البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

أخر الاخبار
تابعنا على فيس بوك

حزب النور ومعضلة السياسة

المحتوي الرئيسي


حزب النور ومعضلة السياسة
  • جمال سلطان
    28/12/2018 07:42

كان ذلك في أعقاب انتصار ثورة يناير 2011 ، وإعلان مبارك تنحيه عن السلطة ، ودخول البلاد في حقبة جديدة غير مسبوقة ، وانفتاح سياسي وإعلامي هائل لا مثيل له في تاريخ مصر الحديثة ، منذ تأسيس الجمهورية ، حيث بدأت تيارات فكرية عديدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار الإعلان عن تأسيس أحزاب سياسية تخوض بها غمار المعترك الجديد ، وتتجهز للانتخابات المقبلة بكافة صورها .

في تلك الأثناء اتصل بي بعض الأخوة الأفاضل من قيادة السلفية">الدعوة السلفية بالاسكندرية ، وطلبوا مقابلتي على عجل لمناقشة أمر مهم ، فسافرت على الفور ، وكان اللقاء الخاص في بيت أحدهم والنقاش حول موضوع واحد : هل ترى أن نبدأ بتأسيس حزب سياسي يعبر عن السلفية">الدعوة السلفية أم نتجنب الخوض في السياسة وأمواجها ؟ وبعد نقاش طال إلى حد ما ، انتهى الأمر إلى اقتناع الإخوة ، وكانوا ثلاثة من أبرز قادة الدعوة ، بوجهة نظري التي اقترحتها بأن على الدعوة أن تشارك بقوة في العمل السياسي وأن تبادر بتأسيس حزبها ، وبعدها بأسابيع ولد حزب النور .

كانت وجهة نظري أن السلفية">الدعوة السلفية تعبر عن تيار شعبي حقيقي وواسع في مصر ، وأن لهذا التيار مطالب فكرية وأخلاقية واجتماعية وله رؤية في الإصلاح ، وأن من المفيد للتيار وللوطن نفسه أن يكون لهم منبر سياسي سلمي يشارك في العمل العام ويعبر عن نفسه ويدافع عن قضاياه ، ويساهم في تحويل الوجود الإسلامي من قضية أمنية إلى قضية سياسية ، خاصة وأن طبيعة السلفية">الدعوة السلفية وتكوينها الفكري والديني لا يتيح اندماجها في أي قوة سياسية أخرى حتى لو كانت إسلامية .

ساهم حزب النور بقوة في العمل العام عقب نشأته ، وأشهد بأنهم كانوا مخلصين في توجههم ، مع أنفسهم ومع دعوتهم ومع وطنهم ، وعندما دخلوا الانتخابات كانوا الحصان الأسود ، وحققوا مفاجأة مذهلة ، إذ حصلوا على ما يقرب من ربع مقاعد البرلمان ، في أول مشاركة انتخابية لهم ، والحزب لم يمض عليه سوى أشهر قليلة ، وهي نتيجة أزعجت كثيرا من الأحزاب الأخرى ، بما فيها أحزاب الإسلاميين ، كما لفتت انتباه الجميع إلى تلك القوة السياسية الوليدة والمهمة والمؤثرة في الشارع ، وبالتالي بدأت أطراف عديدة تخطب ود حزب النور وتتواصل مع قياداته ، وهذه الأطراف كانت من السلطة وأجهزتها ومن جماعة الإخوان وحزبها "الحرية والعدالة" ومن آخرين ، بل إن الدكتور محمد مرسي عندما خاض منافسات الرئاسة زار الحزب مرتين ، إدراكا منه لثقل تأثيره على مجريات النتيجة ، وعندما فاز حاول كسب ودهم في البداية باختيار رئيس الحزب وقتها مساعدا لرئيس الجمهورية ، وهو منصب قال لي الدكتور عماد عبد الغفور ـ رئيس حزب النور ثم رئيس حزب الوطن لاحقا ـ أنه كان منصبا شرفيا بلا دور حقيقي .

ميل الإخوان إلى الانفراد بالقرار والسلطة ، وضعهم في صدام مع حزب النور بطبيعة الحال ، المنافس الأخطر لهم في الحالة الإسلامية ، فبدأت مسيرة تهميش وتحرش أيضا ، وصلت إلى إلصاق تهم الفساد بأحد قيادات الحزب ، مما عمق الخلاف وباعد بين الحزبين ، وجعل حزب النور تلقائيا في المعسكر المخاصم للإخوان والدكتور مرسي ، وفي النصف الثاني من عام حكمه ، ومن خلال تواصل أجهزة عديدة في الدولة بأحزاب وقوى وتيارات سياسية أصبحت هناك قناعة بأن حكم الإخوان انتهى ، والحقيقة أن هذا التواصل شارك فيه الجميع ، لكن المجلس العسكري نجح في أن يلاعب الجميع ـ على انفراد ـ بدهاء ، ويعطي كل طرف ما يشتهي ، ويوهم كل طرف بأنه معه ويدعمه ، ولذلك لم يكن مفاجئا ظهور رئيس حزب النور في مشهد بيان 3 يوليو الذي أعلن عزل مرسي وخطة انتقالية بانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة .

في 3 يوليو لم يكن وجه العنف البالغ قد ظهر ، وتمت دعوة الجميع للقاء ، بمن فيهم الدكتور سعد الكتاتني ممثلا للإخوان وحزب الحرية والعدالة ، لكنه رفض ، وبدت الأمور تتجه إلى معادلة صفرية ، لا وسط فيها ، وعادة ما تكون تلك المواجهات وحشية ، لأن كل طرف يعمل على إلحاق الهزيمة الساحقة والقاضية بالطرف الآخر ، وكل طرف يدرك أنه لا نجاة له إلا بالقضاء المبرم على الطرف الآخر ، وتلك خطورة هذا النوع من الصراعات السياسية .

وعندما وقع الصدام وبدا مسار الدم يظهر وآلة السحق الرسمية تمضي بعنف وإصرار وبلا أي تردد ولا تهدئة ، أدرك حزب النور أن الطريق الذي دخل فيه هو طريق من اتجاه واحد ، لا يملك بسهولة قرار الرجوع فيه ، بل لا يملك حتى التوقف والتمهل ، لأنه حتى التوقف في هذا الطريق يعني سحقه مع من يسحقون ، وتدميره بشكل كامل ومروع ، ويمكن أن يتم اعتقال جميع أعضائه في ليلة واحدة ، بكل ما يترتب على ذلك من مآسي لعشرات الآلاف من الأسر الأخرى ليس لها ذنب فيما حدث ، كما أدرك الحزب ـ بالمقابل ـ أنه حتى لو توقف فإنه لن يوقف مجرى الأحداث ، لأن قاطرة العنف الرسمي والمؤسسي انفصلت عن الجميع ، وتعمل منفردة وبلا تردد ، ولم تعد تحتاج إلى أي ظهير شعبي ولا حزبي .

 

في تلك المرحلة ظهرت خطورة غياب الخبرات السياسية عن القيادة السياسية لحزب النور ، الذي تصرف مع الأحداث بمنطق الجمعية الدعوية وليس بمنطق الحزب السياسي ، وبالتالي لم يستفد على الإطلاق من أي مساحات للمناورة السياسية أو حفظ مسافات كافية عن السلطة تحمي تاريخه وتبرئ ساحته من مسار العنف الذي جرى ، ولم يكن متصورا أنه يمكن أن يتحدى السلطة القائمة ، لما سلف توضيحه ، لكنه كان يملك ـ كأي حزب سياسي آخر ـ مساحة للاختلاف السياسي والمناورة ، غير أن ذلك كان يحتاج إلى خبرات سياسية وممارسات متراكمة تمكنه من ذلك .

والأسوأ أن غياب تلك المسافات وصلت إلى حد التماهي شبه الكامل مع التوجهات الرسمية للسلطة ، كأن البعض هناك استبطن أن مجرد عدم دفاعه عن النظام وإجراءاته سيؤخذ عليه ، وتدريجيا غاب الوعي بمنطق الضرورة والاضطرار ـ الذي هو من باب أكل الميتة ـ ليتحول إلى التبرير للنفس والغير وإضفاء المشروعية على ما جرى ويجري ، وبالتالي تحول الحزب تدريجيا إلى غرفة سياسية من غرف النظام ، أو الجناح الديني لحزب السلطة ، الداعم لتوجهاته والمبرر لأفعاله والمهاجم لمعارضيه ، سواء كانوا إسلاميين أو ليبراليين أو يساريين ، .. ولذلك حديث آخر .

 

أخبار ذات صلة