البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين [7].. القرآن والمثل العليا للمسلمين

المحتوي الرئيسي


دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين [7].. القرآن والمثل العليا للمسلمين
  • الشيخ محمد الغزالى
    27/10/2016 01:23

الحلقة [ 7 ] الفصل الأول : محمد رسول الله (5)

القرآن والمثل العليا للمسلمين:

وقبل أن نختم الباب الأول من كتاب "العقيدة والشريعة" نرى لزاما علينا أن نجيب عن ثلاثة أسئلة تعرض المؤلف لموضوعها بفكر مغلق وتعصب ظاهر:

هل صحيح أن الإسلام "لا يستطيع أن يمد المؤمنين به بفكرة مثالية للحياة الأخلاقية؟ وهى فكرة اتخاذ الرسول مثلا أعلى واحتذائه "؟ كما يقول المؤلف (ص 33)

إنه فى هذه الصفحة يزعم أن الرسول لم يكن أسوة لأتباعه. ويزعم أن الرسول نفسه كان يعرف ضعفه الإنسانى، ولذلك لم يطلب من أحد أن يتخذ من مسلكه قدوة له؟!

وهذا كلام يحار المرء فى تقدير الغباوة التى أملت به..

إن حديث المستشرقين عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناضح بما يكنون فى أنفسهم لشخصه الشريف من ضغن وإنكار.

والأمر أكبر من أن نناقش فيه قوما بينهم وبين الحق أشواط وأشواط..

إن ذلك كإقناع اللصوص بنزاهة رجال الشرطة، أو إقناع الملحدين باستقامة أهل الإيمان.

بيد أن لى "جولد تسيهر" أفكاره فى هذا الشأن نود أن نقف قليلا لديها...

فهو يدعى أن الإسلام عاجز عن إمداد المؤمنين به بصورة مثالية عن الحياة الأخلاقية.

وأن حياة محمد لا تصلح نموذجا رفيعا للمؤمنين لما يكتنفها من ضعف إنسانى.

وأن علم الكلام هو الذى جاء بعد ذلك فرسم صورة أسطورية للرسول الكامل، ثم أضفى هذه الهالة من الكمالات على شخص محمد.

ولولا هذه الهالة المضفاة على محمد، ما صلح أن يكون أسوة للمؤمنين به، إذ حياته الواقعية دون ذلك.

وهاك عباراته فى (ص 33):

"لو أن الإسلام قد تمسك بشهادة التاريخ الحق تمسكا دقيقا لوجد أنه لا يستطيع أن يمد المؤمنين به بفكرة مثالية للحياة الأخلاقية، وهي فكرة اتخاذ الرسول مثلا أعلى واحتذائه، ولكن المؤمنين لم يتركوا أنفسهم يتأثرون بصورة محمد، كما رسمها التاريخ الصادق، بل حل محلها منذ أول الأمر الأسطورة المثالية للنبى فى رأيهم.

إن علم الكلام فى الإسلام قد حقق هذا المطلب، بما رسم للنبى من صورة تمثله بطلا ونموذجا لأعلى الفضائل، لا مجرد أداة للوحى الإلهى ولنشره بين غير المؤمنين، علي أنه يبدو أن هذا لم يرده محمد نفسه، فقد قال: إن الله أرسله (شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) أى أنه مرشد لا نموذج ومثل أعلى، أو على الأقل أنه ليس كذلك (أسوة حسنة) إلا بفضل رجائه فى الله وذكره كثيرا.

ولقد كان - على ما يبدو - مدركا بإخلاص إدراكا صحيحا ضعفه الإنسانى! وكان يريد أن يرى فيه المؤمنون رجلا له عيوب الإنسان، ومن ثم كان عمله أعظم من شخصه، ولم يشعر فى نفسه أنه قديس ولم يرد أن يعتبر كذلك ".ا.هـ

نقول: أورد هذا المستشرق آيتين من القرآن الكريم لم يحسن فهمهما: الأولى: قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) فقد ظن معناها أن الرسول رجل قوال فقط يرشد الناس بلسانه.

أما سيرته ومسالكه فليست مما يقلد فيه، وليست مثلا أعلى للآخرين!! وهذا كلام بالغ التهافت والهزل.

فكيف يوصف رجل بأنه سراج منير، إذا كانت أخلاقه وأعماله مظلمة، أو دون ما يقول؟ ولماذا تختار السماء رجلا صريع ضعفه الإنسانى ليتحدث عنها؟!

أما الآية الثانية: الناطقة بأن على المؤمنين الاقتداء برسولهم، لأنه أسوة حسنة، وأنهم - إذا أرادوا بلوغ مرتبة الاقتداء - فليستعينوا بالرجاء فى الله، والإعداد لليوم الآخر، وإكثار الذكر، فإنه لن يستطيع التأسى بالرسول العظيم، إلا من استجمع هذه الخصال الشريفة.

هذه الآية فهمها المستشرق على نحو آخر، فهم معناها أن الرسول هو الذى يرجو الله واليوم الآخر، وأنه لم يتجاوز مرتبة الرجاء فى الله، لأن عمله لا يرشحه إلا لهذه المرتبة..!!

ولنترك هذا الجهل جانبا، ولن نتحدث هنا عن عظمة محمد تحدث المدافع عنه، فمحمد أكبر من ذلك، وأنضر وجها، وأعز جانبا .

لكنا نضحك للقول بأن علم الكلام هو الذى تولى سد النقص فى القيم الروحية عند المسلمين! نعم، غريب أن يتولى علم الكلام تقديم النماذج الإنسانية الرفيعة للمسلمين..

إن هذا العلم - فى أحسن أحواله - يعرض العقائد الإسلامية عرضا نظريا، ويبسط أدلتها، ويفند شبه الخصوم، ويكشف حقيقتها.

أما فى أحواله الذميمة فهو يخلط المعرفة الإسلامية بالفلسفة الأجنبية، ويخوض بحورا موحلة من المباحث الغيبية والشطحات العقلية.

فما تكون صلة علم - هذا موضوعه - بتصوير المثل العليا للمسلمين؟ ولماذا اختار "جولد تسيهر" هذا العلم، ولم يختر النحو أو الجبر؟

ثم هو يقول: "إن محمدا لم يزعم للناس أنه قديس ".فماذا يقصد بهذه الكلمة؟!

إن محمدا حقا لم يصف نفسه، ولا وصفه أتباعه بأنه "كاردينال " أو "بابا"، لأن هذا الرجل الذى قدم للناس كتابه وسنته، كى يصلهم بالله رب العالمين، لم يرض قط أن يكون كاهنا، ولم يرض قط أن ينصب نفسه وسيطا بين العباد وربهم، بل قال لابنته فاطمة - وهى أقرب الناس إليه - : "اعملى... لا أغنى عنك من الله شيئا" .

إن الميزة البينة فى دين محمد: أنه يجعل كل إنسان مسئولا عن نفسه، فهو بتساميه يستطيع أن ينال الرضا الأعلى، وهو بتدليه يستحق غضب ربه.

الإنسان صانع حاضره ومستقبله، بما يقدم من خير أو شر. ولا مكان لدخيل من الكهان يزعم أنه يبيع المغفرة أو يحمل الخطايا..

محمد الإنسان الكامل:

أما السلوك الخاص لمحمد، فماذا نقول فيه؟

إنه بشر يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، ما ننكر هذا، وما يزيد فى هذا أو ينقص عن إخوانه النبيين، ولا عن أهل الأرض أجمعين...

لكن هذا البشر ظل يرقى فى مدارج الكمال حتى بلغ شأوا من سناء القلب واللب، وجلال الخلق والعمل لم يعرف لأحد من المستقدمين والمستأخرين.

بل إنه مشى على أديم الأرض ملكا كريما فى إهاب إنسان فياض النفس بالإيمان والبر، وحب الحق، والتفانى فى نصرته، والعطف على الأحياء، والدأب على تصحيح وجودهم، والجرأة على الباطل، والاستقتال فى كسر شوكته وتقليم أظافره.

ذلكم هو محمد الإنسان الكامل.

إن كل ما تصبو إليه الإنسانية من أمجاد عرف فى حياة هذا العابد الراهب، والمجاهد الفارس، والقاضى المقسط، والحاكم المنصف، والتاجر الشريف، والزوج الرقيق، والصديق الوفى، السمح إذا ملك، والعافى إذا قدر، والمهيب إذا اقترب، والعظيم فى أحواله كلها ما ظهر منها وما بطن.

إن المثل العليا خيالات يحسن نسجها الفلاسفة والأدباء.

وربما أبرزوا للناس معالمها وهم فى أبراج عاجية، أو فى صوامع قصية..

لكن محمدا مشى على الثرى، واشتبك مع وعثاء الطريق، وضراء العيش، وخالط من يحب ومن يكره، وأحس الجوع والسهر. والفقد والقلق، والغربة والوحشة.

وفى مكابدته لأسوأ ما تمر به الإنسانية من ظروف بقى هذا الإنسان الضخم متزن الخطو، متقد الفكر، يضرب المثل العليا للناس مخلوطة بعرق الجبين، واغبرار القدم.

فهو أسوة حسنة لكل حى فى جميع الشئون المادية والأدبية.

وحياته فى نومه ويقظته، وأكله وشربه، ومع الكبار والصغار، والأصحاب والخصوم، فى الصحة والمرض، والسلم والحرب، والحل والترحال، هذه الحياة تتبعتها ألوف الأعين، وسجلت صفتها ألوف الألسنة، فما كان منها إلا ما يسر، ويعجب، ويخط للناس طريق الخير والرشاد.

فكيف يجىء بعد ذلك مستشرق تافه ليقول: إن محمدا ليس مثلا أعلى!!

والغريب أن يستدل هذا المستشرق على إفكه بشارات التواضع فى حياة هذا الرسول الكريم، أو بما يجب أن يلتزمه من مواقف العبودية لله العظيم.

فإذا قال محمد مثلا: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) جاء هذا المخلوق المظلم ليقول : ألم أخبركم أن محمدا خاطئ، وأنه مأمور أن يستغفر الله من ذنبه؟!

ونحن نشعر بأن الحديث عن العظماء مع ناس - ذاك مبلغ فقههم فى أسرار النفوس وأطوار السمو - عبث.

وهو كما تحدث عن الخمرة الإلهية عصابة من السكارى يترنحون فى إحدى الحانات .

لقد كُتبت سيرة محمد من مولده إلى وفاته فى سرد مفصل، لم يؤثر مثله عن بشر آخر، وأحصيت الكلمات والأعمال التى قام بها إحصاء شاملا فى دواوين السنة.

إذ أن هذه السنة المتبوعة دين.

ولم يحدث مثل هذا لرجل من رؤساء الدين، ولا من زعماء الدنيا...

وهذه الثروة الهائلة من العبادات والأخلاق والسياسات والأحكام مركومة فى مواطنها ومعروضة للناظرين.

وهى على طول النقد والتأمل، والدرس والمتابعة تكشف عن حياة رجل لا نظير له أبدا.

إنك عندما تطالع هذه الحياة، فى ضوء الواقع وحده، ودون أدنى تزيد أو مغالاة، تشعر بأنك أمام نماذج الكمال البشرى مجسدة.

وشىء آخر اختص به محمد، أنه يصف الكمال ويدربك على بلوغه.

وإنك لتشعر فى أثناء مسيرك على الدرب، أنك وراء رجل سبق أن شق الطريق ومهده للسائرين خلفه.

وهذا معنى قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) وهى الآية التى وقف أمامها هذا المستشرق بنفس معتلة فما فقه ولا صمت..!!

ويمضى هذا الرجل فى غله الأسود على صاحب الرسالة، فهو إذا بهره مسلك ينطوى على الوفاء والشرف، أخذ يدور حوله ليختلق له تفسيرا ماديا، أو سببا نفعيا.

وبذلك يبدو التطرف الغالى، وكأنه وحى ظرف خاص، لا دلالة خلق أصيل.

لقد عرف محمد بالصادق الأمين فى الجاهلية والإسلام معا.

ولو لمح أعداؤه ذرة من خلل فى سلوكه الخاص أو العام لطاروا بها فى كل فج.

ولكن الرجال الذين يصنعهم الله على عينه يختارون أولا من معدن نفسى خاص.

ثم ينفون وسط سياج من العصمة فلا يتطرق إلى أفعالهم ما يشين أبدا.

ومحمد - رغم أنف المفترين - هو سيد هؤلاء المختارين.

ولما كانت الدعوة إلى الله لا تصلح إلا بأسلوب شريف لأنها دعوة إلى نور السماوات والأرض، وليست دعوة إلى زعامة أرضية كدرة، أو عصبية قومية عفنة، فإن الذى يصلح للقيام بها، ويستطيع السير مع نهجها وهدفها، هو محمد وأمثاله من أولى الأيدى والأبصار.

وقد شاء الحق أن يمنع الجاهلين والجاحدين فرصا لا حصر لها كى يثوبوا إلى رشدهم، وكى يتخلصوا من قيود وجهالات الذين سبقوهم.

ففى مكة تسمع النبى يدعو المشركين إلى توحيد الله، ثم يقول لهم - بعد أن أفهمهم هذه العقيدة أجود الفهم - لا عذر لكم من الله بعد هذا البيان، فقد أصبحت أنا وأنتم فى العلم به سواء.

هذا معنى قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون * إنه يعلم الجهر من القول و يعلم ما تكتمون * و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين).

قال المفسرون: "آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ" أى هذا بلاغ نستوى جميعا - نحن وأنتم - فى العلم به لا نستبد به دونكم، وذلك كى تتأهبوا لما يراد بكم.

هذا الجو من الصراحة المطلقة هو الجدير بسياسة الدعاة إلى الله.

فإذا انتقل الرسول إلى المدينة، ووجد يهودها يريدون معاملته بطريقة التآمر والخداع فليس بغريب أن يعاف هذه الأخلاق الملتوية.

وليس بغريب أن يتنزل عليه الوحى الأعلى يحدد له مسلكه مع أولئك اليهود، وهو مسلك ليس بجديد فى أسلوب الدعوة الذى بدأ فى مكة صريحا لا يقبل إثارة من غموض كما رأيت.

قال تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين * ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون).

فانظر - رعاك الله - إلي المستشرق التافه كيف يجىء إلى هذا الجو النقى الطهور، كما تجىء آلة خربة لتنفث دخانها وسط بستان فواح بالعطور.

إنه يزعم أولا أن محمدا قوَّل الله هذه الآيات التى تدل على نفسيته.

ثم يزعم ثانيا أن هذه النفسية التى تعاف الخيانة، إنما تعافها سياسة لا شرفا وطهرا وسناء، وقال - قبحه الله - (ص 38):

" وإن الطريقة التى اصطنعها محمد، والأسلوب الذى يعبر به فى وصف الله رب العالمين، وهو يقاوم كيد الكائدين، يصور سياسة النبى الحقيقية التى انتهجها ليقاوم ما أقيم فى سبيله من عقبات، فعقليته الخاصة، والخطة التى اتخذها ضد أعدائه فى الداخل، قد انعكست صورتها على الله الذى - كما قال - يضمني لنبيه النصر بأسلحته التى يراها، إنه في هذا يقول: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين * ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون) وعلى كل، فإن هذه الكلمات التى لها دلالتها الاصطلاحية تدل على عقلية سياسى محنك، أكثر من دلالتها على عقلية رجل صابر سلاحه المثابرة، ويجب أن نلح خاصة فى إبراز هذه النقطة التى تؤثر فى أخلاق الإسلام، والتى تخطئ بشدة الغدر حتى بالكافرين ".ا.هـ

ماذا نقول فى رجل تنعكس الحقائق فى نفسه على هذا النحو؟!

الوفاء مع الأعداء فى أحرج الظروف هو سياسة لا كياسة، ولا ينبغى أن يذكر للإسلام ولا لنبيه فضل فى هذه الناحية.

لكن "جولد تسيهر" يحب أحيانا أن يبدو وكأنه رجل منصف، لا يلقى التهم جزافا، ولا يقبلها من غيره جزافا، ولذلك اعترض كلمة لقسيس بروتستانتى مغفل يزعم فيها أن الإسلام لا يهتم بالنيات، ولا يبالى بطهارة القلوب...

الإسلام الذى يقول نبيه: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

والذى يقول: (ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب !).

هذا الإسلام فى عقل القسيس البروتستانتى "الذكى" دين لا يقوم على نقاء القلوب!! لذلك يقول "جولد تسيهر" (ص 35):

"وبفضل نظرية النية والقصد والروح التى تلهم الأعمال والتى اتخذت معيارا لقيمة العمل الدينى أصبح صدق الإخلاص لابد منه لقبول العمل، فمجرد ظل باعث من أثرة أو رياء يجرد كل عمل طيب من قيمته. ومن هذا يتبين أنه ليس من قاض عادل يستطيع أن يوافق على هذه الجملة التى نطق بها القسيس البروتستانتى "تيسدال "، وهى: " من البديهى أن طهارة القلب لا يمكن أن تعتبر ضرورية أو مرغوبا فيها فى الإسلام! والواقع، أنه يصعب علينا أن نقول أنها مستحيلة لدى المسلمين "!! أ.هـ

لكن هل الرجل أدلى بهذه الشهادة ضد القسيس البروتستانتى لوجه الحق؟!

إنها وإن كانت شهادة مدخولة لما لابسها من كلام سخيف عن السنة النبوية، إلا أننا نقبلها منه وحدها ولا نقبل ما جاء بعدها من تزكية للمستشرق الإيطالى "ليون كاتيانى".!!

فهذا المستشرق - وهو من طينة القسيس السابق - يزعم أن جيوش العرب التى حملت الحق والنور والعدالة والسماحة إلى مستعمرات قيصر وكسرى لم تخرج ببواعث عقيدة حارة وإيمان رفيع.. لا.. لا..

لقد كان العرب جياعا فى جزيرتهم فخرجوا يطلبون الأكل... خرجوا أثر قحط حل ببلادهم .

يقول "جولد تسيهر" فى وصف هذا الهراء وصاحبه (ص 34):

" الفضل فى إيضاح الموضوع يرجع إلى العلامة الإيطالى "ليون كاتيانى" فى كتابه القيم "حوليات الإسلام "، فقد استعرض مصادر التاريخ الإسلامى استعراضا عاما، ونقدها نقدا دقيقا عميقا لم يسبق له مثيل فى الأبحاث التى تقدمته، فأوضح المظاهر الدنيوية للعصر الأول من عصور تاريخ الإسلام، وكان أن أدى هذا البحث إلى تصحيحات جوهرية فى وجهات النظر التى كان مسلما بها قبله فيما يتعلق بتأثير النبى نفسه ".

أشعة الكمال المحمدى:

محمد إنسان مثل سائر الناس، وليس يمتاز عنهم إلا بأمرين: الأول: أن أمجاد الجنس البشرى تلاقت فى شخصه.

فإذا كانت الأمانة والفطانة والوفاء والرحمة والصدق والحب فضائل تتألق بها سير بعض الناس، وتجعلهم بين من حولهم هامات شماء ، فإن محمدا فى هذا المضمار سبق المستقدمين والمستأخرين.

فهو - بشهادة الوقائع المستفيضة من سيرته - بطل الأبطال، وأجود الأجواد، وسيد الخلق همة وشهامة، وبرا ووفاء..

ومن هذه السيرة يشيم العامة والخاصة أضواء الكمال فى كل ناحية من نواحى الرسالة الإسلامية التى انتظمت السلوك الحيوى أجمع..

ونماذج الكمال التى تحققت فى هذا الرسول تبدو وكأنها أعمال بشرية مضيئة وحسب، أو كأنها أعمال ميسورة الأداء، وقد شاء الله أن تبدو كذلك لتتم بها الأسوة المنشودة.

وإلا فهى تشبه الشمس، يحسبها الناظر على مدى أميال منه، وبينه وبينها أبعاد وأبعاد..

هذا النبى جاهد فى الله جهادا كبيرا، ونحن مكلفون أن نجاهد فى الله، وألا تذهلنا مشاغل العيش، ومعاشرة الزوجات والأولاد عن العمل للحق، والتضحية من أجله..

إن الأسوة فى هذا الجهاد لا تصلح فى قليل أو كثير لو كان هذا النبى ملكا من السماء، أو بشرا تخلخلت فيه الخصائص الإنسانية.

لكن عندما نتصور هذا النبى أبا لبنات..

ثم نتصور أنه - وهو يدعو إلى التوحيد فى بيئة مشركة - تعرض للسخرية والهوان.

ثم نمضى فى ملاحظة هذا اللون من جهاد الدعوة، فنرى الرسول الوالد يتعرض - وهو ساجد يصلى فى المسجد الحرام - ، إلى أن يلقى عليه زعماء مكة كرش حيوان ذبيح ليتسخ، ويضحك المشاهدون منه..

ثم تجىء ابنته إلى أبيها الذى علقت به الأقذار لتنحى عنه القذى.

إن البنت فى أية أسرة تحب أن تعيش فى بيت عزيز مصون، وتحب أن يكون أبوها فوق الإهانات، ولكن الأمر هنا يدعو إلى الألم.

فإذا تركت هذه الصورة، ورأيت بنتا أخرى لهذا الرسول تترك مكة بعد الهجرة، وهى حامل فيتبعها بعض السفهاء ويزعجونها حتى تجهض، ويجىء للرسول الوالد هذا النبأ، فيتلقاه بصبر المؤمن الذى يتحمل فى ذات الله كل شىء..

ثم لا تزال تدقق النظر فى حياة هذا الرسول الإنسان، فتتلاحق أمامك الصور، لبشر كبير يشق طريق الكمال شقا، ويبلغ فيه المدى، وهو هو الإنسان الذى يكابد ما يكابد غيره من طبائع الحياة الأرضية..

ممن تؤخذ الأسوة إذن إن لم تؤخذ من هذا الإنسان العابد المجاهد؟ "لله عز وجل رسل كثيرون قاموا بواجب الدعوة إليه، وتوارثوا كابرا عن كابر هداية الخلق ونصرة الحق، فأنقذوا الناس من أنفسهم وعرفوهم ربهم.

ولكن محمدا كان بشخصيته، وطبيعة رسالته، إمام الأنبياء، وكان بحق سيد الدعاة إلى الله.

فما سر هذه العظمة؟ وبم كان هذا الفضل المبين؟

السر فى هذا أن محمدا الرسول كلف أن يغرس فى قلوب من حوله إيمانا لا تستخدم فى غرسه إلا الوسائل المقدورة لطاقة البشر.

وقد استطاع ذلك من غير أن تتبدل الأرض كير الأرض.

على عكس ما حدث على عهد موسى مثلا، إذ رفع الطور فوق رؤوس الناس ليؤمنوا بالته ويعطوا على ذلك الموثق! (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون)

وكما كان نبينا بين أتباعه بشرا رسولا، فقد كان كذلك مع أعدائه، لم تسخر ضدهم قوى السماء على كثرة ما لحقه منهم من إيذاء.

على عكس ما حدث لموسى فقد نكل الله بأعدائه تنكيلا قاهرا، إذ مسخهم قردة وخنازير: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين * فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين).

وليس يفهم من ذلك أن حياة الرسول كانت خلوا من الخوارق، لا، فإن النبوات قائمة على أن تقترن بالخوارق فى الكثير من مظاهرها.

إنما المهم أن تأسيس اليقين فى قلوب الموقنين، واستئصال العدوان من نفوس المعتدين، كان العامل الفعال فيه بشرا اكتملت فى خلقه وخلقه عناصر الكمال الإنسانى ، وانتهت إلى شخصيته أمجاد الفطرة البشرية الناصعة فكان أتباعه من أعمق الناس حبا له، لأنه أهل لكل حب، وكان أعداؤه من أشد الناس تهيبا له لأنهم يدركون أن أمامهم بطولة يعز تناولها، ويصعب الكيد لها.

وكان هو فى محبته للمؤمنين برا ودودا، تنبثق من فؤاده النبيل عواطف جياشة لا ينضب معينها، ولا يعتكر صفوها، اتسعت للسابقين واللاحقين من أمته، من رآهم ومن لم يرهم .

سمعه أصحابه يقول: " وددت أنا قد رأينا إخواننا،.

قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟.

قال " بل أنتم أصحابى، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد " .

فأى حب هذا الذى يمتد مع العصور المستقبلة، ليرتبط بقلوب لا يزال بنوها فى ضمير الغيب؟ أما أعداؤه فحسبك من نقاء صدره أن ابن أبيّ - الذى طعن الرسول فى شرفه وافترى الإفك على أهله - كفن يوم مات فى قميص الرسول. وأن النبى السمح لم يرفض الاستغفار له حتى أمر بالكف عنه...

***

ذلكم هو الأمر الأول الذى يمتاز به محمد من حيث هو إنسان.

أما الأمر الآخر فظاهر أنه الوحى الذى اصطفاه الله له.

وهو وحى يتضمن الدين كله من أزل العالم إلى أبده...

فإن القرآن الكريم جمع كل ما ينبغى أن يعرف عن الله، ونزهه عن كل ما لا يليق بجلاله، والحديث عن القرآن يطول.

وقد جاء فى آخر سورة الكهف ما يشير إلى هذين الأمرين معا: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا).

ومن التأمل السريع لما ذكرنا نعرف أن "جولد تسيهر" كان كذابا لما قال:

"ومع هذا فهناك ضلال أسطورى فى الطريقة التى يتصور بها محمد الله، إذ تؤدى هذه الطريقة إلى أن الله ينزل من عليائه السماوية، ليصبح الشريك المعين للنبى فى جهاده الذى أخذ فى الاضطلاع به فى هذا العالم " (ص 38).

هذا كذب صراح، فلا محمد زعم هذا لنفسه، ولا المسلمون زعموا هذا له، وليس فى القرآن ولا فى السيرة، ولا فى الأحاديث قويها وواهنها، ما يومئ من قريب أو من بعيد إلى أن الله ينزل ليشارك النبى جهاده..

وأولى الناس بهذا الاتهام من يدينون بالحلول، ويمزجون بين الألوهية والبشرية فى عقائدهم.

لقد رأيت كيف ترادفت الدلائل على أن محمدا بشر وحسب.

بشر يزينه سناء الخلق، ويعصمه وحى الله.

بشر تلتمس القدوة الصالحة من مسالكه فى السر والعلن.

ولقد رأيت هدى اكتماله البشرى فى عبادته وقيادته جميعا.

ويبين القرآن الحكمة من جعل الرسول إنسانا لا ملاكا، فيذكر أن ذلك يرجع إلي حاجة البشر لمن يستطيعون التلقى عنه والسير وراءه :

(قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)

ومكان الأسوة فى حياة الرسول ظاهر.

فعن تقليده أخذت أركان الإسلام العملية من صلاة وصيام وحج. وعن محبته واقتفاء أثره تخرج من الصحابة من لا تعرف الحياة لهم نظيرا.

والغريب أن هذا المستشرق يقول بخبث عن الرسول الكريم: إنه "لم يشعر فى نفسه أنه قديس "!

نعم إن محمدا لم يصف نفسه، ولا وصفه أتباعه، بهذه الكلمة الشائعة بين النصارى.

لكن فى تلامذة محمد من تشهد سيرتهم بأنهم أزكى قلبا وأرشد عملا من أولئك القديسين المزعومين.

على أن هذه الكلمة إن كانت تعنى حلول روح الله فى إنسان فهى عنوان على إفك كبير وإثم مبين.

فإن محمدا جاء من عند الله لينزهه عن هذه الأفكار المختلة الضالة. ولهذا حرص على وصف نفسه دائما بأنه عبد الله ورسوله.

والوصف بالعبودية حقيقة تشرف رسل الله كلهم، ما يترفع عنها موسى ولا عيسى ولا محمد.

ومن زعم أنه جزء من الله فهو كاذب، ومن زعم أن روح الله حل فيه فهو أكذب.

 

----------( يُتَّبع )----------

أخبار ذات صلة

قال الدكتور خالد عمران، أمين عام الفتوي بدار الإفتاء، إن حجاب المرأة المسلمة فرض على كل من بلغت سن التكليف، واستشهد بقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَ ... المزيد

• نشوء جماعات الجهاد ضد السلطات والحكومات : ... المزيد

• حول بلاغة القرآن فى مكة والمدينة:
المزيد

لا تفاوت بين الإسلام فى مكة والمدينة:

ونحن نسخر من المستشرقين ـ وفى مقدمتهم "جولد تسيهر" ـ حين يرون أن محمدا اقتب ... المزيد

الانقياد لله طبيعة الأديان كلها:

والمستشرف المجرى "جولد تسيهر" يغمز كلمة الإسلام ويرى - مع غيره من أقرا ... المزيد

• الرسالة الخاتمة بين رسالات السماء : 
< ... المزيد

تعليقات