البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

ديكتاتور الفلبين "فرديناند ماركوس"

المحتوي الرئيسي


ديكتاتور الفلبين
  • محمد يوسف عدس
    12/07/2015 08:36

من بذور الشر تَنْبُتُ الشجرة الخبيثة :
 
كان أول ما لفت انتباه الرأي العام إلى فرديناند ماركوس حادثة اغتيال مرشح منافس لأبيه في انتخابات برلمانية أجريت سنة 1939م ، وكان ماركوس في ذلك الوقت لا يزال في الثانية والعشرين من عمره ، حديث التخرج بعد أن أكمل دراسته القانونية بالجامعة.. اتهمت عائلة القتيل فرديناند نفسه باغتيال الرجل ، وكانت الأدلة كلها ضده.. ولكن تدخل رئيس الكنيسة الكاثوليكية وبعض رجال في السلطة لإنقاذ الشاب الطموح المتحمس ذي المستقبل السياسي الواعد فأُخلى سبيله.. ثم بدأ يروج عن نفسه أساطير بطولة زعم القيام بها أثناء حرب العصابات ، ضد الاحتلال الياباني للفلبين أيام الحرب العالمية الثانية ، وكان ذلك بمثابة تمهيد دعائي لانتخابه عضوا في البرلمان نائبا سنة 1949 .. وظل بعد ذلك يصعد طموحاته السياسية فنجح في انتخابات 1953 و1957.. ثم رشح نفسه لمجلس الشيوخ ليصبح سناتور سنة 1959 فنجح أيضا ، وبدأ يتأهل ليختاره حزب الأحرار لرئاسة الجمهورية سنة 1961 ، ولكن فاز عليه منافسه سناتور "ماكاباجال" الذي وعد ماركوس ـ فيما يقال ـ بألا يتقدم لترشيح نفسه فترة ثانية سنة 1964 ليترك له الفرصة..
 
ولكن "ماكاباجال" ـ حسب الراوية ـ نكص في وعده ، فغضب ماركوس وتحول إلى حزب المعارضة (الحزب الوطني).. وأصدر كتابا سنة 1964 يحكي فيه قصة حياته (المعدلة) ويطرح أفكاره التقدمية : فهو الذي صاغ مشروع قانون الإصلاح الزراعي، وهو نصير للحريات وحقوق الإنسان وهو إصلاحي حتى النخاع.. ! (فما أسهل الادعاء والكذب على طراز من الناس لهم حظ وافر في دنيا السياسة.
 
أنفق ماركوس ببزخ شديد على حملته الانتخابية معتمدا على ثروة كبيرة تملكها أسرة زوجته "إميلدا" ، وعلى أموال طائلة يملكها صديقه "لوبيز" المرشح معه كنائب للرئيس.. وكانت لماركوس ثروة خاصة به ولكن مصدرها كان موضع شكوك من خصومه ، الذين زعموا أنها رشاوى جمعها معتمدا على نفوذه في البرلمان.. وهكذا فاز ماركوس بمقعد الرئاسة في يناير سنة 1965 ، وبدأ عهده بخطاب بليغ شخص فيه مشكلات الفلبين وعللها المزمنة.. وعرض برنامجا حافلا بالعلاج والإصلاحات واستبشر الناس خيرا بطلوع فجر جديد.
 
وعود كاذبة وحصاد مغشوش:
صور ماركوس نفسه في حملته الانتخابية بأنه الرجل القوي الذي يستطيع الوقوف في مواجهة أمريكا ويطلب منها تصفية قواعدها العسكرية في الفلبين.. فلما أصبح رئيسا لم ينفذ وعوده ، بل زاد الطين بله عندما قبل بمشاركة قواته المسلحة مع القوات الأمريكية في الحرب الفيتنامية ، وكان الرئيس "ماكاباجال" قد رفض طلبا أمريكيا بهذا الشأن بإصراره على عرض الطلب على البرلمان الفلبيني الذي رفضه بأغلبية كبيرة. أما ماركوس (القوي) فقد أذعن ليثبت حسن نواياه وصداقته لأمريكا ، وأظهر وجها آخر لشعبه محتجا بأنه ذهب لمساعدة دولة آسيوية جارة في حربها ضد العدوان الشيوعي.. وهكذا سوف ترى أن للمنافقين جعبة من الحجج والحيل لا تنفد..!
تمكن ماركوس مستعينا بمجموعة من التكنوقراط من وضع خطة رباعية للتنمية.. وأجرى بعض إصلاحات في الشرطة التي استشرى فسادها، وفي القوات البحرية التي كان بعض ضباطها ضالعين في عمليات تهريب للسلع على نطاق واسع.. وبدأ يطبق قانون الإصلاح الزراعي في بعض المناطق.. ويبني مدارس ومطارات وطرق جديدة لتحسين البنية الأساسية استعدادا للانطلاق الصناعي كما زعم. وظل الاقتصاد الفلبيني متوازنا بلا عجز في ميزان المدفوعات... ولكن .. ! لم يكن هذا نتيجة زيادة في الإنتاج والتصدير ، وإنما نتيجة تدفق المساعدات الأمريكية كجائزة لماركوس على اشتراك قواته العسكرية في فيتنام... إضافة إلى الإيجار السنوي للقواعد العسكرية الأمريكية في الفلبين.
 
خرافة المشروعات العملاقة:
استغل ماركوس إنجازاته في السنوات الأربعة الأولي من حكمه في الدعاية لنفسه وحزبه (الوطني) في الانتخابات البرلمانية التالية (1969)، بعد أن بالغت وضخمت فيها أجهزة الإعلام الموجهة، التي تحدثت عن مشروعات ماركوس العملاقة.
 
ولكن الناس لم يشعروا بأثر هذه المشروعات في حياتهم اليومية لسببين: أولهما أن هذه في معظمها مشروعات تحسين للبنية الأساسية وقد شابها فساد كبير وتكاليف باهظة ذهبت إلى جيوب الأتباع والمحظوظين من بطانة ماركوس وأسرته وأسرة زوجته، والسبب الثاني أن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي ونزع الملكيات لم يلحق بالإقطاعيات التي يملكها أنصار ماركوس، وإنما لحق بخصومه ومن ثم اعتبروها أداة انتقام لا أداة إصلاح.
 
على كل حال تمكن الحزب الوطني من الفوز بجميع مقاعد مجلس الشيوخ فيما عدا مقعدا واحدا وجميع مقاعد مجلس النواب فيما عدا 11 مقعدا، واتهمت المعارضة الحكومة بتزوير الانتخابات على نطاق واسع.. ولكن لم يتحرك الشارع الفلبيني احتجاجا على التزوير .. فيما عدا الطلاب الذين اختبروا في جامعاتهم تدخلا حكوميا غير مسبوق لتزوير انتخابات الاتحادات الطلابية، فلم يستبعد الطلاب أن يكون ما حدث من تزوير في جامعاتهم امتدادا لنمط واحد من أسلوب الحكومة طبق في الانتخابات العامة لإنجاح أنصارهم بغير حق ولا جدارة.
 
احتشد الطلاب خارج البرلمان انتظارا لانتهاء ماركوس من خطابه الافتتاحي، فلما خرج واجه جمهورا غاضبا أشبعوه هو وزوجته قذفا بالحجارة والزجاجات الفارغة ونشبت معركة بين الطلاب وقوات الأمن استمرت ثلاث ساعات، وبعد هذه الواقعة بثلاث أيام في 30 يناير 1969 زحفت مظاهرة حاشدة في مانيلا نحو القصر الجمهوري ومعهم سيارة مطافئ كبيرة جاءوا بها لتحطيم بوابة القصر ليتدفق ألوف الطلاب داخله هاتفين بسقوط الديكتاتور المستبد، ونشبت معركة أخري أشرس بينهم وبين الحرس الجمهوري، الذي قتل ست طلاب وأصاب المئات من المتظاهرين.

كان الطلاب ـ دائما في تاريخ الفلبين ـ هم أسرع فئات الشعب حساسية للظلم والفساد الحكومي وأول الثائرين عليه .. كانوا أصدق من يرصد مشاعر الغضب والكراهية الشعبية لماركوس وأسرته وبطانته ... وكانوا أول من أدرك حقيقية التدهور الاقتصادي وأن أهم مصادر هذا التدهور هو النهب الواسع للأموال العامة.
 
وإن الإنجازات التي يفتخر بها ماركوس لم تأت من تنمية حقيقية وإنما من مساعدات أمريكية أغدقت بها الولايات المتحدة على عملائها ومن ديون عامة أجنبية تكبل حرية البلاد.
كان ماركوس ينفق ببذخ سفيه من الأموال العامة على أنصاره ومؤيديه، في شكل منح ومرتبات إضافية على استشارات لا ضرورة لها ومشكوك في قيمتها .. ويخلق مبررات لمزيد من الإنفاق على خدمات لا لزوم لها.. وينفق الملايين على مشروعات غير مدروسة ولا جدوى لها سرعان ما تنهار وتندسر...!.
 
ومن الناحية السياسية بدأت كثرة من الناس تنتبه إلى أن القواعد العسكرية الأجنبية في الفلبين انتهاك سافر لسيادة البلاد وأن النفوذ الأمريكي يجر الشعب الفلبيني إلى حروب خارجية لا ناقة له فيها ولا جمل.
 
في هذا المناخ الساخط ازدادت عمليات خطف الأشخاص والسطو المسلح والهجمات الإرهابية بالقنابل لأسباب سياسية .. وجاء غضب الطبيعة متناغما مع الغضب الشعبي في شكل إعصار مدمر سنة 1971 وفياضانات عارمة سنة 1972 جرفت في طريقها 400 قتيل وغريق وأحدثت دمارا هائلا.
 
ولكن الانفلات الأمني الواسع أحدث انفلات أعصاب شديد عند ماركوس، بد في نبرة خطابه التي اتسمت بالحدة وأصبحت تصريحاته تفرق بقوة بين الأنصار والأعداء، حيث خص الأعداء بلعناته وتهديداته فذكر من بينهم الطلاب وزعماء النقابات العمالية وكثيرا من الصحفيين والسياسيين... وصب جام غضبه على المسلمين الانفصاليين في الجنوب وعلى الشيوعيين المتمردين في الشمال، وأخذ يلصق تهمة الشيوعية بكل خصومه السياسيين.
 
الانقلاب السافر على الديمقراطية:
أدرك ماركوس أن رصيده الشعبي قد نفذ تماما ولم يبق حوله سوي الإمعات والمنافقين والانتهازيين من طلاب الثروة والسلطان ومن ثم سولت له نفسه وبطانة السوء من حوله أن يبدأ في تغيير الدستور، ليضمن بقاءه في السلطة أطول مدة ممكنة وليهيئ الطريق أمام توريث الحكم لأفراد أسرته ابتداء بزوجته "إميلدا".
 
ولكي يحدث هذه التغيرات كان لابد أن يُجري تغيرات كبيرة في قيادات الجيش ليحل مكانها قيادات موالية له من مسقط رأسه "ألوكانو" .. وفي محاولة لتحسين صورته نشر كتابا جديدا ليس ـ في هذه المرة عن حياته ـ وإنما عن فلسفته الجديدة بعنوان "ثورة اليوم والديمقراطية" نقد فيه ما مضي وبشَّر بنظام جديد سماه [ثورة] ولكن هذه الثورة لا تأتي من الشعب ولا من النخبة ..! فمن أين تأتي إذن!؟ يقول ماركوس إنها ثورة تعتمد على زعيم يقوم بتعليم الناس و تربيتهم ...فالشعب عائلة كبيرة والزعيم المعلم هو أب العائلة ...! وهنا طبعا إسقاط على أن الزعيم هو "فرديناند ماركوس" . فما دور الحكومة في هذه المنظومة الثورية..!؟ يقول ماركوس : الحكومة ليست أكثر من أداة لتنفيذ توجيهات الزعيم ونصائحه ، وذلك لتحقيق الخير العام وليس المصالح الخاصة ...ثم يصف ماركوس هذا النظام الأبوي بأنه هو الديمقراطية الحقة !...كيف هذا.. ؟ -يجيب ماركوس : لأن هذه المنظومة تقوم على سلطة حريصة على تحقيق الصالح العام وعلى شعب مطيع لزعيمه ..ثم يشرح : لن تكون هذه المنظومة قائمة على النخبة وحدها وإلا فقدت صفتها الديمقراطية الثورية ولن تقوم بالشعب وحده لأن بالشعب [قصور وجهل] يجعله في تطلع دائم إلى المزيد ، ولن تقف تطلعاته عند حد وسيؤدي هذا إلى فوضى وتقويض الاستقرار مما يضطر السلطة إلى إيجاد آليات لتقييد هذه التطلعات الضارة. وقد ينتج عن هذا صدامات غير محمودة العواقب بين الشعب والسلطة .
 
الدكتاتور المتغطرس مفتون بقوته ، لا يحترم شعبه ولا يثق فيه فهو في نظره إما طفل قاصر أو سفيه ملعون . بعد صدور هذا الكتاب العجيب لم يعد هناك شك أن ماركوس قد اعتزم أن يطرح الديمقراطية وراء ظهره ، ويحكم الفلبين حكما فرديا مستبدا..!
 
لقد أيقن أنه لا يمكنه أن يعود للرئاسة في أي انتخابات حرة ، فبدأ بسلسلة من الإجراءات والتدابير لتهئية المناخ المناسب لإعلان نظامه الجديد، حيث أطلق أنصاره [لافتعال حوادث إرهابية وإلصاقها بخصومه السياسيين] ...وتوالي خطف الأشخاص واختفاؤهم وتواصلت التفجيرات الليلية في مبان غير مسكونة، أسندها ماركوس إلى خصمه اللدود سناتور "أكينو" وأنصاره .
وفي يوم 22 ديسمبر 1972 أطلق مجهولون النار على سيارة وزير الدفاع ولم يصب أحد بسوء ولكن ماركوس اتخذ هذا الحادث ذريعة لإعلان الأحكام العسكرية وتكشفت في الأيام التالية أهداف ماركوس وأساليبه المكيافيلية بوضوح شديد .
 
برر ماركوس عمله بأنه يريد القضاء على الإرهاب والفوضى والحفاظ على الأمن والنظام في البلاد وإصلاح الدستور ، واتهم خصومه بالشيوعية ، وأنهم مدعومون بقوى أجنبية ويعملون على تدمير الحكومة بالعنف والدعاية المغرضة، وأضاف ماركوس إلى الخطر الشيوعي والخطر الإسلامي القادم من الجنوب ، حيث يسعى المتمردون المسلمون للانفصال عن الدولة بقوة السلاح ...
 
كل هذا كما يزعم ماركوس :" قد فرض علينا وضع البلاد تحت الأحكام العسكرية وقوانين الطوارئ " . ومع العصي الغليظة لوح ماركوس بالجزرة فقال : " لابد لنا أن نقوم بإصلاح مؤسساتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتطهير الجهاز الحكومي من الفساد والقضاء على الجريمة المنظمة ودعم النمو الاقتصادي "...ثم ينهي ماركوس حديثه بتذكير الناس بأنه الرئيس المنتخب ولديه صلاحيات دستورية تمكنه من اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإنقاذ البلاد .
 
فما هي هذه الإجراءات :
ـ آلاف من الناس الأبرياء قبض عليهم وألقي بهم في السجون ...
ـ منهم سياسيون متهمون بالتآمر ضد نظام الحكم وسياسيون متهمون بتشكيل مليشيات خاصة ...
ـ وسياسيون أخرون كل جريمتهم أنهم جاهروا بنقد ماركوس ونظامه
ـ وكثير من الصحفيين وقيادات عمالية وطلابية وفلاحية تجرأوا على التظاهر ضد ماركوس .
ولكي يخفي أهدافه الحقيقية ويخلط الأوراق أوعز إلى رجاله بالقبض على عدد من أعتى المجرمين وأشهرهم في جزر الفلبين .
ـ لم يكتف بذلك وإنما فرض حصارا أمنيا على النشاط العمالي والمؤسسات العمالية واتحادات الطلاب في الجامعات وعلى المسافرين للخارج ...و[جمع نصف مليون بندقية] لا يعرف أحد مصدرها ، وعرضها على شاشة التليفزيون [كإنجازات للسلطة اليقظة] .. وفرض حظر التجول ليلا في مانيلا والمدن الأخرى ، وهبط على جزر الفلبين ليل حالك الظلام .
وفجأة تسلط الأضواء على المسرح ؛ ويظهر المهرج الأكبر لإعلان برنامج إصلاحي شامل "للعبور إلى المستقبل!" روجت له أجهزة الإعلام وأكدت أنه برنامج خضع لدراسة عميقة وسوف يحدث نقلة نوعية في المجتمع الفلبيني لينطلق إلى آفاق غير محدودة من الرخاء العظيم …!
 

أخبار ذات صلة

قال تعالى في سورة الأنفال :

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَاب ... المزيد

شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن عملية "نبع السلام" تنتهي بشكل تلقائي عندما "يغادر المزيد