له مجلة لم تمُت لبركة النفط، وليس من شغل فيها إلا أن يُصدّع رؤوس قرَّائه بقوله: حذّرنا وقلنا ونبهنا وهذا رأي قلناه من قبل حتى في بيان نَعي لعالِم يكون كلامه عن قصته هو لا حياة العالم –إي والله- فإنه لا بد أن يبتدئ بقوله: "كنتُ.." أي لا بد من "أنا"، مع أنه لا يدري –وهو المسكين في باب العلم والذاكرة- أنه يقول القول ويقول بضده، وقد يُعذر لأنه لا يسمح لأحد بتذكيره أو تنبيهه، وإلا لذاق الأمرَّين.
 
إن الفكر الإسلامي يعاني قزميَّة خطيرة أمام الفعل العظيم تعيشه الأمة في صراعها مع الأعداء، لقد شكى بعض الكاتبين من قلة ما يُكتب عنهم نقدًا، وأقصد في الوسط الإسلامي، ومن هؤلاء الدكتور عماد الدين خليل، وهذا الدكتور كتبه روائع نافعة سواء كانت في التاريخ أو الأدب، ولكن أقول له: يا دكتور، وسطنا الإسلامي يعُدُّ الكتابة عن الآخرين شهرة لهم، ووسطنا يعاني أمراض الشيوخ التي وصفها ابن عباس وجعل رأسها الحسد، فكيف يتفرّغ أحد ليكتب عن الآخر وهو مشغول في تقديم نفسه وتضخيم كلامه تورمًا؟!
 
والجماعات الإسلامية التي كانت في بدايتها وسطًا لإنتاج الفكر والمفكرين عادت عليها عوادي السُّنن فحولتها إلى مجرد شركات يُديرها ويهتم بها ويقتات منها مجرد موظفين لا أكثر ولا أقل، تسوقهم معيارية قيم السوق السياسية والاجتماعية دون أي اهتمام بالفكر وأدواته، مع سُعار التنافس والإقصاء دون قيم التكافل والتعاون، فهل يمكن لتنظيم مخالف أن يمدح ولو بإنصاف ما كتبه تقي الدين النبهاني؟ أو يمدح تنظيمُ هذا الرجل شيئًا كتبه أبو الأعلى المودودي؟!
 
وما يوجد من تيارات فكرية ليس لها جماعات هي كذلك تعيش نفس المرض، بل ربما أشد، ولا تقرأ لهم إلا: "اقرؤوا لفلان، احذروا فلان، احرقوا كتب المبتدع.."، هياج منفلت من أي قيمة عقلية أو دينية حتى وصل بهم التأبّد أن حرقوا كتب تراث هي عيون الأمة التي تبصر بها، ولو كانت في غيرنا لجعلوها حنانًا مثل كتب ابن الجوزي وابن حجر والنووي.
إنها طفولة مشوهة مريضة ليس لها من همّ إلا تحطيم البناء وهدمه، وفي النهاية عادوا على أنفسهم ضربًا بالعصي، فما أصبحوا إلا كهشيم المحتضر!
أقول هذا الكلام في معرِض تقوية وتعميق القراءة من خلال كتابة الأبحاث الجادة، وأخاف أن يفهم بعض القرَّاء أن هذه دعوة لأن يكتبوا كما يكتب البعض فينا، والأرض بحق ليست بحاجة لصحارى جديدة بل فيها ما يكفي وزيادة. فاللهم رحمتك.

كلام مرسل عن وسائل القراءة الجديدة
 
للقراءة تاريخ طويل يتعلق بأدواتها، وصناعة الحرف مرّت عليه أطوار وأطوار حتى يحقّق أهدافه في سهولة ويسر، وذلك بأن تشيع المعرفة وتقل عوارضها، وآلات اللغة تطورت كما تتطور اللغات لكن ليس شرطًا أن تتطور اللغات إلى الأفضل وذلك بخلاف تطور الآلات، فإنه ثبت على مدار التاريخ أن أدوات اللغة وآلات المعرفة تتقدم إلى الأفضل؛ لأن الآلة صناعة يدوية وليست قيمية، فهي معرفة تراكمية وإنسانية يؤمن بها الجميع، تخضع لقوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
ربما شاع في العصر الجاهلي قبل الإسلام وجود منافسة بين المعرفة والكتابة، حيث وردت بعض الروايات عن بعضهم وجود أنفة من أن يُعرف عنه الكتابة لأن في ذلك اتهامًا لذاكرته، كما 
 
ورد أن الأعمش صحح لراوية شعره حرفًا كتبه، فقال له راويته: أو تكتب؟! فقال له الأعمش: "استرها، استرها". وسواء صحَّت هذه العقلية أم أنها غير مطردة؛ فإن زمنهم وما فيه من ضعف وسائل الكتب فيه الكفاية ألا ينتشر هذا العلم ويجعل غالبه مكتفيًا بالرواية والمشافهة.
لقد تطورت الكتابة ولا شك تطورًا تصاعديًا، فما نحن في اليوم خير ألف مرة من أي زمن مضى في هذا الباب، وإن بعض المحبين لكل ما هو قديم لمخطئون حين لا يعترفون أن السيارة خير ألف مرة من الفرس والبعير، مع أني أظن أنه لا غنى للناس عنهما.
 
من يستطيع القول اليوم إن مخطوطات الأمس هي أفضل من هذه الكتب المطبوعة اليوم بخطوطها الواضحة، وبترقيمها الجيد، وبتنسيقها الرائع، وبتبويبها السهل، وبفهرستها العلمية؟!
لما رأى الشيخ محمد رشيد رضا (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف) فرح به فرحًا شديدًا وقال: "لو كان منذ زمن بأيدينا لوفر علينا كثيرًا من الأوقات"، فكيف لو رأى الشيخ الأقراص الكمبيوترية التي خرجت هذه الأيام ماذا سيقول؟!
 
إنه تطور ممدوح لأنه يعين ويسهل ويشيع العلم والمعرفة، لكن إن وُضع موضعه الصحيح. الكمبيوتر اليوم جزء من الحياة، وهو مثل الثقوب السوداء في الفضاء، هذه الثقوب الصغيرة والصغيرة جدًا، لكنها حاوية على قوة جذب عالية القوة، فما إن يمر بها نجم أو كوكب حتى يذهب إلى جوفها، وهكذا هذا الجهاز العجيب، كل يوم يصغر ومع ذلك لا يكفُّ عن الابتلاع؛ فقد ابتلع الكتاب وآلات الطباعة والتلفاز والهاتف والمسجل والألعاب والراديو وآلات التصوير ومجالس المحادثة وآلات الموسيقى والآلة الحاسبة وأدوات الرسم ووسائل البريد وعقود البيع والشراء وغيرها، وقدرات أخرى خاصة به وعجيبة، ولا يدري الناس أين ستنتهي هذه القدرات، ولذلك ليس عجيبًا أن يكون الأمّي اليوم هو من لا يعرف التعامل مع الكومبيوتر، فهو آلة الآلات ومفتاح الحياة بكل معارفها، صار يختزن في داخله ذاكرة التاريخ وعلوم الإنسان، يصل إليها المريد بأيسر الطرق وأسرع الأوقات.
 
مثل هذه الأدوات يكون الفضل فيها لطرفين: المكتشف لها ثم المستفيد منها، والمستفيد منها قد يكون حاله كحال القزم الذي وقف فوق عنق العملاق فطال ما لم يطله العملاق نفسه، وللأسف أن أمتنا لم تدرك إحدى الفضيلتين بعد، وهذه هي مظاهر الضعف وعوارضه، وكما أن الأمة الضعيفة لا تستفيد من عوامل القوة فيها؛ فإن استفادتها لمقومات القوة الحادثة ستكون كذلك، ولن يملَّ المرء إعادةً وتذكيرًا في كل موطن أن أساس الداء ومظهره هي الدولة والإرادة السياسية في هذه الأمة، والعلاقة بين هذه الأمة وهذه القيادة كعلاقة القلب والشرايين، فكلاهما يمد الآخر بما عنده من ضعف أو قوة، فالقلب يضعف بضعف الشرايين ومرضها، والعكس صحيح كذلك، لكن القلب هو القائد والنابض، وما نراه اليوم من عوامل قوة علمية وعملية تسري في الأمة إنما هو لمقاومة هذه الأمة لعوامل الزمن العادية وضلال الإدارة الفاسدة، فالدولة اليوم ليست حيادية –وليست هي كذلك في أي طور من أطوار التاريخ- بل هي عامل عدم وقويض لسعي الأمة نحو قوتها وشفائها.
 
كل ما نراه اليوم من استغلال لأدوات العلم ونشاط العلم ونشر العلم إنما هو في جوهره مقاوم لانحياز الدولة إلى خيار الجهل والمرض، تقوم به جهود فردية مخلصة لتراثها وأمانة العلم ومؤسسات أهلية يرعاها مخلصون وأصحاب همة وعزيمة، وبعض المؤسسات التجارية التي تجمع بين همّ العلم والمال، وقد تحقق من هذه الجهود أمور طيبة حسنة فيها النفع للعلم وأهله، فجزاهم الله خير الجزاء. 
ومما يقال بافتخار وعزة أن شباب الإسلام هم الأكثر استغالًا لهذه الأدوات الجديدة في العالم الإسلامي، وهذا ما يُخيف الخصوم ويخنقهم ويحبس عليهم منافذ النفس فيصرخون حقدًا وحسدًا. 
بجهود شخصية وقدرات ضعيفة وُضعت الكثير من الكتب الإسلامية على الأقراص الكمبيوترية فصارت سهلة المنال وبأسعار لا تكاد تُذكر.
وبهذه الجهود فُتحت المواقع العلمية والدعوية وصارت موطنًا لكسر حصار الكلمة الحق والدعوة، وحصل منها الخير العظيم، ومن عجائب زماننا أن هذا الضعف المادي الملتصق بثقل الحق هو الذي يصارع الطاقات المادية الهائلة الداعمة لخواء الباطل وخرابه، وإن في ذلك لآية أنّ الحق منصور ولن تُطفأ شعلته.
وحين يُكتب تاريخ الجهاد المعاصر وأحداثه سيكون هناك صفحة مجيدة وزاهرة لهذه المواقع العلمية والدعوية والحوارية، حيث جاهد فيها أهلها جهادًا مشكورًا وبعضهم ابتلي في سبيل ذلك كما يبتلى كل مجاهد في سبيل الله تعالى.
 
ومن أدوات المعرفة اليوم الفيلم وأشباهه، وهذا ما زال بعيدًا في استغلاله كما ينبغي مع سيطرة أهل الجهالة عليه، وإن كان هناك لمحات –مجرد لمحات- تبرق هنا أو هناك بالنور، ومما يُحمد هذه الأيام أن الهمَّ الإسلامي والفعل الإسلامي والرسالة الإسلامية تصل وتؤثر من خلال وسائل الإعلام التي ربما فتحت بؤرًا لهذه الأعمال بغض النظر عن مقصد أصحابها، وأما وجود منفذ إسلامي لهذه الأدوات فلم يقع إلى الآن.
 
ولعله من التنبيه اللازم أن معظم رجال الصحوة الأوائل كان لهم اهتمام عظيم بالصحافة وأدواتها، وكانت شغلهم الشاغل، كالشيخ رشيد رضا صاحب (المنار) وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب وحسن البنا الذي استلم المنار بعد رضا، وكذا كبار الأدباء كالزيات صاحب (الرسالة) وهي ذاكرة الأدب العربي وهمومه الفكرية في فترتها، والشيخ البرقوقي شارح (ديوان المتنبي)، وهو والد زوجة الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، ويحيى حقي ومحمود شاكر ويوسف العظم وتقي الدين الهلالي، كل هؤلاء وغيرهم عملوا في الصحافة وتفرغوا لها حينًا من أزمانهم، وهذا يدل على سرعة إدراك الرعيل الأول للأداة الجديدة والاهتمام بها، بخلاف من بعدهم ممن لا يتحركون إلا إذا حركهم الشباب والفتيان.
 
إن العالم اليوم لن يفلت من هذه الأداة التي استغلت كل وسائل الاتصال الجديدة، ولذلك عدّ بعض كبار الباحثين أن العولمة اليوم تتمثل في المال والاتصال كما يقول زلوم في (نذر العولمة)، وإن كان هذا الأمر يشكل ثقلًا جديدًا على الإنسان ليس لكونه أداة ينتفع بها ولكن لما يترتب عليه من آثار اجتماعية وإنسانية متعددة، وكتاب (فخ العولمة) لصحفيين ألمانيين فيه الكفاية لبيان ذلك وشرحه شرحًا موسعًا، وقد بدأت بعض الآثار سريعًا في الظهور كالعلاقات الشاذة القائمة على التغرير والكذب، وقد عُلقت صورة تمثل غرابة هذه الآثار وهي صورة لكلب يجلس خلف الكومبيوتر يتحدث مع آخرين وهم لا يعرفون أنهم يحادثون كلبًا!
فهذه الوسائل كسرت العوازل الحياتية والخصوصيات الإنسانية ولم يعد الأجنبي مجرد متكلم في المذياع أو التلفاز، لكنه صار يجلس معك ويحادثك وتحادثه، تراه ويراك، وإذا كان الناس قد شكوا أن التلفاز ومن قبله الراديو قد قضيا على كثير من العادات الاجتماعية والإنسانية الحسنة من التفرغ للضيوف والزيارات وغيرها، فإن هذه الأداة زادت هذا الأمر سوءً، هذا في بعض مظاهرها السيئة أما الحسنة فكثيرة جدًا وعظيمة جدًا.
 
البعض يحاول المنع المطلق بحجة الفساد، لكن عجلة الحياة وحاجة الناس ورغباتهم واهتماماتهم لن تأبه لهذا المنع ولن تلتفت إليه، وستكون هذه الدعوات في بعض الأحيان مثيرة للشفقة أو السخرية، فالمطلوب هو الرعاية والترشيد ككل قضايا الحياة.
 
يجب إفهام أطفالنا وعائلاتنا وإخواننا أن هذه الأدوات أخطر من كونها متعة لإهلاك الوقت كما يفعل الكثير من البطّالين والجهلة، ويجب إحرازهم من شياطين هذه الأدوات ومزالق الفساد فيها، كما يجب أن يفهموا أنها أداة جعلتهم أسعد من غيرهم في الوصول إلى العلم والمعرفة.
 
ومما هو مهم أن الأدوات لا تلغي بعضها بل تعين بعضها، فلم يستغنِ الناس عن الكتاب وروعته أمام الشريط والمسجل، لكن صار الشريط أداة جديدة تُعين وتحفظ وتقدِّم وتسهِّل، وهكذا هذه الأدوات الجديدة فإنها رائعة بحق ونفعها لا ينكره عاقل، لكن يبقى للكتاب سحره وروعته، وتبقى الحاجة إليه قائمة.
 
ومما ينبغي فهمه عند بعض محبي الكتاب بصورته المعروفة -والتي كانت ستبقى ما بقيت الأرض- أنّ الأدوات الحديثة والتعامل معها لا يعني موت القراءة وضعف الكتاب، ويجب علينا ألا نعلّق الهروب من الكتاب على هذه الأدوات الحديثة، فالحقيقة أن القراءة تعاني ضعفًا قبل هذه الأدوات، وها هي الدول التي ينتشر فيه الكتاب-بغض النظر عن نوعه وقيمته- هي الأكثر استخدامًا لهذه الأدوات كذلك، فالقراءة لا ينافسها أدواتها بل ينافسها الجهل وأعداؤها، وينافسها قيم التعليم البالية في بلادنا -كما تقدم في فصل "أعداء القراءة"-، ولو كان هناك أداة ترشد العقل وتهتم بالتربية والتعليم كما يزعمون لكانت هذه الأدوات في واقعها عاملًا مستفزًا ودافعًا للقراءة. 
 
عندما يطلع الطفل على الفيلم (رحلة سلام) مثلًا فيمكن –وقد حدث- أن يسأل والده عن القصة وأين وردت، فيقدم له أبواه القصة من موردها التاريخي، وهكذا فيلم (محمد الفاتح) وغيرها. ولا أكتم أن بعض الآباء كان يطلب مني كتابة ما ورد في التاريخ وكتب عن قصص رأوها في برامج ثقافية وغيرها.
وعلينا ألا ننكر أن طفل اليوم يسمع بأمور كان "المثقف" هو من يستأثر بها، وإنما علمها الطفل من خلال هذه البرامج.
فالمطلوب هو أن نوجه لا أن نلغي، وأن نجعل هذا الجديد رافدًا لغريزة القراءة وحب الاستطلاع والعلم.
القراءة لا تموت بأي رافد جديد للعلم والمعرفة ولا تضعف بمنافسة مصادر المعرفة الأخرى، بل تصبح أكثر وعيًا بشرط وضع كل شيء في سياقه الصحيح.
إن مما ذكره رسول الله ﷺ من علامات الساعة انتشار الجهل والقلم، وهذا عجيب! فكيف تنتشر الأداة ومعها ضدها لا فوائدها ولازمها، وواقعنا أعظم دليل على هذا الأمر؛ فإن أدوات العلم صارت مبذولة مطروحة لكل أحد، ويستخدمها الكثيرون، ومع ذلك فإن العلم يقل ويذوي ويتراجع؛ لأن:
- كثيرًا من هذه الأدوات تُستخدم لغير هدفها، بل لضدها، فينتشر بسببها الفساد وتضيع معها الأوقات فتصبح الأداة سلبية العمل تهدم ولا تبني.
- كثيرًا من الناس بسبب هذا الشيوع لا يقيمون شأنًا للقراءة وتنمية العقل والذاكرة، لاعتقادهم إمكانية سرعة الوصول للهدف، فلِمَ إذًا إضاعة الوقت في الحفظ والمذاكرة وتنمية العقل وإعمار الباطن بالعلم؟! فلا ضرورة لحفظ القرآن، فهل نحن بحاجة لنسخة جديدة منه –كما يقول البعض-؟! حتى إن الإمام يمكن أن يقوم بالناس ويؤم بهم دون الحاجة لحفظ القرآن، إذ يمكن وضع القرآن في الجيب "لصغر حجم الطباعة" ثم إخراجه متى أراد القراءة، بل إنهم اليوم يضعون أمامهم شاشة كمبيوترية وتقلب صفحاها عن طريق زر في اليد مربوط بها، وهكذا يقال في الحديث الشريف، فلا حفظ ولا فقه ولا نظر، فإنه بلحظة واحدة يمكن لك أن تصل لمواطن منه لم يكن يصل إليها السابقون الأفذاذ إلا بشِقّ الأنفس.
فقلّ فقه الباطن وخوى بسبب انتشار أدوات العلم كما نرى، حتى صرنا نسمع من يستهزئ بأهل العلم وعدم الحاجة لهم لقيام الكمبيوتر بدورهم، والمسألة لا تعدو أن نضع عمامة فوق الكمبيوتر ثم نسأله ما نحتاجه فيعطينا الجواب، كما يزعم هؤلاء!
 
فلم يفهم الكثيرون أن هذه الأدوات إنما وُجدت لإعانة الإنسان على تحصيل العلم، ومكان العلم هو الصدور، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}، وكما قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ}، فمقصود العلم هو أن يحل في الصدور ليحصل به النور والهداية، وكما قال بعض السلف: "العلم ما حواه الصدر لا ما حواه القِمَطْر".
فعدم الاستعانة بهذه الأدوات لتحصيل العلم ووضعها في غير موضعها نشر الجهل ولم يقضِ عليه.
 
- الاستعانةَ بهذه الأدوات بطريقة غير صحيحة يوصل إلى نتائج مغايرة لهدفها؛ فإن هذه الأدوات الجديدة قدّمت فائدة عظيمة في باب التبويب والفهرسة، فصار البعض إن أراد كلمة بحث عنها دون سواها في آلاف المجلدات والكتب، ولا يهتم بسياقها ولا سباقها ولا قضية الكتاب ولا منهج مؤلفه...، إلى غير ذلك من ضروريات معرفة مراد المؤلف، فيأخذها الباحث ليضعها في غير سياقها فيحصل الضدّ، وهذا جهل ولا شك، وهذه المسألة سنأتي عليها في "مقاصد المؤلفين ومفاتيح الكتب" بتوسع إن شاء الله تعالى.
 
إن الأشياء لا تُحقق مقاصدها إلا إذا استُخدمت على وجهها الصحيح وعُرفت مجالاتها دون تعدية، وإلا كان ضررها أكثر من نفعها، وعالمنا اليوم عالم سريع الوقع كثير المفاجآت، ومما لا يمكن أن نقبل تطوره هو مفهوم العلم، ولا مقاصده؛ فإنهما من العبادة النُّسكية والتي يقول النبي ﷺ فيها: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)؛ فما لم يكن دينًا عند الأولين فلن يكون دينًا في أي وقت من الأوقات، وأما أدوات هذا العلم فهي وسائل يُنعم الله بها على البشر، والسعيد من استعان بها على تحقيق عبوديته لله تعالى. ولنتذكر دائمًا أن المشقة في العبادات ليست مقصودة لذاتها كما يعتقد البعض، وقد ذكر هذا المعنى كبار أهل العلم كالعز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام)، ونقله ابن القيم عن شيخه في مواطن، ومن ظن أن الآيات والأحاديث الداعية إلى الصبر على طاعة الله تعالى كقوله تعالى: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} تعني البحث عن المشقة ليحصل الأجر فهو مخطئ في الفهم؛ فهذه لا تعني أبدًا اختيار المشقة مقابل اليسر حين تكون البدائل، فقد قال ﷺ: (يسروا ولا تعسروا).
 
هذه الأدوات الجديدة تنفع القارئ في بابين:
1- أن يجعلها كالكتاب؛ يفتح الكتاب من أوله، ويقرأ فيه كما يقرأ في الكتاب، هذا إن قدر على ذلك وصبر عليه، والذي أعلمه من نفسي ومن كثيرين أن هذه طريقة صعبة فأغلبنا يطبع المراد في ورقات، فعاد أمرنا إلى ما اعتدنا عليه، وهذا أمر يعود للقارئ وعادته وقدراته.
2- أن يستعين بها كالفهارس في أبوابها الخاصة؛ أي في أبواب الفهارس لا ما تقدم من أن تكون هذه طريقة القراءة الجديدة للمحترزات التي تقدمت، والمرء لا يستغني عن الفهارس، وفي مرات متعددة يحتاج ليقلب آلاف الورقات وقد لا يجدها، وهذا اليوم صار سهلًا ميسورًا، تصل إلى مبتغاك بسرعة.
وأهل العلم بحاجة إلى ذلك، فقد كنت في وقت من الأوقات أعجب لمن أعلم فقرهم في العلم كيف يستحضرون في كتاباتهم النصوص الكثيرة في وقت يسير، مع أن آخرين لا يقدرون على هذا في هذه المدة الزمنية، حتى عرفت استعانتهم بهذه الأدوات الجديدة، لكن كنت أحزن أن هذا يوقعهم في طامات ومصائب، منها: وضع الكلام في غير موضعه، وفهمه على غير وجهه؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم، أو ينسبون للعالم ما لم يقله، إذ قد يكون قد أورد النص للرد عليه أو لمجرد عرضه فقط، فأخذه هذا الباحث دون معرفة وشمول فهم، ومن أَوَابِد ما يقع به هؤلاء هو الغرور، حيث ظنوا أن هذا يُدخلهم في زمرة العلماء والفقهاء، فهاهم يوردون كلامهم ويعرفون مواطنه ويستحضرونه أكثر من العلماء أنفسهم، فأي فضل سبقوا إليه؟! ولم يدروا أن عملهم هذا هو عمل فني له علاقة بالأداة وليس بالعلم نفسه، كما يفعل الطابع الراقم على الآلة الكاتبة، أو كما يفعل عامل صفّ الحروف في أدوات الطباعة القديمة، وهؤلاء وإن كتبوا العلم لكن لا أحد يعُدُّهم من أهل العلم، وإلا لعُدَّ صانع حذوة الفرس فارسًا!
وهذا ينطبق اليوم على من يُقال لهم محققو الكتب ولا فرق؛ إذ تحول التحقيق إلى عمل فني يمكن أن يقوم به أجهل الناس، لكنه متقن لفن استخراج النصوص من مواطنها ليستكثر من الهوامش.
 
والمعركة بين الجهل والعلم لا تكون فقط في تحصيل المساحات في عقول الناس وقلوبهم ولكن كذلك في تجلية المفاهيم، فلا يسمى الجهل علمًا ولا العكس كذلك؛ فإن هذا من أبواب المعارك المهمة، وهو بيان حقيقة المصطلحات، كل المصطلحات، كالجهاد الذي يسميه الناس إرهابًا وتطرفًا، والكفر الذي يسميه الناس حرية فكر... وهكذا، هذه المعركة ليست جديدة بل قديمة قِدم الإنسان، فسرقة الشعارات والمصطلحات فن إبليس الأول؛ حيث سمى شجرة المعصية "شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى".
إن الحقائق والفضائل لها ساحتان من المعارك: ساحة إثباتها ضد أضداها؛ أي نشرها وتعميمها، وساحة تخليصها من أضداها الفاسدة.
وتبقى المعركة ما بقيت الأرض.
 
بقيت مسألة مهمة؛ وهي قضية ما يسمى "حق الابتكار"، وهي مسألة جديدة لم يعرفها الأوائل في باب العلم ونشره، كحقوق الطبع؛ طباعة الكتب وحقوق الإصدار، فهذه مسألة تمنيت من كل قلبي ألا يختلف العلماء فيها لوضوح الحق فيها؛ إذ أنها مسألة صناعة، فيها جهود ومشقة وإنفاق أوقات وأموال، ثم يأتي جالس على الطريق بطّال ليأخذ ذلك كله! وليته يجنيه دون ضرر، بل يدمر جهود الآخرين كذلك، فإنها لو لم تحرّم لأن فيها أكلًا لمال وحقوق الآخرين، فإنها تحرم للضرر العظيم العائد على أناس يستحقون كل دعم وتأييد.
لقد شهدتُ كتبًا تُسرق طباعتها وتُباع في الأسواق بأقل قيمة من قيمة كلفتها على طابعها الأول؛ إذ دفع حقوق المؤلف وتكلفة الصف والمراجعة وإخراجها بصورة جيدة قد تكون مشروطة من قِبل المؤلف أو من قبيل حرصه ككتبي عليه، ثم يأتي أحدهم ويصورها فقط ويدفعها للأسواق لتباع بربح عالٍ له ولكن بسعر أقل من التكلفة التي تكلفها الطابع الأصلي؛ فهل مثل هذه المسألة تشتبه على عالم ليفتي فيها بغير الحرمة؟!
من أفتى بالجواز لم يلتفت لواقع المسألة، إنما نظر أن العلم لا يُباع، وها هي كتب أهل العلم القدماء تُبذل من غير حقوق لأهلها، فما الذي تغير؟ والحق أن الكثير قد تغير، والفتوى كما هو مقرر تتغير بتغير الموجبات كما هو معلوم.
الأقراص الكمبيوترية كالكتب كذلك، بل قد يوجد فيها مشقة زائدة؛ فإنه من الجرائم الشرعية أن تُنسخ وتؤكل حقوق المسلمين بل وندمر هذه المؤسسات الرائدة والتي لها الفضل العظيم في هذا الباب، والتي أغلبها قامت على جهود شخصية شحيحة الموارد، وبهذا الفعل ينصرف هؤلاء العاملون عن المتابعة اللازمة لهذه الأمور.
والحق لو أنصفنا لدعمنا أكثر مما يُطلب منا لا أن نأكل حقهم الثابت.
إني أعتقد أن الخلاف في هذه المسألة خلاف غير معتبر، ولو لم يُحكَ عند إجابة طالب العلم على السؤال لكان أفضل، ولا يقال: "بل اختلف فيها الكبار اليوم"، فالحق أن من قال بجواز نسخ الكتب دون حقوقها لا يعرف حقيقتها، وليس هذا بشيء جديد على الفرسان حين تكبو.

 
 
خدع القراءة
 
هل القراءة كالحياء لا تأتي إلا بخير –كما قال عنه النبي ﷺ-؟ أم أنها تنطوي على ما ينبغي الحذر منه؟!
 
ما دامت القراءة قابلًا وفاعلًا -أي مشاركة ومفاعلة-؛ فلا بدّ في أحيان من عدم وقوع الحافر على الحافر، وحينها قد يقع الانزلاق، كما يقع في البصر من مشكلات كقِصره وطوله وحَوله، وهذه الأمراض لم تكن سببًا في يوم من الأيام بأن تجعل طبيبًا يحذر الإنسان المصاب من النظر، فالمطلوب هو وضع الإشارات والتنبيهات لا إيقاف الحركة أو إضعافها، والقارئ بعد رحلة طويلة من القراءة سيكتشف عِللًا لديه من بعض القراءات لا تتعلق بالفكر فقط ولكن في نفسه أو في حكمه على الكتب أو الأحداث، وهذه العلل (الخدع) لا تنتهي، وسأحاول ذكر بعضها نصحًا لصاحب الهمة، وسيرى أن ما سيُذكر هنا من خِدع لا ينتظمها سبب واحد هو "فعل القراءة"، لكن أجواؤها كذلك، وأما أسبابها فمتعددة منها ما تعود لنفسية القارئ أو لنوعية أو لنوع الكتاب أو لأسباب أخرى خارجة عن القارئ والكتاب.
 
كان مما ذكره ميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران خليل جبران، وكتاب ميخائيل عن جبران صنع ضجة عند محبي جبران؛ لأن ميخائيل كتب عن حقيقة جبران، عن حياته، مشاعره، ضعفه. ومحبوه يعظمونه تعظيمًا أوصله لدرجة القداسة في نفوسهم حتى إنهم كتبوا على قبره كلمة : "النبي"، وهي إحدى عناوين كتبه، فجاء ميخائيل وكشف العَذار وأبان المستور، والحق أن ميخائيل أراد ذلك؛ فقد تخفى تحت ستار الموضوعية والمعرفة لهدم صنم جبران الوهمي. وجبران إنسان حالم يعيش الحلم أكثر من الحقيقة في حياته، وكتبه ولا شك ظلال نفسيته، وفيها تشقيقات معانٍ جميلة. أما ميخائيل نعيمة فله معانٍ جميلة وجديدة في كتبه ومقالاته، ولكن ساءه في كتابته عن نفسه كما في (سبعون) وعن غيره كما كتب عن جبران وإيليا أبي ماضي أنه ينسب لنفسه الكثير من التأثير على الحركة الأدبية والشعرية خاصة أنه الوحيد بين أقرانه أصحاب "الرابطة القلميَّة" الذي درس الأدب ومذاهبه في روسيا، وقد حاول جاهدًا أن يُنظر له كفيلسوف منقطع عن الحياة في ضيعته يعاني مسائل الحياة والأفكار، ولم يُفلح.
 
ويؤخذ على هؤلاء جميعًا الأخطاء النحوية في كتبهم، وهم يرون لأنفسهم الحق في ذلك، ويبررونها بطريقة بشعة غير مقبولة، فلما قال جبران في قصيدته: "هل تحممت بعطر..."، فعابوها عليه، فطفق نعيمة يقول: "كيف لا أقبل كلمة قالها رجل أعرفه اسمه جبران وأقبل كلمة قالها رجل أعرابي لا أعرفه؟!"، عجائب ولا شك!
ومع ذلك فالمرء يتمتع مع هؤلاء في كتبهم، وكتب ميخائيل عندي خير من كتب جبران، وشعر إيليا خير من شعرهما.
 
فكان مما ذكره ميخائيل في كتابه عن جبران أن جبران عندما قرأ نيتشه بدأ يشعر بزهو الإنسان الخارق، وفي تلك اللحظات بدأ يكتب بهذه النفسية ويرسم بها، ويتحرك إنسانيًا بها، وفي الحقيقة هذا من خدع القراءة؛ فإن بعض الكتب تعطيك شعورًا زائفًا من الخيال قد تنسى فيها حقيقتك، وإن اطردت أمرضتك وأفسدت عليك الحقائق الحياتية؛ ذلك لأن بعض الكتب فيها سطوة هائلة تجعل القارئ أسيرًا لها بالكلية، وهنا تأتي أهمية القراءة الناقدة؛ وهو أن تجعل بينك وبين الكتاب حاجزًا، هذا الحاجز الذي لا يجعلك تذوب مقابله أو تلغي نفسك معه، فتذكر دائمًا أنك لست الذي في الكتاب بل أنت القارئ المراقب، تنظر وتتمعن وتصفّي وتختار وتقرّر، فلك شخصية مستقلة يجب أن تمنعك من التحدث على طريقة الممثل الذي يعيش الآخر ماحيًا نفسه ملغيًا لوجوده وشخصيته.
 
القراءة صراع بين الكاتب وقدراته وبين استقلالك، هذا في القراءة الإنسانية، فالكاتب يستخدم كل فنون السحر الكتابي ليمحوك في داخله، يأسرك، وبمقدار وَعيك على ذاتك واطمئنانك لقناعاتك تكون قارئًا تُجدد وتُنشئ وتحاور.
 
هذا لا يعني أن تحضّر نفسك للطعن والرد فتكون سيِّد "لا" تقولها بحق وباطل، كما وقع مع أحد كبار أئمة اللغة حين قابله رجل فسأله مسألة فقال العالم: "لا أدري"، فقال السائل: "أخطأت"، فتعجب الحضور، فأفهمهم العالم أن هذا الرجل خرج من بيته يريد تخطِئتي لا غير، فلم يدرِ ما أقول حتى قال: "أخطأت".
وبعض الناس -وهم اليوم كثير- يعيشون مرضًا طفوليًا؛ فالطفل عندما يبدأ إدراك ذاته يُكثر من قول: "لا"، فما إن تطلب منه طلبًا حتى يُسارع إلى "لا"، وما ذلك إلا لمحاولته إثبات شخصيته، وبعض الناس تكبر معهم هذه الطفولة، ويصبح شخصًا لا يُطاق.
القراءة ليست ذوابانًا في الآخر، وليست إزالة له، بل هي وعي على الذات ووعي على الآخر، ولكن مما لا شك فيه أن مواصفات الكتاب الجيد هو الكتاب الذي يقدر على سرقتك، وهي سرقة لا توجب القطع كما قال جرير.
 
إن قرأت رواية فتذكر أنك لست بطلها، ولن تستطيعه بتجريده الذي أبرزه الكاتب لك، بل حياتك أعقد بكثير من واقعه.
إن قرأت فكرة فلا تنظر لجمالها الشعري الذهني بل أنزلها من علياء التجريد إلى ضيق الواقع وحقائقه.
إن قرأت في (البداية والنهاية) لابن كثير فلا تختزل الحياة وتاريخ أمتك في خليفة جاء وخليفة قُتل.
إن قرأت كتاب الشيخ عبد الله عزام (آيات الرحمن في جهاد الأفغان) فلا تتوهم أن هذه هي حياة الجهاد، فهذه مُلَحُها لا أصلها، وإلا فحياة الجهاد شيء آخر تستعصي على التبسيط.
إن قرأت (ليون الأفريقي) لأمين معلوف فتذكر أنه لم يجد شيئًا من الحكمة في روما يكتبها في الرواية التي افتتحها بأنه وجد الحكمة فيها، وتذكر أن أمتنا ليست فقط "عام التمائم" و"عالم النوادب والمفتشين".
 
فالقراءة مقصودها التقاط لمحات قد تبدو متباعدة ومستقلة، ودورك أنت أن تملأ هذه الفجوات، وتجمع هذه المتفرقات، وذلك من خلال بصرك بالحياة، فالحياة هي الأصل، هي الحقيقة، هي السنة الجارية، هي أنت، وأما ما في الكتب فهو إيقاف للصور السريعة التي لا يمكن أن تكون إلا بما قبلها وما بعدها، وحينئذ قد يقع خداعك بإمكانية حصول هذه الصور من غير ألمها وتوابعها ومقدماتها الحقيقية، وهذه أكبر خدعة يقع فيها القراء، القراء جميعًا بل ربما قارئ الكتاب المتدين غارق فيها أكثر من غيره؛ فهل هذه الصور الرائعة والحاضرة في الكتب عن عصر الجهاد الأول –الفتوحات- أو عن جهاد المسلمين ضد الصليبيين تحمل الصورة كاملة؟!
 
حين يقع القارئ المتدين في أسر هذه الصور المثالية معزولة عن واقها وينظر إلى واقعه الذي فيه عين المقومات الأولى من قضية الجهاد في فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان؛ فإنه سيتجنى في الحكم على هذا الواقع ونزع صفة الشرعية عن هذا الجهاد من خلال نفسية الطهر المثالية والتي صنعت من هذه الصور المعزولة.
في الجهة المقابلة هناك من يأتي ويجمع الهوامش الحياتية اللازمة للإنسان، كما قال النبي ﷺ: (كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون)، ويعممها على تاريخ أمتنا في كل العصور من الراشدي إلى اليوم؛ ليبرر إفساده وفساده في الأرض كما يفعل المستشرقون والرافضة في كتاباتهم ن تاريخنا.
الصورتان وهميتان؛ الطهر المطلق والفساد التام، كلاهما لا وجود لهما في الحياة، إنما يختلطان في كل أطوارها، ويكون الزمن فاضلًا إن غلبت حسناته سيئاته، ويكون سيئًا إن غلبت سيئاته حسناته.
 
هذه الخدع في أحيان تكون مقصودة من قِبل الكاتب، وهذه منتهى الخيانة القلبية والفعلية؛ لأنه سيضطر للكذب والإلغاء والتضخيم، ولكن قد لا تكون مقصودة لأن حقائق الكتابة تقول: "لا نص إنساني كامل في الدنيا"، وكما قال الشافعي –رحمه الله تعالى-: "أبى الله أن يتم إلا كتابه"، وهذه أمانة الكلمة، كما قال السلف: "أهل البدع يذكرون ما لهم، وأهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم"، وكفى بالمنهج القرآني هداية حيث ذُكر فيه: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} عن نبيه الحبيب، وذكر فيه: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}، وهذا هو العدل الذي قامت السماوات والأرض.
لقد ذُهلت لأول وهلة وأنا أقرأ لكاتب ملتزم مثل با كثير –رحمه الله- في (حلم نابليون) صورة الشيخ المهترئ الذاهب مع خصمه بسبب مصالحه وشهواته، صورة قدمها في المسرحية وهو يخفي بذكاء عجيب صورة الأمة التي تحطم حلم نابليون وأوهامه في بلادنا، لكن الواقع يؤيده ويشكر له أمانته. ومثله غسان كنفاني –العاشق لفلسطينيته وقضيته- لا يستنكف أن يكتب صورة الفلسطيني المنكسر كما يكتب الفدائي المنتصر، وإن واحدًا يكتب في فترة متقدمة قصة (عائد إلى حيفا) بمثل هذا الوعي على التغير الاجتماعي والإنساني للفلسطيني تحت الحكم اليهودي، هو إنسان يستحق الإكبار بحق. وعلى الرغم أن قصة غسان كنفاني (رجال في الشمس) هي الأشهر لما فيها من صورة المأساة، والدلالات الرمزية العميقة، كما ذكر ذلك إحسان عباس في مقدمة الأعمال الكاملة لغسان، إلا أني أعتقد أن قصة (عائد إلى حيفا) فيها من الاستبطان العميق والاستشراف المبني على فهم رائد لحقيقة الإنسان وتحولاته تحت الظروف المتغيرة ما تجعلها قصة علمية أكثر من غيرها، الواقعية التي تزيد عن واقعية "تشيخوف" بعلميتها التي أراد النقاد جعل غسان ظلًا له فيها، ولا أنكر أني كلما قرأت لتشيخوف وقفت إكبارًا.
هذا الحد الفاصل بين الحياة والكلمة إن اكتشفناه وأحضرناه تخلصنا من إسار القول: إن المفكر لا يصلح أن يكون إداريًا، سياسيًا، أو عسكريًا، كما هو رأي جوستاف لوبون في كتابه (روح الاجتماع)؛ حيث يرى الافتراق بين أهل النظر والفكر والرأي، وبين أهل العمل والفعل والإقدام، وكما هو شائع اليوم في الوسط الإسلامي في التفريق بين الفقيه والسياسي، كما حكم بذلك ابن خلدون قديمًا في مقدمته، حيث جعل فصلًا بأن العلماء أبعد الناس عن السياسية ومذاهبها، وذهب يبرر لها تبريرًا منطقيًا مستمدًا من المنطق الصوري لأرسطو، وهو المنطق الذي يجعل الطريق الوحيد لحصول التصورات هو "التعريف يساوي الحد"، والذي يقال له هنا "الكليات"، ولو أعدنا الاعتبار لمعنى الفقيه وهو أن أفضل طريقة لحصول التصورات هو المثال كما منهج النبوة من قرآن وسنة لخرجنا من هذه الثنائية النكدة.
 
وإنه مما يُمدح لابن خلدون في هذا الفصل أنه طعن في المنطق الصوري الأرسطي، وعدَّه غير مأمون الغلط مع أن أصحابه يعدّونه عاصمًا من الغلط العقلي، كما أن النحو عاصم من الغلط اللفظي، بل إن ابن خلدون بهذا الفصل أرسى بكلمة واحدة أسس اليقين في أحكام الوجود وقال: "وصور المحسوسات حافظة مؤذِنة بتصديق انطباقه" –أي انطباق كليات المنطق على أفراده-، ويحتاج كلام ابن خلدون إلى شرح معادلة القياس الأرسطي وحدِّه لإدراك معنى كلامه، وليس هذا موطنه.
 
وقد استوفى ابن خلدون كلامه في نقض المنطق في مقدمته في فصل "إبطال الفلسفة" بكلام رائع حوى على الكثير الذي يدل على وفور عقله وعلمه، والحق أن (المقدمة) مع كثرة المتكلمين عليها إلا أنها تحتاج إلى كثير من الدراسات، وخاصة من أهل الإسلام، وشكر الله للدكتور عماد الدين خليل في دراسته التي أعادت ابن خلدون –بحثًا- إلى هذه الأمة.
الذوبان في داخل الكلمة خطأ وجريمة ضد الوعي، والعيش بعيدًا عن الكلمة خطأ وجريمة ضد الإنسان كله؛ بوعيه وعقله وقبله وروحه ومُتعه.
أرجو أن أكون قد أوفيت هذه المسألة حقها في ورقات بعنوان (بين العقل الشِّعري والعقل الجهادي)؛ وهي إحدى هموم العمل الإسلامي اليوم، وستبقى مفتوحة لأبواب البحث.
يعاني المبتدئ بالقراءة من شعور خاطئ أنه بعد أن يقطع بعض الكتاب قراءةً أنه لم يعد يذكر ما تقدم، وحينها قد ينصرف عن الكتاب لأنه فقد التواصل معه.
هذا الشعور خادع ووهمي؛ فإن تعمير الباطن وارتقاء العقل لا يميزه صاحبه، وهو كواضع الطيب يشمُّه مَن حوله وهو لا يشمه.
هذه الخديعة قد تسيطر على المرء فتصرفه عن القراءة بالكلية، حيث يتهم نفسه أنه إن قرأ لا يحفظ ويسنى، وربما قارن نفسه بغيره الذي يراه صاحب ذاكرة قوية، فيظن أن القراءة لمثل هذا وليست له.
 
العلم والمعرفة ليس لهما من الدلائل الظاهرة على الإنسان كطفرة مَرَضيّة مفاجئة، بل هي بناء يتشكل ببطء لا يحسه المقارن له، وحين يُمتحن هذا البناء يكون حاضرًا ويُثبت نفسه، ولذلك على المرء ألا يتوقف أبدًا عن القراءة بل يتابع ويتابع ولا يُخدع.
في ظرف غير عادي جاءني فتى يطلب العلم فقلت له: "اقرأ، فهي طريقك الوحيد اليوم في هذا الظرف". وشكى لي هذه الشكوى، ثم قال: بأي كتب تنصحني أن أبدأ؟
قلت له: "عليك بـ(مجموع الفتاوى) لابن تيمية، ابدأ من الصفحة الأولى ولا تتوقف حتى تنتهي منه".
كان يعود ويشكو من أمرين: أنه ينسى فيشعر أنه لم يجنِ شيئًا، وثانيًا: أن بعض المواطن وهي كثيرة يستعصي عليه فهمها.
كنت أعالج له ما تيسر من حل الثانية، فإن ضاق الوقت قلت له: "اتركها وواصل"، أما الأولى فكنت أقول له: "دع الوهم واصبر وسترى".
وإني أحمد الله أن التجربة قد نجحت، فقد صار إنسانًا آخر بعد انتهاء الرحلة.
كم من قارئ يشكو من هذا الوهم وخاصة من يقرأ كتب التاريخ لكثرة ما فيها من أسماء قد تبدو غريبة هذه الأيام، والعجيب أنهم بعد الشكوى يحرجونك لجدة قراءتهم بمعلومات يسوقونها على وجهها الصحيح، وهي عندك لطول العهد بها عامة وغائمة، وحينها تقول لهم: ها قد علق الكثير في أذهانكم من القراءة فانتبهوا.
يقابل هذه الخدعة خدعة مضادة وهو وهم البعض بعد قراءة لموضوع في كتاب أن البحث صار من حقه وأنه له، مع شعور خادع أنه استوفاه وأتى على نهايته.
حين تقرأ موضوعًا لغيرك في كتاب فمن حقك روايته لا ادعاء ملكيته، فرحلة القراءة قد تشتبه على البعض بأنها رحلة إبداع وإنتاج وليست رحلة تحصيل واجتناء، وهذا من وهم البعض وأخطائهم.
 
قد يقول قائل: ما أسرع ما نسيت، فإنك قدمت أن القراءة رحلة إبداع وإنتاج والآن تنفي هذا!!
لم أنسَ والعهد قريب، والقراءة لا تكون كاملة حتى تكون إنتاجًا، لكن إنتاجًا منك حين تشكل تشكيلًا من إبداعك حتى لو كانت أفراده من غيرك، لكن التنبيه هنا على خداع الصورة عند البعض، حيث قرأ شيئًا وأحسّ بأنه قادر أن يأتي بمثله فإنه لا يستنكف أن يقول: هذا لي، أو قد التقت أفكارنا، ولذلك من الأمانة العلمية أن يُنسب الفضل لأهله سواء عند الكاتبة أو الحديث خاصة لدرر الإبداع وأوابِد الفكر.
 
لكن دعني أخبرك بسر من أسرار نفسي، وقد أفشيته قبلًا في ورقات (شذرات من الحياة) والمقام هنا مقامه، وهو أنني كثيرًا ما أخرج بنتائج فقهية أو علمية أو فكرية من خلال قراءة تجر إليها أو تأمل في كلمة أو حادثة فأحدِّث بها إخواني أو أُثبِتها في موطن، ثم يتبيّن لي في قراءة ما أني مسبوق إليها فيعتريني فرح عارم وحزن دقيق؛ أما الفرح فبسبب حصول الاطمئنان على صحة النِتاج، وخاصة حين تكون الموافقة لعالم عظيم أو حكيم خبير، فأقول: ها قد أنتجت الماكينة بعض الصواب.
أما الحزن؛ فإني أعلم أن أحدًا ما لو علم صدورها من هذا العالم فلن ينسبها لي حتى لو سمعها مني ابتداءً، بل قد يظن أني اجتنيتها من غيري ولم آتِ بها من عندي.
أعترف أن هذا الحزن هو حزن رجل ما زال صغيرًا في أعمار باطنه، فإن رجلًا عظيمًا هو الشافعي قال: "لوددت أن هذا العلم علمه الناس ولم يُنسب لي منه شيء"، فإنا لله، هذه مراتب دونها تُقطع الحلاقيم عطشًا، فاللهم رحمتك.
 
وليتذكّر أولئك الذين يُعرِضون عن القراءة لاتّهام أنفسهم بعدم الحفظ وأن القراءة لا تحصِّل لهم الكثير، أن كثرة القراءة هي التي تُرسِّخ العلوم والمعارف، فالمرء لا يكون عالمًا بقراءة كتاب ولا كتابين، إنما بكثرة القراءة والمذاكرة تستقر العلوم في عقله وقلبه، هذا شيء يعرفه الناس بفِطَرهم.
وإن أعجب ما يقع عليّ من سائل هو قول أحدهم لي: "إني أحب التاريخ، فدُلَّني على أفضل كتاب في التاريخ أقرؤه؟"، والجواب هو: لو كنت محبًا للتاريخ لما سألت هذا السؤال؛ فإن المحب للتاريخ لا يقتصر على كتاب واحد ولا كتابين، بل يقرأ ويقرأ كل ما تقع عليه يده من كتب التاريخ، أقول هذا وأنا أعلم قول البعض: "إن الزمن قصير والأشغال كثيرة، فنريد الزُّبدة والخلاصة".
 
يا الله، كم جنى هذا الوهم على الناس، وكم ضيّع عليهم من فضائل، وكم فوّت عليهم من خيرات! إن الأوقات أكثر من الواجبات، لا كما قال الشيخ حسن البنا –رحمه الله تعالى-، وإن الأوقات تتسع للكثير لو أحسن الناس استغلالها، وعلموا أن الزمن هو أرواحهم وعقولهم وجنتهم، وعلموا أن الدقيقة أغلى من الذهب، بل هي الحياة، إن ذهبت؛ ذهبت الحياة، لكن الناس لجهلهم يفرّطون أكثر ما يفرّطون في حياتهم.
تأملوا حياة المنجزين في أي باب من أبواب الحياة، كم أنجزوا وكم حصل لهم من ثمر وجني، أصحاب الأموال وأهل الاكتشافات وأهل العلم، ولا تعجبوا منهم، بل اعجبوا ممن ضيع عمره فأتى للحياة وذهب بلا شيء!
كم قرأ وكتب الإمام الطبري؟ هل تعرفون؟
كم قرأ وكتب الإمام البخاري؟ هل تعرفون؟
للذكر فإنه بدأ بتأليف كتابه العظيم (التاريخ الكبير) وهو في السابعة عشرة من عمره.
كم قرأ وكتب الإمام ابن حزم؟ هل تعرفون؟
لا تنسوا أنه كان يرتشف كل مُتع الحياة التي أتاحها الله، وأنه تقلّب في الوزارات حتى الثمالة.
كم قرأ وكتب الإمام ابن تيمية؟ هل تعرفون؟
وتذكروا أنه سافر وجاهد وسُجن واحتسب، وفاوض الملوك وناظر الخصوم.
 
لقد أوصى أحد مشايخ الإمام الشوكاني هذا الإمام وهو في بداية الطلب أن يكتب كل يوم ولو ثلاثة أسطر، وقد فعل –رحمه الله- وأطاع النصيحة، فأتى بالعجائب.
كم قرأ وكتب الإمام ابن كثير؟ هل تعرفون؟
لقد ذكر عن نفسه أنه أُصيب بالعمى آخر عمره وهو يشتغل في كتابه العظيم (جامع الأسانيد والسنن) بسبب سهره معه مع سراج يُنَونِص قليلًا.
لقد دخلت على الشيخ محمد زكريا الكاندهولي وهو مريض جدًا لا يستطيع الحركة، وحوله رجال يتناوبون في القراءة له، وقد حدثني أحد تلاميذه أنه كان يتناوب هو والشيخ محمد يوسف الكاندهولي صاحب كتاب (حياة الصحابة) السهر في الليل للقراءة والبحث.
هكذا هم العقلاء؛ لا يضيّعون حياتهم وأزمانهم، بل كل لحظة بثمن، وكل ثانية بإنجاز، وهل هناك امرؤ يسمع حديث النبي ﷺ القائل: (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأدبيه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن من الحق)، ثم يلهو لهوًا باطلًا؟! اللهم لا، إلا أن يكون الرجل لا عقل له.
انهض من لحظتك وشمّر عن ساعد الجِد، وسترى أنك بعام واحد أنجزت الكثير!
 
قلت مرة لأحد الأحبة -لسبب ما- إني قرأت (مجموع الفتاوى) لابن تيمية مرات لا مرة، فنقلها لأحدهم، فجعل الرجل يُقسم أن هذا لا يمكن، وأن هذه مبالغة.
سبحان الله! مبالغة! لمَ مبالغة؟
عبد الرحمن القاسم –رحمه الله- وابنه محمد ألم يجمعوا المخطوطات بسنين؟ ألم ينسخوها؟ ألم يصححوا تجاربها؟ ألم يصفّها عامل الطباعة حرقًا حرفًا؟
كل هذا يحدث، فإذا قرأها أحدهم مرات قال الغافل: "مبالغة".
إن ضعف الهمم هو الذي يقتل حدوث الإنجازات، لما عرضت كتابي الذي أنجزته مع حسن أبي هنية وهو (تجريد أسماء الرواة الذين ذكرهم ابن حزم)، على الشيخ الألباني -رحمه الله- قال: "هل قرأتم كل كتب ابن حزم حتى تقولوا تجريد؟"، فقلت له: "نعم، بل قرأت كتبًا أخرى للرجال حتى أنجز العمل".
أعجبتني كلمة من أحدهم وهو يرهقني في التمارين الرياضية معه في السجن، وهو سجين مثلي، حيث يهرب منه الجميع ولم يبقَ معه إلا أنا وأخ حبيب آخر، فقال: "ليكن عدوّك اثنين؛ وزنك والآلة الرياضية فلا ينتصران عليك".
وأنت انظر إلى (فتح الباري) وأنه يعلن التحدي عليك ويقول لك: "هل تقدر؟"، وتأكد أنك تقدر، فقد قُرئ هذا الكتاب مرات على بعض المشايخ في جلسات خُصِّصت بعد صلاة الفجر فقط إلى شروق الشمس، أقول: قُرئ مرات لا مرة واحدة!
ليس هذا ما أردته ابتداءً ولكن الحديث ذو شجون –كما يقولون-، وهذا الكلام يُمدح في كل وقت، ثم هل نقول: إن بعض الكتب تبدو لضخامتها خادعة أنك لا تستطيع قراءتها، فتكون هذه خدعة أخرى من خدع القراءة؟ ربما.
 
لم أسمع قط أن كتابًا لم يُقرأ كله من قِبل إنسان إلا ما ذكره الدكتور عبد الوهاب المسيري عن (التلمود) اليهودي أنه لا يوجد أحد قرأه كله، و(التلمود) هو شروح كل عالم يهودي على التوراة، وكل خَطرات حبر من أحبارهم، وكل كلام يكتبه مُقدَّم فيهم، فهو كل يوم يزيد ويتضخم، حتى إن مناحيم بيغن زاد عليه من "الدُّرر اليهودية" –الرجاء عدم الابتسام-.
كان من نصائح الأقدمين قولهم: "لك روايته وعليه بدعته". نقّبت في مكتبة أحدهم وهو ينتسب لطلب العلم، فلم أجد في مكتبته كتابًا واحدًا في أصول الفقه، وهذا العلم قد قلّ هذه الأيام، ولم يبقَ منه إلا ترديد المصطلحات بين بعضهم، والمبصرون به مَلَكة ودربَةً قِلّة في زماننا لأنه فقه العلوم، فأشرت عليه بأن نزور بعض المكاتب التجارية، وقد كان، فكان من المعروض كتاب (المحصول) للفخر الرازي فأشرت عليه بشرائه، فقال: "لا أشتريه، أليس هذا الرازي الذي رد عليه ابن تيمية؟ وهو من المتكلمين؟"، فما زلت أحاوره وأُفهمه حتى اشتراه، مع رؤية بعض الكراهة في وجهه.
 
إن بعض الكتب تُنشئ وهم "الحزبية والقبلية" بين القارئ وصاحب الكتاب، فيصبح محبًا لما يحبه صاحب الكتاب، مبغضًا لما يبغضه صاحب الكتاب، وهذا ضعف في العقل والنظر. هذا الرجل لا يعرف أنه لا يوجد كتاب كتبه أصولي إلا وهو متأثر بالمنطق، إلا كتاب (الرسالة) للشافعي، حتى كتاب ابن حزم (الإحكام في أصول الأحكام) فإن صاحبه له رأي في المنطق غير رأي ابن تيمية الذي يقلّده هذا الطالب، فقد كتب ابن حزم كتابًا سماه (تقريب حدّ المنطق) وهو ضمن رسائل ابن حزم المطبوع بعناية الدكتور إحسان عباس.
العلاقة مع الكتاب ينبغي ألا تُفهم علاقة مع الكاتب، وهذه المسألة غير مسألة الحب في الله والبغض في الله، ولذلك كم جنت هذه القضية على العلم، فقد ذُكر أنه صار بعض أهل العلم يحملون كتب ابن تيمية في أضابير بغير اسمها حتى لا يُساء لهم أنهم يقرؤون لابن تيمية. وهناك تجارب أخرى في إزالة اسم الكتاب واسم المؤلف، لتحطيم الأوهام التي تنشأ في عقول البعض من الدعائية الزائفة أو القراءة القبلية، ومن ذلك ما وقع لكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب. 
لا تُخدع بالأسماء ولا بالعناوين، بل اقرأ وتجرّد من الهوى تتحصّل الكثير.
هذه الخدعة سماها إبراهيم العسعس في كتابه (السلف والسلفيون) بـ"علم نفس الدليل". لقد حُرمت طويلًا من كتب أبي الأعلى المودودي في بداية القراءة لأني سمعت أحدهم في 
 
جماعة التبليغ -أوائل أيامي معهم- يعيب اسمه، "أبو الأعلى واللهُ هو الأعلى!"، فلما قرأت له أدركت جهلي وعلمت كم في كتبه من الخير والفهم والعقل الكبير.
ومن خدع القراءة "القبلية"؛ وهو الاكتفاء بكتب الردود عن قراءة الكتب الأصلية، معتمدًا على أمانة الرادّ ودينه وثقته، وهذا وهم ينبغي للمرء تجنبه، بل عليه أن يسعى إلى قراءة الكتب الأصلية نفسها، إذ ستكتشف أن هناك من الجوانب التي استفدت منها ووسّعت مداركك وفهمك للكتاب.
لا اسم الكاتب حاجز ولا العنوان ولا الردود عليه، فاحذر الخداع.
 
يتوهم البعض أنه باقتناء الكتاب ودخوله في ملكيته أنه قرأ الكتاب، وهذا وهم مرضيّ؛ فإن وجود الكتاب في مكتبتك لا يعني أنك قرأته، كما لا يعني أنك سيطرت عليه، فيمكن استحضاره إليك في أي وقت، نعم قطعت بعض الطريق لكن الاكتفاء بهذا الوضع يتحول إلى حاجز يحول بينك وبين مقصد الكتاب وهو قراءته، فالكتاب لم يوضع للحلية، وفائدته لا تكون بالتحلي به كأثاث البيت وفاخر اللباس وغالي الجواهر، بل حلية الكتاب هو أن تصفّيه حرفًا حرفًا في عقلك وقلبك.
 
ثم إن التحديق في الكتب وهي مصفوفة على الرفوف زمنًا طويلًا يعطيك في أحيان كثيرة شعورًا خادعًا أنك تعرفها، وبالتالي تعرف ما فيها، فهذا كتاب له سنين في مكتبتك تنظر إليه يوميًا، وتعرف اسمه واسم صاحبه وما هو موضوعه ومباحثه، وربما قلّبته في بعض اللحظات لدقائق فاطلعت على كلمات فيه أو صفحات، فينشأ وهم في داخلك أنك تعرف الكتاب، أي أنك قرأته. وهذا وهم باطل؛ فالقراءة الحقيقية هي أن تقرأ الكتاب كله، كل الكتاب، بل قد تحتاج أن تقرأه مرات حتى تسمى قارئًا حقيقيًا له.
ولعله من النصيحة التي أحبها للقارئ ألا يطيل ترك كتاب ملكه مدة طويلة في مكتبته دون قراءته، فإن طول الوقت مع ما تقدم وَهْم قلَّما لا يقع المرء فيه.
اقتحم الكتاب وتحدى هذا الوهم، وستكتشف هذا الخداع بنفسك، وأن ما كنت تظنه أنك تعرف الكتاب هو وهم غير صحيح، فالكتاب ما زال أجنبيًا عنك.
الكتاب ليس بغلافه ولا باسم كاتبه ولا عنوانه، بل الكتاب هو كل حرف فيه وكل كلمة وكل صفحة وكل جزء، وحين تأتي على كل هذا تسمى قد قرأت الكتاب.
وقريبًا من هذا الوهم هو انتشار بعض الكتب وانتشار بعض أسماء المؤلفين والكتَّاب، والذي يؤدي إلى انتشار الحكم عليها وعلى مناهج أصحابها، فيبعث هذا كله شعورًا مخطئًا أنك تعرف الكتاب أو تعرف كتب المؤلف المشهور، مع أن الأمر على غير ذلك. ملايين الطبعات للتورة والإنجيل ومع ذلك كان يكتشف إخواننا في مناظراتهم لبعض كبار الدين النصراني أنه لا أحد منهم قرأ الكتاب كاملًا.
 
أنت تعرف (تاريخ الطبري) والكل يذكره في معرِض ذكره لكتب التاريخ، لكن اسأل: كم أحد قرأه كله؟
الكل يعرف (مقدمة ابن خلدون)، لكن سل: كم قارئ قرأها كلها؟
الكل يعرف المتنبي ويردد كثيرًا من الأبيات له، إنما السؤال: كم من قارئ قرأ (ديوان المتنبي) كله قراءة تذوق؟
إن بعض من ينتسب للعلم والفتوى ومع ذلك لم يقرأ (تفسير ابن كثير) كله، دع عنك تفسير الطبري والقرطبي وغيرهما.
بل إن بعض هؤلاء لم يقرأ الكتب الستة التي لا تصح فتوى امرئ إلا بعد قراءتها بعلم وفقه، إن رجلًا لم يقرأ (تفسير ابن كثير) على الأقل والكتب الستة مع شروحها، و(السنن الكبرى) للبيهقي، و(المغني) لابن قدامة، و(المحلى) لابن حزم لا يصح أن ينتسب لأهل الفتوى.
لكن لانتشار هذه الكتب في مكتبات الناس أوهمتهم أنهم قرؤوها ويعرفون ما فيها!
لتحذر دائما من خديعة اقتناء الكتب والاكتفاء بذلك.
 
قالت العرب: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، وسمع أحد الصوفية أشعار محمد إقبال الرائعة في مدح النبي ﷺ فذهب مسافرًا إليه من إقليم إلى إقليم، فلما دخل بيته مستأذنًا سأل إقبال نفسه: أريد مولانا إقبال، فقال له إقبال: أنا هو، فما كان من الصوفي إلا أن ضرب إقبال بشال كان على كتفه وانصرف عنه، إذ كان الصوفي يتخيل إقبال على شكل وهيئة مشايخه من اللحية والعمامة والوقار، فلما رآه صدمته الصورة.
وحدث أن أحدهم صدرت له بعض الكتب العلمية، فلما جلس معه بعضهم قال له: إما أنك لم تؤلف هذه الكتب وألفها غيرك ثم نسبتها لك، وإما أنك لست فلان -اسم المؤلف-!
في مرات كثيرة يكون الكتاب أكبر من صاحبه، والأمر في حصول هذا ليس غريبًا خاصة في هذا الزمن العجيب، ومرات يكون الكتاب أصغر من صاحبه، ولا أكتمك أن هذا يقع مع القارئ غير الناقد، وإلا فالقارئ الناقد الخبير قلما يخطئ في حدسه معرفة الكاتب من خلال كتابه، لكن الحذر من الوقوع في هذا الخداع مطلوب.
بقي وهم كبير وهو وهم ظن السوء أن الحرف يحقق التغيير دون الإرادة والعمل، وهذا الوهم له فصل مستقل تحت عنوان: "القراءة من الحرف إلى الفعل"، والله الموفِّق.
 
القراءة من الحرف إلى الفعل
 
قال لي صديقي الذكي يومًا: "إن رصاصة واحدة تستطيع اختراق عشرات المجلدات"، فقلت له: "إنها رصاصة الجهل مع كتب ميتة".
سمى الله القرآن روحًا، والروح أساس الحياة، وسيد قطب اشترط حياة الحرف من مواته أن يأخذ روح كاتبه، فالحرف ليس معرفة فقط بل هو فعل.
الذين ينظرون إلى الكلمات بهذا المنظار ويتعاملون معها على هذه القاعدة هم أهلها حقًا، وأما الآخرون فهم قطاع الطريق فيها.
لست أنكر أني منحاز لأمتي في أصلها وفي تاريخها، فإن أمة كانت تقيم الحروب من أجل بيت شعر أو من أجل كلمة لأمة عظيمة تستحق أن تأكل كل الأمم، بشرط أن تجد كلمة الحق التي تحبها وتعلِّمها وتثيرها وتقودها، وبحمد الله قد وجدتها أعظم ما يكون؛ إنها كلمة الله.
إن أمة تقيم الاعتبار للكلمة يعني أنها تقيم الاعتبار لأسمى معالم الجمال في الدنيا، وأنها تقيم الاحترام للقيم الإنسانية، تلك القيم التي تجعل للحياة معنى ورونقًا، فأي حياة من غير الحب والولاء والوفاء والعدل والفداء والكرم؟!
هكذا كان العربي قبل الإسلام، يسلُّ سيفه من أجل كلمة، ويبذل ماله من أجل كلمة، ويضحي بنفسه وعشيرته من أجل كلمة، فالكلمة هي حياته، فهو يدرك أنه يمكن أن يعيش فقيرًا ولا عار، ويمكن أن يعيش مشرَّدًا بلا ملك ولا استقرار، ولا عار، فالصَّعلَكة فتوّة القيم، لكن لا يمكن أن يعيش بلا كلمة؛ لأنه حينئذ يكون بلا قيمة.
هذه الكلمات التي هي عنده عنوان على الحقائق وليست مجرد هواء يصخب في فضاء، ولذلك لا يُعرف عن أمتي قط أنها لاكت كلمات لا تعني حقائق وجودية، ولم يستنكفوا أن يقولوا: "السندس" و"الإستبرق" وهي ليست من لغتهم؛ لأن حقائقها ليست من وضعهم، فلما جاءتهم من الآخرين كانوا أمناء فأخذوها بأسمائها.
ومن طرائف هذا العربي الراقي رقيًّا تعجز عنه بقية الأمم أنه قيل له: ما تسمون ماء الطعام عندكم؟ قال السَّخين، قالوا: فإذا برد ماذا تسمونه؟ قال: لا نتركه حتى يبرد. فالكلمات دلائل على الحقائق أعظمها ما كان مطية يحمل في داخله القيم والمعاني والصور؛ لهذا كانت الكلمة عنده عظيمة لأنها تعادل الوجود.
دع عنك هؤلاء الساقطين، والذين همهم تحقير كل قيم هذه الأمة وكل أسباب رفعتها وعزتها، هؤلاء من تحريفهم أنهم جعلوا سطوة البيان تقضي على سنن العقل، وكأنّ الإنسان غرائز متعارضة متقاتلة، لا متكاملة متكافلة.
ولأنهم قرؤوا الكلمات ولم يرووا حقيقتها فرأوها أصواتًا، فصرنا عندهم بكل تاريخنا ووجودنا ظاهرة صوتية لا أكثر ولا أقل.
وكأن أمة غير هذه الأمة روت الأرض دماءً في سبيل الحق، وكأن هذه الأمة هي التي قتلت الملايين من أجل شهوة القتل.
وكأن هذه أمة غير هذه الأمة تقدم الأرواح والدماء والعرق ضد طغيان العالم أجمع، وكأن أمة غير هذه الأمة يموت شبابها عن رغبة وطواعية في سبيل دينهم.
ماذا نقول لهؤلاء في زمن ينهق أحدهم في جريدة نفطية بقوله: إنه ليس على استعداد أن يضحي بابنه في سبيل أي شيء من أشياء الدنيا أو الآخرة.
الوطن عندهم قطعة أرض، والمريض هو من مات من أجل أرضه، المريض في عقله ونفسه، والذكي هو: اشترِ لك قطعة أرض في أستراليا بمال يدفعه غاصب أرضك.
العِرض عندهم وهم زائف، والمتخلف من مات من أجل عِرضه، المتخلف عن قيم الحضارة المعاصرة، والمستنير من جلس خلف الباب وهو يسمع لهاث زوجته مع مدير شركته أو زوج عشيقته.
كل القيم خيالات وأوهام، والحقيقة الوحيدة أن يعيش كما قال تعالى: {لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}، هدم السفلة كل جمال في الحياة، وكل تاريخنا، وكل قيم أمتنا، وتحت دعوى العقلانية والمصلحة في وقت لم يبقَ لنا فيه شيء.
بصقوا على كل الشهداء ونعتوهم بالمرضى والمجانين وفاقدي الأمل وعاطلين عن العمل؛ لأنهم يحلمون بالجنة، والجنة وهم، والحقيقة الوحيدة الحساب البنكي! فالحرف لمن يدفع، وكل كلمة لها ثمن، فلا مانع من أن يكون الكاتب الكبير والمفكر العظيم لوطيًا، وسيأتي من يقول بكل صفاقة: إن هذا المفكر الثائر –يالحقارة القوم ثائر ومَأْبون- إنما يعلن ثورته من خلال شذوذه.
لا تستغربوا فوالله لقد قيلت، واقرؤوا إن شئتم ما كُتب عن "جان جينيه" وعن فلسفة شذوذه، وحين يُسأل عن شذوذه يقول: "شذوذي هو الذي فتح آفاق فهمي للحياة"!
رحم الله الحياء، ورحم الله الرافعي حين علّق على قرآن مسيلمة بقوله: "هذا قرآن كان ينزل على بطنه لا على قلبه"، ولو قرأ ما قاله الرجل لقال: هذا فِكر ينزل على دبره لا على عقله.
إن هذا السّعار المحموم في إظهار هذه النماذج الحقيرة في سلوكها وعملها وإبراز سيرها الذاتية بهذه الوقاحة والفجاجة لهدف تدميري واضح؛ وهو فصم عُرى الصِّلة بين الكلمة والفعل، وإيصال رسالة خبيثة الهدف: القيم الأخلاقية لا علاقة لها بالكلمة، وأنه لا غرابة بين كون الرجل مثقفًا وسافلًا منحطًا عميلًا.
هذه إحدى معارك الكلمة لتجريدها من روعتها وقيمتها، وهكذا تنهار معالمها الوجودية في النفس البشرية، فليس للألفاظ حقائق بل يمكن تركيبها مع أضدادها كما يقول بعضهم: "البغي الفاضل"!
إنها معركة لا يقوم لها إلا الرجال الأفذاذ ونساء الطهر والعفاف، الرجال الذين يعيدون للكلمة أَلَقَها من خلال نماذجهم العلمية الشاهدة على الصدق والانتماء والشهادة، والنساء اللواتي يُرضعن من طهر أثدائهن رماح الشهادة وحروف التاريخ.
هذه كلمات لا بد منها انتصارًا لأمناء الكلمة وتبكيتًا لخصومها، وهي كلمات –فقط كلمات- ضد أموالهم وحكوماتهم ومؤسساتهم وعشاق نسائهم.
ابتداءً؛ على المرء أن يعلم أن الحياة التزام، وإن أثر الإنسان في الحياة والتاريخ إنما يكون بمقدار التزامه بسنن الحياة وقيم الإيمان، والذين يأخذون الحياة على وجه اللعب واللهو ستحطمهم السنن في الدنيا وسيرحلون عنها بلا أثر، كما قال تعالى عنهم: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ}، هذا الالتزام هو الذي يجعلهم في نسق تام مع الوجود، يسيرون مع السنن، ويستخدمون كل ما سخّره الله، ويعيشون في طمأنينة العاقبة مهما تأخرت في بعض أطوار الحياة، لأن هذا هو طبيعتها وسننها.
الالتزام لا يعني الثقل، بل الثقل والعَنَت في السير عكسه؛ لأن الالتزام معناه السير ضمن سنن الفلك الكوني والإيماني، وبالتالي ما يقع عليك من تعب إنما هو تعب المسير لا تعب الالتزام، وحين تنفلت الأَزِمَّة حينها يبدأ الصِّدام والاضطراب والهلكة.
هذا الكلام لا يقال اليوم في بداية الطريق، ولا اعتمادًا على أخبار التاريخ، بل بأدلته الحاضرة، حيث نشاهد آثار الانفلات من السنن الكونية كيف يؤدي إلى الهزائم وسيطرة الأعداء، وكيف نشاهد آثار الانفلات من القيم الإيمانية كيف يتحول الناس إلى بهائم ووحوش تعشعش فيهم عوامل الهدم الداخلي.
هذا الالتزام ليس خيارًا يمكن للمرء أن يجربه يومًا أو يجرب ضده، بل فيه معنى منطوٍ في داخله؛ أي اللزوم والالتزام، فسنن الحياة ثابتة وكذلك ينبغي أن يكون أكرم الخلق فيها، وفي الختام –ختام رحلة الحياة- يذهب كل واحد إلى مُلكه الذي بناه وغايته التي سار إليها.
هذا الالتزام يعني أول ما يعني البصيرة، أن تعرف الطريق وأن تبصر دروبها ومزالقها ورفاقك فيها وقوانينها وشروطها، وكلما كنت عالِمًا كلما كنت مبصرًا؛ لأن المعرفة سراج العقل، فالمعرفة إحدى قوانين الالتزام، بل هي عين الالتزام.
هذه البصيرة سراجها الكلمة، لا تنير إلا من خلالها، ولا تحمل إلا في طياتها.
ليس بعالم من عرف طريق الحق وسار في طريق الباطل، بل هو من أجهل الجهلة، وليس له ثقة على هذه المعرفة، ومحتقر لها مفسد لقيمتها.
الكلمات ليست للتجارة ولسرقة الغافلين وبيع الأوهام، بل هي لتنبيه الغافلين وكشف الحقائق.
الفعل له شقان باعتبار آلته؛ القلب والجوارح، وله شقّان باعتبار متعلَّقه؛ فعل الفضائل وترك الرذائل.
يدور سجال غير محمود اليوم حول "المثقف الملتزم" كما يدور سجال حول "الناقد المبدع"، وهذا يدل على فصام العقل الثقافي هذه الأيام، وأساس فصامه هو فقدان الأدب والإبداع مهمته في الحياة، بل هو في الحقيقة غياب التصور الصحيح لمفهوم والحياة، فما الحياة عند هؤلاء؟!
إن كل قضية لو فكر فيها منصف لوجد أنها تتعلق بـ"الدين" والذي هو أساس القيم، ومن أجله وُجدت هذه الحياة، وكلما أُفرغ جانبٌ من هذه الحياة من الجانب الديني كلما مُلئت بالعبث والتوحش والبهيمية، وهذا بَيِّنٌ اليوم في عالم الأدب والإبداع؛ فإن مهمة البيان هي حصول التواصل بين الإنسان، ولكن لغياب هذا المفهوم -وبطريقة تنازلية- حُوِّل الإبداع الفكري إلى مجرد عبث وهذيان مرضي؛ لأنه لا يمكن لإنسان ينشئ نصًا إلا وهو يطوي داخله –داخل النص- فكرة واعتقادًا ومبدأ، أي أنه يعبِّر عن التزام بموقف، وهذا ما لا يريدونه اليوم، أو لنقل إنه الشعار المطروح علنًا دون الخفايا والبواطن، وبالتالي تحول النص إلى عماء لا يشكل في داخله أي تكوين أو مفهوم، ودعوى هؤلاء القوم لتفجير اللغة يعنون تحويلها إلى ألفاظ بلا دلالات، أو دلالات متناقضة كل دلالة تشير إلى ضدها، والباعث لذلك هو تدمير الالتزام، فلا يوجد نص أخلاقي ولا نص اعتقادي ولا نص منتمٍ؛ لأن اللغة التي يريدها هؤلاء العابثون هي "عماء" لا أكثر ولا أقل.
هكذا يمكن اكتشاف الخواء الفكري من خلال الفساد اللغوي، ك

أخبار ذات صلة

إختلف العلماء في حكم صلاة الغائب ، فذهب البعض إلى أنها غير جائزة ، و أنها كانت من خصوصيات النبي صلى الله عليه و سلم ، و أجازها الجمهور ، ثم إختلفوا ، فحصره ... المزيد

**.. من المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة تغيرات للأصلح أو للأسوأ.. وبوسع من ابتلاهم الله بالولايات العامة للمسلمين أن تكون الأزمات والنوازل الحالية فرصة ... المزيد

في أعقاب حرب الخليج الأولي التي انتهت بتحرير الكويت وتدمير القوة العسكرية للعراق وفرض الحصار عليه، صدر كتاب عام 1992 بعنوان: "نحن رقم واحد: أين تقف أمري ... المزيد

لم تعجبني الدراسة المسلوقة التي قام بها أربعة من الشباب المصري بتركيا ونشرها المعهد المصري للدراسات هناك عن مبادرة الجماعة الإسلامية عام 1997.

المزيد