البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

درس التساؤلات الإلهية وجوابها في سورة الملك!

المحتوي الرئيسي


درس التساؤلات الإلهية وجوابها في سورة الملك!
  • أ.د. محمد السعيد عبد المؤمن
    16/03/2021 07:30

لم يطرح الله سبحانه وتعالى سؤالا على أحد من خلقه في قرآنه الكريم، إلا سبقه بمقدمة وافية، وهو سبيله إلى تعليم الناس، وهو السبيل الأمثل لاستيعاب الدروس، وهو ما ينبغي أن ننتهجه في مدارسنا وجامعاتنا، ينبغي أن نطرح قضية من خلال موضوع كامل شامل شاف، ونبينه جيدا للمخاطبين، ثم نسعى لمعرفة مدى وصول رسالة الدرس للمخاطبين من خلال أسئلة واعية، تتضمن تنبيهات بالمكافأة والعقاب، فضلا عن إجابات لما تقدم من أسئلة، ولعل سورة المُلْك من السور التي بينت لنا هذه القاعدة في التعليم.

فالقضية التي تثيرها السورة هي قضية المُلْك، ومن الذي يستحق أن يكون مالكه، وما هي الأعمال التي قدمها من أجل أن يكون الملك له! هذه هي القضية، فكيف عرض الله سبحانه الموضوع؟ يقول تعالى في بداية السورة: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. ولأنه على كل شيء من ملكه قدير، فمن ثم فهو يسمو على من هم في إطار ملكه ويستحق التقدير.

ثم تأتي الآية التالية ببيان منجزاته: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور. إن أهم ما يدل على حق الملك هو القدرة على القيام بأمر ونقيضه، ولا يكون ذلك إلا من خلال تجربة لها أهداف، وهو ما يجعله العزيز بهذه القدرة، والغفور لمن حاول ولم يستطع من أتباعه. ثم تتدرج الآية الثالثة من أصعب الأعمال وهو الإحياء والإماتة إلى إمكانيات أقل صعوبة عليه، لكنها مستحيلة على غيره، وهي قابلة للفحص، لأنها محكمة الصنع: الذي خلق سبع سموات  طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير. والسؤال هنا من أجل تجربة الصنعة، لكن جوابه مضمون لأنه يتضمن الإذعان بجودة الصنع.

إذا كان خلق السموات السبع طباقا دون تفاوت عملا عظيما لا ترى فيه عيبا، إلا أنه في نظر الصانع ليس مكتملا، وعليه أن يبين كيف أكمله: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين واعتدنا لهم عذاب السعير. فالصنعة لا تكتمل إلا إذا ضمن لها الصانع البقاء والاستمرار، ومن ثم يضع لها جنودا تحرسها دون أن يجعل ثيابهم فاضحة لهم، بل يبدون في شكل جميل يزين الصنعة.

بعد هذا العرض المعجز يأتي التنبيه إلى خطورة التكذيب بالصنعة وقدرة خالقها: وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبذس المصير. ثم يشرح مضمون العقاب مع سؤال استنكاري: إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟

ثم تأتي إجابة السؤال بما يبين أنه أسقط في أيديهم، وندموا: قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما أنزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير، وقالوا لوكنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. مشكلة الطالب المقصر أنه لا يُعمل عقله فيما يرى أو يسمع. فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير.

إذا كان هذا جزاء السلبية في تلقي العلم، فما تكون الإيجابية في تلقيه؟ الإيجابية هنا الفهم الواعي للقضية وإدراك أبعادها، والاستفادة منها نتيجة لإدراكه للمكسب الذي يتحقق من هذه الاستفادة: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير، وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير!

 

تنتقل الآية التالية إلى طرح جانب آخر من القضية، غير السموات السبع، وهو الأرض: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور. ثم تعرض رؤية مسبقة لعدم التصديق، وهذا السبق لأن مثل السموات السبع بعيد إلى حد ما عن الإدراك، أما مثل الأرض فهو واقع معاش، ومن هنا يستخدم أسئلة استنكارية متتابعة ومتدرجة في درجات الضغط على المكذب: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور؟ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير، ولقد كذب الذين من قبلكم فكيف كان نكير؟ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير، أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور! أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عنو ونفور! أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم!

وإذا كان السائل من خلال عرض أسمائه الحسنى وقدراته العظيمة، قد لا حق المكذب بأسئلة عديدة متوالية ومفحمة، فقد عاجله بإجابات شافية مفحمة أيضا: قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون، قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون،. فإذا حاول المكذب أن يتعلل لاحقه بإجابات أشد لا تغفل التمثيل المقنع والمؤكد: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين، فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون، قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم، قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين، قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين. صدق الله العظيم.   

يا رجال العلم يا ملح البلد/ من يصلح الملح إذا الملح فسد (سفيان الثوري)

 

أخبار ذات صلة

في الحقيقة! إن الإنسان ليقف مندهشاً؛ ومحتاراً، والألم يعتصر قلبه، والدموع تنهمر من عينيه، حزناً وأسىً ولوعةً، أمام هذه الظاهرة العجيبة، الغريبة، المتكررة ... المزيد

من تأمل في تصرفات الولاة الغلاة في الظلم؛ وجد أن مقصودهم الأكبر وراء مظالمهم؛  هو إهانة ضحاياهم وإهدار كرامتهم..  ولذلك كان جزاؤهم من جنس عملهم في ا ... المزيد

نحن الآن بين من يرى أن زينة المرأة التي يراها الناس كحل وخاتم وقلادة وخلخال وغداً مكياج خفيف قياساً على الكُحل وانسيال ظريف قياساً على الخاتم وهلم جرّة، ... المزيد

                              ( ٢ )

توقفت في المرة السابقة وأنا أتحدث عن أخي الأكبر المهندس/ كرم محمد زهدي، ... المزيد