البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

زعيم الجماعة الإسلامية "كرم زهدي"… وجه آخر لـ”مسرحي الإسلاميين”

المحتوي الرئيسي


زعيم الجماعة الإسلامية
  • ماهر الشيال
    11/02/2021 05:57

“أود أن أُخرِج هذا النص يا أستاذ حامد”

لم يكن الأمر مُفاجِئًا للمخرج المسرحي حامد الداقوفي، صاحب التجربة العريضة الذي تتلمذ على يديه عدد من كبار الفنانين، فتلميذه “كرم”، الذي لم يبلغ العشرين بعد، كان قد أعرب له غير مرة عن رغبته في خوض تجربة الإخراج المسرحي.

 

بحثه عن نص مسرحي يستطيع من خلاله أن يبرهن على قدراته الفنية في هذا المجال لم ينقطع، إلى أن اهتدى لهذا النص المسرحي: “صوت مصر” للرائع “ألفريد فرج”، مسرحية من فصل واحد تدور أحداثها في فترة العدوان الثلاثي على مصر.

 

رأى كرم زهدي أن النص بعباراته الحماسية المباشرة من الممكن أن يصنع حالة تستنهض الهمم وتستلهم روح النضال من أجل استعادة الكرامة بعد مرور سنوات على الهزيمة. كان العام هو “عام الحسم” كما أسماه الرئيس “السادات”، وكان الفتى قد شارك بالتمثيل في عدة أعمال قدمها المخرج “حامد الداقوفى” على خشبة المسرح القومي بمدينة المنيا، أولها مسرحية بعنوان “البريئة”، تتناول قسوة العادات والتقاليد فيما يخص الإناث في الصعيد، وتعرِض قضية القتل بالشبهة دون التثبت، والتي راح ضحيتها عدد كبير من فتيات الصعيد.

 

استمر اهتمام “كرم” بالمسرح حتى بعد تخرجه في معهد التعاون الزراعي بأسيوط، وعندما عاد إلى المنيا كوَّن فرقة مسرحية بنادي الزراعيين وتولى شؤونها، وأخرج عدة أعمال مسرحية، واستمر نشاطه الفني إلى عام 1977، حين صُدم بزيارة “السادات” المفاجئة إلى القدس.

 

“إلى الابن العزيز (كرم) مع تمنياتي بالنجاح والتوفيق”… جمال عبد الناصر

لسنوات طويلة احتفظ “زهدي” بهذه الصورة التي حملت هذا الإهداء واعتبرها أغلى مقتنياته، فطالما اعتبر نفسه، وهو المولود في يوليو 1952، ابنا للثورة التي انحازت للبسطاء، وأعادت للمصريين الأمل في مستقبل يملكون فيه مقدرات وطنهم، وينعمون بخيراته.

 

لا ينسى الفتى تلك القصائد التي كان ينظمها والده متغنيا فيها بالثورة وإنجازاتها الكبيرة، كما لا ينسى قصائده الأخرى بالغة العذوبة المتوهجة بالعواطف والرومانسية التي كان يسمعها فتحلق به في عوالم السحر والخيال.

 

صاغت شخصية الوالد، مُعلِّم التربية الرياضية الشاعر المتدين المولع بالفنون والآداب، شخصية “كرم زهدي”، على نحو جعله يندفع لاكتشاف كافة جوانب الحياة بنفسه دون وجل.. كان الأب ممّن يؤمنون بأن “التجربة خير مُعلم”، فاحتفظ بعلاقة صداقة مع الابن تُتيح له التعرّف على ما يشغله من أنشطة واهتمامات، فلم يتوقف عند انهماك ابنه المفاجئ في حضور الدروس الدينية والندوات، لأنه كان إلى جانب ذلك ما زال يمارس النشاط الفني، كما زاد اهتمامه بالمسرح، وتعلّق بالسينما التي رأى فيها أداة أكثر جاذبية وأوسع انتشارا وأكبر تأثيرا.

 

الاهتمام بالأنشطة الكشفية والتميز فيها جعل “كرم” ممن يُشار إليهم بالبنان كأحد رواد هذا العمل بالمرحلة الثانوية، وبمجرد التحاقه بالمعهد، وقع عليه الاختيار ليكون مسؤولا عن تنظيم معسكر كشفي كبير يُشارك فيه الشباب المنتمي للتيار الإسلامي بجامعة أسيوط. لقد وجهت له الدعوة من صديق شاركه في السكن بالمدينة الجامعية هو الدكتور “عبد العال عبد الواحد”، وقد عاونه في إنجاز المهمة صديق يدعى “محيي الدين”، تعرّف إليه في المسجد القريب من منزله الذي كان يؤمّه صلواته.

 

حضر “زهدي” المعسكر من بدايته إلى نهايته، مُشرفاً ومُوجهاً يحظى باحترام الجميع وتقديرهم برغم حداثة سنه، مما أثّر فيه كثيراً من الناحية الوجدانية، خاصة بعد أن ناله تقدير كبير من عميد كلية الهندسة الذي شارك في المعسكر، وهو رجل معروف بالتدين والتواضع ودماثة الخلق.

 

من الواضح أن “زهدي” بحركيته ونشاطه كان ممّن وقع عليهم الاختيار لاستمالتهم إلى جانب التيار الإسلامي، الذي كان يخوض حربا ضد اليساريين في كل جامعات مصر.

 

لإنضاج “زهدي” كان لا بد من افتعال مواجهة ما تُدخله في “أجواء المباراة”، فعندما تصادف وجوده مع صديقه “محيي الدين” بمسجد “اللمطي” المعروف بمدينة المنيا، دخل الصديق في نقاش حاد مع إمام المسجد حول “إسلامية الدولة”، حيث دلل الأخ “محيي” على عدم إسلامية الدولة بما حدث أثناء زيارة الرئيس السادات وقرينته إلى باريس، حين قبَّل واحد وعشرون وزيرا فرنسيا يد السيدة الأولى خلال مراسم الاستقبال الرسمي.

 

فوجئ “كرم” بحضور مفتش الأوقاف للنقاش، مرتديا الزي الأزهري، ومع تصاعد حدة الخلاف قام المفتش بإبلاغ الأمن، فتم إرسال قوة اصطحبت المتخاصمين إلى قسم الشرطة ومنه إلى مقر أمني آخر، وهناك تم تسوية الأمر على أن تُعقد مناظرة بين الطرفين حول الموضوع، وانصرف الجميع بعد أن كاد أحد المحامين أن يفسد الأمر، ولم يتبين صاحبنا أن الأمر كان مُدبرا حتى بعد أن انتهى أمر المناظرة إلى النسيان.

 

بطريقة التحريم التدريجي المعروفة بدأ التعامل مع “زهدي” بشأن مسألة الفن الذي يعشقه:

 

“لا مانع من حضور الأفلام مع ضرورة التحرز من رؤية المشاهد المخلة بالآداب”…

“لا يجب أن يهدر المسلم الملتزم وقته فيما لا يفيد، خاصة إذا كان ممن يتلمسون طريق العلم الشرعي”…

“الفن من الممكن أن يكون وسيلة لتقديم رسالة سامية، إلا أن مجاله يعج بالمخالفات الشرعية، كما أن غالبية المشتغلين به من غير الملتزمين”…

“الفن باب من أبواب الفتن”…

“هل ما زال لديك شك –يا أخ كرم- في حرمة هذا الأمر”.

ولإنجاز الأمر على النحو المرجو كان لا بد للشاب النابه من رحلة عمل إلى المملكة العربية السعودية، يرتبط فيها بالتيار على نحو أوثق، حتى إذا عاد كان مستعدا للعمل مع أقرانه على نشر الدعوة في أوساط الشباب، خاصة فيما يتعلق بـ”الدعوة إلى الجهاد” في أفغانستان ضد قوى الكفر والإلحاد، متمثلة في الاحتلال السوفييتي.

 

عقب انتفاضة يناير 1977، تجدّد الصدام بين الإسلاميين وقوى اليسار، بسبب اتهامات تتعلق باستغلال الزخم الجماهيري -الذي اعتبره التيار الديني نتاج عمله على الأرض- من جانب اليسار، والذي شارك شبابه وبعض رموزه في الانتفاضة الشعبية.

 

في تلك الفترة بلغت تجاوزات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي كوّنها الشباب، حدا يدعو إلى القلق، لكن تعامل الأجهزة الأمنية بأسلوب بالغ الرقة، جعلهم يتمادون، وكان “كرم” يحاول ردهم لكن الأمور كانت قد تجاوزت الحد.

 

ومع تدريس “في ظلال القرآن” و”معالم في الطريق” و”جاهلية القرن العشرين” وكتب أبي الأعلى المودودي للشباب في الدروس واللقاءات، تعالت دعاوى معاداة الدولة للإسلام، وتم تكفير نظام الرئيس “السادات” بموالاته لليهود، وعدم تطبيقه شرع الله، فكان لا بد أن ينقلب السحر على الساحر، ليبدأ هؤلاء الشباب في البحث عمّن يفتي لهم بكفر “السادات” واستحلال دمه.

 

وجد الشباب ضالتهم في الشيخ عمر عبد الرحمن، الذي أفتى لهم بما أرادوا، فكان ما كان عند المنصة.

 

تصاعدت وتيرة الأحداث بعد اغتيال “السادات” وما تلاها من أحداث في أسيوط، واُلقي القبض على كرم زهدي وجاء ترتيبه السادس في لائحة الاتهام، ليقضي أكثر من عشرين سنة في المعتقل بسبب تلك الأفكار التي كانت سببًا مباشرا في إراقة دماء أكثر من ألف فرد من رجال الأمن ونحو ألفين من شباب التيار الإسلامي تم التغرير بهم ليذهبوا ضحية اللعب بالنار دون حساب للعواقب، وهم ممّن تم استخدامهم لمواجهة اليسار في الجامعات فإذا بهم ينقلبون على النظام الذي صنعهم، فيُطيحون برأسه بعد أن خرج الأمر عن السيطرة.

 

“لقد جئنا إليكم يسبقنا الشوق للقائكم، وكم هي جميلة ومؤثرة تلك هذه اللحظات التي نلتقيكم فيها، ونحن نعرف أننا لسنا في نزهة خلوية لنتسامر معا، ولكننا جئنا هنا لنُصحِّح أوضاعا كانت خاطئة… كان الأمر صعبا علينا، ونحن نعرف أن الأمر صعب عليكم، ولكن لا بد من خوضه، ولم يكن ثمة خيار، ولكن لا بد من إيصال الحق مهما كان مُراً… ونحن نعرف أنكم ستقولون للحق سمعا… فلله درّكم جميعا… إننا جئنا إلى هنا لتعظيم حرمات الله وإنهاء مسلسل البكاء والعويل ووقف نزيف الدماء… ما أردنا إلا الحق، فالحق بُغيتنا ومرادنا، ولم تعد الدنيا تُمثل عندنا شيئا بعد أن قضينا في السجون اثنين وعشرين سنة، فمنْ رضي فله الرضا ومنْ سخط فله السخط… إن المبادرة لا تعنى إهدارا لفضل الصالحين من أبناء الجماعة الإسلامية، ولكنها حفظا لفضلهم وصونا لعطائهم، وهى لا تعنى الإساءة لأحد من أبنائنا، فلكل الإخوة، أحياء وأموات، كل حب وود وكل دعاء بالخير والعافية، فما جئنا إلى هنا لنُسِيء لأحد ولكن لنبدأ صفحة جديدة بيضاء نقية مع الجميع”.

بهذه الكلمات خاطب “كرم زهدي”، الذي دخل منذ عامين في مشاكل صحية شديدة عقب إصابته بجلطة في المخ حتى توفي أمس (10 فبراير 2021) بمدينة الإسكندرية، جموع المعتقلين من شباب الجماعات الإسلامية، وكان عددهم يربو على الثلاثة آلاف.

 

أوضح لهم ما تم بشأن المراجعات الفقهية التي قام بها مع عدد من قادة الجماعة، وأثمرت عن سبع كتب عُرفت بعد ذلك بـ”سلسلة المراجعات وتصحيح المفاهيم”.

 

في صيف 2003، خرج “كرم زهدي” للحياة مُجددا، ليعمل على تفنيد كل دعاوى العنف والتأصيل للعمل السلمي في نشر الدعوة بالحسنى، وقد شنَّ دعاة العنف من قيادات الجماعة الإسلامية حرباً شديدة على “زهدي” متهمين إياه بالعمل لحساب الأجهزة الأمنية.

 

أمّا هو فقد دعاهم إلى خدمة الوطن، كل في مجاله.. كان الشيخ قد عمل على وضع برنامج متكامل للنهوض بمصر من خلال الارتقاء بالزراعة والصناعة والتجارة من منظور إسلامي.

 

لم ينقطع الجدل حول “كرم زهدي”، خاصة بعد ثورة يناير ومحاولات قيادات الجماعة استغلال الحراك للظهور من جديد بالتحالف مع جماعة الإخوان.

 

وكان “زهدي” ممّن خالف هذا النهج فنال نصيبه من الاتهامات مُجددا، خاصة عندما دعا جماعة الإخوان ومنْ تحالف معها من فصائل التيار الإسلامي إلى حقن الدماء عقب الإطاحة بالرئيس السابق، محمد مرسي، وكان يقول:

 

“إن هذه الدماء التي تُراق أغلى عند الله من هذا الكرسي الذي تطلبون”.

 

*المصدر: "مؤسسة ذات مصر" مؤسسة بحثية وإعلامية تسعى للمساهمة في رفعة الوطن وإعادة الروح للذات المصرية والعربية، يرئس مجلس إرداتها الكاتب الصحفى والباحث المصرى صلاح الدين حسن"

 

 

أخبار ذات صلة

 أفادت دراسة أمريكية بأن ما لا يقل عن 570 ألفا من أفراد أقلية الإيغور المسلمة أرغموا على العمل في حصاد القطن في شينجيانغ في شمال غرب المزيد

في أول ظهور له منذ اعتقاله خلال شهر آب/ أغسطس الماضي، قررت محكمة مصرية تأجيل إعادة إجراءات محاكمة القائم بأعمال المرشد ... المزيد

رغم التوسع في عمليات رصد وتحليل الحالة الجهادية ومسارات التطرف حول العالم، ورغم الاهتمام الشديد لدى مجتمع الباحثين وصناع القرار بشأن تتبع تجوال عدوى ا ... المزيد