البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

صوفان وأحرار الشام: الداء والدواء

المحتوي الرئيسي


صوفان وأحرار الشام: الداء والدواء
  • مجاهد ديرانية
    02/08/2017 04:51

اتصل بي كثيرون خلال اليومين الماضيين وحدثوني بما يعرفونه عن أبي البراء صوفان الذي انتُخب البارحةَ أميراً لحركة أحرار الشام، فأحببت في الرجل صلاحه وصدقه وصبره وسيرته الحسنة، ولكن خوفي من توليه إمارة الحركة بقي على حاله، لأنني لم أشكّ في دينه وخلقه أصلاً ولم يخطر ببالي أن حركة أحرار الشام يمكن أن تصدّر امرَءاً يُعاب فيهما؛ أعلم أن هذا لا يكون، لكنْ يمكن أن يكون غيرُه من المحذور، وهو تصدير من لا يدرك حقيقة الخطر وطبيعة الصراع.

أنا أحببت أبا يحيى وما زلت أحبه، دخل إلى قلبي منذ لقيته أول مرة بما فيه من صدق وصفاء، ولكنه لم يكن رجلَ المرحلة ولا كان القائدَ المطلوب، فقد أُتِيَت الحركة مِن قِبَله بسبب ضعفه وعدم تصوره لحقيقة الخطر الذي ما زال يأكل الحركة أكلاً بطيئاً منذ أيام سلفه الخائن أبي جابر. ولا ألومه، فهو لم يطلب الإمارة وزهد فيها، بل دافعها، وأشهد شهادةَ علم ويقين أنه لو لم يُكرَه عليها لما قبلها. لا ألومه ولكني أقرر واقعاً، هو أنّ ضَعف القائد وعدم إدراكه لحقيقة الخطر وطبيعة الصراع كان من أسباب كارثة الأحرار.

لقد عرفت قيادة الأحرار في السنوات الماضية الجزء الأهون من المعادلة، وهي أن الأسد وحلفاءه عدو، وهذه حقيقة يعرفها حتى الأطفال، وغاب عنها الجزء الأهم والأخطر، وهو أن الجولاني عدو خبيث، وأن النصرة عدو وجودي للثورة، بمعنى أن مشروع النصرة ومشروع الثورة نقيضان لا يجتمعان، وأن الصراع بين النصرة والثورة صراع صفري، بمعنى أن أحدهما يبقى والآخر إلى زوال.

فبأي شيء يختلف أبو البراء؟ إنه رجل صالح صادق مستقيم فيما يبدو، والله حسيبه، ولكن هل يدرك ما غاب عن سلفَيه؟ هل يعرف الداء والدواء؟ إن أول ما صنعه بعدما استلم شورى الأحرار لا يشهد له بل يشهد عليه، فإن استطاع أن يتدارك نفسَه ويغيّر فكره فهو رجل المرحلة، وإنْ عجز فسوف يقود الحركة إلى حتفها لا قدّر الله.

لأتحدّث أولاً عن الداء والدواء.

* * *

إن حركة أحرار الشام هي أعظم الفصائل قاطبة من حيث القوة والعدد والانتشار، ولو استثنينا فصائل درعا ودرع الفرات ذات الوضع الخاص، واستثنينا النصرة وحلفاء النصرة لأن هؤلاء أعداء للثورة وليسوا من فصائلها على التحقيق، لو استثنينا هذه وهذه ثم جمعنا كل ما بقي في الميدان من فصائل فسوف تبلغ حجم الأحرار أو قريباً من حجم الأحرار، فالحركة هي القوة الضاربة للثورة (أو كانت كذلك قبل الكارثة الأخيرة) وهي (أو كانت) الأمل في حماية الثورة من الانكسار لا قدّر الله.

لقد كانت قوة الأحرار ضماناً من الانهيار أمام العدو الجليّ، ولكنها لم تكن كافية لمنع الانكسار أمام العدو الخفي، لأن مقاتليها لا يفتقدون البأس والشجاعة، إنما يفتقرون إلى "العقيدة القتالية" الصحيحة، العقيدة القتالية بمعناها العسكري الأكاديمي الصرف، بمعنى "المبادئ الأساسية التي يعتمدها الجيش لإنجاز مهمته، ويدخل فيها تحديد العدو والاستعداد النفسي والعملي لقتاله". وهنا نصل إلى الجريمة التي ارتكبها قادة الأحرار السابقون واللاحقون، الجريمة التي يستحقون المحاكمة بسببها، فقد عرفوا العدو وأيقنوا أنه سيأكلهم ذات يوم لا محالة، ولكنهم استمرّوا بتضليل المقاتلين وتربيتهم على عقيدة قتالية فاسدة مدمّرة.

عرفت قيادة الأحرار منذ زمن أن الجولاني سيأكل الأحرار، بالأسلوب الناعم الخبيث لو استطاع، أو بالأسلوب الخشن العنيف لو فشل الأول. عرفوا ذلك يقيناً، إلا أنهم استمروا بتربية عناصرهم على الأخوّة الموهومة الزائفة مع عناصر النصرة، صنعوا ذلك حينما كان أبو اليقظان السفاح وبقية عصابة "الشرعيين" (أي مشايخ السلطان الجولاني، عليهم وعليه غضب الله) حينما كانوا يربّون عناصر النصرة على تكفير الأحرار واستباحة دمائهم وقتالهم وقتلهم بلا تردد. لقد هتف عناصر النصرة بالتكبير وهم يسمعون توجيهات السفاح لقتل مقاتلي الأحرار، في حين راح مقاتلو الأحرار اليتامى يبحثون تائهين عن فتوى تبيح لهم ردّ البغي والعدوان حينما بدأ عليهم البغي والعدوان.

لماذا ضلّلتموهم يا أيها القادة الخائبون؟ لماذا تركتموهم لقمة سائغة لعدو لا يرحم؟ مَن يتحمل مسؤولية مئات الشهداء الذين خسرتهم الحركة في بغيَين متعاقبين لعصابتَي الأقصى والنصرة؟

* * *

وماذا عن أبي البراء صوفان؟ هل هو بريء من جريمة التضليل؟ بل هو شريكٌ أصلي فيها، هو الذي استهلّ أيامَه الأولى في شورى الأحرار بفصل الناطق الرسمي للحركة بسبب موقفه الجريء الصريح من مشروع النصرة، وهو الذي أصدر يومها بياناً يقول فيه إن التمايز بين هيئة تحرير الشام والفصائل الثورية "خطأ فاحش"، ثم يقول: "يجب إثبات كون الهيئة فصيلاً ثورياً ينبغي تغطيته وحمايته لأنه مكوّن هام وقوي في الثورة السورية يحمل همومها وأهدافها". أهدافها يا أبا البراء؟ أما رأيتَ أهدافها قبل أن تصدر ذلك النداء وبعده؟ قبلَه فكّكَت النصرة وأخرجت من الثورة أربعة عشر فصيلاً، وبعده كان من ضحاياها خمسة فصائل جديدة آخرها أحرار الشام. أهذه هي الأهداف التي تحملها النصرة وتلتقي بها مع سائر فصائل الثورة؟

لقد قرأت المقالة الطويلة التي نشرها أبو البراء قبل ثلاث سنين، "الجهاد الشامي: مآلات واجتهادات"، وأشهد أنني وجدت فيها فهماً متقدماً وطرحاً متوازناً لما ينبغي أن تكون عليه علاقة النخبة المسلحة بالثورة الشعبية، ولكني وجدت فيها أيضاً شيئاً من العصبية للسلفية الجهادية، ونفَساً متصالحاً مع القاعدة وقادتها ومنظّريها ومع جبهة النصرة ذاتها. ربما كان هذا هو السبب في الزلّة التي وقع فيها أبو البراء عند أول امتحان له مع الأحرار.

ما أخشاه من كل مَن تلبّس بفكر القاعدة يوماً أن لا يبرأ منه أبد الدهر، فقد علّمتني تجربة السنين الطويلة أن هذا الفكر ليس ثوباً يمكن نزعه، بل هو أقرب إلى الجلد الذي يستحيل خلعه. نعم، أنا قلق من بقايا منهجية يمكن أن تكون معلقة بقلب الرجل، ولكن يشهد الله أنّ خطئي في قلقي أحب إلى قلبي ألفَ ألفِ مرة من صوابي فيه، وأتمنى أن يكون لأبي البراء من اسمه نصيب، فتكون براءته من فكر القاعدة ومنهجها المدمّر قولاً على رؤوس الأشهاد وفعلاً في ميادين الجهاد.

* * *

أما القيادة التي تسببت في الكارثة فإن لم تستطيعوا محاكمتها فعلى الأقل حاكموا السلوك الذي سلكته حتى لا تتكرر المأساة.

ابدؤوا منذ اليوم بمنهج انقلابي إصلاحي تنفون به خبث القاعدة من صدوركم وصدور عناصركم ومن مقراتكم ومعسكراتكم إلى الأبد. لا تسمحوا لمن يحمل فكر القاعدة بالاقتراب من عناصركم أو الوصول إلى مقراتكم، اكسروا أرجل المحيسني والعلياني والفرغلي وأمثالهم لو اقتربوا منها في أي يوم، امنعوا أناشيد وإصدارات القاعدة من التداول وألقوا كتبها ومنشوراتها في النار، وحبذا لو توظفون في كل كتيبة حلاقاً متفرغاً لقص شعور العناصر وتمنعون التطويل والتسبيد فإنه من سمات الغلاة والخوارج (وكذا وردت صفتهم في لفظ صحيح عند البخاري).

ابدؤوا بدورات شرعية وفكرية مكثّفة لتلقين العناصر أمّ الحقائق: النصرة والقاعدة أختان خرجتا من مشكاة واحدة، القاعدة. الجولاني والبغدادي سهمان انطلقا من كنانة واحدة، الظواهري. النصرة وداعش والنظام واحد، والجولاني والبغدادي والأسد واحد.

إذا لم تصبح هذه العقيدة في قلوب عناصركم أصلبَ من صخر الجبل فلا حاجة لإعادة بناء الحركة، فأنْ تبقى الثورةُ بلا أحرار خيرٌ من أن تلقوا شبابنا في أتون النار في صراع خاسر لا أمل فيه. حمى الله الأحرار ووفّقهم إلى الخير، وأعادهم إلى "ثورة الشعب" التي رفعوا شعارها ذات يوم، فإنها ما كانت لتكون "حركة الأحرار" لولا "ثورة الأحرار".

أخبار ذات صلة

تتواصل التحضيرات اللوجستية لإتمام بنود الاتفاق الذي توصلت إليه  ميليشيا حزب الله ال المزيد

ما أشبه اليوم بالبارحة!

في عام 1435 / 2014م طُرح سؤال هل تنظيم (الدولة) من الخوارج؟ المزيد

تعليقات