البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

حزب النور .. كيف دخل الخلل ؟

المحتوي الرئيسي


حزب النور .. كيف دخل الخلل ؟
  • جمال سلطان
    28/12/2018 07:46

كنت قد نشرت تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي أقارن فيها بين حجم الإنفاق على التعليم في بلدين متشابهين ، تاريخا وسكانا ، وهما مصر وتركيا ، فكانت ميزانية التعليم في مصر للعام 2017 هي ستة مليارات دولار ، وميزانية التعليم في تركيا للعام نفسه ثمانية وأربعين مليارا ، أي ثمانية أضعاف ، وبطبيعة الحال ، القصد من تلك المقارنات دائما الكشف عن أوجه الخلل أو القصور لدينا من أجل علاجها مع الأجيال الجديدة ، وترتيب أولويات إنفاق الدولة ، لأن التعليم هو بوابة النهوض لأي أمة ، ويقاس تقدم الدول عادة بمستوى إنفاقها على التعليم والصحة بشكل أساس .

المفاجأة ، أن شبابا سلفيا من أبناء حزب النور دخلوا يعلقون وينتقدوني بعصبية وغضب شديد وشتائم للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، مشفوعا بحديث عن اتهامه برعاية الإلحاد والعلمانية والدعارة والعلاقات مع إسرائيل ، وقائمة طويلة درج على وضعها ما يسمى بالذباب الالكتروني السعودي ، وهو جيش الكتروني بغيض وشديد الانحطاط أسسه سعود القحطاني ، المستشار في الديوان الملكي ، وأحد المتهمين الأساسيين في خطف وقتل الصديق العزيز الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول التركية ، وقد اضطر الملك سلمان لعزله مؤخرا وإخضاعه للمحاكمة ، وقدم هؤلاء الشبان السلفيون هذا الهجوم العنيف على اردوغان دفاعا عن النظام في مصر والرئيس السيسي وسياساته بطبيعة الحال ، لأنهم رأوا أن التغريدة فيها نقد للنظام .

التعليقات حيرتني في البداية ، ثم أزعجتني جدا ، ليس لما فيها أحيانا من تفحش لم تعتده الدعوة السلفية في مرحلتها الدعوية والتربوية ، وما قبل السياسة ، وإنما لما كشفت عنه من خلل عميق في الوعي بدور الحزب السياسي ، وإدراكي أن المسألة وصلت إلى حد التماهي مع السلطة والنظام ، لم تعد المسألة حالة اضطرار أو مراوغة سياسية للإفلات من قبضة باطشة وشديدة الغشومية تعصف بالجميع ، وإنما تحول الأمر تدريجيا إلى قضية حقيقية يتبناها حزب النور والدعوة السلفية ، ترى نفسها خط دفاع أساسي عن النظام وعن الرئيس ، ومنصة هجوم عنيف على أي معارض له أو خصم سياسي ، مصري أو أجنبي .

بطبيعة الحال ، لسنا في وارد الحديث عن اردوغان ، فهو في النهاية قائد سياسي بشر ، ومحترف ، ويعرف كيف يقتنص الفرص لبلاده ولحزبه السياسي أيضا ، خاصة وأنه خاض غمار السياسة منذ كان شابا صغيرا في بلد عرف مكائد الدولة العميقة وسيطرة العسكر على السلطة والهيمنة الكاملة للأجهزة الأمنية على تفاصيل الحياة .

ولكن من باب التذكير للإبانة عن غرابة الهجوم السلفي المصري الساحق عليه ، فاردوغان ليس ملحدا ولا داعية للإلحاد ، بل كل من زار تركيا يشهد بتحول ضخم في عهده نحو الدين وإكبار العلماء وإحياء الهوية الإسلامية للمجتمع التي حاولوا طمسها على مدار القرن الماضي ، واتساع البناء للمساجد وعمارتها لا تخطئه العين ، وامتلاء المساجد بالمصلين وانتشار الحجاب في عهده بصورة غير مسبوقة ، وحربه الضروس التي خاضها من أجل الدفاع عن المحجبات وعودة حقهن في دخول مؤسسات التعليم محتفظات بحجابهن وحقهن في الوظائف ، وكل ذلك كان ممنوعا على المحجبات .

 

اردوغان ، الذي يحكم منذ قرابة خمسة عشر عاما ، ورث ـ عن دولة أتاتورك ـ تركة ثقيلة ومعقدة ، سواء في الدستور أو الأوضاع الاجتماعية أو العلاقات الدولية ، في مجتمع متعدد الأعراق والطوائف ، وفي ظل نظام ديمقراطي وليس استبدادي يتصرف فيه الرئيس بمحض ارادته وقراراته نافذة تلقائيا ، وبالتالي فمن الصعب تفكيك تلك المنظومة بسهولة خلال فترة قصيرة ، ومن ذلك وجود قوانين قديمة من عهد العسكر تبيح البغاء ، وقد كانت موجودة في مصر في العهد الملكي ويتعايش مع وجودها الأزهر والسلفيون وقتها وكانوا علماء كبار من قامة أحمد شاكر والإخوان وغيرهم ، صحيح أنهم ينكرونها ديانة ، لكنهم كانوا يعذرون الملك "سيدنا" ـ بلغة الزمان ـ سياسيا ، ويقدرون الظروف المرحلية ، دون أن يتهم الملك بأنه حول مصر للدعارة وقنن البغاء أو توصف مصر في عهده بأنها بلد البغاء ، كذلك هناك علاقات أبرمتها الدولة التركية منذ منتصف القرن الماضي ـ وقبل أن يولد اردوغان أساسا ـ مع إسرائيل وترتب عليها شبكة علاقات معقدة للدولة التركية ، رغم أن هجوم اردوغان على نتانياهو واشتباك الثاني معه يعتبر حديثا يوميا ، وإسرائيل لا تكره قائدا في المنطقة مثلما تكرهه ، ولا تهاب حاكما مثلما تهابه .

فعندما يندفع شبان سلفيون لمثل هذه الفرعيات دون استبصار أو وعي بتاريخ البلاد السياسي والاجتماعي ، ودون أي التفات إلى النجاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي المذهل الذي حققه لبلاده خلال خمسة عشر عاما ، ونقلها به من دولة على حافة العالم الثالث إلى دولة أوربية متفوقة على كثير من دول العالم الأول مع طفرة هائلة في البنية الأساسية والخدمات والرفاه الاجتماعي وجودة الحياة ، وكيف نستفيد من تلك التجربة لبلادنا ، ونحلل أسبابها ومقوماتها ، بعيدا عن الخلاف السياسي المؤقت والعارض ، فهذا يعني أن البرنامج التربوي والسياسي الذي يخضع له هؤلاء الشبان غير سوي ولا أمين ، وفيه خلل كبير ، حول بموجبه تلك الطاقات السلفية إلى مجرد ظهير شعبوي غوغائي للنظام وذراع ديني لتبرير سياساته أيا كانت ، ومطبلين ـ باللغة الدارجة ـ له ، وليست تلك وظيفة الحزب المعارض وخاصة أن يكون حزبا إسلاميا بخلفية أخلاقية وتربوية وإنسانية مميزة ، ناهيك عن مسئوليته عن الوطن نفسه ومستقبله ومصالحه ، بعيدا عن حسابات شخص الحاكم أو النظام .

من الأمانة هنا أن نشير إلى أن حزب النور وقع تحت ضغط معنوي وسياسي عنيف من قبل جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديها ، خاصة بعد الإطاحة بهم من الحكم في 3 يوليو ، وتم كيل السباب والشتائم والاتهامات من كل نوع لحزب النور ، والتشكيك في الذمم والدين ، ووصلت الأمور إلى حد تكفير الحزب نفسه ، من قبل رموز متشددين محسوبين على الإخوان أو مؤيدين لهم ، وكان الإخوان ينظرون إلى حزب النور باعتباره يلعب لعبة انتهازية باغتنام الفراغ الذي سببه صدام الإخوان مع السلطة ليتمدد هو في ربوع المجتمع ، ويملأ هو هذا الفراغ ، وهو ما فعله الإخوان سابقا عند صدام الجماعة الإسلامية مع نظام مبارك في التسعينات الماضية ، وبدون شك ، مثلت تلك الحملة ضغطا معنويا كبيرا على حزب النور ومنتسبيه ، وربما دفعت البعض في الحزب إلى المزيد من التخندق في خندق النظام ومحاولة تبريره ، حماية من التشهير الإخواني من جهة وحماية من غضب النظام نفسه من جهة أخرى إذا وقع أي التباس .

معرفتي بكثير من قادة الحزب ومؤسسيه تجعلني أثق في دينهم وأمانتهم ، ولا أعتقد أبدا أن الحزب أتي من هذا الجانب ، ولكنه أتي من باب السياسة ، قلة الخبرة السياسية وحداثة العهد بالسياسة وألاعيبها وضغوطها ومناوراتها ، ومتى تقترب ومتى تبتعد وما هي المسافة التي تحافظ عليها بينك وبين السلطة ، ومتى ترخي ومتى تشد ، وكيف تكسب الوقت وتسوف ، وكيف لا تحرق أوراقك كلها دفعة واحدة ، أيا كانت الضرورة ، ومتى تقدم تنازلا اضطراريا ، ومتى ترفض التنازل بدون تكاليف باهظة للرفض ، كل ذلك لم يكن الحزب قد درب عليه أو أدركه في رحلة نشاطه القصيرة نسبيا .

عندما نصحتهم بتأسيس الحزب والمشاركة السياسية في المعترك الذي انفتح على مصراعيه في مصر 2011 ، لم أكن أتصور أن يتم خطف التجربة كلها بتلك السرعة ، وحدوث تلك الردة السياسية الشاملة والعنيفة خلال عامين فقط ، ولو أتيح للحزب النمو في أجواء أكثر هدوءا ، وحياة سياسية طبيعية ، ربما تراكمت لديه الخبرات وتعلم من الأخطاء الصغيرة ، ولكن المشكلة أن ما حدث في يوليو 2013 قطع الطريق على الجميع ، وحرم مصر من أي تطور سياسي ، وأعاد خلط الأمور بشكل حاد ، وانتكست الديمقراطية والحياة السياسية السليمة ، وانقلبت الأمور رأسا على عقب ، حتى وجدنا شبانا ليبراليين كانوا من نشطاء حركة 6 أبريل الليبرالية ينخرطون في العنف السياسي وحمل السلاح ، بعد أن كنا نشهد في 2011 شبابا من تنظيم القاعدة يلقون السلاح وينخرطون في العمل السياسي السلمي ويشاركون في الأحزاب ويخططون لخوض الانتخابات البرلمانية .

 

أخبار ذات صلة

كان ذلك في أعقاب انتصار ثورة يناير 2011 ، وإعلان مبارك تنحيه عن السلطة ، ودخول البلاد في حقبة جديدة غير مسبوقة ، وانفتاح سياسي وإعلامي هائل لا مثيل له ف ... المزيد

والسؤال التأسيسى في هذا الموضوع هو:

ما الذى يجعلك متأنياً فى اختيار الصديق؟!

فكما ذكرت من قبل أن ... المزيد

لا أدري لم يظن البعض أن العطاء الإلهي إذا تعلق بالدين جعلوه خالصاً من البلاء، مع أن هذا من أبعد ما يكون عن الأقدار وسننها، فلا فتح إلهي دون صبر وبلاء، ... المزيد

تفسير مقترح

سورة المائدة 61

لماذا قال: هم؟

بعض المفسرين تجاهلوا الأمر ... المزيد