البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

شهادة الشيخ ياسر برهامي على نشأة الدعوة السلفية في الإسكندرية

المحتوي الرئيسي


شهادة الشيخ ياسر برهامي على نشأة الدعوة السلفية في الإسكندرية
  • علي عبدالعال
    20/01/2016 04:40

الحلقة الأولى (1-5)  ياسر برهامي: منهج الإخوان القديم كانت به روافد سلفية عديدة

في هذه الحلقة من شهادته يتحدث الداعية السلفي الشيخ ياسر برهامي عن مولده ونشأته في بيت إخواني تفتحت عيناه فيه على كتب التراث التي استقى منها معالم المنهج السلفي، ثم تعرفه على أصدقاء عمره في مراحل التعليم الأولى والجامعية الذين صاروا فيما بعد شيوخا ودعاة أسسوا المدرسة السلفية ونشروا معه المنهج السلفي في الإسكندرية مدينة الثغر، وكانوا جميعا قد التقوا في تيار الجماعة الإسلامية الذي كان معروفا آنذاك في الجامعات المصرية.
 
وفي سرده يلفت د. ياسر برهامي إلى أهمية ملاحظة أنه يحكي فقط عن مشواره الدعوي، وبالتالي ثمة أحداث قد يجد فيها القراء تفاصيل أكثر عند غيره ممن عاصروها.

البيانات الشخصية

يبدأ د.ياسر برهامي الحديث عن بياناته الشخصية، فيقول: اسمي ياسر حسين محمود برهامي حشيش، ولدت في يوم الثلاثاء 25 من صفر1378هـ، الموافق 9 سبتمبر 1958م في مدينة "كفر الدوار- محافظة البحيرة"، حيث كان الوالد -رحمه الله- يعمل مهندسا في شركة "كفر الدوار للغزل والنسيج".. وبعد أشهر انتقلت الأسرة إلى "الإسكندرية" حيث قضيت معظم سني عمري.
 
انتهيت من دراستي الثانوية سـنة 1976م بتفوق -بحمد الله- ودخلت كلية الطب، وانتهيت منها سـنة 1982م بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف.. حصلت على ماجستير طب الأطفال سنة 1992، وأيضا على ليسانس الشريعة الإسلامية سنة 1999 من جامعة الأزهر فرع دمنهور بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف.

النشأة في بيت إخواني

ثم يواصل الحديث عن نشأته صغيراً في بيت كان ينتمي الأب وفيه والعم إلى جماعة الإخوان المسلمين، فيقول: أنا الأصغر بين إخوتي.. د. آمال، ثم د. سناء -رحمها الله- ثم د. جمال الدين، وبيني وبينه ثماني سنوات، وكان خامسنا عمي د. برهامي الذي أخذه والدي -رحمه الله- لتربيته عنده بعد وفاة والدهما -رحمه الله- فنشأ كأخ أكبر لنا.
 
نشأت في أسرة ملتزمة، وبفضل الله -سبحانه وتعالى- كان جو الالتزام العام يؤثر فيها، وإن لم تكن تفاصيل الالتزام على ما نعلمه الآن من معاني الالتزام التفصيلي في سائر نواحي الحياة، لكن التدين بصفة عامة والتوجه إلى التزام الحلال واجتناب الحرام بعد المحافظة على الصلوات والعبادات الواجبة.
 
والدي رحمه الله كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين في (كفر الدوار) حيث محل عمله وكذا سكنه لفترة من الزمن، وكان هو سبب في اقترابي من معاني الالتزام، وكذا كان عمي الدكتور برهامي حفظه الله.
 
والدتي -رحمها الله- ربة منزل، وكان والدها "الشيخ محمد الطوخي" -رحمه الله- من رجال الأزهر.

محنة الإخوان المسلمين

يشير ياسر برهامي إلى أن محنة الإخوان كانت محنتين: محنة الجماعة ومحنة آل برهامي، فيقول: كانت محنة عمي "د. برهامي" أشد أثرا على الأسرة كلها، فقد اعتقل والدي أولا سنة 1965م (محنة الإخوان المسلمين)، ولما خرج وجد عمي الذي يعتبره ابنا له بالتربية قد اعتقل، فكان يبكي بكاء شديدا خوفا عليه مما يحدث، وأنا لا أزال أتذكر صورته إلى الآن، وكنت قد بلغت السابعة، فطلب مني أبي المحافظة على الصلاة والدعاء أن ينجي الله عمي "برهامي".
 
كنت أنا وعمي شريكين في سرير واحد قبل اعتقاله، مما كان له أكبر الأثر في ارتباطي به لشعوري بشدة الظلم الواقع عليه.. فكان هذا الاضطهاد الذي لا سبب له غير مجرد الالتزام بالدين من أكبر المؤثرات في دفعي نحو التدين، خصوصا أن هذا الاعتقال استمر خمس سنوات.
 
كنا نذهب لزيارته في "طرة" فكان هناك تعلق شديد وحب له، حيث لم يكن هناك سبب يقتضي أن يعتقل، ولا أزال أتذكر صورا من هذه الرحلات حين كنا نمشي في حر الشمس حوالي 3 كم.. لم تكن هناك وسيلة انتقال داخلية في السجن مثل "الطفطف" في هذه الأيام، بل نحمل الزيارة هذه المسافة حتى نلتقيه لساعة أو ساعتين، وذلك بعد حوالي سنتين من الاعتقال دون زيارة، فقد كانت ممنوعة، ثم بعد الزيارة نتغدى في أحد المطاعم غداء شهيا.
 
وكان لثبات عمي -حفظه الله- والروح المعنوية العالية التي كان هو وإخوانه يتمتعون بها الأثر الكبير في النفس.
 
أتذكر أن أول قراءاتي في مكتبة البيت كانت لكتاب (رياض الصالحين) وكتاب (فقه السنة)، وهذه الكتب أول ما أثر في، انتهيت من قراءة رياض الصالحين في الصف الثالث الإعدادي، وشرعت في قراءة الأجزاء الصغيرة من كتاب (فقه السنة).
 
بعد خروج عمي من المعتقل سنة 1970 بدأ الوضع يتغير، كان هناك توجه إلى المزيد من المحافظة على القرآن، المحافظة على الصلاة في أوقاتها، تعلم بعض أحكام التجويد وبعض سنن الصلاة.
 
وكان عمي يلخص كتابي "سبل السلام" و"المغني"، حيث كانوا يدرسونهما في المعتقل، والنسخة التي عندي إلى الآن من "زاد المعاد" كانت هدية منه للوالد، وأول من دلني على كتاب (معارج القبول) عمي أيضا، فلذلك كان المنهج فيه قرب كبير أو فيه روافد كثيرة من المنهج السلفي، ولم يكن منهج الإخوان في ذلك الوقت به هذا القدر الكبير من التميع الحالي، لقد كان داخل الإخوان توجهات سلفية قوية متأثرة بجهود الشيخ "محمد رشيد رضا" الذي كان أستاذا للشيخ "حسن البنا"، وكذا جهود الشيخ "حامد الفقي" والشيخ "محب الدين الخطيب" اللذين يعدان من قرناء الشيخ "البنا"، رحمهم الله جميعا.

منهج الإخوان كان سلفيا

بعد خروج عمي ظل معنا حوالي سنة أو أكثر إلى أن تزوج، وكنت وقتها في المرحلة الإعدادية، وكان يعلمني بعض التجويد والصلاة من كيفية القعود ورفع اليدين ونحو ذلك، وبعد زواجه كان تيسير الله لي بأن وجدت كتاب "رياض الصالحين"، فقرأته وعندما وجدت فيه فضل صلاة الجماعة في المسجد بدأت في المواظبة عليها.
 
وكانت إمكانياتي البدنية ضعيفة، ولا أحسن اللعب، فلم أنشغل بما يشغل الشباب في تلك المرحلة، ووجدت في القراءة ثم التفوق والدراسة بديلا عن ذلك، ولم يكن للإخوان في ذلك الوقت أي نشاط أو تنظيم، وكما ذكرت كان عمي متأثرا في الحقيقة بالتوجهات السلفية داخلهم، ولم يكن هناك تعصب أو محاولة استقطاب، بل كان الإخوان في ذلك الوقت يمثلون روح التدين العام، والاتجاه الذي يستوعب طاقة الشباب ويلبي احتياجاته ويعايش واقعه ويغيره إلى حد ما.
 
وكان لكتاب "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" للأستاذ سيد قطب أثر كبير في تعميق هذا التوجه، فلذا لم يكن هناك توجه ولا رغبة في الانضمام للإخوان كتنظيم.

الالتزام في المرحلة الثانوية

وهنا يتحدث برهامي عن أثر المرحلة الثانوية في حياته، فيقول: كانت المرحلة التالية في الالتزام - بعد النشأة الأولى- في المرحلة الثانوية، التي جاءت مؤكدة على نفس التوجه من خلال الاشتراك في الجماعة الدينية بمدرسة اسمها (جمال عبد الناصر الثانوية العسكرية)، وكانت تحت إشراف الأستاذ -الدكتور حاليا- شاكر القطان ذي الاتجاهات الإخوانية مثل التي ذكرت عن عمي ووالدي، وهو أحد أفاضل الأساتذة وكان مشرف الجماعة الدينية، وكنا نلقي الدروس تحت إشرافه حفظه الله، ولم يكن يحجر علينا في شيء، بل كان يمثل لنا الغطاء الآمن للعمل في المدرسة، هو لم يكن يشارك ولكنه كان يستمع إلى الدروس التي كنا نلقيها في الفسحة، وكان هذا سببا في مزيد من القراءة ومزيد من المطالعة، والإمكانية الدعوية بدأت تتكون من خلال إلقاء هذه الدروس لمدة ربع ساعة يوميا.. وكان لمجموعتنا التي شاركت العمل في الجماعة الدينية الأثر الكبير على بعضنا البعض.
 
كان معي في الفصل 1/2، ثم 2/2، ثم 3/2، وفي الجماعة الدينية أخي الحبيب رفيق العمر، الذي له المنزلة الخاصة جدا عندي "الشيخ أحمد حطيبة"، وكان كل منا معينا للآخر على زيادة العلم والالتزام والدعوة، ولا أزال أتذكر أبيات شعره التي كتبها لي إهداء لنسخة من الجزء الثامن من الأجزاء الصغيرة من كتاب فقه السنة، وكذلك كنت أكتب له الإهداء على الكتب.
 
وكذا الأخ الحبيب "د. مصطفى خليل"، وتوطدت العلاقة جدا بيننا في الدراسة والإجازة الصيفية ورحلات المدرسة المشتركة وظلت هذه العلاقة -بحمد الله- إلى يومنا هذا، على هذا الحب الذي أرجوه صادقا خالصا في الله تعالى، وأن يجمعنا يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأرجو أن يكون لأبنائي مثل إخواني هؤلاء تعاونا على البر والتقوى، وبعدا عن الفساد والمنكرات.
 
أنهينا المرحلة الثانوية وفي داخل كل منا صبغة إسلامية قوية بفضل الله، وفي أثنائها منَّ الله علينا بإطلاق اللحية التي سمعنا القول بوجوبها سماعا مرسلا بلا دليل، فبحثنا في كتاب فقه السنة الذي كان يمثل المرجعية الفقهية لنا في ذلك الوقت، فوجدنا فيه إشارة في الحاشية فيه أن الجمهور حملوا الأمر بإطلاق اللحية على الوجوب، ومن ثم قالوا بوجوب إطلاقها وحرمة حلقها، فعزمنا على الالتزام بذلك فمنَّ الله علينا بها والحمد لله رب العالمين.
 
كان ذلك قبل أن ندخل الجامعة وقبل أن نلتقي بالمشايخ الكرام "د. محمد إسماعيل" و"د. أحمد فريد" و"د. سعيد عبد العظيم"، إذ هم يكبروننا بنحو ست سنوات.. وكان نجاحنا بتفوق في الثانوية العامة، حيث دخلنا أنا و "د. مصطفى" كلية الطب، ودخل "د. أحمد حطيبة" طب الأسنان، والتقينا إخواننا في الجامعة فكانت مرحلة جديدة من العمل الدعوي وطلب العلم.

دراسة الطب

أما عن سبب دخولي كلية الطب فقد كنت وأنا صغير كثيرا ما أمرض، وكثيرا ما تذهب أمي بي للأطباء، وكان تعاملهم مختلفا ومتفاوتا، منهم من أحببته، ومنهم من كنت أكره الذهاب إليه، فكانت تحدثني نفسي دائما أن أكون طبيبا، وطبيب أطفال على وجه التحديد، ألاعبهم وألاطفهم، وأخفف عنهم آلامهم، وكبرت معي هذه الرغبة حتى تحققت بفضل الله، ولا أشك أن مهنة الطب من أعظم المهن تأثيرا في الناس مع حسن الخلق، وترك الكبر والرياء، عافانا الله من كل أمراض القلوب.
 
وكان قد سئل (الشيخ ياسر برهامي) عن سبب كتابته هذه العبارة "أخي إذا لم تستطع دفع الكشف فلا تستح أن تطلب الإعفاء منه أو بعضه"، وتعليقها داخل العيادة الطبية الخاصة التي تجمعه مع أشقائه د. جمال الدين (أستاذ الجراحة بطب الإسكندرية) ود. آمال (أستاذة الجلدية)، فقال: حقيقة.. هذه الكلمات كتبتها من أول ما افتتحت العيادة سـنة1984م، ولم تزل هذه نيتي قبل أن أتخرج، لا أتذكر أني وجدتها عند أحد، ولكنها هبة من الله منّ بها علي، وأوجدها في نفسي، طبقها معي أخي الحبيب "د. جمال الدين برهامي" -حفظه الله- الذي أحبه في الله قبل كونه شقيقي، فنعم العون كان لي، يوم أن أطلقت لحيتي وقف بجانبي، ووقتها لم يكن هو قد التحى بعد، ثم أطلقها بعد ذلك، ويوم أن رغبت في السفر للعمرة وقف أيضا بجانبي وهو الذي أوصلني إلى الميناء، ودائما كنا معا على الخير -بحمد الله- وقد كانت رغبتي عجيبة عند أهل زماننا، حيث كان الحج والعمرة لكبار السن فقط، ولم يكن يطلق لقب (الحاج) إلا على كبار السن، وأما د. آمال ففي طبعها وفطرتها خدمة الآخرين خصوصا الضعفاء والفقراء، حفظها الله وسددها

الحلقة الثانية (2/5) ياسر برهامي: الجماعة الإسلامية في الجامعة كانت سلفية خالصة

في الحلقة الثانية من شهادته يواصل د.ياسر برهامي حديثه عن بديات تأثره بالمنهج السلفي منذ انتظامه في تيار الجماعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية، وكان قد تعرف من خلاله على الدعاة السلفيين الذين كانوا طلابا في كلية الطب. كما يتناول الحديث عن الصراع الذي دار بين طلاب الإخوان المسلمين والطلاب المتأثرين بالمنهج السلفي داخل التيار الذي هيمن على الاتحادات الطلابية في الجامعة إلى أن حصل الانقسام المشهور في صفوف الجماعة الإسلامية بين الإخوان والسلفيين الذين أسسوا فيما بعد السلفية في الإسكندرية وكان من بينهم ياسر برهامي.
 
وفي سرده يلفت برهامي إلى أهمية ملاحظة أنه يحكي فقط عن مشواره الدعوي، وبالتالي فإن ثمة أحداث قد يجد فيها القراء تفاصيل أكثر عند غيره ممن عاصروها.

الجماعة الإسلامية في الجامعة

يحكي ياسر برهامي عن رحلته مع الجماعة الإسلامية في الجامعة فيقول: عند دخولي الجامعة سنة 1976 التقيت بالإخوة في "الجماعة الإسلامية" التي كانت تمارس دورا بارزا في الدعوة إلى الله... كان أول من التقيته الشيخ أحمد فريد، حيث كان مقيما في (سيدي بشر) في ذلك الوقت، وكان في مسجد السلام وكنت أصلي معهم التراويح من قبل أن أدخل الجامعة، وكان في السنة الخامسة بكلية الطب، وفي الجامعة تعرفت أيضا على الشيخ (محمد إسماعيل) وكان أيضا في خامسة طب، وتعرفت أيضا على الشيخ (سعيد عبد العظيم) وكان في سنة خامسة وكذلك الدكتور إبراهيم الزعفراني.
 
في ذلك الوقت كانت الجماعة الإسلامية سلفية خالصة، والدكتور الزعفراني وغيره كانوا على هذا المنهج، إلى أن حصل الانقسام المشهور في صفوف الجماعة الإسلامية، وبعد أن تعرفنا على إخوة الجماعة الإسلامية كلفوا الدكتور أحمد حطيبة بالمسئولية عن كلية طب الأسنان بينما كنت أنا مسئولا عن نصف دفعتي، وما زلت أذكر أول كلمة ألقيتها في مدرج الكلية وكانت قراءة في سورة الرحمن، ثم كلمة عن شروط لا إله إلا الله، فبقيت عالقة في ذهني لاسيما أن ذات الموضوع كان موضوع أول خطبة ألقيها في مسجد التقوى، وهكذا تعرفنا بعد ذلك على بقية إخوة الجماعة الإسلامية خارج كلية الطب كالشيخ أبي إدريس، وأحب أن ألفت هنا إلى أنه ينبغي ملاحظة أنني أحكي عن مشواري الدعوي، وبالتالي ثمة أحداث قد تجدون فيها تفاصيل أكثر عند غيري وهي على وجه التحديد: الجماعة الإسلامية في سنواتها الأولى وقبل دخولي الجامعة كيف كانت طبيعة الدراسة فيها، ومدرسة الجماعة الإسلامية التي كانت في مسجد عمر بن الخطاب، ثم بعد الانفصال انتقلت إلى مسجد عباد الرحمن وصارت تعرف بالمدرسة السلفية، وكان درس الخميس للشيخ محمد إسماعيل حفظه الله ملتقى الإخوة الأسبوعي من كل الإسكندرية وغيرها.

الإخوان والجماعة الإسلامية

ثم يتناول أثر الإخوان في تيار الجماعة الإسلامية بعد خروجهم من سجون العهد الناصري، فيقول: خرج الإخوان المسلمون من السجون والجماعة الإسلامية موجودة على أرض الواقع بمنهجها السلفي النقي، وفي بداية الأمر لم يحاول الإخوان إظهار كبير فرق، وكانوا مثلا يحافظون على الهدي الظاهر، ولم يتعرضوا للكتب السلفية التي ندرسها وظل الأمر على ما هو عليه من دعوة الجماعة الإسلامية المتميزة بمنهج سلفي واضح جدا مع الاستفادة بالطاقة الحركية الموجودة عند الإخوان، وكذلك طاقة الشباب العالية، وتمت معسكرات صيفية سنة 77، 78، 79 كلها كانت ذات منهج سلفي، كان يوزع فيها كتاب (الأصول العلمية للدعوة السلفية)، وكان يدرس فيها كتاب (تطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران)، كلها كانت صبغة سلفية في جميع الأشياء.
 
بدأ النزاع يظهر بعدما قويت شوكة الإخوان ومع محاولة فرض منهجهم على الجماعة الإسلامية، فبعض الشباب اختار المحافظة على المنهج ولو على حساب الجماعة، والبعض الآخر اختار المحافظة على الجماعة ولو على حساب المنهج... ظهر التمايز بينهما على السطح في أوائل سنة ١٣٩٩هـ، وكنت آنذاك في رحلة عمرة في شهر رمضان وبقيت هناك إلى الحج فعدت لأجد الإخوة الذين آثروا الحفاظ على المنهج السلفي قد انسحبوا من الجماعة الإسلامية بعد فرض الإخوان منهجهم عليها.

في دروس ابن باز وابن عثيمين

كان لرحلته إلى الأراضي المقدسة والتقائه الشيخين ابن باز وابن عثيمين أثر بعيد على نفسه ودعوته فيما بعد، حيث يقول: الحقيقة أن زمن الشباب بالنسبة لنا كان عدد الدعاة والشيوخ فيه قليلاً، كما ذكرت في مرحلة الستينيات كان الأثر الأول لوالدي وعمي، وفي السبعينيات أذكر خطيبا مؤثرا اسمه "الأستاذ صادق" لا أدري أين هو الآن؟ كان يأتي في الصيف يخطب في مسجد "الشهيد عزت" بجوار منزلنا، وكان أسلوبه يتميز بالسمو الفكري، فكانت تعجبني خطبته، ثم "الأستاذ شاكر القطان" المشرف على الجماعة الدينية، ثم الشيوخ الأفاضل شيوخ السلفية الحاليين "د. محمد إسماعيل"، و"د. أحمد فريد"، و"د. سعيد عبد العظيم"، و"الشيخ محمد عبد الفتاح أبو إدريس".
 
وكان لرحلة العمرة أثر كبير - جدا- علي، وكانت في صيف السنة الثانية في كلية الطب سنة 79 الموافق رمضان من سنة 1399 حيث سافرت إلى العمرة في رمضان وبقيت إلى الحج، وخلال هذه الرحلة لزمت دروس الشيخ ابن باز رحمه الله، وكانت القضايا التي كانت تمثل نقاط اختلاف في الدعوة أو في العمل كلها كنت أسأله عنها بطريقة مباشرة، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى.. ومن خلال كثرة الحضور جعل الله الشيخ سببا في تسهيل الحج في مخيمات هيئة التوعية الإسلامية، وقدر الله سبحانه وتعالى من فضله أن يكون الشيخ المسئول عن الخيمة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، فلازمنا فترة الحج كلها.
 
 كان الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- طوال الوقت في قضاء حوائج المسلمين، لا يسد بابه عن أحد ولا شفاعته، في فترة الشهور الأربعة التي قضيتها في مكة المكرمة وكنت مواظباً على حضور مجالسه، وبيته كان مفتوحاً لكل داخل مع الغداء والعشاء مع الشيخ. ودون طلب منا لما لاحظ مواظبتنا على الحضور والسؤال، بادر إلى دعوتنا عن طريق سكرتيره الخاص إلى الحج ضمن هيئة التوعية الإسلامية، ووفر لنا سكنا في شقق دار الحديث المكية، فما الظن بمن كان يطلب منه -رحمه الله-.

فتنة "جهيمان" في الحرم المكي

ولما حدثت أحداث الحرم المعروفة بفتنة "جهيمان" - والتي وقع فيها عدد كبير من المنتسبين إلى العلم والدعوة عصمنا الله تعالى بفضله من الوقوع فيها- دخل بعض إخواننا إلى الحرم من باب الاستطلاع، ولم يكونوا من المشاركين في الفتنة، إذ كان الشيخ محمد إسماعيل قد حضر إلى الحج ونصح الإخوة بالبعد عن الفتن وهو ما اتفق عليه جميع الأخوة الموجودون هناك آنذاك لكن الإخوة الذين دخلوا حبسوا داخل الحرم حتى قبض عليهم وظن أنهم من المشاركين وهم فعلا لم يشتركوا، وقد نجانا الله من ذلك بتزكية الشيخ ابن باز -رحمه الله- لمن كان يرغب منا في دخول جامعة أم القرى، فجعلها الله سبب لمعافاتنا، وكنت أيامها مريضا لا أتحرك فلم أكن أذهب للحرم كما ذهب هؤلاء الإخوة. لذلك أقول لمن يسيئون إليه: اتقوا الله فإن لحوم العلماء مسمومة، وإن خالفتم الشيخ في بعض الأمور فاعرفوا له قدره، وعلمه، وسبقه، ونفعه للمسلمين، واعلموا أن ما أجرى الله على ألسنة المؤمنين من الثناء عليه هو من علامات القبول -إن شاء الله-، وهذه جنازته شاهدة على ذلك. فنسأل الله لهم الهداية، ونسأل الله له الرحمة.
 
بقيت مع الشيخ ابن عثيمين فترة الحج كلها، وطبعا في ذلك الوقت لم يكن قد اشتهر الشهرة العالية جداً مثل الشيخ بن باز رحمهما الله تعالى، ولكن أعجبت به وبأسلوبه العلمي الدقيق، وفتاواه المنضبطة جدا، فهو عالم فذ مجتهد من أكثر العلماء المعاصرين علما بالشرع والواقع، ومن أكثر العلماء نفعاً لطلابه ولعموم المسلمين، متواضع زاهد يقبل مناقشة الصغير فضلا عن الكبير، يبدي الاحترام لمن يسمعه، أذكر أني عرضت عليه مسألة الترتيب في أعمال يوم النحر ورأي الإمام الشوكاني في وجوب الترتيب إلا لعذر موافقا للحنفية والمالكية وخلافا للشافعية والحنابلة، فقال: إن استدلاله استدلال قوي بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والذي فيه: "فما سمعته يُسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها وأشباهها إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (افْعَلُوا وَلاَ حَرَجَ)" رواه البخاري ومسلم، فتقييد الأمر بالنسيان والجهل دون العمد له وجه قوي، هذا كلامه، ورغم صغر سني في ذلك الوقت إلا أنه كان يسمع باهتمام، ويقبل الأخذ والرد ولا يحتقر من أمامه ولو كان صغيرا.
 
وناقشته في بيع الشقق قبل بنائها، وناقشته أيضا في مسألة كشف الطبيب على المريضة من النساء هل هو من باب الضرورات أم الحاجات؟ فقال بمنع بيع الشقق قبل بنائها، وأن كشف الطبيب على النساء من الحاجات ولا يلزم أن يكون من الضرورات، بل يجوز مع وجود البديل كطبيبة، ولكن الأولى أن تكشف الطبيبة على النساء، والطبيب على الرجال... فكان الشيخ -رحمه الله- أحسبه كذلك يدور مع الدليل حيث دار تخفيفا أو تشديدا مع مراعاة الواقع وحساب المصالح والمفاسد ورعاية الخلاف السائغ في المسائل.
 
بعد العودة وجدت تغيرا كبيرا حصل في منهج الجماعة الإسلامية وكان الإخوة في السنة الثالثة في كلية الطب مرتبطين بي ارتباطا قويا جدا، فظلوا معي، ومعظم الشباب استمروا على المنهج السلفي في ذلك الصيف، ولما حضرت إلى معسكر الجماعة الإسلامية كالمعتاد وجدت تغيرا كما يقولون مائة وثمانين درجة إلى منهج الإخوان، فلم أستطع أن أكمل المعسكر وانسحبت، وانسحب معي مجموعة كبيرة من الإخوة، وهنا ظهر أن هناك عملا إخوانيًّا صرفا، وهو ما يسمى بالجماعة الإسلامية، أما السلفية فهي عبارة عن مسجدين أو ثلاثة فقط، كان منهم مسجد التقوى، ومسجد السلام، ومسجد عباد الرحمن في بولكلي، ومسجد نور الإسلام.. في البداية كان مسجد أحمد بن حنبل الذي كان الشيخ أحمد حطيبة مسئولا عنه، وبعد ذلك أصبح مسجد نور الإسلام لما انتقل إليه الشيخ، لكن لم يكن هناك ما يربط الإخوة ببعضهم في ذلك الوقت إلا المنهج.

المنهج السلفي

وهنا يجيب الشيخ ياسر برهامي عن تساؤل فحواه "لكن لماذا اخترت المنهج السلفي؟"، فيقول:  الحقيقة أننا نشأنا في ظروف يـُحارب فيها الدين جملة، وتنشر الاشتراكية والقومية العربية مع الهزائم المتلاحقة والنكسات والنكبات على الأمة التي من أعظمها سقوط القدس في يد اليهود، ودخولهم إلى المسجد الأقصى، فكان رد الفعل الدفاعي لكل من يحب الإسلام العودة إلى هذا الدين بمصادره الصافية، ولم يكن ثم مناهج مختلفة، فكان البحث عن الكتاب والسنة، فكان أول كتاب وجدته في مكتبة المنزل رياض الصالحين، ثم فقه السنة، ثم زاد المعاد، -وبحمد الله- هي كتب تستمد جذورها من الكتاب والسنة مباشرة، ثم لما تعددت المناهج واختلفت كان ظاهرا بجلاء أن المنهج الذي يعظم الكتاب والسنة ويستمد منه العقيدة والعمل والسلوك هو المنهج السلفي.
 
ثم كانت لكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية التي كنت أحرص على قراءتها، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- كذلك، أكبر الأثر في تعميق حبي لهذا المنهج؛ لأنه يعظم الدليل ويبني عليه كل مواقفه، ويتخلص من الخرافات وأنواع الغلو، ثم هو منهج شامل يعالج كل القضايا الواقعية من نفس منطلق المرجعية للكتاب والسنة. فقضايا الحكم بالشريعة والولاء والبراء، بالإضافة إلى نبذ عبادة القبور والغلو في أصحابها كلها موضحة في هذا المنهج بالأدلة الواضحة. ثم كانت لكتابات ابن القيم -رحمه الله- في التهذيب والسلوك جاذبيتها الخاصة التي لا أظن أحدا من أبناء الصحوة الإسلامية المعاصرة يستطيع مقاومتها، أو ينكر أثرها عليه وعلى غيره، مع كون هذا المنهج ينبذ التقليد حتى لهؤلاء الأئمة الكبار، بل يربي أتباعه على قبول الحق من كل من قال به، ونبذ العصبية وجمع القلوب والهمم على نصرة الدين والتعاون على البر والتقوى.
 
فلا يلزمنا ما لا نقدر عليه من حدود أو حقوق، لكن اللازم علينا أن ننقل الحق إلى الأجيال القادمة ناصعا كما جاءنا ووصلنا

الحلقة الثالثة (3-5) : ياسر برهامي: السلفية تشكلت في جامعة الإسكندرية ولأنصار السنة أثر كبير في نشأتها

في هذه الحلقة من شهادته يتحدث د.ياسر برهامي عن وقائع الصدام الذي جرى بين طلاب الإخوان والسلفيين داخل الجامعة عام 1980، وما تبعه من اتفاق السلفيين على تنظيم أنفسهم والاتفاق على أن يكون الشيخ أبو إدريس هو قيم المدرسة السلفية بالإسكندرية. ثم يعرج على أحداث سبتمبر 1980 التي انتهت بمقتل الرئيس السادات، والتي اعتقل خلالها عدد كبير من الدعاة السلفيين. ويتناول برهامي الحديث عن أثر جماعة "أنصار السنة" في نشأة السلفية تاريخيا، خاصة في ظل الشيخين حامد الفقي، وعبد الرزاق عفيفي، ثم جهود كبار علماء السلفية بالمملكة السعودية كالشيخين أبو بكر الجزائري وابن قعود.
 
وفي سرده يلفت الشيخ ياسر برهامي إلى أهمية ملاحظة أنه يحكي فقط عن مشواره الدعوي، وبالتالي فإن ثمة أحداث قد يجد فيها القراء تفاصيل أكثر عند غيره ممن عاصروها.

الصدام مع الإخوان في الجامعة

وحول وقائع صدامهم مع الإخوان يقول برهامي: في السنة الرابعة كان الأخ عماد عبد الغفور اقترح أن نعمل عملا سلفيا في الجامعة، فوافقت واتفقت أن نكون مشتركين معا في هذا العمل، فبدأ العمل وبدأ الصدام مع الإخوان المسلمين الذين كانوا يعملون باسم الجماعة الإسلامية، كان هذا في سنة 1980، وهي السنة التي حدثت أحداث كلية الطب فيها، هذه الأحداث كنا نوزع أوراقا ونعمل محاضرات في ساحة الكلية ونسميها ندوة، ونتكلم فيها عن قضية التوحيد وقضايا الإيمان باليوم الآخر ويتكلم فيها الإخوة، فخطط الإخوان لمنع هذا اللقاء، ومنع خروج الناس والمشاركة، وحصل صدام بين بعض الإخوة وبعضهم، وساعتها حدث نوع من التخبط في المواقف، لأنهم كانوا مرتبين أمورهم جيدا ونحن فاجأنا مثل هذا الموقف، بعض الإخوة طالب بالانسحاب، وبعضهم طالب بالرد بعنف، وظهر ارتباك شديد جدا في صفوفنا أمام الناس..
 
وساعتها التقى الإخوة مع بعضهم واتفقوا أنه لا بد أن يتم العمل بطريقة مرتبة بينهم وبين بعض، ما يشبه باتحاد الدعاة بين الإخوة الذين يعرفون الآن بشيوخ السلفية أو رموزها، وتم الاتفاق على أن الشيخ أبو إدريس هو قيِّم المدرسة السلفية، وتواجد العمل في المساجد بالإضافة إلى العمل في الجامعة، وحدثت احتكاكات أقل بعد ذلك لكن بقيت مستمرة.
 
ولقد تلاحقت الأحداث فدخل عدد من الإخوة السجن ضمن أحداث سبتمبر1980 التي دخل فيها رموز من مختلف الحركات الإسلامية منهم الشيخ أحمد حطيبة من السلفيين، كما اعتقل الشيخ محمد إسماعيل بعد ذلك، كما اعتقل الشيخ أحمد فريد بسبب رفض حلق اللحية في الجيش، ولم يبق في الخارج إلا الشيخ سعيد عبد العظيم والشيخ أبو إدريس وأنا فتعاونا في أمر الدعوة بفضل الله عز وجل إلى أن خرج الإخوة المحبوسين.

السلفية من 84 إلى 94

ظلت السلفية وكذلك الإخوان متأثرين بهذه الأحداث حتى منَّ الله علينا في عام 84 وبدأنا العمل حتى قبل الإخوان، واستأنفنا النشاط في الجامعة وكونَّا أربع أسر في كليات الزراعة والتربية والهندسة والطب، وكتبنا عددا من الرسائل تم توزيعها من خلال هذه الأسر جمعتها فيما بعد في كتاب "معا على طريق الجنة"، وكان قد سبق خروج "معا على طريق الجنة" كتاب "فضل الغني الحميد" الذي أعددته في أول الأمر كمذكرة تشمل اختصارا لكتاب التوحيد لتدريسه للإخوة، وكان هذا في عام 1980 قبل الأحداث التي أشرت إليها.

الشيخ عبد الرزاق عفيفي

وعن أثر كبار شيوخ السلفية في السعودية بدعوته ودعوة المدرسة السكندرية يستطرد قائلا: وإلى جانب الشيخين (ابن باز وابن عثيمين) التقيت الشيخ ابن قاعود والشيخ أبا بكر الجزائري كليهما خلال زيارته للدعوة هنا في الإسكندرية، وكذلك التقيت الشيخ عبد الرزاق عفيفي في رحلة حج طال مقامي فيها هناك لظروف مقتل السادات، كنت في رحلة حج عام 1981 وبقيت شهرا بعد الحج حتى هدأت الأوضاع بعد مقتل السادات، وكان الشيخ عبد الرزاق عفيفي أهم من التقيته، فكان الكثير من القضايا الحساسة جدا التي طرحت في المجال الدعوي بعد ذلك كانت مستفادة من مجالسة الشيخ رحمه الله، والطرح مفيد جدا رغم قصر المدة، والشيخ ابن باز رحمه الله كان يقدر الشيخ عبد الرزاق عفيفي تقديرا بالغا جدا، ورغم أنه كان نائب الرئيس في اللجنة الدائمة فإنه كان لا يجلس إلا إذا جلس الشيخ، فكان الشيخ عبد الرزاق عفيفي له فهم دقيق جدا بمسائل الواقع، خاصة أنه شهد الواقع المصري، ولهذا كانت مسألة غاية في الفائدة حقيقة، يعنى مثلا في الكلام عن قضايا الحكم بما أنزل الله كان كلامه فيها هو الذي سجلناه في الكتب، مع التفريق طبعا بين النوع والعين، وهذا أمر معلوم، لكن الشيخ عبد الرزاق عفيفي كان كلامه في منتهى الوضوح، هو كان رئيس لجماعة أنصار السنة، ولذلك أنا أجزم بأن المخالفين لنا في هذه المسألة ممن ينتسب لأنصار السنة مخالفون للشيخ حامد الفقي مؤسس الجماعة ولأعلم شيوخها بعد ذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي.

أثر "أنصار السنة" في النشأة

ومن هنا نستطيع أن نتحدث عن أثر "أنصار السنة" في نشأة السلفية تاريخيا، لأن جماعة أنصار السنة كانت على منهج أهل السنة والجماعة وتميزت بنشره على يد الأستاذ حامد الفقي وعلى يد الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الرحمن الوكيل، كل هؤلاء لهم تأثير ضخم، وكان كذلك الشيخ محمد علي عبد الرحيم، وإن كانت منزلة المشايخ المتقدمين في العلم أعلى، لكن كان لنا معه بعض المجالسات ولكن ليست بالطويلة، فبالتأكيد تأثرت الدعوة، لكن استفادت من خلال تجربة العمل في الجماعة الإسلامية بنوع من التواجد وسط الشباب، لكن مع الحذر من الأخطاء الحركية والمنهجية التي وقعت فيها جماعة الإخوان.
 
كانت تتوقف (مسألة عملنا ضمن جماعة أنصار السنة) على شخصيات القائمين على الجماعة في الأماكن المختلفة، ففي الإسكندرية كان هناك طائفة لا تستوعب الشباب ولا طاقاتهم، بل تكاد تحصر نفسها في قضايا بعينها تتشدد جدا فيها وتهمل غيرها رغم أن الحق غالبا ما يكون في خلافها، مثل قضية الاقتصار على الصحيحين في الاستدلال، ومثل قضية إخراج القيمة في زكاة الفطر، ومثل قضية إنكار المهدي، ولقد كان الوضع في الإسكندرية لا يحتمل أي تطوير للعمل من خلال الوضع القائم في حين كان التعاون التام في وجود الشيخ صفوت نور الدين رحمه الله وقبل أن يتولى رئاسة الجماعة، وأتذكر أن الشيخ كان يحضر لقاءات الإخوة في المحافظات المختلفة بتواضعه وعلمه وسعة أفقه وحسن خلقه رحمه الله تعالى، وفي كثير من البلاد عمل الإخوة ضمن هذه الجماعة حتى حالت ظروف كثيرة خارجة عنا عن ذلك.

الشيخ الجزائري يزور الإسكندرية

ومن بين الشيوخ الذين التقيناهم وأثروا فينا الشيخ أبو بكر الجزائري رحمه الله الذي زار الدعوة هنا في الإسكندرية عام 1986، وكان لهذه الزيارة أثر كبير جدا في تدعيم موقف السلفية، وخصوصا أمام الإخوان، لأنه زار كل مساجد الدعوة تقريبا، وألقى محاضرات قوية جدا في المنهج السلفي، ولقد جرت مناقشات منهجية مع الشيخ بخلاف المحاضرات العامة، وكان من ذلك أن سئل الشيخ في مسجد نور الإسلام عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في رقبته بيعة مات ميتة جاهلية"، فأجاب الشيخ فقال:
 
"أنا سئلت هذا السؤال في المغرب فقلت لهم أنتم في أعناقكم بيعة للملك الحسن الثاني، ومعلوم موقف الحسن الثاني، يعنى علمانية واضحة، والعلاقات كانت مع إسرائيل في ذلك الوقت -يعني قبل أن يزور السادات القدس أو بعدها- كان الصلح تم مع إسرائيل، لكن الحسن الثاني كان في وسط المعركة في ذلك الوقت"، الغرض المقصود أن هذه الإجابة أثارتني وأثارت كل الإخوة، فعاتبت الشيخ فيها وقلت له: يا شيخ يعني الآن هذه الفتوى كيف تتم؟ فقال:
 
"هذا سؤال حرام أن يسأل؟ هل تريد أن أقول أن يخرجوا ويقاتلوا ويترتب على ذلك الفتن، أنا أحتاط لكم كما أحتاط لنفسي، أنا كنت أقصد أن الناس مطيعون رغما عنهم للحسن الثاني، وكل من في بلدهم مطيعون رغما عنهم مقهورون في ذلك"، فقلت له: الناس تسأل عن الحديث في الناحية الشرعية وليس عن الواقع القهري، الناس يمكن أن يقال لهم إنهم إذا عجزوا عن شيء سقط الواجب، الجواب الذي ينبغي أن يجاب به أنهم إذا عجزوا عن المعنى الشرعي فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وهذه هي الحقيقة، لماذا؟ يعني ما موقفنا من الأمر؟ هذه البيعة بيعة لأمير المؤمنين، هذا خليفة، هذا الذي ينطبق على الحديث: (من مات وليس في رقبته بيعة مات ميتة جاهلية)، فهذه بيعة، فهذا الخليفة غير موجود، لا يوجد خليفة للمسلمين الآن، فماذا نجيب ربنا عن هذا المعنى؟ هل نموت ميتة جاهلية؟ نقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، نحن ندين لله عز وجل بأنه عندما يوجد خليفة فسوف نبايعه، والخليفة لا بد أن يكون ممكنا ذا سلطان، وليس شخصا عاديا يمكن أن يوضع في السجن بين لحظة وأخرى، وبالتالي فتركنا لهذا الأمر من باب العجز وعدم الوجود، وهذه حجتنا عند الله، فاعتذرت له عن سوء الأدب في الاعتراض على الفتوى فقلت له: سامحني، فقال ما معناه أنه ازداد لي حبا، وتقبل الأمر بصدر رحب جدا، حفظه الله تعالى.

الشيخ ابن قاعود

أما بالنسبة للشيخ ابن قاعود فقد كان اللقاء به أثناء زيارته لنا في الإسكندرية، وأيضا كنت ملازما له فيها، ووجدنا طبعا فرقا كبيرا بين طريقته رحمه الله وبين طريقة الشيخ أبي بكر، طريقة الشيخ أبي بكر كانت تميل إلى الجماهيرية، طريقة الشيخ ابن قاعود كانت ما شاء الله علمية ممحصة تمحيصا دقيقا، وهو رجل مجتهد عالم، بلا شك أثر تأثيرا ضخما جدا على كل الإخوة، وبشكل عام فإن الدعوة تقدر جميع علماء أهل السنة القدماء والمعاصرين، والمواقف التي اتخذتها السلفية كانت نتيجة دراسات على ضوء كلام أهل العلم ولا تخرج في مجموعها عنهم في معظم قضايا المنهج منظرة تنظيرا متقنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يمثل مرحلة مهمة جدا في تنظير كلام السلف، وعند تنزيل كلامه على أرض الواقع رجعنا لكلام العلماء المعتبرين من المعاصرين.
 
وبالنسبة لي كان لقاء المشايخ ابن باز وابن عثيمين وابن قاعود والجزائري وعبد الرزاق عفيفي كما ذكرنا من أكثر المؤثرات في توضيح معالم المنهج بعد شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، فقراءتنا لم تكن مفرغة من الرجوع لأهل العلم والعرض عليهم، خصوصا في المواقف الحساسة، ثم كانت مناقشات الإخوة الدعاة الكرام مشايخ الدعوة من أعظم الأمور أهمية في تحديد مواقف الدعوة المختلفة، فهم كلهم شيوخنا جزاهم الله خيرا.

الحلقة الرابعة(4-5) السلفية جزء من واقع مليء بالحسابات المعقدة

في الحلقة الرابعة من شهادته يتناول د. ياسر برهامي طبيعة الواقع المحيط بالسلفية، والأزمات التي مرت بها. كما يسترجع برهامي تجربة الاعتقال وفترات السجن القصيرة التي جمعته ورموز الحالة السلفية بالعديد من الاتجاهات الإسلامية وما وفرته تلك التجربة من فرص للاحتكاك بتلك الاتجاهات عن قرب.

أزمة المجلس التنفيذي للدعوة السلفية 1994

يشير برهامي إلى خصوصية السلفية ، ويستعرض واحده من أكبر الأزمات التي واجهتها تلك الدعوة فيقول: والسلفية تعد جزءا من واقع مليء بالحسابات المعقدة، ونحن نجتهد قدر الطاقة في فعل ما فيه جلب المصلحة ودرء المفسدة دون تعجل ودون أن نستجلب على أنفسنا أو على دعوتنا البلاء، بل شعارنا "والله لا يعطوننا خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبناهم إليها"، ولكن إذا شاء الله شيئا كان، فقد تم عمل قضية للإخوة سنة 1994، وتم القبض على الشيخ سعيد والشيخ أبو إدريس، وتم تسليم المعهد لوزارة الأوقاف على أساس أن وزارة الأوقاف سوف تستمر في العمل، وطبعا لم يستمر العمل بأي درجة من الدرجات، وتوقف عمل ما كان يسمى بالمجلس التنفيذي في ذلك الوقت، وهو ترتيب العمل في المناطق بطريقة مركزية الذي كان تحت إشراف الشيخ سعيد عبد العظيم، فنحن دائما نتهم بتهمتين متناقضتين، الأولى: أننا ندعو دعوة سرية، ونأخذ بيعة.. إلى آخر التهم المعروفة، مع أن السلفية لم تقم قط بأخذ البيعة لأي شيخ أو فرد من أفرادها. والثانية: هي تهمة التهاون.. لكن نحن ندين لله بأن نفعل كل ما في وسعنا من نصرة دين الله بحيث تتحقق المصلحة وتدفع المفسدة، وبالتالي كان لا بد من إيقاف العمل في الظروف التي أشرت إليها.
 
في عام 94 بقي العمل فقط مع الجامعة والطلائع وهو لم يتم الاعتراض عليه وظل مستمرا حتى سنة 2002، وهي القضية الأخيرة التي من خلالها تم إيقاف العمل في الجامعة ومع الطلائع والعمل خارج محافظة الإسكندرية كذلك، وكان أصلا السفر خارج الإسكندرية متوقفا أيضاً من أواسط التسعينيات كذلك، وقد تعرضنا لهذه التجربة في ضوء أحداث عالمية أكبر من تأثيرات داخلية أو أن بعض الناس قد يظن مثلا أن العمل في الجامعة أو في المحافظات الأخرى هو السبب، هذه كانت المبررات المطروحة، لكن الحقيقة أن هذه المبررات كان يمكن أن توجد في أي وقت آخر مبررات غيرها، لكن الأحداث العالمية في ذلك الوقت كانت ذات أثر كبير جدا، وعموما المفسدة التي يوقف العمل من أجلها هي المفسدة المتحققة، وأما الضرر المحتمل في الجملة فلو أوقفت الدعوة من أجلها لما دعا إلى الله داع.

مع الجماعة والجهاد في المعتقل

وعن تجربة الاعتقال التي كانت رغم قصرها ثرية بعديد المواقف والمحاكاة يسهب برهامي في الحديث قائلاً: بالنسبة إلى فترات الاعتقال ذكرت أن شعارنا في ذلك "والله لا يعطونني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم إليها"، ومن ثم لم نسع إلى صدام، ولذلك كانت فترات سجننا قصيرة وفي الغالب لأسباب خارجة عنا تماماً فالشيخ محمد إسماعيل تم القبض عليه في أحداث 1980، وكذلك الشيخ أحمد حطيبة والشيخ أحمد فريد بسبب عدم حلق اللحية في الجيش، وتم القبض علي أنا والشيخ أحمد فريد والشيخ فاروق الرحماني رحمه الله بعد محاولة اغتيال حسن أبو باشا وزير الداخلية عام 1987، ومكثنا في المعتقل شهرا أو أكثر قليلا في سجن "استقبال طرة"، ثم كانت قضية 1994 ولم يمكث فيها الإخوة أكثر من شهر، ثم كانت القضية الأخيرة 2002 والتي طالت قليلا للظروف التي أشرت إليها، وخرج إخوتنا تباعا، والحمد لله لم يبق منهم أحد ونسأل الله أن يفرج كرب جميع المسلمين.
 
ووالله تجربة السجن كان فيها رحمة من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإنسان كان بدأ ينشغل انشغالا شديدا جدا في العمل الدعوي فكان لا توجد فرصة للعبادة والذكر كما كانت موجودة في فترة السجن، وتوثقت العلاقة مع شخصيات كثيرة جدا وإخواننا الأفاضل الأحباء، فكانوا في الحقيقة من الناحية الإيمانية جوا مفيدا جدا، ومن الناحية الدعوية الإنسان شعر بلا شك بفضل الله سبحانه وتعالى بتعمير المساجد وذكر الله عز وجل فيها، وكان الإنسان يشعر بألم شديد جدا حينما تأتي خطبة الجمعة، وهو يخطب في طرقة ويصلي في زنزانة فكان أمرا مؤلما للنفس أن يحرم الإنسان من تعمير المساجد التي يحب الله عز وجل أن ترفع ويذكر فيها اسمه، من الناحية الدعوية لا شك أن الإنسان استفاد من احتكاكه بالاتجاهات الإسلامية الأخرى وتقييم لعمل الجماعات الإسلامية الأخرى مثل الجماعة الإسلامية والجهاد وهذه الاتجاهات، وكان لنا بفضل الله تعالى مناقشات كثيرة معهم، وكان هناك الكثير جدا ممن تأثروا بهذه المناقشات، وبالفعل بدأت مراجعات يعني من أفراد منهم لطريقة تناوله للأمر، وبفضل الله سبحانه وتعالى وضح فيها مدى انضباط المنهج السلفي، وبلا شك أيضا أن الإنسان استفاد في طريقة ميزان المصالح والمفاسد، وأنه لا بد من مراعاة هذا الأمر بدقة وعدم التسرع.
 
كنت أضرب للإخوة مثالا ونحن في الداخل أن أمورا حصل فيها تسرع وإعجاب بحجم العمل السلفي الذي انتشر بسرعة جدًّا، لكن كان أشبه ما يكون بنفخ بالون من السهل جدا أن يثقبه أي شخص في أي وقت، ونحن لا نحتاج إلى هذا العمل الدعائي الضخم جدا، ولا الهيئات الإدارية الطويلة الشكل هذه التي في الحقيقة لا تثمر الفوائد المرجوة منها في ضوء عدم اكتمال الشخصية التي تقوم بالعمل في ذلك الوقت. مثل هذه الأشياء، وهي اكتمال الشخصية المسلمة المتكاملة التي هي في الحقيقة مفقودة في عامة الاتجاهات الإسلامية، هذا هو المناط الأول الذي لا بد أن نركز عليه، ونهتم بأن يكون هو هدفنا الأول، وهو وجود الشخصية المسلمة المتكاملة المستعدة والقادرة على تحقيق التعاون على البر والتقوى.

تمرد في السجن

في المرة الأولى حينما اعتقلنا على خلفية محاولة اغتيال أبو باشا وكان من المعلوم يقينا أننا لا دخل لنا بحادثة الاغتيال؛ ولذا لم يكن تحقيق ولا سؤال ولا شيء. والله سبحانه إذا ابتلى عبده ببلاء لم يستجلبه لنفسه يسر له من أنواع اليسر والراحة والسعادة في هذا البلاء رغم الألم ما لا يخطر بباله، ولقد كانت هذه المرة في رمضان وقضينا العيد في المعتقل. أتذكر من الطرائف أننا كنا في "عنبر أ" في الدور الرابع، وكان الماء كثيرا ما يقطع عن العنبر كله، فكان الإخوة -وعامتهم من إخوة الجماعة الإسلامية- يعترضون بكل قوة وبهتافات قوية، وذات مرة أخذوا المفتاح من الشاويش عنوة، وفتحوا كل الزنازين، ومن لم يفتح له حاول كسر الأبواب، وكانوا يحرقون الأغطية، وخرج العنبر كله خارج الزنازين -طبعا حدث ذلك قبل المبادرة- ورفضنا نحن الخروج من زنزانتنا، وكان معنا أحد الإخوة شيخ أزهري كان ينظر من باب الزنزانة فيسمع الهتافات فيقول متهللا: "الأمة صحيت يا ولاد"، فنقول له: "تعال يا شيخ محمد انظر من الشباك الآخر المطل على الساحات المحيطة بالعنابر والأسوار والأبواب المغلقة"، فكنا نرى عربات الأمن المحملة بالجنود وهي تتحرك ناحية العنبر بكميات هائلة لفض التمرد وإدخال الإخوة إلى الزنازين، وكنت أعد عدد الأبواب التي تغلق وراءنا بعد الباب الرئيسي للسجن فكان باب الزنزانة هو الباب رقم 19 فأقول له: "يا شيخ محمد لو فتحنا بابا واحدا أو اثنين فماذا سنفعل في الـ18 أو الـ17 الأخرى، هذه محاولة فاشلة".
 
ومع ذلك استمر التمرد حتى وصلت القوات ونادوا بالميكروفونات، بأنه إذا لم تـعد المفاتيح فسيتم إطلاق النار فلم يستجب أحد والحماسة كانت وصلت غايتها، وبالفعل تم إطلاق الرصاص الخرطوشي، ففي لحظة واحدة سكت الجميع وجرى الكل إلى الزنازين وأغلقها على نفسه، ورغم أننا لم نفتح زنزانتنا، ولم نخرج منها إلا أن العقاب العام كان قد تقرر وقطع الغذاء والكهرباء بالإضافة إلى المياه. وأخذ السجن كله "علقة ساخنة بالعصا" أعقبها الدخول إلى زنازين انفرادية. وكان معي الشيخ محمد الأزهري نفسه -اثنان في الزنزانة الانفرادية- فقلت له: الأمة صحيت يا شيخ محمد؟! فقال لي: "دي نايمة وفي سابع نومة".
 
أما في المرة الثانية سـنة 2002م، فكانت قضيتنا نحن، فكان فيها تحقيق، ولا شك أن أيام التحقيق التي استمرت نحو عشرين يوما لمراجعة خمس وعشرين سنة من الدعوة كانت أطول أيام العمر؛ فإن ليل السجن وليل المرض طويل. استمر الاعتقال بعدها بالنسبة لي نحو السنة، خففه الله علينا بحسن استقبال إخواننا لنا، ثم بحسن صحبتهم، ولا شك أن إخوة الجماعة الإسلامية خصوصا الأخ "علاء الخولي" -حفظه الله- كانوا نعم العون لنا في هذه الفترة، جزاهم الله خيرا، وبرغم آلام هذه الفترة فقد كانت من أفضل أيام عمري، لا تفوقها إلا فترات الاعتكاف والحج والعمرة، وفيها لحظات لا نظير لها، نسأل الله أن يغفر لنا ويتقبل منا.

رموز المدرسة السلفية بالإسكندرية

يعود برهامي بالذاكرة ليستحضر تلك اللقاءات التي شكلت بدايات تعرفه على رموز السلفية فيقول: أول لقاء جمعني بفضيلة "الشيخ محمد إسماعيل" في دورة إعداد لمعسكر الجماعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية صيف عام 1977 بإستاد الجامعة، حيث درس لنا رسالة في الرد على جماعة التكفير الذين قتلوا الشيخ الذهبي في هذا العام، وأتذكر أنه الذي رشحني لعمل بحث عن قضية التأويل بين السلف والخلف والذي ضمه كتاب فضل الغني الحميد.
 
أما "الشيخ أحمد فريد" فأول لقاء معه كان في مسجد السلام بسيدي بشر، وكان يقيم بالمسجد وهو أول شيخ قابلته من شيوخ الدعوة، حيث كنت في الثانوية العامة، ثم كانت لنا اللقاءات الدافئة النافعة في توطيد أركان الأخوة بما لا تحققه غيرها وهي لقاءات المحن في مرتي الاعتقال الأولى عام 87 والثانية عام 2002، حيث وجدته في الزنزانة مع الشيخ "شريف الهواري"، حيث جدد لي الاعتقال بعد إخلاء السبيل من النيابة. ومن طرائف المرة الأولى، أننا أفرج عنا في يوم واحد، وكان ترحيلنا في يوم واحد، وكنا معا في "كلبش حديد واحد"، وكانت يد الشيخ رقيقة جدا فاستطاع تخليص يده من القيد الحديدي، وترك القيد في يدي وذلك في قسم ترحيلات (الخليفة).
 
وأما مسيرة العمل الدعوي فهي بفضل الله مليئة بالندوات واللقاءات المشتركة نفعنا الله بها، أما "الشيخ سعيد عبد العظيم" فكانت لقاءاتي معه في شقته فوق مسجد السلام أسبوعية، نتدارس المسائل الفقهية معا، ونبحث عما أُشكل علينا في الكتب، فكان ذلك من أكبر أسباب التقارب والتوافق والمعرفة الدقيقة لكل منا بالآخر، وفي صقل المعلومات وترجيح المسائل.
 
ثم كان الشيخ سعيد ولم يزل من أكثر المشايخ تحملا لمسئولية العمل الدعوي، والتواجد والتواصل مع الناس، والواقعية، والبذل والتضحية بالوقت والجهد من أجل استمرار الدعوة.
 
أما "الشيخ أحمد حطيبة" فهو رفيق العمر كما سبق أن ذكرت زمالتنا في المرحلة الثانوية، ولا يزال أقرب الإخوة إلى نفسي وعلاقتي به وحبي له لا أستطيع أن أحده.
 
وتبقى العلاقة بهؤلاء المشايخ الأفاضل وغيرهم، والذكريات المشتركة معهم مستعصية على أن تستوفيها كلمات سريعة كتلك، فهي رحلة عمر ورفقة طريق طويل تملؤه الآمال والآلام، والأفراح، والأتراح.
 
وأسأل الله تعالى كما جمعنا في الدنيا على طاعته أن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يجمعنا وإياكم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا والمسلمين والمسلمات في جنته

الحلقة الخامسة والأخيرة (5-5) تعليم البنات ثمنه باهظ ويمكن تحصيل المطلوب بالمنزل

في هذه الحلقة من شهادته يحكي الشيخ ياسر برهامي قصة زواجه التي يتناول من خلالها نظرته في تعليم المرأة وخروجها إلى المدرسة والجامعة وما يراه من أضرار للاختلاط ، ثم ينتقل إلى الحديث عن أولاده وما يتمناه لهما في المستقبل مشيرا إلى أنه يجتهد في أن يحقق لهم التوازن بين الجد واللعب، حسب ما يقتضيه سنهم، فلا يمنعهم من مباح ممكن، مع عدم التفريط في واجبات دينهم ودراستهم.

برهامي: لست ضد تعليم البنات

يقول الشيخ ياسر برهامي: تزوجت سـنة 1989ولزواجي قصة، فقد كان أخي الحبيب "الشيخ كمال عاشور" في الدفعة الأولى لـ"معهد الفرقان لإعداد الدعاة" الذي أسسته "السلفية" عام 86، والذي أغلق عام 94، وكان دائماً يوصلني بسيارته إلى الدرس الأسبوعي بمنطقة الدخيلة. وذات مرة سألني عن ابنته، أو بالأحرى ربيبته التي نجحت في الإعدادية بتفوق، وما الأمثل لها؟ استكمال الدراسة أم التفرغ لطلب العلم الشرعي؟ خصوصًا أن المشاكل كانت قد بدأت في ذلك التوقيت في التعامل مع الأخوات المنتقبات في المدارس. فقلت له: "إني أفضل للأخوات الملتزمات عدم استكمال الدراسة لما في المدارس والجامعات من اختلاط يفقد المرأة حياءها في الأغلب، فأنا أختار لها -إن هي وافقت- البقاءَ بالمنزل".
 
وأنا في الحقيقة لست ضد تعليم البنات، ولكني أرى الثمرة ضعيفة جداً، والثمنَ باهظاً، ويمكن تحصيل المطلوب بالمنزل، مع اختيار الأصلح من العلوم بدلاً من علوم أكثرها لا ينفع، وإنما يتعلمن لأجل الشهادات التي يحتجنها لا للعمل، بل للزواج نتيجة للأعراف الاجتماعية، ونسبة ضئيلة هي التي تستطيع أن تخدم المجتمع بضوابط شرعية، وهي موجودة - بحمد الله- كالطبيبة المسلمة، والمعلمة المسلمة.
 
ثم نسيت هذا الموضوع حوالي السنتين كان لي خلالها تجربة غير ناجحة في الزواج انتهت بالانفصال قبل الدخول. وبدأت أبحث من جديد فتذكرت النصيحة التي نصحت بها أخي "كمال" في شأن ربيبته، فسألته عنها وماذا صنعت؟ فأخبرني أنها عملت بالنصيحة بالفعل وتركت الدراسة. فقلت في نفسي: "هل أنصحها أنا بعدم استكمال الدراسة، ثم أبحث عن حاصلة على شهادة؟!"
 
وكنت متخوفاً من المستوى التحصيلي، وبالتالي حصول التفاهم بيننا، فطلبت من "الشيخ كمال" أن يطلب منها قراءة كتاب منة الرحمن، وعمل ملخص له من الذاكرة بعد قراءته، وفوجئت بمستوى رائع لم أكن أتوقعه، وظننت أنه منقول من الكتاب، ولكن تأكدت مشافهة من ذلك أنه من الذاكرة، فاطمأننت تماماً، وتوكلت على الله.

 من سيتزوج فتاة بالإعدادية؟

يستكمل د.ياسر قائلاً: تقدمت وعلمت أنها خاضت معركة - مع عمها وخالها- من أجل النقاب، ثم من أجل الدراسة، حيث أنها نشأت يتيمة، وتزوج "الشيخ كمال" والدتها - وهي بنت عمه- من أجل تربيتها، وقد أحسن تربيتها - جزاه الله خيراً-، لكن كان لعمها وخالها اعتراض على النقاب، ثم على ترك الدراسة، وقالوا لها: "من سيتزوج فتاة بالإعدادية؟" فلما تقدمت لها كان أمراً غريباً عليهم حتى حاول البعض عرقلة الزواج، لكنه تم - بفضل الله تعالى- وتأكدت أكثر أن الشهادات لا أثر لها في المستوى التحصيلي والعلمي، ولا في التفاهم، فهذه الأمور هبة من الله - تعالى- يمن بها على من يشاء من عباده، والحمد لله على نعمته.
 
وكنت قد تزوجت في جزء من شقة والدي - رحمه الله- لعدم وجود إمكانيات غير ذلك، فكان الأمر يحتاج إلى فقه في المعاملة، حتى لا تقع المشاكل التقليدية بين الأم وزوجة ابنها، لاسيما وقد كنت أقرب أولاد أمي إليها - رحمها الله-. وبحمد الله - تعالى- وفق الله زوجتي ووالدتي لما يحب ثم أُحِبُ من العلاقة الحميمة الوطيدة التي كانت تماماً كعلاقة الأم بابنتها لا بكَنـَّتِها.
 
وابتلانا الله - تعالى- بعدم الإنجاب أربع سنوات دون سبب ظاهر، فكانت من رحمة الله بنا لندرك بذلك أنواعاً من العبادات والدعوات، أرجو الله أن تكون سبباً في صلاح الأولاد. ثم كانت فترة التضييق على الدعوة منذ سـنـة 1994م، وبحمد الله كانت زوجتي دائماً سبباً في الطمأنينة داخل البيت، وعدم الاضطراب رغم كثرة المشاكل، وكذلك كانت خلال فترة الاعتقال سـنة 2002م، أسأل الله أن يديم علينا نعمته ومنته، وأن يجمعنا يوم القيامة في جنته.

الأولاد والتربية

ثم يتناول الشيخ الحديث عن أولاده فيقول: أنجبت ثلاثة أولاد: محمد 16 سنة، والحسين 13سنة، ومريم 7 سنوات.. محمد ابني الأكبر عمره 16 عاما في الصف الثاني الثانوي حفظ القرآن، وإن كنت أرجو له مزيد الإتقان فيه، وأرجو له أكثر صدق الالتزام، والعمل بالقرآن، وطلب العلم، والاجتهاد في العبادة، حتى يكون من العباد العاملين الدعاة إلى الله، وأدعو الله أن يوفقه لما فيه الخير له في دنياه وأخراه، فهو يريد أن يدخل كلية الطب، ولا ندري أين الخير، فأسأل الله له ولإخوته خير الدنيا والآخرة ما علمنا منه وما لم نعلم.
 
أما الحسين فعمره 13عاما في الصف الأول الإعدادي، أرجو الله له التوفيق في طاعته، وأن يعافيه مما يشغل عنها، وأن يوفقه في أن تكون اهتماماته في العلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصحبة الصالحة.
 
وأما الصغيرة مريم فسبع سنوات في الصف الأول الابتدائي الأزهري، مازالت زهرة بلا شوك، أسأل الله أن يحفظها، ويرزقها من فضله ورحمته عفة وحياءً وحباً لله ورسوله. وملخص ما أرجوه لهم ما قاله أخونا الشاعر عثمان على لساني في المعتقل:
 
محمد يا بني دعوت ربـــي
 
بأن تهدى وبالتقـوى تحـــف
 
سلامي للحسين من فؤادي
 
سلام من فؤاد لــــه يــــــرف
 
دعوت الله أن تحيى سعيدا
 
مقيما في الصـــلاح وما تكف
 
فبحر الحب للأبناء جــــــار
 
فما يخفى الــــوداد وما يجف
 
مريم ابنتي نور العيــــــون
 
لها مني نصـيحة لـم تـــــزف
 
أذكرها الحياء مع العفـــاف
 
وأرجـــــــوها عن الدنيا تعف
 
 بشكل عام فأنا أحاول أن أحقق لهم التوازن بين الجد واللعب، حسب ما يقتضيه سنهم، فلا أمنعهم من مباح ممكن، مع عدم التفريط في واجبات دينهم ودراستهم. وإن كان الأمر ليس سهلاً، ولكني أحاول استيعاب الموقف خاصة مع كثرة الممنوعات لدينا، والتي لا نستطيع أن نفرط فيها، فلا يوجد لدينا تليفزيون، ولكن يوجد كمبيوتر، ولا يمكن السماح بالسينما ولا بالشواطئ في فترات الازدحام والصيف والاختلاط والمنكر.
 
 ولكن توجد رحلة سنوية للإجازة، ورحلات أسمح بها مع زملائهم ومدارسهم، وهم يلعبون بالمنزل فهذه طاولة الصالون والنجفة مكسرة من لعب الكرة

بشكل عام فأنا أحاول أن أحقق لهم التوازن بين الجد واللعب، حسب ما يقتضيه سنهم، فلا أمنعهم من مباح ممكن، مع عدم التفريط في واجبات دينهم ودراستهم. وإن كان الأمر ليس سهلاً، ولكني أحاول استيعاب الموقف خاصة مع كثرة الممنوعات لدينا، والتي لا نستطيع أن نفرط فيها، فلا يوجد لدينا تليفزيون، ولكن يوجد كمبيوتر، ولا يمكن السماح بالسينما ولا بالشواطئ في فترات الازدحام والصيف والاختلاط والمنكر.
 
 ولكن توجد رحلة سنوية للإجازة، ورحلات أسمح بها مع زملائهم ومدارسهم، وهم يلعبون بالمنزل فهذه طاولة الصالون والنجفة مكسرة من لعب الكرة، وأمهم حزينة لذلك، ومع ذلك لابد لهم من اللعب.  وكثير من الإخوة يطلب أن يكون أبناء الشيوخ وأبناؤهم أيضا مثاليين بلا أخطاء، بل وبلا لهو ولعب!، كيف والمجتمع يؤثر فيهم أكثر مما نؤثر نحن؟، فالتوازن والواقعية في التربية أمر لابد منه. وفي البداية والنهاية الدعاء والتضرع إلى الله أن يكونوا صالحين من أهل الجنة.
 
 الولد والمراهقة
 
 مرحلة المراهقة مرحلة حساسة جدا وتعاملي مع الأولاد فيها أجتهد فيه أن أبتعد عن العنف، ومحاولة الدفع غير المباشر إلى صحبة صالحة بعيدا عن أصدقاء السوء، مع التوازن والواقعية كما ذكرتهما في الإجابة السابقة، والتي يدل عليهما قول عائشة - رضي الله عنها- : (فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ).
 
 ثم إن التربية بالحب وتنميته بالمشاعر الصادقة بين الطرفين هو أعظم أهمية من التوجيه المباشر والنصيحة الجافة التي يسديها البعض لأولادهم كأوامر عسكرية من قائد لجنوده في حالة حرب وطوارئ مستمرة، تجعل المنزل عند الأولاد كمعتقل يلزم الفرار منه، أرجو من الله أن أنجح.
 
 وهناك سلسة شرائط "كيف نفهم المراهقين" للشيخ محمد إسماعيل، في فن التعامل مع المراهقين، وكتاب الشيخ سعيد عبد العظيم "الإشكالية المعاصرة في تربية الطفل المسلم" يمكن الرجوع إليهما.
 
 صداقة الأب
 
 وهنا يتناول الشيخ ياسر برهامي الحديث عن والده، فيقول: حب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم- وحب دينه فطرة إنسانية في قلب كل منا، غذَّاها الوالد - رحمه الله- وتوجيهه للأسرة كلها نحو الالتزام بالدين، ثم كان الوالد - رحمه الله- صديقاً لي لاسيما حيث كانت شدته التي عـُرف بها قد خفت أو زالت بتقدم السن، وكنت أنا أصغر إخوتي فانتفعت جدا بمصاحبته. وأنا قد اخترت استعمال لفظ الصديق إرشادا للآباء، فإن هذه الصداقة والمصاحبة لها أعظم الأثر في تكوين شخصية الابن.
 
 ورغم أنه بسبب ما مر به من محن كان متحفظاً على بعض صور الالتزام، لكن كان يعوض هذا التحفظ جرأة الوالدة - رحمها الله- في هذا الجانب، وحبها الشديد الذي كان مؤيداً لي على طول الطريق.
 
 وعلى سبيل المثال فصلاة الفجر في المسجد لم يكن يعرفها في ذلك الزمن إلا من خرج على المعاش، وربما بلغ السبعين، وأتذكر حينما كنت أدخل المسجد لصلاة الفجر لم يكن يصلي إلا حوالي الخمسة أو الستة سنهم من 60-80 سنة، فكان الوالد متحفظا على صلاة الفجر في المسجد خوفا علي، حيث أنه كان في تلك الأيام من يفعل ذلك يعدُ رجعيا على اصطلاح ذلك الزمان، ولكن سرعان ما أصبح هو يصلي الفجر في المسجد، ويوقظني إذا تأخرت وكذا الوالدة والحمد لله. وكذا قضية اللحية، اعترض أولاً، ثم أطلق لحيته بعد ذلك، فكان اعتراض الوالد لا يصل إلى حد الغضب أو الخصام أو حتى التعنيف -والحمد لله-.
 
 كان الوالد -رحمه الله- يقبل كل ما نقول له بالدليل، ولا أعلمه مات إلا على عقيدة السلف - رحمه الله-، ولا يزال عمي - حفظه الله- إذا وقع له أمر يحتاج فيه إلى سؤال أو مشورة يقبل ما نقوله له بالدليل، فالمنهج السلفي منهج الكتاب والسنة، وعدم التقليد والتعصب الأعمى مع حب الدين والانتصار له والعمل به ومن أجله، ولا أظن أحداً يخالف في ذلك من جهة المبدأ -فالحمد لله-.
 
 شقيقتي الدكتورة سناء -رحمها الله- كانت هي وأخرى الطالبتين الوحيدتين المحجبتين في الكلية -حجابا ليس بالشرعي في الحقيقة- ولكنه كان طفرة هائلة في ذلك الوقت- ثم كانت هداية الله -سبحانه وتعالى- قبل هذه الأسباب وبعدها. فالحمد لله.

أخبار ذات صلة

وعند تناول شيخنا الكريم تفسير قوله سبحانه فى "الفاتحة": "اهدنا الصراط ‏المستقيم" يقول: "بعد أن آمنتَ بالله سبحانه وتعالى إلهًا وربًّا و ... المزيد

ذكر الموقع الإلكتروني لصحيفة "هآرتس" العبرية، الخميس، أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابنيت&q ... المزيد

اسمه ونسبه:

جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر المزيد

توفي، الأربعاء، العلامة البارز أبو بكر الجزائري، المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وال المزيد

قال حساب معتقلي الرأي المختص بمتابعة أخبار المعتقلين في السعودية إن الداعية السعودي سليمان الدويش "قتل تح ... المزيد

تعليقات