البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

طالبان تجربة تقدم نفسها بلاتزويق

المحتوي الرئيسي


طالبان تجربة تقدم نفسها بلاتزويق
  • محمد الحافظ الغابد
    30/08/2021 04:40

التاريخ يعيد نفسه .. حركة طالبان تعود مجددا لمسرح الأحداث الدولية منتصرة وتدخل كابل وقصر الرئاسة كما دخلته أول مرة في منتصف التسعينيات منهية سنوات من خيبة أمل الشعب الأفغاني في فصائل المجاهدين السابقين المتصارعين على السلطة دون بصيرة سياسية أو استجابة لتطلعات الأمة التي دعمتهم لمواجهة الزحف الأحمر فخيبو أملها في بناء الدولة الإسلامية أو تقديم أداء أفضل ممكان يقدمه النظام الشيوعي بقيادة نجيب الله.

الحركة الصغيرة التي ظهرت على مسرح الأحداث(1996/2001) بشكل لافت وسريع مالبثت أن وضعت حدا لسيطرة أحزاب أمراء الحرب ومليشياتهم وبسطت الأمن في العاصمة كابل وفي ربوع البلاد وأقامت حدود القوانين الإسلامية التي طبقتها بشكل صارم ولافت مالبث أن شكل مادة للإعلام المعادي للطرح والرؤية الإسلامية، فشوهت التجربة وقدمت كعدو لحقوق الأقليات والمرأة والتعليم.

فتحت الحركة قليلة الوعي بتناقضات العصر جبهات كانت في غنى عنها سجلها الصحفي المصري فهمي هويدي عبر عنوان كتابه :"طالبان جند الله في المعركة الغلط" وشكلت الإمارة الإسلامية ملاذا للمتمردين من مقاتلي التنظيمات الجهادية واستضافت معسكرات الأفغان العرب، ومالبث تنظيم القاعدة أن وظف هذه الفرصة لضربة الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي خلطت أوراق السياسة في الإقليم وفرضت على الولايات المتحدة غزو الإمارة والإطاحة بها خلال أسابيع لكن الحركة لم تستسلم وإنما واصلت مقاومتها خلال العشرين عاما الأخيرة بشكل متواصل لايعرف الكلل، كان كثير من العارفين بمسار التاريخ المقاوم يعرف أن لها موعدا مع التاريخ ومستقبل أفغانستان الذي ظنه كثيرون بات رهينا للقوى الغربية وما أحدثته عملية الغزو الآمرريكي من تأثير في الثقافة السياسية وحتى الإجتماعية للأفغان.

الحركة التي لاتٌـزورٌ هٌوِيتَها

قدمت حركة طالبان للعالم كما هي فلم تتعب نفسها في تزويق خطابها وتزوير(تزيين) هويتها وإنما استثمرت الصورة المخيفة التي يقدمها عنها الغرب والإعلام الغربي في عناق مع البندقية لتفرض أجندتها، وقاتلت حتى على طاولة التفاوض لتفرض قبولها كما هي دون تتفيه مبادئها واصطناع هـويتها وتقديم نفسها ككيان مهزوز الهوية يخفي صورته الحقيقية في قالب من الحربائية والتلون والتملق لعدوه الذي يكرهه أيا كان واقعه زٌوِّرَ أو زُوِّقَ فهو مرفوض.

لكن الحركة ومن خلال إبراز هويتها كما هي فرضت احترامها ولم تتطورط في لعبة الكومبارس التمثيلي لتقبل كحركة حداثية تقدم نموذجا في الفهم والحركة وإنما كرست صورتها كحركة فقهاء ودعاة يطبقون نسخة عتيقة من فهم أهل آسيا لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف كما هو مكتوب ومتداول منذ أكثر من ألف عام يعرفه القاصي والداني ذلك أحد عناصر القوة الذي تخلت عنه حركات كثيرة في المنطقة العربية وانخرطت في لعبة خطرة مربكة على مستوى الخطاب قدمت نفسها حركات مدنية وعلى مستوى الممارسة لم تعرف كيف تتصرف عندما ولجت قمرة القيادة شريكة في القيادة أو منفردة، لكثيرين أن يجدوا مسوغات لالتماس فروق في الثقافة الإجتماعية هنا أو هناك وأن يبرزوا عوامل غير المصداقية في الخطاب والهوية كان لها الدور الأبرز في انتصار الحركة الطالبانية.

لكن نموذج الصدق والمصداقية والواقعية الفعلية يظل أبرز سمات الحركة الإسلامية التي انطلقت من مدارس التعاليم الدينية لتحقق نجاحا كبيرا عجزت عنه فصائل أخرى غيرها كثيرة على الساحة الأفغانية.

    "لايمكن شراء الإرادة ولا القيادة"

انخرطت الحركة في مفاوضات طويلة استمرت ثلاث سنوات لضمان نجاح سياسي يترجم الصبر الإستراتجي للجماعة القوية التي صمدت في القتال لإنهاء الإحتلال وحكم العملاء من معاوني الإحتلال على الساحة الأفغانية، فهاؤلاء أخطر عل البلاد من المحتل الغازي.

أفضل توصيف لجيش الحكومة الأفغانية التي أقيمت برعاية الإحتلال جاء في تصريحات المسئولين الآمريكين ما يكشف حقيقة هذا الجيش فقد اعتبره الرئيس بايدن جيشا فاقدا لإرادة الدفاع عن كابل وعبر وزير الدفاع عن امتعاضه منه قائلا:"لايمكن شراء الإرادة والقيادة" ووصف بادين الجهد الآمريكي في تأهيل الجيش الأفغاني بأنه بذلت فيه مقدرات تتجاوز الترليون ووصل عدده لثلاث مائة ألف جندي يمتلكون أسلحة متطورة وهو في تسليحه وقدراته التدريبية يوازي بعض الجيوش العريقة في حلف النيتو لكن فاقد للرغبة في الدفاع عن النظام القائم في كابل

قد يكون ما ذكره بادين صحيح بالجملة لكن هذا الجيش يفقد العقيدة القتالية فهو أنشئ على طريقة المليشيات النفعية ليشكل خفارة وستارة عسكرية للجيش الآمريكي المحتل وما كان ليكون غير ذلك أما وقد أعلن الآمريمكان انسحابهم فإن تبدل الولاءات فعل فعله في هذا الجيش وجعل قياداته وضباطه يؤمنون لأنفسهم مستقبلا مع الطرف الثاني الذي قاتلوه بشكل مباشر لأكثر من عشرين عاما وبالتالي فهم يدركون أنهم من حيث القدرة على هزيمة طالبان أعجز ولذلك فأسهل طريق لكسب الأمان هو الولاء لها عبر الضمانات والطرق الإجتماعية.

المسكوت عنه في التحول الأفغاني

عند مراجعتي للإتفاقية الموقعة في الدوحة 29/02/2020 بين طالبان وأمريكا فقد نصت هذه الإتفاقية على الإعتراف الآمريكي بالحكومة الإسلامية التي ستنشئها طالبان بينما تتعهد طالبان بعدم الإعتداء على الولايات المتحدة الآمريكية أو إيواء من يقوم بالإعتداء على الولايات المتحدة وبناء علاقات احترام متبادل تقدم فيه الولايات المتحدة الدعم للحكومة الطالبانية الجديدة.

واضح في خطاب أمريكا إخراج طالبان من جملة الموسومين بالإرهاب وواضح أن المفاوضات السرية بين الطرفين الطالباني والآمريكي تقدمت خلال الأيام الأخيرة للإتفاق على أسس أقرب للشراكة الجديدة بين المتحاربين السابقين، ومع أن المتحدث باسم طالبان سهيل شاهين نفى وجود بنود سرية إلا أنه اعترف بوجود ملحقات تنفيذية للإتفاقية مما يؤشر إلى وجود نقاط غير معلنة وهو أمر طبيعي لأن منظمة كطالبان لأن الطرفين لهم أسرارهم الأمنية التي تتعلق في هذه الحالة بالجيش الآمريكي ونظام أفغانستان، ولا شك أن وضعية انهاء نظام غني تؤشر إلى أن ثمة موافقة آمريكية على انهياره تحت ضغط طالبان والتي ألزمت ها الإتفاقية فقط بتخفيف استخدام العنف ولم تلزمها بوقفه نهائيا، وتلك صيغة ذكية لأن طالبان تعتبر المسمى أمريكا عنفا فريضة شرعية لايجوز التخلي عنها في حال تعينها لذلك جاءت الصيغة تقدم نهيا غير جازم إذا استخدمنا لغة الفقهاء.

هل توجد بنود سرية غير معلنة في صفحة العلاقات الجديدة لابد أنها قد تكون موجودة ولا ضرورة لإعلانها لحساسيتها للطرفين ولكونها تتعلق في هذه اللحظة بأمور تمس الأمن القومي للبلدين في فحوى خطاب بادين وإلقائه اللوم على نظام الرئيس أشرف غني وقوات الجيش الأفغاني في عدم دفاعهم عن نظامهم أن أمريكا وجدت في طالبان شريكا قويا ومحترما ويمكن التفاهم معه مستقبلا على أسس تخدم أفغانستان وتححق لأمريكان ضمان أمنها الوطني وحماية تعهداتها الإقليمية لأنظمة المنطقة.

ثمة متغيرات كبيرة في المحيط الجيو استراتيجي لأفغانستان قد تكون تطلبت من الولايات المتحدة وضع حد لهذه الحرب وتحويل السلام مع طالبان لفرص إقليمية جديدة، فقيام نظام سني قوي في أفغانستان سيشكل عامل ضغط على الصين من جانب وروسيا حلفائها في المنطقة وكذا إيران التي تدس أياديها في خواصر النفوذ التقليدي للولايات المتحدة في اليمن ولبنان والعراق مما يتطلب وضع حد للنفوذ والتوسع الإيراني في هذه المنطقة الحيوية التي من يحكم دفة توجيهها استراتجيا يؤثر في استقرار العالم.

 ختاما: الدروس المستفادة

  • الدرس الأول: المقاوم ينتصر إذا لم يخسر: إن ثمة قاعدة في فن السياسية وهي أن حركات الرفض والمقاومة يكتب لها النجاح إذا لم تخسر نفسها عبر الوقوع في أخطاء ذاتية قاتلة –والواضح أن هذا الخسران ليس من العدو- إذا فالحفاظ على بيضة حركة الرفض مهم تنظيميا وشعبيا ويتطلب قيادة حكيمة وصبورة وطويلة النفس تراوح بين البسالة والحذر والصبر على طول الصراع والإبتعاد عن المغامرات الفجائية.
  • الدرس الثاني: يمكن استنباطه مجمل تجربة طالبان وحركة حماس في غزة وهو أنه لابد من آلية للردع وامتلاك أدوات متنوعة في الصراع وفهم السنن الكونية في التمكين والتناغم بعيدا عن البحث عن صناعة نماذج مستجلبة من حضارات أخرى كسلمية غاندي وفلسفة اللاعنف فهذه مفيدة كرافد للإثراء ولكنها ليست من الأسس بل هي وسيلة من الوسائل ولاتكفي وحدها.
  • انبعثت طالبان موفقة في تخير الشريحة والقومية البشتونية السنية المعتزة بالإسلام فكانت خير حاضنة للدعوة الناهضة للقيام بالتغيير فأنجزت مؤسسوا الحركة بذلك خطوة مهمة لن يدرك أهميتها إلا من خبر فقه الدعوات وابتعاث الرسالات ولك في تاريخ الدعوات والحركات نماذج فهذا محمد بن على العباسي عندما قرر اختيار خراسان مركزا لدعوته أثر عنه ذكاء وقاد في استعراض خصائص الأقاليم مشيرا بالأنسب منها للدعوة الجديدة لدولة بني العباس فقال:"أما الكوفة فشيعة علي، وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف، وتقول كن عبد الله المقتول ولاتكن عبد الله القاتل، وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان، وطاعة بني مروان، عداوة لنا راسخة وجهلا متراكما.

وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبوبكر وعمر ولكن عليكم بخراسان فإن هنالك العدد الكثير والجلد الظاهر، وصدورا سليمة وقلوبا فارغة لم تتقسمهم الأهواء ولم تتوزعهم النحل ولم تشغلهم ديانة ولم يتقدم فيهم فساد، وليست لهم اليوم همم العرب ولا فيهم كتحازب الأتباع بالسادات وكتحالف القبائل وعصبية العشائر". وبالرجوع لسيرة بن هشام وعرض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل أصلا لهذا الملمح التأصيلي.

إذا لاشك أن حركة طالبان كحركة اسلامية سنية بشتونية قد وفقت في أن تكون الصخرة التي تحطم عليها صلف الإحتلال الآمريكي وكتب الله لأهلها النصر المظفر وهو مالم يحصل للعديد من الأحزاب الأفغانية التي جاهدت السوفييت لأنها كانت مفرقة السيادة والإمارة وهو ما يخالف الفقه الإسلامي السديد.    

  • الدرس الثالث: الصبر الاستراتيجي، ومد النظر نحو المقاصد الآجلة كما يعبر عنه المرحوم حسن عبد الله الترابي، فإنجاز النصر يحتاج الصبر وعدم الاستعجال، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

 

أخبار ذات صلة

تحديات ما بعد نصرهم كثيرة، فأطراف عديدة تريد إضاعة أو سرقة ثمراته لتحويلها إلى أسباب عُسر  وعوامل خُسر ..  فالنظام الدولي المحكوم بقائمة من أئمة الك ... المزيد

إذا أعجبك شيء في امرأة أخرى فهناك عدة احتمالات:

1- أن يكون هذا الشيء موجود في زوجتك ولكن أعمتك شهوتك عن الحقيقة أو بصريح العبارة "غي ... المزيد

من المتعذر على الباحث في التاريخ السياسي ان يعثر على تنظيم سياسي نشأ واستمر دون خلافات داخلية او انشقاقات وتشظٍ ، وقد اشارت بعض الدراسات المتخصصة في درا ... المزيد

مشهد دخول حركة طالبان للعاصمة الأفغانية كابول دون قتال، ثم الصور التي بثتها قناة الجزيرة لجولتهم “السياحية” في القصر الرئاسي، ثم المؤتمرات الصحف ... المزيد