البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

ريان ...الطفل الذي حرَّك المشاعر وأبكى الملايين

المحتوي الرئيسي


ريان ...الطفل الذي حرَّك المشاعر وأبكى الملايين
  • م. أحمد الشحات
    06/02/2022 07:19

#ريان طفل مغربي لم يتجاوز عمره خمس سنوات، خرج من منزله ليلهو ويلعب بجوار المنزل كما هو معتاد، ولكن يقدر الله في هذه المرة أن يسقط في بئر عميقة تصل إلى ثلاثين مترًا.

اجتمع المتطوعون وتداعت فرق الإنقاذ المتخصصة لتدرس كيف يمكن إخراج هذا الطفل من قاع هذه البئر العميقة، خاصة وأن الأجهزة بينت أنه ما زال يتنفس، وما زال قلبه الصغير ينبض بالحياة.

ثلاثة أيام متوالية وفرق الإنقاذ تسابق الزمن من أجل الوصول إلى الطفل واستخراجه حيا على قدر المستطاع، أو ميتًا -لا قدر الله-، خاصة وأن المهمة معقدة جداً من الناحية الهندسية، ونسبة النجاة منها ضعيفة حيث لا طعام ولا شراب ولا حركة طوال هذه المدة.

وبعد جهود مضنية تمكنت فرق الإنقاذ -بفضل الله تعالى- من الوصول إلى الطفل وإخراجه من البئر حيًا، وبعدها بفترة مات ريان!! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا الحدث جليل القدر، عظيم الفوائد، تراودني رغبة عارمة أن أكتبه في رواية واقعية يبقى نفعها ويمتد أثرها، فرب قلب غافل أو إنسان لاهٍ لا تحركه الأدلة والبراهين ولكن يحركه موقف أو حادثة أو كلمة، وأنت لا تدري متى يتيقظ القلب، ومتى يشع فيه نور الإيمان، فاللهم اهدنا وسددنا، وهيء لنا من أمرنا رشدًا.

(1) ألقوه في غيابة الجب

قص الله علينا قصة يوسف -عليه السلام- بتمامها في سورة واحدة تحمل اسمه الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وسورة يوسف ليست كأي سورة، فأنت لا تملك أمامها إلا أن تنصت وتستمع وتتأمل.

قصة عجيبة حقًا، إذا قرأتها لأول مرة حاصرتك الأسئلة وتغلبت عليك الدهشة.

ما هذا الكم من الكراهية والحقد في نفوس إخوة يوسف؟!

هل هذا فعلاً محتمل في دنيا البشر؟!

كيف، ومتى، ولِـمَ تكوَّن هذا الغل؟!

هل النفس الإنسانية قابلة لأن تكون وعاءً للشر بهذه الطريقة كما هي وعاء للخير عند آخرين؟!

ما ذنب يوسف، وهو الطفل الذي لا يفهم ما معنى المؤامرة فضلا عن أن يعرف فيما يدبرون له بليل؟!

يوسف خرج كأي طفل يفرح بالخروج للنزهة من أجل اللهو واللعب، وهم ما أخرجوه إلا ليتخلصوا منه؟!

عصبة من الرجال الأشداء يجتمعون على قتل طفل هو أخوهم الصغير!! يا الله.. كيف تجرؤوا على ذلك؟!

خاصة وأنهم يعلمون علم اليقين أن هذه المؤامرة ستؤول في نهاية المطاف إلى ضياع يوسف وربما أدت إلى هلاك أبيهم؛ فهو لا يصبر على فراقه لحظة فكيف يتحمل سماع خبر وفاته؟ بل لن يرى جثته؛ لأنهم قالوا له أكله الذئب، ولم يتبقَّ من رفاته إلا بقعة من الدم على قميصه الذي كان يرتديه، ألم فوق الوصف، ومرارة فوق الاحتمال!!

أسئلة كثيرة للغاية لكنك تجد إجابتها داخل السورة فيطمئن قلبك وتسلو نفسك، وتستوعب حوادث الحياة المؤلمة التي يظهر فيها إجرام بعض النفوس المنحطة، مثل من يفعل كذا وكذا من الجرائم والموبقات، أو مثل غيرها من الحوادث القدرية المحضة التي تمتلئ بها صفحات الحوادث كل يوم.

بعد فهم القصة تستطيع -بفضل الله- أن تستقبل البلاء بنفس راضية رغم ألم البلاء ومرارته.

بعد فهم القصة تعرف لماذا اصطفى الله الأنبياء وفضلهم وأعلى منازلهم، ولماذا أضل الله إبليس وأغواه، ليس ظلما ولا انحيازا، بل هو مقتضى العدل الإلهي.

الطفل #ريان وجد نفسه فجأة وبلا مقدمات في قعر بئر عميق وسط العتمة والجوع والألم، لا يعرف كيف سقط ولا كيف سيخرج، وما هو مصيره بعد هذا السقوط، حنينه إلى أمه، احتياجه إلى أبيه، شريط من الذكريات والأماني والأحلام من المؤكد أنه مر أمام ناظريه ودار في مخيلته، ولكن رغم كل الألم فإن الله رحيم.

رحيم بلا حدود يتصورها الذهن البشري، وعندما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبين لنا صفة الرحمة قال لنا: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ».

تأمل!! يتراحم بها الخلق كلهم، ليس الإنسان فقط، وليس البشر في هذا العالم فقط، بل المخلوقات بما فيها الجن والإنس والطير والحيوان من لدن آدم -عليه السلام- وحتى قيام الساعة.

كل هذا جزء واحد فقط، والتسعة وتسعون جزءًا عند ربك الرحيم الودود اللطيف الحنان.

البعض فينا قد يتصور أن الحنان والرحمة التي أودعها الله في قلب أمه فقط تسع العالم أجمع، فتخيل أن هذه الأم مخلوق واحد فقط من بلايين بلايين المخلوقات التي نعلمها والتي لا نعلمها.. يا الله.. كم أحبك ربي!!

فرغم قسوة الحدث وشدة الموقف الذي وقع فيه ريان إلا أن الله سخر قلوب العالم للتعاطف معه، وجعل الأفئدة تخفق بالدعاء له، واستخرج الله من هذه القلوب أنواعًا شتى من الأعمال والعبادات التي يحبها الله ويرضى بها عن عباده.

نترك ريان ونعود ليوسف -عليه السلام- الذي سقط في البئر غدرًا وخيانة، لم يسقط بنفسه وهو يلعب ولكن أسقطه إخوته عمدًا مع سبق الإصرار والعزم على قتله أو طرحه أرضاً.

صدمة عنيفة أن تأتي سكين الغدر ممن تلتحف به وتظن فيه الحماية والدفء، خرج يوسف مع أخوته كما يخرج الأخ الصغير مع عصبة من إخوته الكبار في كامل السكينة والطمأنينة والأمن، فمن ذا الذي يفكر في الاقتراب منه أو إيذائه بأي نوع من الأذى وهو في حماية نفر من الرجال الأشداء، وهذا المعنى هو الذي ألزموا به أباهم ليحتجوا عليه في خوفه عليه من أن يأكله الذئب في غفلة عنهم، فقالوا له: {لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ}.

مشهد إلقاء يوسف في البئر أشد قسوة وألماً من سقوط ريان في البئر، تخيل أنك طفل صغير تخرج مع إخوتك الكبار في سعادة غامرة باللعب والنزهة، وفجأة بلا مقدمات يجتمعون عليك ليلقوك في البئر!!

إن الذي يفوق ألم الجوع والبرد والخوف في جوف البئر، هو ألم مرارة الغدر والخيانة، لماذا فعل معه إخوته ذلك، وما الجرم الذي ارتكبه -وهو طفل صغير- من أجل أن يفعلوا معه ذلك؟!

لاشك أنها أوقات قاسية حجب الله عنا تفاصيلها إلا أنه أجملها بقوله -عز وجل-: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، وبعيداً عن الاختلاف في تفسير الوحي في هذه الآية، إلا أن المعنى الكامن فيه هو معنى الرحمة والتثبيت من الله لهذا الطفل الصغير في هذا الموقف العصيب، وهي نفس الرحمة التي يسكن الله بها أفئدة المؤمنين في المواقف العصيبة، سواء كانت عن طريق الوحي كما أنزل الله ملك الجبال على النبي -صلى الله عليه وسلم- عقيب موقف الطائف، وكما ألقى الله السكينة في قلوب الصحابة في صلح الحديبية فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}، وغيرها من المواقف التي تكون فيها رحمة الله بلسمًا وشفاءً وراحة وطمأنينة يخفف الله بها عن عبده معاناة الألم وقسوة الوجع.

جاء #ريان ليذكرنا بيوسف -عليه السلام-، ويجعلنا نتأمل فيما عاناه من بلاء وأذى صبر عليه فمكَّن الله له بعد ذلك في الأرض، قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.

قدر الله الأسباب لريان من أجل إنقاذه، كما دبر ليوسف قافلة تمر في الصحراء لتلتقط هذا الغلام وتنتشله من ضيق البئر إلى رحابة القصر، ومن ألم الجُبِّ إلى نعيم العيش في بيت الوزير الذي قرر أن يعامله معاملة الولد. ويبقى أن في كل موقف من هذه المواقف خير كامن ورحمة غامرة تعم الجميع رغم ما يبدو فيها من ألم ظاهر أو معاناة معلنة، ولكنها والله رحمات تلو رحمات لمن تأملها ودقق النظر فيها، فالله -عز وجل- هو أرحم الراحمين، وهو الذي رحمته وسعت كل شيء.

فثق بربك فإنه ما آلمك إلا ليخفف عنك، وما ضيَّق عليك إلا ليوسَّع لك، وما أشقاك إلا ليُسعدك، وما حرمك إلا ليتفضَّل عليك، وما ابتلاك إلا لأنه يحبك، فارضَ بالله حكمًا مدبرًا كما رضيت به خالقًا رازقا محيِيًا مميتًا.

 

(2) الله أخرجكم من بطون أمهاتكم

مشهد سقوط ريان في البئر واحتباسه في جوفه، يذكرنا بنشأتنا جميعاً، كيف خلقنا الله في أرحام أمهاتنا من تلقيح بويضة بحيوان منوي، وكيف انتقلت هذه البويضة الملقحة من كونها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظام عارية ثم عظام مكسوة باللحم، وانتظار في رحم الأم لمدة تسعة أشهر إلى أن يحين وقت الخروج من رحم الأم إلى زخم الحياة.

هذه الدورة التي يمر بها كل إنسان على ظهر الأرض، وباقي الحيوانات لها دورة حياة مشابهة، تذكرنا دائما بالحجم الحقيقي للإنسان قبل أن يجتاله الشيطان فيلبس عليه أمره وينسيه كيف كان أصله ونشأته، قبل أن يصير شابا فتيًّا مفتول العضلات فيغتر بهذه القوة الزائفة، وينسى كيف كان أصله، وقبل أن يرزقه الله من الأموال والكنوز فيقول: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}، وقبل أن يغتر بصعوده إلى الفضاء ونزوله تحت الماء فيقول كما جاء على لسان أحد المخذولين: إن الإله مات في عصر العلم، ونسي أن فوق كل ذي علم عليم، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا.

نعود إلى الجنين.. ماذا لو حدث أي خلل في دورة حياة هذا الطفل الحبيس في جوف الأم، خلل في التنفس، في النبض، في الطعام، في أي شيء يحتاجه هذا الجنين؟

النتيجة قطعاً ويقيناً غير سارة، فإما ضمور في أي جهاز من هذه الأجهزة، أو ربما يصل الأمر إلى الوفاة داخل بطن الأم أو يخرج ثم يموت بعدها، المهم أن كل شيء فيما يخص الجنين مقدَّر ومحسوب بدقة متناهية، لا يملك العلم الحديث معها سوى المراقبة ومتابعة ما يجري.

فلا الأم ولا الأب ولا الطبيب يتولى إطعام الجنين أو سقياه، ولكن الله هيأ له الظروف ليصل إليه كل شيء جاهزاً، وهذا يجعلك كامل اليقين في رزق الله لك وشفائه إياك بعد أن تكبر وتتمكن من أن تأكل وتشرب دون مساعدة من أحد، ولكن يبقى لسانك وقلبك مرددا قوله -تعالى-: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}.

احتباس ريان في قعر البئر يذكرنا باحتباسنا الأول في بطون أمهاتنا ثم خروجنا إلى الدنيا، كما أنه يذكرنا كذلك باحتباسنا مرة أخرى في قبورنا، ثم خروجنا إلى الجزاء والحساب يوم القيامة، لذلك ذكرنا القرآن بحقيقة بدايتنا فقال: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}.

وتأمل في هذا التنبيه {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}، رغم أنه لا يوجد عاقل على وجه الأرض يدعي أنه ولد عالماً أو أنه لم يحتج إلى معلم، ولكنها تذكرة للنفس البشرية حتى لا يتملكها الغرور في غفلة منها عن حقائق الأمور، فتدعي العلم المطلق فتنسب الفضل إليها، وتنسى فضل وليِّ النِّعَم -جل وعلا-.

ترقبوا باقي فصول الرواية:

- القتل الرحيم.

- واعلم أن الأمة لو اجتمعت.

- وأصبح فؤاد أم موسى فارغا.

- إن الله كان بكم رحيما.

- حتى إذا استيئس الرسل.

- أينما تكونوا يدرككم الموت.

- ذلك لتعلموا أن الله على كل شيء قدير.

- الإلحاد المعاصر يحتضر ولكنها حلاوة الروح.

- بالصبر يعلو القدر.

- حكمة وجود البلاء.

- فلولا أنه كان من المسبحين.

- فلبثوا في كهفهم.

- آواهم المبيت إلى غار.

- أطفال منسيون.

 

أخبار ذات صلة

مع ما كان يعتصر القلوب من آلام الأسى على مصير الطفل المغربي الشهير (ريان)  الذي كتب الله له الحياة الأبدية بدل نجاة في فانية.. برجائنا في رحمته التي وسع ... المزيد

ظاهرة ضرب الأزواج للزوجات تعتبر من الظواهر الشائعة للأسف ا ... المزيد

الحمد لله وحده وبعد.

كتبتُ بالأمس منشورًا فكرته: الشكوى التي تغم ويمكنك كتمها فمن المروءة أن لا ترهق غيرك بها، خاصة إذا لم يكن بيده ... المزيد

يا حمادة: هل أنت شاذ؟!

حمادة: أعوذ بالله لست شاذاً ولا بحبهم ولا بطيق اسمع سيرتهم!

المزيد