البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

خليل العنانى.. يكتب: إخوان مصر والدرس الإندونيسي

المحتوي الرئيسي


خليل العنانى.. يكتب: إخوان مصر والدرس الإندونيسي
  • د. خليل العنانى
    03/09/2014 07:05

ما يمر به إخوان مصر الآن من قمع وقهر ممنهج ليس استثناء، وإنما حدث مع أحزاب وجماعات تنتمني لنفس المدرسة الفكرية والإيديولوجية للإخوان، ولكن مع فارق مهم هو قدرة هذه الجماعات والأحزاب على تطوير أفكارها ورؤاها واستراتيجيتها والتخلص سريعاً من عقلية “المحنة” والبكاء على اللبن المسكوب. صحيح أنه لم يتعرض فرع لجماعة الإخوان لنفس حالة القمع والقهر التي تتعرض لها الجماعة الأم الآن، وهو ما قد يفسر ولو جزئيا عدم انفتاح الجماعة وإصرارها على تكرار الأخطاء كل مرة وبنفس الطريقة، ولكن الصحيح أيضا أن البنية التنظيمية والفكرية للجماعة الأم تتحمل جزء مهم من المسؤولية عما يحدث لها منذ خسارتها للسلطة قبل عام. ومن الواضح أنه لا أمل فى نجاة الجماعة من المأزق الراهن دون إجراء جراحة فكرية وتنظيمية عميقة تعمل على إعادة بعث وإحياء الجماعة وتنجز تغييراً جذرياً فى الفكر والقيادة والاستراتيجية. وقد قامت فروع وحركات وأحزاب إخوانية عديدة حول العالم بعمل مراجعات لأفكارها واستراتيجتها أنقذت بها نفسها وأفكارها وشبابها من حالة العدمية والتخبط‫. وسأذكر مثالا واحداً فقط هو إندونيسيا وذلك لمعرفة الفروق في المرونة والحركة والاستعداد للتغيير من أجل البقاء والتأثير. في إندونيسيا حزب اسمه "حزب العدالة" Partai Keadilan تم إنشاءه بعد سقوط سوهارتو عام ١٩٩٨ وذلك ضمن مجموعة أحزاب وتجمعات إسلامية أخري ظهرت فى إندونيسيا خلال تلك الفترة (مثلما حدث في مصر بعد ثورة ٢٥ يناير). حزب العدالة الاندونيسي كان يتبني الفكرة الإخوانية الكلاسيكية حول شمولية الإسلام باعتباره إيديولوجية عابرة للحدود والثقافات والهيمنة على كل مجالات الحياة. وكان يعتبر الشريعة هي القانون الوحيد الذي يجب تطبيقه من أجل التخلص من كل المشاكل (وهي الفكرة التي لا تزال مهيمنة داخل الإخوان وخارجها)، وأن تطبيق الشريعة هي الطريقة الوحيدة لمواجهة الغرب والصهيونية العالمية التي تحاول تقويض الإسلام‫… إلخ‫. الحزب أيضا كان يرفض فكرة الدولة الحديثة تماما ويراها أداة استعمارية غربية هدفها إنهاء الخلافة لذا فإن أحد أهم أهداف حزب العدالة الاندونيسي هو استعادة الخلافة. ولم ينجح الحزب فى حل الخلاف والتناقض بين فكرتي الدولة الوطنية والأمة الإسلامية. الأكثر من ذلك فإن الحزب كان يعتمد على فكرة "التربية" ويستخدم نفس المصطلحات والتقسيمات الإخوانية (الأسر، الكتائب، المعسكرات، الرحلات، الندوات...إلخ) فى التنشئة الداخلية. دخل ‫“حزب العدالة‫” الانتخابات التشريعية عام ١٩٩٩ (بعد سنة واحدة فقط من سقوط سوهارتو، ولكنه لم يحصل سوى على ١,٤ ٪ من الأصوات وهي النسبة التي لم تؤهله لدخول البرلمان الذي يشترط حصول الحزب على نسبة ٢٪ من المقاعد (نظام العتبة البرلمانية أو الحد الأدني) كي يتم تمثيله فى البرلمان. كانت نتيجة انتخابات ١٩٩٩ صادمة بالنسبة للحزب وقياداته وقواعده اللي كانوا متخيلين إن "الشعب معاهم" وإن "الشعب إسلامي ومتدين بطبعه هيصوت لحزبهم" بكل أريحية. وكان السؤال: ماذا يجب أن نفعل؟ قام الحزب على الفور بعمل مراجعات داخلية لمعرفة أسباب الهزيمة وقام بالتالي: - تغيير اسم الحزب من "حزب العدالة" إلى "حزب الرخاء والعدالة" Partai Leadlian Sejahtera أو اختصارا PKS وكان هذا مؤشر على تحول تدريجي من مسألة العموميات والكليات الإيديولوجية إلي القضايا والهموم التفصيلية بالتركيز على فكرة التنمية والرخاء والنجاح الاقتصادي (الهروب من فكرة الصراع الهوياتي). - تم التراجع عن الفكرة الدوجمائية التي تعتبر الشريعة هي الأداة الوحيدة للتخلص من المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في إندونيسيا والتركيز على الأدوات الفعلية كمحاربة الفساد والتنمية والنمو الاقتصادي ومحاربة الفقر وإيجاد وظائف. - تم التركيز (أو العودة إلى) فكرة الإصلاح الأخلاقي للفرد والمجتمع ليس من خلال الحصول على السلطة وإنما العمل وسط الناس (العودة لمسألة الدعوة وهي الفكرة الأصلية للإخوان). والتركيز على مسألة إصلاح التعليم كمدخل مهم في هذا الإطار. - تم التخلص من فكرة الأممية واحترام فكرة الدولة-الوطنية والديمقراطية. - اعترف الحزب بمسألة علمانية الدولة باعتبارها شرطا للديمقراطية الليبرالية وتم التركيز على المجتمع. - تم التراجع عن فكرة الشمولية كفكرة دوجمائية مغلقة والتركيز على فكرة الإصلاح التدريجي والجزئي. - اعترف الحزب بفلسفة "البانكاسيلا" وهي الأساس الدستوري والأخلاقي الذي تقوم عليه الأمة الاندونيسية وتتكون من خمس مبادئ عامة (التوحيد، التحضر الإنسانوي، الوحدة، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية) وتم دمجها ضمن مبادئ الحزب. وقد كانت نتيجة هذه المراجعات والتحولات ما يلي: - مشاركة الحزب فى انتخابات ٢٠٠٤ والفوز بحوالي ٧,٤ من المقاعد والتي زادت بعد ذلك فى انتخابات ٢٠٠٩ إلى ٧,٨٪ وقد تصدر الحزب بقية الأحزاب الاسلامية فى انتخابات ٢٠١٤. - أصبح الحزب يقدم نفسه باعتباره حزبا إسلاميا إصلاحيا معتدلا متصالح مع هويته وثقافته المحلية وهو ما حقق له مكاسب فى أوساط حضرية وريفية لم تكن ضمن دائرة مؤيديه. - تجنب الحزب الاصطدام بالدولة الاندونيسية واستطاع تطوير أفكاره وقدراته للبقاء والتأثير. الملفت أيضا إن مراجعات الحزب وتحولاته أثارت كثير من الانتقادات داخل صفوفه وخارجها وجاء الاتهام من طرفين متناقضين: طرف يرى أن الحزب تخلي عن دوره الدعوي وانخرط فى السياسية أكثر من اللازم وقبل باللعبة العلمانية وشروطها، وطرف أخري يري أن الحزب يقوم فقط بمناورة سياسية ويخفي أهدافه الحقيقية حول إقامة الخلافة والدولة الإسلامية. وكان رد فعل الحزب على هذه الانتقادات هو ابتكار أدوات جديدة للتواصل مع الجمهور وتوسيع قاعدته الاجتماعية. الطريف أن الملهم الرئيسي للحزب ونجاحه، حسبما يقول قادته، هي الأفكار الأصلية لحسن البنا والذي يعتبر بمثابة الأب الروحي للحزب ويتم معاملته كقديس فى أوساط الإسلام السياسي الإندونيسي‫. صحيح أن ثمة اختلافات كثيرة بين السياقين السياسي والاجتماعي في مصر وإندونيسيا، ولكن الصحيح أيضا أن إخوان إندونيسيا تعلموا الدرس مبكراً واجتهدوا في تطوير رؤاهم وأفكارهم واستراتيجيتهم كي يضمنوا البقاء والتأثير وهو الدرس الأهم الذي يجب على إخوان مصر أن يتعلموه‫ وبسرعة.

أخبار ذات صلة

قالت حركة النهضة الإسلامية، أكبر حزب في تونس، يوم الخميس إنها ستدعم أستاذ القانون السابق قيس سعيد في جولة الإعادة با ... المزيد

مما ينكر من التشديد أن يكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير دار الإسلام وبلاده الأصلية، أو مع قوم حديثي عهد بإسلام، أو حديثي عهد بتوبة.

المزيد

المقال السابق دار الحديث حول نقطتين " الهجرة قمة التضحية بالدنيا من أجل الآخرة وذروة إيثار الحق على الباطل" و " صعاب الهجرة لا يطيقها إلا مؤمن يخا ... المزيد

إستكمالاً للمقال السابق المعنون " السياحة الإسلامية.. الواقع والمستقبل"، نواصل الحديث عن أسواق الحلال.

ولعل الشيء اللافت للنظر ... المزيد

** مهما كانت احتمالات تطورات الأحوال في مصر وما حولها من بلاد المسلمين..فإنها تؤذن بمرحلة جديدة..

نرجو أن تكون عاقبتهاخيرا.. وسبحان من ... المزيد