البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

حسن حنفي في الميزان (2-2).. أخطاء فاضحة

المحتوي الرئيسي


حسن حنفي في الميزان (2-2).. أخطاء فاضحة
  • د. إبراهيم عوض
    07/11/2021 04:15

ثم مضى سيادته فقال إن النهيق لا يُسْمَع إلا حين النداء أو الدعاء أو الصراخ، وهو كلام غامض لا يؤدى أى معنى، وإلا فمن قال يا ترى إننا لا نسمع نهيق الحمير إلا حين يكون هناك دعاء ونداء وصراخ؟ ثم من يا ترى ينادى من؟ هل الحمير تنادى البشر أم هل البشر ينادون الحمير أم هل الحمير تنادى الحمير أم هل البشر ينادون البشر؟ الكلام غير واضح. وأيا ما يكن الجواب فالحمير تنهق سواء كان هناك نداء أو لا. ولا شك أن الحمير حين تنهق فإنما تريد التعبير عن شىء: فقد يرى الحمار أتانا ويريد أن يسافدها فينهق، وقد يرى حميرا مثله فيأتنس بها فينهق. أريد إلى القول بأن ما كتبه الأستاذ الدكتور من أن النهيق صوت فارغ لا معنى له هو كلام خطأ، فالله قد جعل الأصوات للحيوانات والطيور وغيرها من الكائنات الحية لكى تستخدمها فى التعبير عما تشعر به من فرح أو ألم أو خوف أو جوع وعطش أو شهوة جنسية. فتأمل كم من الأخطاء اجْتُرِحَتْ فى هذا السطر والنصف.

ومن أغاليطه الصرفية المحزنة قوله إن "الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إلى الرسول وكأنهم مغشيون عليهم من الموت" (ص84). والصواب "وكأنهم مَغْشِىٌّ عليهم من الموت". ومثلها قوله: "وإن رأته تقع مغشية عليها من الموت" (ص105)، والصواب "تقع مغشيًّا عليها من الموت". وعلى هذا ينبغى أن نقول مثلا: "تلك النافذة مجلوسٌ أمامها"، و"هؤلاء النسوة منظورٌ إليهن ومُعْجَبٌ بهن"، و"هذان الطفلان مَقُولٌ لهما"، و"هاتان الفتاتان مشعورٌ نحوهما بالعطف"، و"أولئك العصاة مسخوطٌ عليهم": كل هذا باستخدام اسم المفعول بصيغة المفرد المذكر مهما كان المتحدَّث عنه: رجلا أو امرأة أو اثنين أو اثنتين أو جماعة ذكور أو جماعة إناث، على أن نطابق بين الضمير المذكور بعد حرف الجر أو الظرف وبين المتحدَّث عنه كما هو واضح. ومن الأغلاط الصرفية المزعجة عند سيادته كذلك قوله: "استرقاق السمع" (ص86). يقصد "استراق السمع". إن "استراق السمع" مشتق من "السرقة"، وهذا هو المراد هنا تعبيرا عن التنصت، أما "استرقاق السمع" فمشتق من "الرق"، وطبعا لا يقول أحد: إننى أسترقّ السمع، أى أتخذه رقيقا، أى عبدا.

ولا تقف أخطاء د. حسن حنفى هنا بل تمتد إلى تعريفاته للأشياء والمفاهيم. تعالوا نسمع كلامه عن "اللحم": اللحم نوعان: طرى شهى، لحم الطير والبحر، ونيئ لا يؤكل مثل لحم الحيوان ولحم الإنسان" (ص36). وبعيدا عن ركاكة العبارة فتقسيم اللحم تقسيم عجيب لا يمكن أن يجول بخاطر أحد. ترى هل هناك فى الطبيعة لحم نيئ ولحم غير نيئ؟ إن كل اللحوم تكون نيئة ثم نطبخها أو نعالجها كى نأكلها، اللهم إلا إذا كنا بشرا متوحشين نأكل اللحوم نيئة، وهذا موضوع آخر. ثم ما الذى أقحم لحم الإنسان هنا؟ هل هو من اللحوم التى تؤكل؟ لقد قيل عن البشر البدائيين إنهم كانوا يأكلون لحوم أمثالهم من بنى آدم، بل إننا حتى الآن ما زلنا نسمع عن حوادث من هذا النوع يأكل اللحم البشرى فيها ناس من أوربا وأمريكا واليابان وغيرها من بلاد العالم المتحضر. لكن هذا كله لا علاقة له باللحم كما ورد فى القرآن. صحيح أن القرآن تكلم عن أكل الإنسان للحم أخيه الإنسان ميتا، لكن هذا كلام مجازى يراد به التنفير الشديد من الغِيبَة كما هو واضح من آية سورة "الحجرات" الشهيرة، ولا علاقة له بتصنيف أنواع اللحم على الإطلاق. ثم إذا كان القرآن قد وصف فى أكثر من موضعٍ لحم البحر بأنه لحم طرى كما فى قوله جل جلاله: "وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا..." (النحل/ 14)، فإنه لم يصف لحم الطير بتلك الصفة قط على عكس ما صنع الأستاذ الدكتور حين جمع بينهما فى صفة الطراوة والشهاوة.

ولدن حديثه عن "النطفة" و"العلقة" (ص35) يقول د. حسن حنفى: "النطفة، مثل العلقة والمضغة، مراحل من تكوين الجنين فى رحم الأم... وقبل النطفة كان الإنسان ترابا قبل أن يولد ويحب له زوجا تؤنسه وتعيش معه... والمنىّ يتكون من كائنات حية داخل الذكر كى يصب داخل البويضة فى رحم الأنثى فيصبح نطفة... ثم تتحول النطفة إلى علقة، والعلقة إلى مضغة، ثم تسوى المضغة رجلا قبل أن تتطور من طفل إلى شيخ". وكان ينبغى أن يكون الكلام على النحو التالى: "النطفة، مثل العلقة والمضغة، مرحلة من تكوين الجنين..." لأن كلمة "مرحلة" هى خبر "النطفة" وحدها وليست خبرا للنطفة والعلقة والمضغة كما هو واضح. لكن عبارة الأستاذ الدكتور ملتوية لا تراعى قواعد اللغة. أما قوله: "وقبل النطفة كان الإنسان ترابا قبل أن يولد" فغير صحيح، إذ كل منا قبل أن يولد لم يكن ترابا، بل كان ينتظر فى عالم الغيب التقاء أبيه وأمه جنسيا وحَمْل أمه به من أبيه. فهذا ما تقوله عبارة الأستاذ الدكتور، وهى كما نرى جميعا عبارة خاطئة وملتوية وركيكة، وهذا ما نقوله نحن. وتزداد الركاكة فى قوله: "قبل أن يولد ويحب له زوجا تؤنسه وتعيش معه".

ثم هل تعريف "المنى" هو القول بأنه مكون من كائنات دقيقة؟ إن الكائنات الدقيقة كثيرة. ولو حصرنا أنفسنا فى الكائنات التى لا ترى إلا بالمجهر لكان عندنا الجراثيم والمكروبات والفيروسات مثلا. فهل هناك علاقة بين المنى وبين هذه الكائنات الدقيقة؟ ثم هل المنى كائنات دقيقة فقط حتى لو قلنا إن الكائنات الدقيقة هى الحيوانات المنوية؟ أليس يحتوى على عنصر الماء وعناصر أخرى غير الحيوانات الدقيقة؟ وهل المنى يصب داخل البويضة فى رحم الأنثى؟ إنه ينصب فى رحم الأنثى لا فى البويضة، ثم يحصل تسابق بين ما يحتوى عليه من حيوانات منوية إلى أن يحرز قصبَ السبق حيوانٌ منوىٌّ واحد هو الذى يصل إلى البويضة ويمتزج بها. ولدينا كذلك قوله عن المنى إنه "يتكون من كائنات حية داخل الذكر". والسؤال: أى ذكر؟ هل هو الذكر الذى يقابل الانثى؟ لكن هل يصح أن نقول إن المنى موجود داخل الرجل، هكذا بإطلاق؟ أم هل المقصود هو العضو التناسلى عند الرجل؟ لكن هل المنى موجود فى العضو التناسلى؟ لقد كان موجودا فى الخصية لا فى الذكر، إذ الذكر هو مجرَّد مَجْرًى يمر منه البول والمنى والْمَزْى والوَدْى ليس إلا ولا يحتوى شيئا من ذلك. فانظر إلى ما قال الأستاذ الدكتور وما يقع فعلا. واضح أنه يكتب كل ما يخطر له دون تفكير أو مراجعة أو تدقيق للعبارة. والغريب أنه يعود (ص880) فيقول عن المنى إنه "يخرج من بين الصلب والترائب، أى من العمود الفقرى والبيضتين". وواضح أنه نسى ما قال قبلا، وهذا دليل على أن ما يكتبه إنما هو من وحى اللحظة دون أن تكون هناك فكرة متكاملة منضبطة ثابتة.

وفى الكلام عن "الرأس" يقول سيادته: "والرأس مكان الشعر والحلاقة فى شعائر الحج كعلامة على الطاعة، إذ يدخل الحجيج المسجد الحرام محلقى الرؤوس عنوانا على نظافة الجسد، وربما بقايا من الديانات الشرقية القديمةكالبوذية التى تحلق الرأس كلية. وقد تكون إطالة شعور الهيبيز ورفض الذهاب للحلاق رد فعل على ذلك بعد أن أصبح تصفيف الشعر والتفنن فيه من علامات الطبقة الراقية والحياة المصطنعة" (ص38- 39). ويلفت النظر قول الأستاذ الدكتور إن الرأس مكان الشعر فى الحج. وهو كلام يوحى بأن الشعر فى غير الحج ليس مكانه الرأس. فالمشكلة هنا هى مشكلة ركاكة التعبير مضافا إليها أن الشعر فى الحج أو فى غيره لا يوجد فى الرأس فقط بل فى أماكن أخرى: فالرجال لهم شعر على خدودهم وتحت أنوفهم وعلى أذقانهم وعلى أذرعهم وسيقانهم وصدورهم وحول أعضائهم التناسلية وتحت الإبطين. وللنساء شعر تحت آباطهن، وحول أعضائهن التناسلية. كذلك فالتحليق ليس فريضة لازمة فى الحج والعمرة بل يجوز التقصير، وهو ما أغفله أو نسيه الأستاذ الدكتور. ثم إنه أغفل أيضا أن الحاج الذى يعانى من المرض أو الأذى فى الرأس يعفى من التحليق والتقصير مع فدية من صيام أو صدقة أو نسك كما تقول الآية 196 من سورة "البقرة" رغم إثبات الأستاذ الدكتور لها فى الهامش رقم 6.

وهنا نتساءل ومعنا كل الحق: ما معنى هذا الربط بين التحليق (أو التقصير) فى الحج وحلق البوذيين رؤوسهم والزعم بأنهما بقايا من البوذية وغيرها من الديانات الشرقية القديمة؟ أهو كلام والسلام؟ أم إن المراد هو إشاعة البلبلة والتشكيك على أسلوب المستشرقين والمبشرين فى عزوهم كل شىء فى الإسلام إلى أديان سابقة، ومنها أديان وثنية؟ وإلا فمتى كان للإسلام صلة بالبوذية؟ كذلك ما معنى ذكر الهيبيز هنا؟ المفهوم من كلام سيادته عن الهيبيز أنهم حين أطالوا شعورهم إنما قاموا برد فعل على حلاقة الرأس فى الإسلام والبوذية وغيرها. ترى هل كان الهيبيز يعيشون فى مكة عند قيام المسلمين بشعيرة التحليق أو التقصير أو فى بلاد الهند مثلا وقت حلاقة البوذيين التامة لرؤوسهم كما يقول الأستاذ الدكتور حتى يقال إن إطالتهم شعر رؤوسهم هو رد فعل على هذا وذاك؟ الجواب: لا طبعا. إنما هى ذرابة لسان ليس إلا.

ومما قاله سيادته أيضا فى هذا السياق أن "طأطأة الرأس ووضع الجبين على الأرض رمز الخضوع" مشيرا إلى قوله تعالى الذى أورده فى الهامش (ص39/ ه3): "فلما أسلما (أى إبراهيم وإسماعيل) وتَلَّه للجبين (أى تل إبراهيمُ إسماعيلَ للجبين استعدادا لذبحه كما رأى فى منامه ظنا منه أن هذا أمر إلهى واجب التنفيذ)، و"يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم". وهذا كلام لا شىء فيه، إلا أنه لا مكان هنا للآية الأخيرة التى لم يكتف سيادته بالاستشهاد بها بل حذف منها بقيتها، ولا نعرف الحكمة فى هذا الحذف، وبقيتها هى "(فتكوى بها جباههم) وجنوبهم وظهورهم"، ثم مرة أخرى لم يكتف بذلك، بل أتبعه بالقول بأن "الأرض ليست فقط مكانا للنبات الأخضر للطعام، بل هى أيضا مكان للصراع السياسى للإقامة"، وهو كلام لا موضع له هنا بتة، إذ لا يوجد نص قرآنى يتصل به، فضلا عن ركاكته وكأن كاتبه أجنبى.

ويعرف د. حسن حنفى الجوع بأنه "إحساس بدنى، وهو ناتج عن نقص الطعام والشراب" (ص64). وفى هذه الجملة القصيرة أكثر من خطإ، فالجوع يرتبط بالطعام، أما الشراب فمرتبط بالعطش. ومع ذلك يخلط الأستاذ الدكتور بين الأمرين كما لو كانا شيئا واحدا هو الجوع. كما أن الإنسان قد يشعر بالجوع ويقبل على الأكل لإسكات صرخات بطنه على حين تكون بطنه ممتلئة بالطعام، فقد أكل قبل قليل ولم يهضم ما أكله بعد، لكنه رغم هذا لا يزال يشعر بالجوع. أى أن جوعه هنا نفسى لا بدنى. وكثير من الناس ينتمون إلى هذا النوع، ويسمى الواحد منهم: "أكولا وشرها ومبطانا ونهما". كذلك فالمصابون بالسكرى يشعرون أكثر من سواهم بالجوع رغم أن بطونهم ليست فارغة كما يظنون ويشعرون. وهنا يتبين لنا أن تعريف د. حسن حنفى "الجوع" بأنه "إحساس بدنى" لا يستغرق كل الجوعى بل صنفا واحدا منهم فقط. وعلى الناحية الأخرى هناك من لم يأكلوا، وبطونهم فارغة، لكنهم لا يشعرون بالجوع كما هو الحال مثلا فى حالات الحزن أو الفرح الشديد أو الاستغراق التام فى العمل مما يلهى صاحبه عن الوعى بالجوع. وليس الجوع دائما "بلاء يقترن بالخوف ونقصا فى الأموال والعرى، أى عدم الشجاعة على تنمية الموارد ونقصان أموال الاستثمار" كما جاء فى كلام الأستاذ الدكتور، بل كثيرا ما يجوع الإنسان (ويعطش أيضا) صياما أو تدريبا روحيا أو رغبة فى الرشاقة أو إضرابا عن الطعام أو نزولا على نصيحة الطبيب لسبب أو لآخر.

وفى نفس الصفحة يتناول د. حنفى تعريف "المرض" قائلا: "وللمرض معنيان: مرض الجسد الذى يعتنى به أطباء الأبدان، ومرض القلوب الذى يعتنى به أطباء النفوس. الأول يعبر عنه بـ"المريض"، والثانى بـ"المرض"...". ترى هل فهم أحد شيئا؟ كيف يعبر عن "المرض" بالمريض؟ ثم كيف يعبر عن "المرض" بالمرض؟ ثم يمضى الأستاذ الدكتور فيقول إن "مريض البدن قد يكون أعرجًا أى مصابا بعاهة بدنية تمنعه من الحركة أو أداء الشعائر الدينية". وأول شىء ننبه إليه هو أن الأستاذ الدكتور ينون الممنوع من التنوين فيقول: "أعرجًا"، وصوابها "أعرجَ" بفتحة واحدة، وهذه من الكلمات التى يعرف الجميع أنها لا تنون والتى لا تحتاج إلى تعمق فى النحو. والمفروض أن سيادته تعلم النحو والصرف مرارا فى المدرسة فى مراحلها الثلاث. ومع ذلك فهذه هى النتيجة. وقد تكرر وقوعه فى نفس الخطإ فى قوله: "ومن لا يعقل يكون أصمًّا أبكمًا أعمى" (ص13)، وتصويبها "أصمَّ أبكمَ أعمَى" بدون تنوين كما شرحنا آنفا.

ثم ننتقل الآن إلى النظر فى تعريف "الأعرج"، فهل الأعرج يكون مصابا بعاهة بدنية (هكذا دون تحديد مكانها من بدن الإنسان) تمنعه من الحركة؟ ترى متى كان العرج مانعا لصاحبه من الحركة؟ إنه يتحرك ويمشى ويقوم ويقعد وينام ويدخل الحمام ويذهب إلى عمله، وإن كان بشىء من المعاناة، لكن عاهته لا تمنعه من الحركة. ثم متى كان العرج مانعا للمصاب به من تأدية الشعائر الدينية؟ هل العرج يمنع صاحبه من الصيام؟ هل يمنعه من الزكاة؟ هل يمنعه من الحج؟ ولنفترض أنه يخشى الإرهاق فى الطواف وما إلى ذلك أفلا يستطيع أن يؤدى هذه الشعيرة محمولا على الأعناق؟ كذلك هل يمنع العرج صاحبه من الصلاة؟ إنه يستطيع أن يصلى جالسا أو قائما أو نائما حسب حالته. بل إنه حتى لو كان مشلولا شللا تاما فبمكنته الصلاة بجفونه أو حتى بفكره كما نعرف جميعا. إذن فتعريف الأستاذ الدكتور لـ"العرج" هو أيضا تعريف خاطئ تماما ومرتبك ومربك، ولا يصلح فى الكتابة العلمية ولا حتى فى الكتابة غير العلمية.

ثم ننتقل نقلة أخرى مع الأستاذ الدكتور، فنجده فى الصفحة التالية يعرّف "المكان" على النحو التالى: "المكان، وله معنيان: حسى ومجازى. الحسى هو المكان". أى أن المكان هو المكان، كمن يفسر الماء بعد الجهد بالماء. ويا له من تعريف منطقى جامع مانع! (ومثل ذلك قوله ص336: "الحَلِف هو القسم بالله للتصديق. وإذا كان الحالف يعلم أنه كاذب فهو دليل على الكذب أكثر منه برهانا على الصدق"). أما المكان المجازى فتعريفه عنده "هو عدم العناية والإهمال". فانظر وتأمل هذا التعريف العجيب الذى لم يقل به أحد من الأولين ولا من الآخرين!

وفى الصفحة الثالثة عشرة بعد المائتين يعرّف سيادته "التخافت" بأنه "هو الصوت المنخفض إلى درجة التمتمة، وعدم سماعه كما يحدث فى لحظات التآمر، وهو عكس الصراخ. وهو تآمر ضد المساكين والمظلومين. وقد ورد اللفظ ثلاث مرات فى صيغ فعلية مما يدل على أنه فعل ذاتى. والصلاة بين ارتفاع الصوت والتخافت" (213). وهذا تعريف يحتاج إلى إعادة نظر، فالتخافت ليس صوتا كما يقول الأستاذ الدكتور بل هو طريقة من طرق تأدية الصوت. ونحن لو قلنا مثلا: "فلان يُعَلِّى صوته" فهل نسمى "التعلية" صوتا؟ طبعا لا، إذ التعلية شىء، والصوت شىء آخر. وبالمثل إذا قلنا: "خفص صوته" فلا يصح أن نقول إن "الخفص صوت". ولكى يكون كلامى واضحا أقول إننا كثيرا ما نقول: "ضوء خافت"، فننقل الخفوت من الصوت إلى الضوء. ومثله قولنا: "فلان خافت"، أى ضعيف هزيل. ويمكننا أيضا أن نقول:"خَفَتَ الرجل"، أى مات فجأة، و"خفتت دقات قلبه"، أى صارت واهنة، و"خَفَتَ السحاب" حين لا يكون فيه ماء، و"خَفَتَ الزرع" عندما لا يطول، و"خافتت الإبل المضغ" إذا اجترت، و"التَّخافُتُ" هو تَكَلُّف الضَّعْف والسُّكون. كذلك نسى سيادته أن يتعرض للتخافت يوم القيامة حين يتخافت المجرمون فيما بينهم عند اختلافهم حول المدة التى قضوها فى البرزخ. وهو تخافت المرتعبين من ربهم لا المتآمرين على أمثالهم من البشر كما هو واضح. أما أن التخافت فى القرآن فعل ذاتى لأنه ورد بصيغ فعلية فأرجو أن يشرح لى أحد معنى هذا الكلام.

وفى تعريف سيادته لـ"الخَبْت" يقول إنه "يعنى الطاعة"، ثم يقول بعد سطرين إنه ورد فى القرآن "بصيغة اسمية هى "الخبء" من "خبأ"، وهو المخفى فى السماوات والأرض وفى القلوب والذى يعلمه الله" (ص337). وطبعا لا علاقة بين "خبت" و"خبء"، بل هما لفظان مختلفان لكل منهما طريقه الخاص. لكن الأمور عند الأستاذ الدكتور ينقصها التدقيق والتحقيق، وكل ما يخطر على سن قلمه فإنه يترك القلم يكتبه، مريحا نفسه بهذه الطريقة من هم التقليب والبحث.

وفى تصنيف الألفاظ الخاصة بالزمان يقسمها الأستاذ الدكتور إلى خمسة أنواع: "الزمان الوجودى المرتبط بالدنيا والآخرة والحياة والموت. والزمان الطبيعى أو الكونى المرتبط بالليل والنهار والفجر والضحى والظهر والعصر والمغرب والعشاء. والزمان المتخيل، وهو ما يتعلق بالزمان ما بعد الموت حين يخيل الإنسان عودة الحياة إليه وقيام الساعة ويوم الحساب. والزمان النفسى الذى يميز من الخلود والأبد والدهر والقرن والسنة حتى اليوم والساعة والأمس واليوم والآن والغد. والوعى بالزمان الذى يتجلى فى حروف الزمان مثل القَبْل والبَعْد والْمَعَ والذى يضم جميع أنواع الزمان الأخرى" (ص221).

وهذه التقسيمات غير دقيقة ومتداخلة، وبعضها خاطئ. وأبدأ أولا فأجلى الخطأ النحوى الأبلق الذى وقع فيه الأستاذ الدكتور حين سمى "قبل وبعد ومع" حروف زمان. فالواقع أنه لا يوجد فى لغتنا شىء اسمه حروف الزمان. والكلمات التى أوردها سيادته هى ظروف لا حروف. وقد كرر (ص315) أن "مع" حرف، وبعد قليل يتحدث عنها باعتبارها مضافا. ومعروف أن الحرف لا يضاف بل يدخل على الكلمة التى تأتى بعده، فعلا كانت أو اسما. وفى ذلك الموضع يقول أيضا إن الله لا معية له رغم قول القرآن الكريم: "إن الله مع الصابرين، ومع المتقين، ومع الذين أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ومع المحسنين، ومع الاثنى عشر نقيبا من قوم موسى ما داموا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤمنون برسله سبحانه ويعزّرونهم ويقرضون الله قرضا حسنا، ومع الملائكة فى بدر حين كلفهم بالقتال فى صف المؤمنين، ومع موسى وهارون عند دعوتهما فرعون إلى إطلاق سراح بنى إسرائيل، ومع النبى والصديق فى الغار، ومع أى عدد من البشر يتناجَوْن. ويقول موسى لقومه يطمئنهم قبل انشقاق البحر لهم بأن فرعون الذى كان يطاردهم بجنوده لن يستطيع إداركهم: "إن معى ربى سيهدين" (الشعراء/ 82). والغريب أن سيادته فى ص316 يقر بأن لله معية سوف يحظى بها من يوحد الله. وبعد ذلك بثلاث صفحات يتحدث سيادته عن المعية الإلهية مع المتقين. وفى الصفحة 527 يتكلم عن "العهد مع الله"... فانظر وتعجب.

إذن فلله سبحانه معية، وإن كان عز وجل يرفض أن يشرك أحد من عباده أىَّ إله معه كما جاء فى القرآن مرارا، إلا أن هذا لا ينفى المعية عنه جل وعلا بل كل ما يدل عليه هو أنه سبحانه وتعالى واحد أحد وليس له شريك. ولتقريب هذا المعنى نقول: إن الأب قد يكون له بيت يملكه ويسمح لأبنائه بالعيش فيه ومن ثم يستطيعون الدخول والخروج منه فى أى وقت حسبما تقتضى مصالحهم وظروفهم، ثم إنه رغم هذا يرفض أن يدخل أى من أبنائه البيت بزجاجة خمر أو بائعة هوى أو صاحبٍ ردىء الخلق والسلوك. فهل نقول عندئذ إن الأب لا يملك بيتا؟ طبعا لا يمكن قول ذلك، بل يظل صحيحا القول بأنه يملك البيت، ولكنه فى ذات الوقت يرفض أن تدخله خمر أو بائعة هوى أو صاحب فاسد الخلق والسلوك. فكما نرى فالأستاذ الدكتور لا يراجع نفسه بل يهضب بما يفد على خاطره كيفما جاء.

ثم إن الزمان النفسى ليس هو الذى يميز من الخلود والأبد والدهر والقرن... إلخ بل هو الزمان كما يحسه الشخص طبقا لحالته النفسية: فإذا كان مستعجلا فإنه يحس بمرور الزمن بطيئا مرهقا، وإذا كان يتوقع مصيبة كان مر الزمن عليه سريعا كالبرق. ثم إن الزمان المتخيل لا ينحصر فى تخيل الإنسان لنفسه بعد البعث، وإلا فنحن لا نكف عن تخيل أنفسنا فى الماضى أو المستقبل هنا على الأرض فى أوضاع مختلفة لا تكاد تحصى. ومن ذلك مثلا ما جاء فى رواية "آلة الزمان" للعالم والأديب البريطانى هربرت جورج ولز، تلك الآلة المتخيلة التى صنعها بعض المخترعين لتجوب الزمان فتعود للماضى البعيد أو تقفز إلى المستقبل القاصى. وقد تخيل المؤلف الأوضاع فى كل زمن زاره بطل الرواية بآلته، وغلب عليه التشاؤم فيما يتعلق بالمستقبل البعيد حيث يتوقع أن تشهد البشرية كوارث وبلايا اجتماعية وبيولوجية مرعبة. ولدينا أيضا الزمان الطبيعى أو الكونى، وهو لا يتميز فى كلام الأستاذ الدكتور عن الزمان النفسى، الزمان النفسى حسبما عرَّفه هو لا حسبما عرفته أنا. ويبقى الزمان الوجودى، وهو غير مفهوم لأن الكلام فيه كلام عام ينقصه التحديد. ويبدو لى أن هذا التقسيم هو من بنيات أفكار أستاذى الدكتور، وإلا لجاء أفضل من ذلك وأدق وأوضح وأصوب. ورغم هذا كله فقد ذكر الأستاذ الدكتور فى موضع آخر من الكتاب أن "الموت يعنى وضع نهاية للزمن" (ص274). والسؤال هو: ألم يقل سيادته إن هناك زمنا أخرويا؟ فكيف يضع الموت نهاية للزمن، والزمن الأخروى إنما يأتى بعد الموت؟

وفى تعريف "الود" يقول الأستاذ الدكتور إنه "يعنى التمنى والرجاء، وهى أمنيات مستحيلة" (ص327)، خالطا بين "التمنى" و"الرجاء"، والأول يصعب أو يستحيل تحقيقه، أما الثانى فيسهل، لكن سيادته وضع التمنى والرجاء معا فى كفة واحدة، وجعلهما "أمنيات مستحيلة". وهو مظهر آخر من مظاهر عدم الانضباط التعبيرى عند سيادته. وفى تعريف "العطاء" يقول إن "أعطى" معنى بديهى (ص329). ولا أدرى كيف يكون معنى من المعانى بديهيا، ومعنى آخر غير بديهى. ألا يمكن أن يكون هناك إنسان لا يعرف لتلك الكلمة هذا المعنى؟ ممكن جدا. فالطفل فى بداية تعلمه الكلام لا يعرف لهذه الكلمة معنى. ومتعلم العربية المبتدئ لا يعرفها أيضا... وهكذا. فليس فى الأمر بداهة بل تعلم. فإذا كان الشخص قد تعلم هذه الكلمة فإنه سيعرف معناها، أما إذا لم يكن قد تعلمها فلن يعرف.

ولدن تعريف "الفزع والرعب والقشعريرة والرهبة" نجده يعرف كلا منها على نحو أو على آخر بالخوف مع الارتعاش: فالفزع هو الخوف المفاجئ أو الرعب، والرعب هو الخوف الشديد لدرجة الارتعاش، والقشعريرة هى الخوف الشديد إلى درجة الرعب والارتعاش والرجفة، والرهبة هى الخوف الشديد مع الارتعاش (ص65- 367). فإذا كان الأمر كذلك وكانت كل تلك الألفاظ لها نفس الدلالة فلماذا نعنى أنفسنا بتصنيفها وتعريفها؟ لقد كان يكفى فى هذه الحالة أن نوردها معا ونقول إنها كلها مترادفات وتعنى كذا. وينتهى الأمر عند هذا الحد. وقد لاحظت أنه يستعمل الضمير "هو" لكل كلمة من تلك الكلمات بما فيها الكلمات الثلاث المؤنثة، فيقول: "القشعريرة هو..."، "الرهبة هو...".

وفى تعريف "الضرر" يقول إنه "يصيب الإنسان دون توقع مثل حوادث الطريق والجروح الباطنية، وقد نشأ علم الجراح لهذا السبب. وجلب المنفعة ودفع الضرر مقياس الإيمان بالإله... والصبر يمنع الضرر ويجلب المنفعة مثل الله" (373). ولكن من قال يا ترى إن الضرر يصيب الإنسان دون توقع؟ ثم إذا كان الضرر يقوم على المباغتة، إذ هو غير متوقع، فكيف يدفعه الإنسان، والدفع عنده يعد مقياسا للإيمان بالله؟ ثم من قال بأن جلب المنفعة ودفع الضرر هما مقياس الإيمان بالله؟ إذن فالبشر جميعا مؤمنون بالله إيمانا عظيما لأن البشر جميعا يعملون جهدهم على جلب المنفعة ودفع الضرر لأنفسهم. وهذا طبعا لا منطق فيه ولا عقل. وبالمثل كيف يكون الصبر مانعا للضرر وجالبا للمنفعة؟ لو قال الأستاذ الدكتور إن الصبر مع الإيمان مثلا من شأنه تخفيف الشعور بالحزن والسخط ومساعدة الشخص على التحمل وعدم الإحباط لضربنا له تعظيم سلام. على أن تشبيه الصبر بالله هو كلام لا محل له من الإعراب. إنما هو مجرد حشو تملأ به الصفحات.

وفى تعريفه لـ"السلوى" فى القرآن يقول سيادته: "السلوى حرفيا هو الفداء وتطييب الخاطر والمشاركة الوجدانية. وهى باستمرار مقرونة بالمنّ والطعام المنزل من السماء" (ص391). وواضح أنه يظن أنها هى التسلية مع أن السلوى هى الشعور الذى يحسه الشخص حين يسليه الآخرون مثلا، أما التسلية فهى ما يقوم به الآخرون من أجل تخفيف هذه الأحزان عنه. لكن الأستاذ الدكتور لا يعنى بهذه الدقائق التافهة. هذه واحدة، أما الثانية فتكمن فى أنه لا يعرف أن السلوى هنا لها معنى آخر تماما، وهى طائر السُّمَانَى أو قريب منه. فهى ليست شعورا بل طعاما كان الله سبحانه يرسله على بنى إسرائيل فى برية سيناء ومعه المن، وهو شىء يشبه العسل. هكذا قال المفسرون، وهكذا جاء فى العهد القديم. لكن الأستاذ الدكتور لا قرأ ما كتبه المفسرون ولا رجع إلى ما قاله الكتاب المقدس، بل اكتفى بـ"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم". ومن هنا امتلأ كتابه بالأخطاء العجيبة. وأما فى ص893 فيقول وهو بصدد الحديث عما ينزل من السماء إلى الأرض: "وبالإضافة إلى الماء تنزل الأشياء المحددة كالمن والسلوى والأنعام والخزائن أو العامة كالرزق. والتنزيل للمن والسلوى كما كان الحال عند بنى إسرائيل. وهو ثمرة تنبت بأشجار العراق". فما هى الثمرة التى تنبت بأشجار العراق؟ لقد كان الكلام عن المن والسلوى، فهل هما معا الثمرة المقصودة؟ لكنهما شيئان اثنان لا واحد، فكيف يقول: "وهى ثمرة" ولم يقل: "وهما ثمرتان"؟ أم هل هو يقصد "السلوى" فقط على اعتبار أنها أقرب مذكور للضمير: "هى"؟ لكن هل السلوى ثمرة تنبتها الأشجار؟ إنها طائر. أم هل هى المن؟ لكن هل يصح أن يعود الضمير بغتة على أبعد مذكور؟ ثم ما معنى أن شيئا ما هو ثمرة تنبت بأشجار العراق: هكذا بإطلاق؟ إن معنى ذلك أن هذه الثمرة، أيا كانت، تنبت فى كل أشجار العراق؟ فأية ثمرة هذه؟ ثم لو أننا استبعدنا السلوى باعتبار أنها طائر، وركزنا على المن رغم أن اللغة لا تسمح بذلك كما وضحنا فهل المن ثمرة تنبت فى الأشجار؟

فى مادة "المن" بـ"دائرة المعارف الكتابية" نقرأ أن "المن هو الطعام الذى أمد به الله بطريقة معجزة بنى إسرائيل فى برية سيناء. وقد بدا فى أول ظهوره "مثل قشور دقيق كالجليد على الأرض". فلما رأى بنو إسرائيل قالوا بعضهم لبعض: "من هو؟". ومن هنا جاءت تسميته بـ"المن" (خر 16: 14 و15). "وكان كبزر الكزبرة، ومنظره كمنظر المقل" (عد 11: 7)، أما طعمه فكان "كرقاق بعسل" (خر 16: 13)، أو كطعم "قطائف بزيت" (عد 11: ????...".

وفى تعريف "الصَّرْع" يقول الأستاذ الدكتور: "هى نتيجة سلبية لفعل. أى أنه انفعال. وقد ورد اللفظ مرة واحدة... ويرى الناس صَرْعَى كأنهم أعجاز نخل خاوية" (ص396). والإشارة فى الكلام إلى قوله جل شأنه عن قوم عاد حين أرسل عليهم الريح العقيم: "فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية". وكما يرى القارئ فالأستاذ الدكتور يظن أن قوم عاد قد أصابهم الصرع بينما الصواب هو أنهم كانوا صَرْعَى، بمعنى "هَلْكَى". أى أن هذا المعنى الواضح تمام الوضوح قد غاب عن سيادته. والسبب هو أنه لا يقرأ كتب التفسير والمعاجم والتاريخ بل ينظر فى "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" ويكتب دون تردد أو مراجعة أو تحقيق.

وعند تناوله تعريف "العَنَت" نقرأ ما يلى: "العنت هو العناد والرفض غير المعقول... والعنت موقف ذاتى، وهو موقف متصلب لا يستند إلى عقل أو إرادة حرة" (ص502). وإنى لأتساءل: من أين لسيادته بهذا الكلام الذى لم يرد فى أى كتاب؟ إن "العنت" هو المشقة والمعاناة، لكن سيادته يحولها إلى العناد والرفض غير المعقول. والآيات التى استشهد بها فى الهامش تقول هذا فى منتهى الوضوح. ومنها "لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا. ودوا ما عَنِتُّم". أى ودوا لكم المعاناة والتعب. "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم"، أى يؤلمه أن يراكم تعانون وتتألمون، فهو يعمل بكل طاقته من أجل إزالة هذا العنت. "ذلك لمن خشى العنت منكم". والمعنى أن بمكنة الرجل الذى لا يستطيع الزواج من مُحْصَنة اتخاذ امرأة من ملك اليمين ما دام لا يمكنه العيش بدون امرأة فى معاناة ومشقة. وكالعادة لا يحب الأستاذ الدكتور أن يغادر الموضوع دون اجتراح أخطاء أخرى فادحة، فنراه يستشهد، ضمن استشهاداته عن "العنت"، بقوله عز وجل عن البشر يوم القيامة: "وعَنَتِ الوجوهُ للحى القيوم"، أى خضعتْ واستسلمتْ. وهو معنى معاكس تماما لتعريفه للعنت كما هو واضح. كما أن هذا الفعل ليس من الجذر: "ع ن ت" بل من الجذر: "ع ن و". ولكن د. حنفى ظن أن "عنت" فى "عنت الوجوه للحى القيوم" هو نفسه "العنت" رغم أن "عنت" الأولى فعل ماض من "عنا يعنو"، والثانية مصدر من "عنت يعنت".

وفى تعريفه للنفاق يقول سيادته: "النفاق لا يضاف إلى ضمائر الملكية لأنه لا يمتلكه أحد، فهى صفة طارئة، سلوك وقتى" (ص514). وكلنا يعرف أن اللغة العربية ليس فيها شىء اسمه "ضمائر الملكية"، بل الذى فيها هو الضمائر المتصلة والضمائر المنفصلة. والإضافة لا تعنى أبدا بالضرورة أن المضاف مملوك للمضاف إليه، بل لها معان عدة سوف نتطرق إليها بعد قليل. وحتى عندما تكون للملكية فكثيرا ما تكون طارئة كقولنا: "ثوبك، وساعتك، ونقودك"، إذ ما أسرع ما يتمزق الثوب أو يبلى أو يعطيه صاحبه لفقير مثلا فلا يعود ملكا له. ومثل ذلك قولنا: "رئاسة أحمد للوزارة أو وكالته للكلية أو أوليته على رصفائه"، إذ لا أحد يبقى رئيسا للوزارة ولا وكيلا للكلية ولا الأول على أنداده على الدوام. وأما أنواع الإضافة فنمثل لها على سبيل التقريب بـ"سيارة أيمن" (إضافة تدل على الملكية)، "شعر الرأس" (تدل على الجزئية)، و"مكر الليل والنهار" (تدل على الظرفية)، "مباراة برج العرب" (تدل على المكانية)، "كتاب التاريخ" (تدل على التصنيف)، "ضاربُ الولدِ" (تدل على الفاعلية)، "مشروب الأغنياء" (تدل على المفعولية)، "ذكاء سعيد" (تدل على الصفة)، "شعار الشيوعيين" (تدل على الانتماء)، "شيوعية الصين" (تدل على النوع)، "إسهال فيروس كورونا" (تدل على السببية)، "ورد الخدود" (تدل على التشبيه)... وهكذا. وأخيرا هل هناك مانع من اللغة أو العقل يمنعنا أن نقول: "نفاقه رخيص" بإضافة النفاق إلى الضمير؟

ويعرف الأستاذ الدكتور "الأمة" تعريفا لا أدرى من أين أتى به، فهو يقول: "الأمة وعى جماعى... والأمة هى الأمة الإسلامية التى لم توجد بعد والتى يمكن أن توجد أو هى أمة بالتوارث أبا عن جد، ابنا عن أم" (ص742). وهو كلام غير قابل للفهم. فما معنى أن "الأمة"، وهى كيان من البشر، وعى جماعى؟ كيف توصف جماعة بأنها وعى؟ وما معنى "وعى جماعى"؟ إن الأمة تعى، أى يعى أفرادها، أنها تشكل كيانا واحدا على أساس اللغة مثلا والعادات والتقاليد والدين وما إلى هذا. أما أن تكون هى نفسها الوعى فهذا ما لا يمكننى أن أفهمه. ثم كيف أن الأمة هى الأمة الإسلامية التى لم تكن قد وجدت بعد، ولكنها يمكن أن توجد؟ وكيف تكون أمة بالتوارث؟

 

على أن ليس هذا لا يمثل كل ملاحظاتنا حول تفسير الأستاذ الدكتور وأسلوبه فى ذلك التفسير، بل هناك أيضا الغموض والتناقض والتهويم والتشوش الفكرى والربط بين أشياء لا علاقة لبعضها ببعض. يقول الأستاذ الدكتور فى أوائل الكتاب تحت عنوان "الجسم أو البدن أو الجسد": "بالرغم من أن الجسم بداية نشأة الوعى الذاتى إلا أنه يعود حاملا للأفعال الشعورية فلا ينشأ الوعى الذاتى إلا فى جسم. وقد أصبح الجسم فى الفلسفة الغربية المعاصرة هو محور الأنا، وليس الفكر. فهو اللغة والحركة والحب والاتصال والحرب والسلام. فالجسم قادر على التعبير عن الحالات النفسية بل والدلالات العقلية. وفيه ينشأ الوعى الذاتى ويستمر تطور الوعى من خلاله، ويظل أداة للتعبير كما هو الحال فى التمثيل الإشارى الحركى: فن البانتوميم. والجسد لغةٌ مثل السؤال بالرأس عن التوقيت لغة الإشارة، فلا تحتاج إلى ألفاظ. تكفى حركات الجسد كما هو الحال فى لغة الصم والبكم. فالوعى الخالص تتعدد وسائل تعبيره بما فى ذلك لغة الإشارة. وللجسد لغة مثل عض الأنامل من الغيظ والندم. وهى أحيانا أكثر بلاغة من اللغة الصوتية. والجسم أو البدن هى نقطة البداية التى يشعر بها الطفل بعد الولادة. وقد استعمل اللفظان فى النص على قدر متساو. وهو ليس وعيا بالجسم لأن الوعى لم يتحقق بعد. والوعى لا يكون إلا فى جسم، والجسم لا يتحدث عن نفسه لأنه لا وعى له. والكلام من مظاهر الوعى. ويصبح الجسم موضوعا للحديث بعد نشأة الوعى الذاتى فى الإدراك الحسى. ويمكن وصف جسم الآخرين. ولم ترد ألفاظ الجسم أو الجسد كثيرا. فقد ذُكِر الجسد فى نطاق العجل الذى عبده بنو إسرائيل بعد أن غاب عنهم موسى: مرة بحليّهم أغلى ما لديهم، ولم يكونوا حسدا (جسدا) ولم يكونوا خالدين. ومرة له صوت حتى يكون كالمعبود الحى. وقد فتن سليمان بهذا الجسد ثم تاب وغُفِر له. والمعنى الثانى جسد الإنسان كدليل على الفناء. الأول بمعنى إيجابى: "بسطة فى العلم والجسم"، "وإذا رأيتهم تعجبك أجسادهم". والثانى بمعنى سلبى: جسم كبير فى الظاهر لا يعنى شيئا. ولا يصل الأمر إلى قول أحد الفلاسفة الغربيين المعاصرين: "أنا جسدى" أو "أنا جسمى" كرد فعل على ثنائية النفس والبدن فى العصر الوسيط والديكارتية فى بداية العصور الحديثة الغربية. وقد ذكر لفظ "الجسم" مرتين: الأولى إيجابية كصفة للأنبياء ومقرونة بالعلم. فالجسم فارغ (فارع؟)، وصاحبه عالم. وهى صفة لوط فى قومه، وسبب اختياره نبيا وملكا عليهم بعد أن كان صفة الملك عليهم المال. والثانية سلبية صفة للمنافقين. وقد ظهر لفظ "الجسد" وهل (وهو؟) أقل اتصالا بالروح. وذكر أربع مرات. هو الجسد المزيف، الجسد المصنوع من ذهب. يصدر أصواتا عجلا أم إنسانا. والأنبياء ليسوا أجسادا لا تأكل ولا هم خالدون. فالجسم ليست له أهمية كبيرة، وليس كما هو الحال عند فلاسفة الغرب المعاصرين. وذكر لفظ "البدن" مرة واحدة فى مقابل الروح. والبدن هو الذى ينجو أو يهلك" (ص33- 35).

ونبدأ من تحت فنقول إن الاهتمام الشديد بالجسد ليس اتجاها عاما عند الفلاسفة الغربيين بل عند بعضهم فحسب. وقد ذكر الأستاذ الدكتور منهم جابريل مارسيل ليس إلا. فهذه واحدة. كما أن الجسد ليس شيئا لا قيمة له فى الإسلام: فالله سبحانه يمن علينا بألوان الطعام والشراب فى الدنيا والآخرة، وهى نعم مادية للجسد، ومعه الروح طبعا، فالإنسان لا يأكل فقط بل يأكل ويستمتع بالطعام. وبالمثل فإذا كانت هناك ضرورة جسدية أُخِذَتْ هذه الضرورة فى الاعتبار كما هو الحال عند الجوع الشديد وعدم وجود طعام مما يحل أكله للمسلم، ففى هذه الحالة يمكنه أكل لحم الخنزير أو الميتة حتى لا يهلك، ويمكنه شرب الخمر حتى لا يموت عطشا أو اختناقا بشىء وقف فى بلعومه ولا يجد حوله ما يسيغه به إلا أم الخبائث. وحين تكون المرأة حائضا مثلا أو نُفَسَاء سقطت عنها الصلاة. وحين يسمع المسلم الأذان وهو يتناول طعامه فعليه إتمام الأكل أولا ثم يذهب بعد ذلك للصلاة. وكان بدوى مسكين يتبول ذات مرة فى جانب المسجد، فصاح به الصحابة أَنْ يَكُفَّ عما يفعل، فنهاهم النبى عن إزعاجه حتى ينتهى من التبول كيلا يؤذوه إذا قطع بوله وحبسه. ويقول عليه السلام: "لا صلاة لحاقن" لنفس السبب. وإذا كان الصيام فوق طاقة الجسد حل للمسلم أن يفطر ويكفِّر عن إفطاره. ويقول النبى عليه السلام: "إن لبدنك عليك حقا" فى النوم الكافى والزواج وإشباع شهوة الجنس... وما إلى ذلك. وفى الإسلام أيضا لا يصح أن يجلس القاضى للفصل بين الخصوم وهو مرهق من شدة الحر أو عدم النوم الكافى أو الجوع أو العطش حتى لا يتأثر حكمه فلا يصيب فيه الحق. وحين يقضى الإنسان حاجته فإنه يحمد الله أن خلص جسده من الأذى. وينصح النبى أتباعه متى مرضوا أن يبحثوا لمرضهم عن دواء يزيله. ورأى الرسول عليه السلام رجلا قاعدا فى الشمس يعذب نفسه تقربا إلى الله فأنكر عليه ذلك أشد الإنكار وقال: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟". والرهبانية ممنوعة فى الإسلام، وانتقد القرآن والحديث الأقوام السابقين الذين اتخذوها منهجا. وذكر القرآن أن الشهوات قد زُيِّن حبها لنفوس البشر. ومعناه أنها جزء من الطبيعة البشرية. وقال عليه السلام تنبيها على أنه يمارس بشريته إنه كما يصوم يفطر، وإنه يحب النساء. وكان أكله الطعام واتخاذه زوجة من أسباب استغراب المشركين فى مكة، فرد القرآن عليهم بأنه ليس بدعا من الرسل، فكلهم كانوا يأكلون ويشربون ويتزوجون، وأن من رغب عن سنته فليس منه فى شىء. وكان إذا أتاه رجل غير متسوك وأسنانه صفراء أو زرقاء أمره بالسواك، وإذا دخل عليه شخص غير ممتشط الشعر أمره بالامتشاط. بل لقد جعل السواك سنة من سنن الوضوء والصلاة وغيرهما، وقال فى المظهر الحسن: إن الله جميل يحب الجمال. ووضع المؤمن القوى فى مرتبة أعلى من مرتبة المؤمن الضعيف. وقال علىٌّ: لو كان الفقر رجلا لقتلته.

وليس هذا الاهتمام خاصا بجسد الإنسان فقط بل يشمل جسد الحيوان أيضا، فقد ورد فى الحديث أن امرأة دخلت النار فى هرة حبستها فلا هى أطعمتها ولا هى تركتها تبحث عن طعامها بنفسها فى جنبات الأرض، وأن مومسا أشفقت على كلب يلهث من شدة العطش فسقته بخفها، فغفر الله لها. كما نهى الرسول عن تعذيب الحيوان بأى شكل. وجعل صلى الله عليه وسلم زكاة على كل عضو من أعضاء الجسم كالسلامى والبراجم، وهى التسبيح والتحميد على هذه النعم التى أفاضها الله علينا. وهى، كما نرى، نعم جسدية.

والثانية أن سيادته ذكر لوطا وتملُّكه على قومه، والصواب طالوت لا لوط. والثالثة أنه استشهد مرتين بقوله تعالى: "وإذا رأيتَهم تعجبك أجسامهم"، الذى أخطأ فيه وقال: "تعجبك أجسادهم" (بالدال لا بالميم): مرة بوصفه دليلا على إيجابية الجسد، ومرة أخرى عقب ذلك مباشرة بوصفه دليلا سلبيا، إذ الظاهر فخم ضخم، والباطن خاو تافه. وهذه من سمات تفكير الأستاذ الدكتور، إذ لا شىء واضح عنده، فهو يكره التحقيق والتدقيق فيكتب كل ما يخطر على بال قلمه. والرابعة أنه لا يرسو على بر فيما يخص علاقة الوعى بالجسد، فنراه يقول الشىء ثم يعود فينقضه، ثم يعود فيثبته... كل ذلك فى لغة سائلة لا قوام لها.

أما قوله، عقب حديثه عن العجل الذى عبده قوم موسى فى غيابه، إن سليمان فتن بذلك الجسد، فهو كلام خاطئ، إذ لم يفتن سليمان بذلك الجسد، بل قال القرآن: "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب"، والمفسرون لا يعرفون بالضبط طبيعة ذلك الجسد، بينما يوحى كلام الأستاذ الدكتور بما يسىء إلى سليمان عليه السلام. ثم إن قوله عن عبدة العجل إنهم لم يكونوا جسدا ولم يكونوا خالدين فلا أدرى من أى واد أتى به سيادته. صحيح أننا نقرأ فى القرآن: "وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين"، لكن المقصود هم الأنبياء والرسل، الذين كان المشركون يتحججون بأنهم لا يصح أن يأكلوا الطعام، فقال لهم الله سبحانه إنه لا يعقل أن يكون للرسل أجسام ثم لا يأكلون أو لا يموتون. وهو، كما ترى، لا صلة بينه وبين قوم موسى على الإطلاق. ومعنى هذا أن الأستاذ الدكتور يطلق قلمه يكتب ما يعن له دون أن يراجعه. وأما قوله عن الجسد إنه هو الذى ينجو أو يهلك فكلام غير مفهوم. فالنجاة تشمل الإنسان كله، أما الإشارة فى قوله تعالى عن فرعون موسى: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية" فالمراد أن الله سبحانه أراد ألا يضيع جسد فرعون وتأكله الأسماك بل أن يحمله الموج إلى الشاطئ حتى يكون عبرة لقومه، الذين كانوا يعبدونه فيروا عجزه وهوانه وموته بأعينهم عن قرب. فهذا غير ذاك.

ويتبقى كلامه عن الموقع الذى يحتله الجسد فى فكر بعض الفلاسفة المعاصرين واستشهاده بكلمة مارسيل: "أنا جسدى". وكنت أحب أن يحلل هذا الرأى لنرى موقفه من تلك الفلسفة، ولكنه ضرب عن ذلك صفحا. والحق أن الإنسان ليس جسده فقط بل جسده وروحه، وإلا فمتى فارقت الروح (أو ما نسميه: "الروح") الجسد فساعتئذ لا قيمة للجسد البتة، إذ لا إحساس ولا فكر ولا حركة ولا كلام ولا أكل ولا شرب، بل ويتحلل ويصير ترابا. فها هو ذا الجسد البشرى أمامنا هامدا جامدا ثم متحللا إلى تراب لا يصلح لشىء بدون الروح التى كانت ترافقه. ومعروف أنه كثيرا ما يكون القائد فى مجموعة ما أضعفهم جسدا لكنه أقواهم روحا وعزيمة. وكم من جاهل ضخم الجسد، وصحته حديد، ومع هذا لا يساوى شيئا إزاء عالم ضئيل الجسد ضعيف الصحة. وكان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ضئيل الجسم مما بعث بعض الصحابة على السخرية منه، فما كان من رسول الله إلا أن تدخل قائلا: إن عبد الله صغير فى جسمه، كبير فى دينه. وكان القاضى الفاضل ذا حدبة، ومع هذا كانت له كلمة مسموعة فى الدولة، وكانت لرسائله الديوانية تأثير هائل فى تسيير أمور الدولة وانتصار جيوش صلاح الدين، وكان صلاح الدين لهذا يجله ويحترمه ويرفعه مكانا عليا رغم افتقار شكله إلى الوسامة. والأمم المستعمرة تسيطر على عدد من الأمم بجيش صغير وأعداد من الإداريين قليلة. وكما قال جمال الدين الأفغانى فلو أن الأمم المحتلة قامت وبصقت على محتلى أراضيها لأغرقتهم فى بصاقها. ولكنها رغم ذلك لا تفعل رغم كثرة مواطنيها، أى كثرة أجسادهم أضعاف أجساد محتليها. والعبرة الحاسمة ليست فى الجسد رغم أهميته، بل هو يتبع العقل والنفس والضمير. فهو كالعبد بالنسبة لسيده. صحيح أن الإحساس يبدأ من الحواس، وهى أعضاء من أعضاء الجسد، لكن دورها إمداد العقل بالمعلومات الخام فيقوم العقل بتوظيفها واستغلالها ويصدر أوامره إلى عناصر الشخصية المختلفة ليؤدى كل منها دوره مستعينا بتلك المعلومات الأولية التى لا يستطيع الجسد فى حد ذاته أن يفيد منها فى قليل أو كثير. فالجسد بدون روح، أى بدون العقل والنفس والضمير، مادة مصمتة. وقد كانت أوربا فى العصور الوسطى تقمع الجسد وتنكره وتدعو إلى إماتته جريا مع الرهبنة النصرانية. فكان هذا الموقف الجديد رد فعل على ذلك الفهم الخاطئ لطبيعة الجسد ودوره فى الحياة. أما فى الإسلام فهذا الاتجاه محرَّم ومجرَّم. وللجسد، طبقا لما أخبرنا به الرسول وما نراه فى الحياة، حق علينا، وإهماله يؤدى إلى أوخم العواقب. والإنسان بشقيه معا: الجسد والروح، لكن للروح الأولوية والرئاسة فى كيان الإنسان.

وخذ هذا النص أيضا من كتاب الأستاذ الدكتور وحاول أن تفهمه وقل لى ما معناه، فإنى عاجز عن الفهم: "فالإصطفاء لا يكون إلا للطاهر. فكل مصطفى طاهر، وليس كل طاهر مصطفى. فالإصطفاء درجة بعد التطهير. ومريم مصطفاة قبليا، ولكن نساء النبى مصطفات بعديا بجهد ومشقة وعزيمة أخلاقية. فإن لم تفعل يضاعف لهن العذاب لأنهن عندما يطلَّقن يفقدن النموذج. ولا يجوز أن يتزوجن النبى معهن حتى لا يتزوجن غيره أو يظللن عوانس بلا زواج حتى ولو كان فى ذلك قسوة عليهن" (ص57).

ويا ليته توقف هنا فلم يضف الكلام العجيب التالى عقب ذلك مباشرة: "فاحترام أزواج النبى جزء من احترامه، ولا يشهّر بهن المشركون بأنهم نالوا أزواجه كما هو الحال فى غنائم الحروب، وذلك منعا لادعاء النبوة من الزوج الجديد بعده اعتمادا على معلومات مُدَّعاة من الزوج القديم. والحديث عن نكاح الزوجة وكأنه بيد الرجل ولا رأى لزوجة الرسول فيه وكأنها أقرب إلى الإرث مع أن الزوجة احتراما للنبى ترفض الارتباط بغيره حتى ولو كان من أشراف القوم أو كبير الصحابة" (ص57- 58). ترى ما معنى تشهير المشركين بأنهم نالوا زوجات الرسول كما هو الحال فى غنائم الحروب؟ واضح أن هذا الاحتمال لم يكن مطروحا على نطاق البحث البتة، بما يدل على أن القرآن من عند رب العالمين، إذ حرم على المسلم أن يفكر فى نكاح أى من زوجاته عليه السلام ولم يتطرق الكلام إلى المشركين من بعيد أو قريب، وهو ما يفيد أن ذلك لن يحدث، وهو فعلا لم يحدث. فكيف نقل الأستاذ الدكتور الكلام من تحريم زوجات النبى على المسلمين إلى الكلام عن سبى المشركين لهن. وبالمناسبة فوضع خصوم القبيلة اليد على النساء فى الحروب عند هزيمة قومهن هو سبى لا غنائم كما جاء فى كلام د. حسن حنفى، وهو ما يشير إلى أن الأمور والأفكار والمعانى والمصطلحات غائمة ومضطربة ومختلطة عنده.

ثم كيف يكون مقصد الآية الكريمة هو ما يزعمه د. حنفى، والمشركون لن يسلِّموا بالمنع لأنهم لا يؤمنون بأن القرآن وحى سماوى، ومن ثم لن يلتزموا بأوامره أو نواهيه؟ ثم لقد ضحكتُ كثيرا من التعليل الذى لا يمكن أن يطرأ إلا على ذهن الأستاذ الدكتور، وهو الخشية من أن تبوح زوجة النبى لمن يتزوجها بأسرار النبوة، وكأن النبوة صنعة لها أسرارها متى ألم بها أى شخص وحازها صار نبيا فى الحال. بالله أهذا كلام يقوله مسلم؟ أم هل يقول المسلم إن تحريم الزواج بنساء النبى بعد وفاته هو بمثابة وراثة لهن؟ إن تحريم الزواج بأمهات المؤمنين ليس توريثا لهن، وإلا فمن الوارث؟ إن الأستاذ الدكتور يقول أى كلام يخطر لسن قلمه دون تمعن. كما أن فى الكلام ركاكة، تتمثل فى قوله: "حتى ولو كان (الزوج) من أشراف القوم أو كبير الصحابة". وكان المتوقع أن يقال: "أو من كبار الصحابة" وليس "كبير الصحابة".

وبعد، فقد كانت هذه بعض الملاحظات المنهجية حول "التفسير الموضوعى" الذى كتبه د. حسن حنفى، وأرجو أن يكون فيها بعض النفع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أخبار ذات صلة

إن دينَ الإسلامِ ! قد تعهد للبشرية جمعاء، ألا يُكره، ولا يُجبر، ولا يُرغم أي مخلوق على وجه الأرض ، بأن يدخل في الإسلام بالقهر، ولا بالقوة.

... المزيد

فى الصفحات التالية دراسة لكتاب أستاذى د. حسن حنفى المسمى: "التفسير الموضوعى للقرآن الكريم" (القاهرة/ 2018م). وكنت قد دُعِيتُ لإلقاء بحث فى ندوة سوف تعق ... المزيد

فكرةُ الإخوان المسلمين! انبثقت من الإسلام.. فهي ابنةُ الإسلامِ الغراءُ، وهي فلذةُ كبدِ الإسلامِ الشماءُ، وهي روحُ الإسلامِ الوثابُ الوقادُ، وقلبُ الإس ... المزيد

ما من إنسان يجيد القراءة ويطالع محاولات تجميع وطباعة نصوص الكتاب المقدس، منذ أولي محاولات صياغته حتى عصرنا هذا، إلا ويُذهل من كم الاختلافات والمتناقضا ... المزيد