البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

صفحات من كتابى عن الشيخ الشعراوى وتفسيره تناقش قضية السحر والأعمال

المحتوي الرئيسي


صفحات من كتابى عن الشيخ الشعراوى وتفسيره تناقش قضية السحر والأعمال
  • د. إبراهيم عوض
    31/07/2018 05:47

ولدن تناول الشيخ لقوله تعالى من سورة الحج: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)" يستطرد فيقول: "ومن بشريته صلى الله عليه وسلم أنه تعرّض للسحر، وهذه واقعة لا تُنْكَر، وقد ورد فيها أحاديث صحيحة. وقد كاد الكفار لرسول الله بكل أنواع الكيد: استهزاءً وسباباً واضطهاداً وإهانةً، ثم تآمروا عليه بلَيْلٍ ليقتلوه، وبيَّتوا له فلم يُفْلِحوا. قال تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (الأنفال/ 30). وكاد الله لرسوله وأخرجه من بينهم سالماً، وهكذا فضح الله تبييتهم وخيّب سَعْيهم، وفشلَتْ محاولاتهم الجهرية والسرية، فلجأوا إلى السحرة ليفعلوا برسول الله ما عجزوا هم عنه، وعملوا لرسول الله سحراً في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ من شعره صلى الله عليه وسلم وطَلْع نخلة ذكَر، ففضحهم الله وأخبر رسوله بذلك فأرسل الإمام عليًّا فأتى به من بئر ذروان. وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا بشرية الرسول، وأنه يجري عليه ما يجري على البشر، لكن ربه لا يترك بشريته وحدها، وإنما يعصمه بقيوميته".

وواضح أن الشيخ يؤمن بالسحر وبأن النبى قد أصيب به. وهذه مسألة فيها خلاف. والعبد لله لا يستطيع الاقتناع بقصة سحر النبى بتاتا. وملخص تلك القصة أن رجلا من المنافقين قد سحر النبى عليه الصلاة والسلام حتى لقد كان يتوهم أنه يأتى نساءه دون أن يأتيهن. وبادئ ذى بدء أسوق الحديث الخاص بذلك، وهو من رواية البخارى: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُحِرَ حتى كان يَرَى أنه يأتي النساءَ ولا يأتيهِنَّ. قال سفيانُ: وهذا أشدُّ ما يكونُ من السِّحْرِ إذا كان كذا. فقال: يا عائشةُ، أعَلِمْتِ أن اللهَ قد أفتاني فيما استفتَيتُه فيه؟ أتاني رجلانِ: فقعَد أحدُهما عند رأسي، والآخَرُ عند رِجْلي، فقال الذي عند رأسي للآخَرِ: ما بالُ الرجلِ؟ قال: مَطْبوبٌ. قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بن أعْصَمَ (رجلٌ من بني زُرَيْقٍ حَلِيفٌ ليَهُودَ كان منافقًا). قال: وفيمَ؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ. قال: وأينَ؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ ذكَرٍ تحت رَعُوفَةٍ في بئرِ ذَرْوانَ. قالتْ: فأتى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم البئرَ حتى استخرجه، فقال: هذه البئرُ التي أُرِيتُها، وكأن ماءَها نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وكأن نخلَها رُؤوسُ الشياطين. قال: فاستُخْرِجَ. قالتْ: فقلتُ: أفَلا (أي تنَشَّرَتْ)؟ فقال: أمَا واللهِ فقد شفاني اللهُ، وأكرَهُ أن أُثِيرَ على أحدٍ من الناسِ شَرًّا".

وهناك، كما هو معروف، من ينكر وقوع السحر للنبى لأنه يناقض رد القرآن على متهميه بالسحر، إذ كانوا يقولون: "إنْ تتَّبعون إلا رجلا مسحورا". وأنا معهم فى إنكار السحر، وأرى أنه لا يليق بنبوته أن يكون أعداؤه قد تسلطوا عليه بالسحر حتى وصل إلى تلك الحالة التى تثير الشفقة والرثاء من جانب محبيه، والشماتة والابتهاج من جانب شانئيه، ويظهر فيها عاجزا لا يمكنه هو أو غيره أن يصنع إزاءها شيئا. بل إنه ليبدو وكأنه غير واع بالأمر أصلا. وهذه معضلة أخرى أنكى وأشد. وفوق هذا ففى النص أشياء جديرة بالملاحظة: فمثلا تقول القصة إنه عليه السلام بعد أن سُحِرَ كان يرى أنه يأتى نساءه ولا يأتيهن. ولا أدرى كيف يكون ذلك. لو قيل إنه كان يريد إتيانهن لكنه لا يستطيع لكان الكلام مفهوما بغض النظر عن موافقتنا على صحته أو لا. أما القول بأنه كان يرى أنه يأتيهن لكنه لا يأتيهن فأمر لا يقبل التصور أساسا.

 

على أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل هناك روايات أخرى تقول إن شعر رسول الله قد تساقط، وكان يخيل له أنه يأتى الشىء ولا يأتيه، وإنه كان يذوب ذوبا، واستمر ذلك مدة. ومعناه أن أحواله كلها قد اضطربت، والعياذ بالله، وكأن النبوة لعب عيال يستطيع اليهود الأدناس أن يؤثروا فى صاحبها كل هذا التأثير الشنيع، وهو الذى أدبهم الأدب الشرعى وأراهم حجمهم الصحيح وجعلهم يمشون على العجين فلا يلخبطونه أبدا، وطهر منهم ومن إجرامهم وتآمراتهم وفتنهم بلاد العرب.

ثم تمضى القصة قائلة إن مَلَكَيْن قد أتياه وهو نائم، فسأل أحدهما الآخر: ما بال الرجل؟ وكأن ملكين قد أرسلهما الله لمعالجة رسوله يمكن أن يجهلاه إلى هذا الحد فلا يعرفا أنه رسول الله بل مجرد رجل من ملايين نكرات الرجال. إن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا تخيلنا أن الملكين كانا مدلجين ذات ليلة على غير هدى فصادفا رجلا مجهولا نائما تحت شجرة، فقالا ما قالا. كذلك نفهم من القصة أن أحدهما لم يكن يعرف ماذا أصاب الرسول، إذ يسأل زميله: ما بال الرجل؟ فلماذا إذن كان مجيئهما إليه صلى الله عليه وسلم؟

كذلك لم وضع الساحر سحره فى بئر ولم يضعه فى بيته مثلا حتى يطمئن إلى أن أحدا لن يمكنه الوصول إليه، فضلا عن أنه سوف يكون أسهل عليه من تكلف الذهاب إلى البئر المذكورة والنزول فى الماء والطين لإخفاء العمل السحرى الذى جهزه واحتمال رؤية أحد من الناس له وهو يفعل ذلك؟ ولماذا لم تشف السماء النبى مباشرة بدلا من هذا السبيل المعقد الذى قرأناه؟ وتقول القصة إن النبى، بعد استخراجه السحر، لم يشأ أن يثير على أحد من الناس شرا. وهى عبارة غامضة: فهل المقصود بالناس هنا هم المسلمون؟ لكن أى شر يمكن أن يصيبهم جراء ذلك؟ هل هو الخوف من الفتنة؟ لكن الفتنة وقعت وانتهى الأمر، إذ علم المسلمون أنه صلى الله عليه وسلم مسحور وعاجز عن فعل أى شىء ينقذه من الحالة السيئة التى كان عليها. بل إن الروايات الأخرى فى البخارى ومسلم وابن حبان تقول إنه صلى الله عليه وسلم، حين قصد البئر ليستخرج منها السحر، قصدها فى جماعة من أصحابه، بالإضافة إلى أنهم لا بد أن يكون قد ثار فى أذهانهم السؤال التالى: كيف ينفى القرآن عن الرسول السحر، وهو ذا أمامنا مسحور بلا أى جدال؟ أم هل المقصود بأحد من الناس هو الساحر؟ لكن ألم يأت فى الأحاديث أن الساحر يجب أن يُقْتَل؟ فلماذا لم يطبَّق هذا الحكم عليه؟ ثم من استخرج السحر من الماء؟ أهو الرسول؟ فهل يليق به صلى الله عليه وسلم، وهو النبى والحاكم والقائد والمشرع والقاضى، أن ينزل بئرا ليبحث فيها عن عمل من أعمال السحر؟ أم هو واحد من الصحابة؟ فمن هو يا ترى؟ ولماذا لم يقدم لنا تقريرا عما رأى وسمع؟ وهل اكتفى الساحر بسحره مرة واحدة فقط؟ وأين تفاصيل معاناة الرسول عليه السلام؟

وفى الرواية الموجودة فى "لباب النقول" للسيوطى يأمر الرسول صحابته بأن يذهبوا إلى البئر المذكورة فينزحوا ماءها حتى تظهر الصخرة التى وُضِع السحر تحتها فيستخرجوه ويحرقوه. وهو عمل مرهق يأخذ وقتا ويلفت الأنظار، ولا يتسق مع قول الرسول إنه لا يريد أن يثير بين الناس فتنة، إذ لا بد أن يعلم به القاصى والدانى من أهل المدينة على الأقل. بل هل يمكن نزح بئر أصلا؟ وهذا نص رواية "لباب النقول: "مَرِض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضا شديدا، فأتاه ملَكان: فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ. قال : وما طُبّ؟ قال: سُحِر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في كرية. فأْتُوا الركية فانزحوا ماءها وارفعوا الصخرة ثم خذوا الكرية واحرقوها. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فأَتَوُا الركية فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكرية وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة. وأنزلت عليه هاتان السورتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس". ولنلاحظ أن أحد الرجلين اللذين أتيا النبى فى الرؤيا، والمفروض أنهما ملكان، لا يعرف معنى "طُبّ" كما هو واضح. فهل يعقل هذا؟ ثم إن هذه الرواية تتحدث عن إحراق السحر، بينما فى رواية أخرى للبخارى غير الرواية السابقة لا إحراق للسحر ولا حتى استخراج له، علاوة على أن لبيد بن الأعصم فيها يهودى وليس من الموالسين معهم.

وفى رواية أخرى فى "فتح البارى" لابن حجر نقرأ ما يلى: "فقالت أختُ لبيدِ بنِ الأعصمِ: إن يكن نبيًّا فسيُخْبَرُ، وإلا فسيُذْهِلُهُ هذا السِّحْرُ حتَّى يُذْهِبَ عقلَه". وها هو ذا قد أخبر الله نبيه بالسحر وشفاه منه وأبطل كيد ابن الأعصم، فماذا فعلت أخته؟ ولماذا لم يحاجّها المسلمون بشفاء رسول الله ويطالبوها هى وأخاها باعتناق الإسلام؟ لكننا ننظر فنجد أن الأمر قد أُكْفِئَ عليه ماجور وأُهْمِل تماما بعد ذلك، وكأنه لم يكن. بل إن لبيد بن الأعصم، فيما لاحظتُ، لا يأتى له ذكر فى غير هذا الحديث. أفلم يكن للرجل أى دور فى الحياة غير سحر النبى عليه السلام؟ لكأنه ممثل من من ممثلى الكومبارس ممن يظهرون فى المسرحية أو الفلم فى لقطة خاطفة يقولون فيها جملة سريعة ثم يختفون تماما حتى نهاية القصة، وهم مع ذلك سعداء أن قُدِّر لهم الظهور فى عمل فنى جماهيرى مع الممثلين الكبار. كذلك من الصعب جدا أن نتصور نازحى البئر من الصحابة الكرام وقد سكتوا تماما بعد الحادثة فلم يتعرضوا هم ولا غيرهم من المسلمين للبيد بن الأعصم هذا ولو بتقريع.

إن أمرا كهذا لا يمكن أن يكون قد مر مرور الكرام على النحو الذى رأينا وكأننا قبالة موضوع نظرى مجرد بارد لا موضوع حياة يومية فيها معاناة وحيرة وألم ومؤامرات وصراعات؟ ألم يكن للصحابة رد فعل على ما يَرَوْنَه فى رسولهم الكريم؟ أين عمر مثلا فلم يهتم بتمحيص المسألة حتى يضع يده على الفاعل الشرير ويعاقبه العقاب اللازم؟ لقد رأينا فى حادثة الإفك وغيرها عالما موارا من الوقائع والمشاعر والاتهامات والردود والتقصى والتمحيص، أما هنا فكلمتان سريعتان أقرب إلى عالم التنظير والتجريد البارد لا تشفيان غليل الباحث. هل يعقل أن يحدث هذا لزعيم دولة وحاكمها وقائدها العسكرى وقاضيها وموجهها، وقبل ذلك كله رسولها، ثم لا نسمع شيئا عن موقف أهل المدينة تجاه هذا الأمر سواء من المسلمين المؤمنين، أو خصومه من اليهود والمنافقين والكافرين؟ وقبل ذلك كله كيف يرضى الله سبحانه وتعالى تعريض نبيه لهذا الاضطراب القبيح المُذْهِب للوعى فى أمر علاقته مع زوجاته وغيره من الأمور على يد واحد من أعدائه؟ ثم إن الرواية تتحدث عن نسائه جميعا رضوان الله عليهن، فلماذا لم نر فى الصورة ونسمع غير عائشة؟ أين رد فعل حفصة؟ أين رد فعل زينب؟ أين رد فعل أم سلمة؟ أين رد فعل ميمونة؟ وأين رد فعل بقية أمهات المؤمنين؟ بل أين رد فعل صفية بالذات، وهى يهودية الأصل، وكان ينبغى أن يكون لها تعليق على ما صنعه الساحر المنتسب لدين قومها؟

 

أخبار ذات صلة

ليست معجزة بالتعريف الشرعي للمعجزات، فتلك لا تكون إلا للأنبياء، ولا كرامة من الكرامات التي يختص بها الأولياء الصالحون، فلست منهم ولا من طبقتهم (وإن ... المزيد

هو الأستاذ الدكتور/ محمد فريد عبد الخالق والشهير بـ "فريد عبد الخالق"، الداعية المصري والباحث والشاعر والمفكر الإسلامي الكبير وخطيب مسجد مصطفى ... المزيد

أول ما تعرفت عليه كان داخل السجن من 1995/1/19 وحتى 1998/3/4 خلال ما يزيد على ثلاث سنوات، كان أول ما لفت انتباهى أخلاقه الراقية النبيلة ، وعقله الراجح الكب ... المزيد

لفضيلة الشيخ الشعراوى رأى فى حشر الحيوانات يحسن أن نعرفه ونناقشه. وقد عرض رأيه هذا عند تناوله للآية التالية: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَل ... المزيد

تعليقات