البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

صفحات مطوية من تاريخ القضية الفلسطينية

المحتوي الرئيسي


صفحات مطوية من تاريخ القضية الفلسطينية
  • د.علاء بكر
    03/03/2014 12:47

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد بدأت الموجة الأولى من الهجرة اليهودية الجماعية إلى فلسطين بين عامي 1882م و1904م برعاية البارون "إدموند روتشيلد" ثم برعاية البارون "موريس دي هيرش"، وكان بعض رجال الأعمال اليهود، وفي مقدمتهم: "روتشيلد"، و"موسى مونتيفيوري" قد تزعموا في بداية القرن التاسع عشر الميلادي دعوة تهدف إلى إنشاء مستعمرات لليهود في فلسطين. وحتى عام 1880م، وقبل ظهور الحركة الصهيونية في أوروبا لم يكن يوجد في فلسطين إلا 25 ألف يهودي من أصل سكان فلسطين وقتها، البالغ عددهم آنذاك 600 ألف نسمة، وأكثر هؤلاء اليهود كانوا وقتها من اليهود العرب، وليسوا من اليهود الأوروبيين. وبالرغم مِن اضطهاد أوروبا لليهود في القرون الميلادية الوسطى -ضمن الاضطهادات الدينية في أوروبا وقتها- إلا أن الوجود اليهودي في فلسطين كان محدودًا جدًّا يقتصر على بضع مئات من الأشخاص وفقًا لتقديرات الرحالة الغربيين إلى الأماكن المقدسة بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر. وعندما اضطهد الملوك الأسبان اليهود فيمن اضطهدوهم في أواخر القرن الخامس عشر وحدثت هجرة جماعية لليهود من أسبانيا إلى خارجها اتجه نفر قليل من اليهود الأسبان إلى فلسطين، بينما نزح أكثرهم إلى بلدان أوروبا الغربية وإلى شمال إفريقية وبلاد البلقان. ومعلوم أنه من بعد انتصار صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- على الصليبيين وإخراج المسلمين للصليبيين من الشام كان هناك جو مِن التسامح من المسلمين مع الأقليات الدينية الأخرى -بما فيهم اليهود- في فلسطين بعد تحريرها، وقد امتد هذا التسامح طوال حكم الدولة العثمانية حتى في فترات شدة النزاع مع أوروبا، ولا يخفى أن هذا التسامح من المسلمين مع غيرهم ليس له مثيل في أي مكان في العالم الأوروبي. ويلاحظ على هذه الموجة الأولى من الهجرة اليهودية: 1- أن غالبيتها من اليهود الشرقيين من روسيا وأوروبا الشرقية؛ إذ كان اليهود الغربيون قد استقروا في العديد من دول أوروبا الغربية ولا يرغبون في مغادرتها، ولذلك لم يتحمس اليهود الغربيون -حتى بعد ظهور الحركة الصهيونية الداعية إلى الهجرة إلى فلسطين- للهجرة لفلسطين، حتى نجح اليهود الصهاينة بعد ذلك بعقود في دفعهم للهجرة إليها كما سنبينه -إن شاء الله-. 2- أن في إثر مذابح تعرض لها اليهود في روسيا عام 1882م قامت حركة يهودية قوية، ألَّف معها "هيكلر الجرماني" كتابه: "إرجاع اليهود إلى فلسطين حسب أقوال الأنبياء"، كما ظهرت حركة "أحباء صهيون" في روسيا، وفي عام 1890م ظهرت "جمعية مساعدة الصناع والمزارعين اليهود في سوريا وفلسطين"، وترأسها "ليون بنسكر"، وكانت تهدف إلى تشجيع الهجرة إلى فلسطين وإحياء اللغة العبرية. وفي عام 1893م استعمل الكاتب الألماني "ناثان برنباوم" مصطلح "الصهيونية" لأول مرة، ثم بلور "تيودور هرتزل" أفكار اليهود في حركة صهيونية حديثة تضمنها كتابه: "الدولة اليهودية"، وسعى إلى تحقيقها وفق مخططات مدروسة توحد جهود اليهود لتنفيذها، وقد لاقت تلك الأفكار الاستجابة الأكبر لدى اليهود الشرقيين أولاً، وهذا يفسر سبب كون أكثر زعماء إسرائيل بعد ذلك كانوا من هؤلاء اليهود الأوائل القادمين من أوروبا الشرقية، وروسيا المتأثرين بتلك الأفكار اليهودية. 3- أن هذه الهجرة اليهودية خاصة مع الدخول في القرن العشرين الميلادي أخذت شكل التملك والاستيطان وطابع التهويد، فقد قام اليهود بتهويد الملكية ورأس المال والأيدي العاملة، وقد منعت الوكالة اليهودية اليهود المهاجرين من بيع الأراضي المشتراة مطلقًا، وقصرت العمل في مشروعاتها الزراعية على اليهود دون غيرهم. وقد انكشفت تلك الحقيقة بعد ذلك بعقود: - ففي اضطرابات عام 1929م جاء في تقرير لجنة التحقيق البريطانية: "أن تملك الأراضي الفلسطينية مِن قِبَل الصندوق الوطني اليهودي قد أخرج هذه الأراضي في الواقع عن السيادة الفلسطينية, وهو يعني أن العرب قد فقدوا هذه الأراضي إلى غير رجعة، فليس فقط لن يكون بإمكانهم استئجار هذه الأراضي أو زراعتها، بل أيضًا وبموجب الإجراءات الدقيقة الواردة في نظام الصندوق اليهودي لن يعود بإمكان العرب أبدًا القيام حتى بالعمل المأجور فوق هذه الأرض, إضافة إلى ذلك لن يعود بإمكان العرب إعادة شراء هذه الأراضي كي تدخل من جديد في الملكية القومية؛ لأنها أصبحت غير قابلة لمبدأ التنازل". - وقد أصدرت المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية "منظمة ماتزين" في عام 1969م نشرة بينت كيف كان منهج الهجرة والاستيطان والتهويد لدى الوكالة اليهودية، حيث جاء فيها: في مطلع القرن -يعني القرن العشرين- عندما بدأت الهجرة اليهودية المنظمة تلقي بأفواجها في فلسطين لم يعد بالإمكان تجاهل الواقع وما حمله من مفاجأة، وهو أن البلاد كانت مأهولة بالسكان -حيث كان يزعم زعماء اليهود لليهود وللأوربيين أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض!- وعلى غرار أي مجتمع استعماري كان على رجال المستوطنات الصهيونيين أن يرسموا سياسة محددة تجاه أهالي البلد. ونصل هنا إلى الطابع الخاص بالصهيونية والذي يميزها تمامًا عن كل استعمار آخر في العصور الحديثة: ففي كل البلدان المستعمرة الأخرى سعى المستعمرون الأوربيون إلى استثمار ثروات البلاد بما فيها طاقات أبناء البلاد أنفسهم، محولين في كل مرة السكان إلى طبقة بروليتارية -أي طبقة عاملة- داخل المجتمع الرأسمالي الجديد الذي أنشأوه، أما الصهيونية فلم تُرِد ثروات فلسطين فقط، بل كانت تريد فلسطين نفسها أيضًا مِن أجل إقامة دولة قومية جديدة فيها. وكان على الأمة الجديدة أن تكون لها طبقاتها الاجتماعية الخاصة بها بما فيها الطبقة العاملة، وبالتالي لم يكن المطلوب هو استغلال العرب، بل المطلوب استبدالهم كليًّا. وقد لاحظ هذا التوافد الجماعي لليهود بعض أعيان القدس من الفلسطينيين، ووجهوا مذكرة في عام 1891م إلى السلطة العثمانية في الأستانة يطالبون بمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنع اليهود من شراء أراضٍ في فلسطين، فمع أن مجمل هذه الموجة الأولى من الهجرة اليهودية لم تتجاوز 25 ألف يهودي، ولكن تلك التحركات اليهودية جعلت من العرب الفلسطينيين مَن يتوجس منها رغم أن مثل هذا التوجس لم يعرفه المسلمون مِن قبْل تجاه غيرهم؛ إذ لا تمنع دولة الإسلام غير المسلمين من العيش فيها. وفي عام 1901م تحرك بعض مزارعي طبرية بمعارضة شراء الأراضي في منطقتهم، وقد توجسوا من التوافد الجماعي لليهود، وقد حذرت بعض الصحف العربية من النتائج التي أسفر عنها المؤتمر الصهيوني الأول في "بال" بسويسرا عام 1898م. وفي عام 1905م أصدر "نجيب عازوري" كتابه: "يقظة الأمة العربية"، وفيه نبَّه على خطر الصهيونية على فلسطين والمنطقة العربية، وفي عام 1911م أصدر "نجيب نصار" أول كتاب باللغة العربية عن الحركة الصهيونية بعنوان: "الصهيونية: تاريخها وهدفها وأهميتها". وفي مواجهة التحركات اليهودية الأولى صدرت بعض الصحف الفلسطينية متبنية مواجهة هذا التحرك كصحيفة "الكرمل" الفلسطينية عام 1908م. فالصهيونية حركة سياسية عنصرية ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين، واسم الصهيونية مشتق من اسم "جبل صهيون"، وهو جبل في القدس حيث بنى داود -عليه السلام- قصره بعد انتقاله من حيرون (الخليل) إلى بيت المقدس في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، فالاسم يرمز إلى مملكة داود -عليه السلام-، وإعادة تشكيل هيكل سليمان -عليه السلام- من جديد، بحيث تكون القدس عاصمة لها. أما مصطلح "الصهيونية": فقد ظهر لأول مرة على يد الكاتب الألماني "ناثان برنباوم" عام 1893م. كان أغلب اليهود ينظرون إلى أنفسهم كأبناء دين واحد موزعين مثل أبناء العديد من الأديان هنا وهناك في أنحاء العالم، لكنهم ينتظرون ملكًا يوحدهم ويقيم لهم مملكة يحكمون العالم من خلالها، وقد ظهرت عبر التاريخ دعوات لإقامة دولة لليهود في فلسطين وإعادة بناء هيكل سليمان -عليه السلام-؛ فلم يُكتب لها النجاح، وجاء تأثيرها محدودًا. أما الحركة "الصهيونية الحديثة" في القرن التاسع عشر فلم تظهر عبثًا، بل تبلورت تأثرًا بنزعتين كبيرتين سادتا أوروبا في ذلك الوقت: 1- النزعة القومية: حيث كانت أوروبا تموج بالدعوة إلى القوميات، وتمجيد الأعراق، فكان الألمان أو الإنجليز أو الروس يعتبرون أنفسهم أعظم أمة وأرفع عرق. 2- النزعة الاستعمارية: حيث رأت أوروبا في تطورها العلمي والصناعي والعسكري ما يجعلها الحضارة المثالية القدوة التي من حقها السيطرة على سائر العالم الغارق في الضعف والتشتت، واتجه الاستعمار الأوروبي فيما اتجه إليه إلى الشرق حيث دب الضعف في الدولة العثمانية التي تحكمه. وقد أقحمت الحركة الصهيونية نفسها في هذا الإطار بتبني هاتين النزعتين، وتطبيقهما على اليهود، فلم يأتِ هذا التحرك اليهودي القومي الاستعماري من فراغ، فهذا "هرتزل" -أبو الحركة الصهيونية الحديثة- يبني نظرته للمسألة اليهودية على أن: - اليهود يشكلون أمة واحدة أيًّا كان البلد الذي يعيشون فيه. - اليهود هدفًا للاضطهاد في كل زمان ومكان. - لا يمكن لليهود أن يندمجوا في نسيج أي أمة يعيشون فيها. وعلى ذلك فينبغي إنشاء دولة يهودية يتجمع فيها كل يهود العالم لتكوين دولة قومية لليهود على نمط القوميات التي انتشرت في أوروبا وقتها، وينبغي إنشاء هذه الدولة في مكان شاغر، كما هو الفكر الاستعماري السائد في أوروبا وقتها، أي عدم إقامة أي اعتبار للسكان الأصليين في هذا المكان على أن يكون المنطلق منطلقًا عرقيًّا مستمدًا من فكرة أن اليهود شعب مختار، وإعطاء هذه الفكرة مضمونًا أيدلوجيًّا سياسيًّا يخدم مشروعهم القومي الاستعماري. ويدل على هذه النزعة الاستعمارية للحركة الصهيونية الحديثة قول "هرتزل" في كتابه "الدولة اليهودية": "بالنسبة لأوروبا سنقيم هناك -أي في فلسطين- جزءًا من السور المضاد لآسيا، وسنكون حراس الحضارة المتقدمة الموقع ضد البربرية". والبربرية: هي الوصف الذي يطلقه المستعمرون الأوروبيون على الشعوب المستضعفة التي يستعمرونها، وكتب -"هرتزل"- في رسالة موجهة إلى رائد الاستعمار البريطاني قي إفريقية "سيسل رودس" الذي حملت "روديسيا" اسمه، يقول له: "أرجوك أن ترسل لي نصًّا جوابيًّا تعلمني فيه أنك درست برنامجي، وأنه يحظى بموافقتك، تتساءل ربما لماذا أتوجه إليك يا سيد "رودس"؟ أتوجه إليك؛ لأن برنامجي هو برنامج استعماري!". فلسطين أو غيرها: رغم الحلم التاريخي لليهود بمملكة يحكمون منها العالم من "القدس" كما كان عليه أتباع هذا الدين الأوائل في عهد داود وسليمان -عليهما السلام-؛ فإن رواد الحركة الصهيونية الحديثة لم يقصروا خيارهم في إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، بل كانوا متقبلين لإقامة هذه الدولة في أي مكان مناسب يسمح لهم بإقامة دولة لليهود فيه. فهذا "ليو بنسكر" المؤسس الفكري الأول للحركة الصهيونية، وهو مؤسس جمعية "أصدقاء صهيون" التي مدت فروعها من روسيا إلى سائر أوروبا الشرقية، وأرسلت دفعة من اليهود إلى "فلسطين" يوصي مبينًا صفات الأرض المناسبة لإقامة الدولة اليهودية: "إن الأرض التي يجب أن نحصل عليها يجب أن تكون خصبة ذات موقع ملائم، وواسعة بما فيه الكفاية؛ لتستطيع استيعاب بضعة ملايين من الناس"، أي أن فلسطين ليست الخيار الوحيد. و"بنسكر" كان طبيبًا في مدينة "أوديسا" الأوكرانية الروسية، وهو أول مَن طرح فكرة "الوطن اليهودي" في كتابه "التحرر الذاتي" الذي نُشر في برلين عام 1882م، أي قبل كتاب هرتزل "الدولة اليهودية" بأربعة عشر سنة، ويعتبر "بنسكر" و"هرتزل" و"وايزمان" و"بن جوريون" الآباء الأربعة للدولة الصهيونية، لكن كتاب بنسكر "التحرر الذاتي" لم يلقَ شهرة كتاب هرتزل "الدولة اليهودية". ولم يختلف الأمر عن ذلك عند "هرتزل" حيث قال في كتابه "الدولة اليهودية": "هناك أرضان مأخوذتان بالاعتبار: فلسطين والأرجنتين، وقد تمت تجارب ملفتة لإقامة مستعمرات يهودية في هاتين النقطتين"، ويقول متسائلاً: "هل يجب اختيار فلسطين أم الأرجنتين؟" وجوابه هو: "ستأخذ الهيئة -أي اليهودية- ما سوف يعطى لها". وقد بدأ البارون الصهيوني "دو هيرش" تنفيذ الاختيار الأرجنتيني عمليًّا عندما أنشأ الجمعية الاستعمارية اليهودية الهادفة إلى توطين اليهود الروس في الأرجنتين. وقد عرض "جوزيف تشامبرلين" وزير المستعمرات البريطاني موزمبيق على "هرتزل" فوافق عليها، و"تشامبرلين" الذي كان معروفًا بعدائه للسامية كان يريد التوصل إلى حل مع اليهود يؤدي إلى إبعادهم عن أوروبا، وقد بدا لـ"هرتزل" في نهاية المطاف أن أكثر الاحتمالات إمكانًا هو إقامة الدولة اليهودية في أوغندا، فركز على ذلك جهوده. وقد وافق "تشامبرلين" على إعطاء الحركة الصهيونية منطقة "غواز نغيشو" في أوغندا، وهي منطقة كانت شبه خالية من السكان، تبلغ مساحتها 6300 ميل مربع تقريبًا، وقد تم إلحاقها فيما بعد بكينيا، ولكن المؤتمر الصهيوني السادس المنعقد عام 1903م انقسم على نفسه بشأن الحل الإفريقي بين مؤيد ومعارض خاصة من ممثلي اليهود الروس الذين رفضوه، وكان غالبية المؤسسين للحركة الصهيونية من روسيا وأوروبا الشرقية، فلم يستطع "هرتزل" الاستمرار في المشروع الأوغندي إلى النهاية. وقد تركزت الجهود الصهيونية على فلسطين دون غيرها بعد وفاة "هرتزل" عام 1904م, واستقرت عليها بعد بروز "حاييم وايزمان" وانتقاله إلى بريطانيا، حيث لعب دورًا رئيسيًّا في حصول اليهود على وعد "بلفور" عام 1917م بقيام الحكومة البريطانية بإقامة وطن قومي لليهود في أرض فلسطين.   *المصدر: أنا السلفى  

أخبار ذات صلة

الحمد لله وبعد فهذه مسائل فقهية حول أحكام صلاة المريض ،وما يتعلق بها من أحكام الطهارة وغيرها . وقد كان الحامل على جمعها وكتابتها ما نعاني منه جميعاً من ا ... المزيد

لم يعد خافياً على أحد الدور الكبير والمحوري الذي يشكله السلفيون “المداخلة” في تكوين مليشيات حفتر التي هاجم ... المزيد