البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

خطيئة ابن خلدون

المحتوي الرئيسي


خطيئة ابن خلدون
  • محمد جلال القصاص
    09/04/2018 07:25

الاحتفاء بابن خلدون جاء من الغرب بداية، ثم انتشر بيننا بفعل المستشرقين وتلامذتهم من بني جلدتنا؛ وحين انتشر ذكره بيننا حمله عامتنا على رؤوسهم دون أن يتحققوا مما يقول؛ وراح بعض المنبهرين بكل مشهور يأخذون من كلام ابن خلدون جملًا وأفكارًا صحيحة في ذاتها دون سياقها، أو دون أن ينتبهوا للسياق العام الذي قدر غرسوا فيه، والهدف العام الذي يدفعون إليه، وقد تكون التفاصيل صحيحة والسياق فاسد، وقد يكون السياق!

اهتم الغرب بابن خلدون لشيءٍ رئيسي أحدثه في الفكر الإسلامي هو الانطلاق من الواقع الذي يحياه الناس، بمعنى أن تكون القيم المطبقة في حياة الناس هي القيم الحاكمة، بمعنى أننا قد هزمنا وغرست فينا قيم غيرنا، فعلينا أن نستسلم ونتعامل مع الواقع، بمعنى أن نستدبر الجيل الأول وسيرته ولا نحاول استعادتها من جديد فقد تغير الواقع ..علينا أن نكون واقعيين، كما يقولون!!

لهذا يحفلون به؛ وهذا ما قد غرس في حس كثيرٍ ممن يتحدثون للناس: أن نقطة الانطلاق هي الواقع. أن نكون واقعيين!!

وثمة خلط.

الواقع نقطة انطلاق للتشخيص، للتعرف على المناط كي نأتي له بالحكم الصحيح إذا كان المقام افتاء، أو نبحث له عن الدواء إذا كان المقام دعوة وإصلاح، ولكن الواقع –أبدًا- لا يكون مصدرًا للقيم الحاكمة. بمعنى أن القيم هي التي تصوغ الواقع. فكل مجتمع تطبيق لمجموعة من القيم، أيًا كان وصفها. وكل قيم تغير الواقع مهما كان الفرق بينها وبينه إذا وجدت من يغرسها ويرعاها؛ كما حدث في النموذج الإسلامي الأول، فقد تبدد ظلام الجاهلية الدامس الذي كان يخيم على الأرض بأكملها إلا قلة قليلة من "الأحناف"، وما هي إلا سنوات معدودة حتى خرج الناس من مستنقع الكفر الآسن إلى مرتع الإيمان البهي.

 

وفي واقعنا المعاصر نموذج شديد الوضوح يشهد بأعلى صوته على كذب من ادعى حتمية الواقع، أو من اختلت عنه الرؤية فظن أن الواقع يفرض مفاهيمه على الجميع. هذا النموذج هو تمكن الإباحية (الجنسانية كما يسميها مشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية)، من المجتمعات الغربية وظهورها في المجتمعات الإسلامية وكادت أن تتمكن منا كما تمكنت من غيرنا. فقد كانت المجتمعات الغربية إلى وقت قريب محافظة لا تعرف التعري. بل، ولا تعرف غير الحجاب وقرار النساء في البيت، حتى دبت منظومة الإباحية (أيدلوجيا الإباحية) ووجدت من يحملها إيمانًا بالرذيلة وبغضًا في الفضيلة، أو تكسبًا من حيث لا يحل، أو وسيلة لسياسة الناس.

وكما تمكنت منظومة أفكار (أيدلوجيا) الإباحية من المجتمعات الغربية والجنوبية تتمكن اليوم من مجتمعاتنا، فهذه أفكار تغير واقع، ثم يأتي المؤمنون بخطيئة ابن خلدون يصرخون بحتمية الواقع، وكأن هذا الواقع لم يتم صياغته من خلال مفاهيم حملها قلة من الناس تمردوا على واقعهم وعالجوه بها حتى أعادوا تشكيله.

ومما جعل الأمر يلتبس على بعضهم أن أغلب الناس تبع، يخضعون للواقع في كل شيء .. أغلب الناس مع ما ذاع وانتشر، في عقائدهم وفي خاصة أمرهم. يرددون ما يتردد، ويلبسون ما يلبس وإن كان محرمًا، ويأكلون ويشربون ما يؤكل وما يشرب وإن كان مما لا يضر ولا ينفع. فالواقع هو أبو هؤلاء وسيدهم وهم أتباعه، وهم الكثرة الكاثرة، ولكن الواقع الذي يسوق هؤلاء حيث يشاء هو هو بنفسه تبع لفئة قليلة تؤمن بفكرة وتُخضع لها الواقع، وإنهم في كل زمانٍ ومكان .. صالحون أو مفسدون.

والآن الآن في الغرب ظهرت نظريات تنقد الواقعية، أعني البنائية Constructivism وباقي الاتجاهات النقدية، التي تتحدث عن القيم ودورها في صياغة الواقع، فما يزدهر عندنا الآن في كتابات كثيرة (أوضحها الآن علي الوردي، وهو غربي التكوين والهوى) تم تجاوزه غربيًا.

ألا إن ابن خلدون قد جاء على فترة من العز..بعد أن كُسر المسلمون في الأندلس ودخل النصارى عليهم في المغرب واحتلوا أطراف العالم الإسلامي وهاجموا قلبه، فراح ـ بقصد أو بدون قصد- يقول بسيادة الواقع. والواقع فقط يسود على الهمج ويأخذهم حيث شاء، والواقع ذاته بيد فئة من الناس.. أولئك الذين يحرسون القيم ويستنبتونها.

 

أخبار ذات صلة

تتواكب الذكرى التسعين لتأسيس جماعة الإخوان مع تحركات محمومة لحصار الجماعة دوليا وتصنيفها جماعة إرهابية، لشل حركتها، وتجفيف منابعها المادية والبشر ... المزيد

ليس من شِيَم الكرام التلاوم والتخوين في مثل هذا اليوم الحزين. لقد صمدت دُوما كما صمدت حرستا وسقبا وزملكا وجوبر وعربين وسائر بلدات القطاع الأوسط من ق ... المزيد

تحدثت في المقال السابق عن المرحوم الأستاذ/ عادل حسين، وذكرت فيه جزءًا كبيرًا من سيرته الذاتية، ولم يبق إلا جزء صغير منها، ولكن قبل استئناف الحديث عن ... المزيد

(النظام الدولي) القائم على الظلم والفساد والإلحاد، هو بلاشك منظومة متكاملة من وحي الشياطين لأوليائهم ، ولهذا كانت عداوة قادته وسدنته للوحي الإلهي ا ... المزيد

تعليقات