البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

حرية التعبير بين الفكر الإسلامي والفكر الليبرالي الغربي

المحتوي الرئيسي


حرية التعبير بين الفكر الإسلامي والفكر الليبرالي الغربي
  • أسامة حافظ
    20/06/2016 08:09

أزمة المصطلحات:

المصطلحات كائنات حية كالبشر تماما تنشأ في بيئتها الثقافية والواقعية وتنمو فيها وتتشبع بواقعها وتحمل في طياتها وأثناء نموها ميراثا كبيرا من التاريخ والحضارة.

لذلك فانتقال المصطلحات بين الحضارات والثقافات يحتاج لفهم كل هذه الخلفيات وليس لمعرفه المعنى القاموسى للمصطلح أو التعريف الفني له الذي استقر عليه.

فمثلا عندما يطلق الغرب المسيحي كلمة "رجل الدين" فإنما يعنون بها القس والذي يمثل في نظر المسيحي الواسطة بين الرب والبشر.. فهو بين الناس ممثل للرب في الدنيا يغفر الخطايا ويكفر الذنوب ويرفع الدرجات يعترف الناس بجرائمهم وأسرارهم بين يديه ويلتزمون أمره دون جدال, له زي مخالف للناس وكلام مخالف لكلامهم ومكانة مختلفة فيهم.

فإذا استوردنا هذا المصطلح لنسمي به علماء الدين في ثقافتنا يكون التعبير بها لا شك خاطئا فعالم الدين عندنا رجل مدني عادي مثل أي عالم في أي فرع من فروع الدين يعلم الناس دينهم وقد لا يعلمهم بفتي من يلجأ إليه مستفتيا وله أن يأخذ بفتواه أو لا يفعل فرأيه رأي خبير في مجاله لا يعدو مجال الاستشارة ولذلك فاستخدام اصطلاح "رجل الدين" هنا ليس في موضعه ويحمل عالمنا أعباء خلفيات المصطلح التي ليس لها وجود في ثقافتنا.

وبالمثل أيضا اصطلاح الدولة الدينية فالدولة الدينية في الثقافة الغربية دولة تقوم على تأليه الحاكم باعتباره نائبا عن الرب في الحكم بين الناس كلمته قانون لا يرد وأعماله لا تخضع للمحاسبة وحكمه حكم رباني لا يهدر فلو أطلقنا هذا الاصطلاح على الدولة الإسلامية التي يحكم فيها حاكم يختاره الناس ويخضع مثلهم للقانون ويحاسب مثلهم على أفعاله وتقصيره وجرائمه ويعزل إن فقد أهليته للحكم نكون إن فعلنا ذلك قد أخطأنا خطأ كبيرا بتحميل النظام الإسلامي ودولته ميراثا كبيرا من القهر والظلم الذي عاناه الغرب.

ومثله أيضا اصطلاح الرعية والذي أطلقته الدولة الرومانية على سكان المستعمرات من غير الرومان وصار يطلق على كل من استعمرهم الغرب وهم يعاملون معاملة المواطن من الدرجة العاشرة ويحرم من أكثر الامتيازات التي يتمتع بها المستعمر ويعامل كما يعامل العبد بينما يستخدم هذا الاصطلاح في ثقافتنا معبرا عن أبناء دولتنا من أهل البلاد وغيرها وهو مشتق من الرعاية بمعنى أنهم موضع رعاية الحاكم ومسئوليته في حمايتهم.

وقد أثر هذا الاصطلاح الغربي في عقول كثير من مفكرينا حتى ألف أحدهم وهو من كبار المفكرين المعاصرين كتابا سماه مواطنون لا رعايا وكأنما الرعايا ليسوا من المواطنين كما هو متداول عند الغربيين.

ومثل ذلك كثير يبرز أهمية ضبط الاصطلاح ومراعاة الخلفيات التاريخية والثقافية له, ولا نكتفي بما بتداوله الناس من تعريفات وحدود لا تعبر بالقدر الكافي عنه ولا تكون صورة وافيه لمعناه في الأذهان بهذه المقدمة نبدأ الحديث عن اصطلاح "حرية التعبير" فهذا الاصطلاح نشأ في الغرب الأوروبي عقب حقبة تاريخية خاضت فيها شعوب الغرب معارك ضارية ضد ثلاث دكتاتوريات كانت تتقاسم اضطهاد واستنزاف تلك الشعوب دكتاتورية الكنيسة بكل ما تحمله من تأله وسيطرة وإرهاب بمحاكم التفتيش والحروب الصليبية والقوانين التي صنعوها باسم الرب ودكتاتورية الحكام الذين زعموا لأنفسهم مكانة فوق مكانة الناس بدمائهم الزرقاء ونبلائهم المنتفشين الذين استرقوا الناس واستعبدوهم ثم دكتاتورية التقاليد التي جاءت نتيجة لتفاعل الدكتاتوريتين سالفي الذكر الذين امتهنوا المرأة واحتقروها وعاملوها معاملة الحيوان فخنقوها واحتقروها واتهموها وحملوها كل الشرور والآثام.

ثم وبعد معارك ضارية سالت فيها شلالات الدماء وفقدت بلاد الغرب فيها زهرة شبابها انتصر الشعب على هذه الديكتاتوريات وانطلق محطما كل شيء رافعا شعاره "اشنقوا أخر ملك بأمعاء أخر قسيس" وانطلق رافضا كل ما كان يحمله العهد البائد من خير وشر.. ووسط هذا الخضم الهادر ولد اصطلاح "حرية التعبير".

وقد نشأ هذا المصطلح في هذه الظروف محملا بآثار تلك المعارك وبرغبة عارمة في تحطيم هذه الأصنام الثلاثة على وجه الخصوص.

وصار فلاسفة الغرب يتحدثون عن معني الحرية انطلاقا من هذه الخلفية وتعددت تعريفاتهم حتى بلغت المائتين تعريف كلها تدور حول الحق في أن يفعل الإنسان ما يريد دون ضابط إلا أن يعدو على حرية الآخرين في أن يفعلوا هم أيضا ما يريدون

وصارت خلفية الحديث عن حرية التعبير هي السعي لتحطيم القيود وخاصة ما يمس الدين والحكام والأسرة وأصبحت محاولة الحديث عن ضوابط حماية الدين والمجتمع خنقا للحرية وقتلا للإبداع والابتكار والروح الخلاقة في البشر.

هذا هو الاصطلاح الأتي لنا من الغرب فحرية التعبير عندهم هي إمكانية تعبير الفرد عن فكره في أي أمر من الأمور سواء أكان سياسيا أم دينيا أم غير ذلك دون موافقة مسبقة أو تصريح سابق سواء بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيله أخرى.

ولأن الفرد في نظرهم هو هدف الحرية لأنه أسبق من المجتمع والمجتمع ما نشأ إلا لخدمته فإن على المجتمع حماية هذه الحرية باعتبارها حقا من حقوقه الطبيعية التي ولد بها مثلها مثل حرية التنقل والسكن والتملك وغير ذلك.

هي إذن جزء من الحريات العامة وحق من حقوق الإنسان الطبيعية وهي تشمل عندهم حرية التعبير في المجال العلمي والفكري وحريته في الجانب السياسي وقد تم توثيق ذلك في الإعلان الفرنسي "حرية تبادل الأفكار والآراء هي أثمن حق من حقوق الإنسان لذلك يحق لكل مواطن أن يتكلم ويكتب آراءه في صحف مطبوعة بكامل حريته"

وكذا في الدستور الأمريكي "ولا يصدر الكونجرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته أو يحد من حرية الكلام أو الصحافة أو من حق الإنسان في الاجتماع سلميا وفي مطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف.

هذه ببساطة هي حرية التعبير وخلفياتها في الغرب فكما أن من حق أي فرد في المجتمع أن ينتقد الحاكم ويسخر منه فإن من حقه أيضا أن ينتقد الرب ويسخر منه أو الرسل ومن حقه أيضا أن يدعو إلي الإباحية وهدم بناء المجتمع ولا يجوز لأحد أن يعترض على ذلك أو ينكره ما دامت دعوة ذلك الداعي لا تتعارض مع رغبات وطموحات الآخرين في التعبير عما يريدون.

ثم ماذا عن حرية التعبير في ثقافتنا الإسلامية هذا هو موضوع المقال القادم إن شاء الله.

 

أخبار ذات صلة

إن من أعظم خصال الإيمان وأوضح الأدلة على المحبة وتعظيم الشأن تحكيم النبي العدنان في سائر الأمور مع انشراح الصدور وتمام الاستسلام والإذعان، وبذلك قض ... المزيد

كنت في السنين الأولى من حياتي الجامعية وكنا مجموعة من الشباب نصلى في احد مساجد بلدتنا في صعيد مصر أشتهر صاحبة بقولة الحق في زمن عرفت فيه ... وهناك عرفت ... المزيد

بينما المسلمون يستعدون لاستقبال شهر رمضان المبارك، بعضهم استعد لذلك بتغيير عاداته لتواكب حقيقة الشهر الكريم من الإقبال على الطاعة وقراءة القرآن والذك ... المزيد

تعليقات