البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

حرية التعبير في الإسلام

المحتوي الرئيسي


حرية التعبير في الإسلام
  • أسامة حافظ
    21/06/2016 11:15

هذا الاصطلاح لم يتداوله فقهاء ومفكرو المسلمين القدماء وإنما هو مصطلح غربي وفد إلى فكرنا في العصر الحديث محملا بخلفياته وثقافة أهله لذا فإننا إذا أردنا نقله إلي ثقافتنا نحتاج للتروي والحذر حتى لا تتسرب إلينا تلك الخلفيات التي تحدثنا عنها في المقال السابق والمناقضة لمنهجنا الإسلامي فكثير من المصطلحات تداولها المثقفون ووسائل الإعلام في بلادنا وهي مثقلة بآثار بيئتها دون تدقيق أو تمحيص فكان أن أثرت بطريقة سلبية في ثقافة أبناء بلادنا وشوهت كثيرا من جوانب شخصية مجتمعنا المسلم ولنبدأ بالحديث عن مفهوم الحرية عندنا.

فالحرية هي السلامة من سيطرة الغير والخضوع له, والحر هو من أصبح سيد نفسه فالإنسان قد يكون حرا في الظاهر – ليس مملوكا لأحد – لكنه يقيم على عبودية معنوية تتمثل في الخضوع لمصدر توجيه معرفي أو وجداني أو سلوكي يتحكم في تحديد وتوجيه رؤيته للأشياء وقناعاته ومواقفه واتجاهاته وسلوكه وتصرفاته.. وهذا المصدر هو المعبود الحقيقي الذي ينقاد إليه الفرد.

وهو متنوع ومتعدد فقد يكون الهوى أو السادة والزعماء أو الأوثان أو غير ذلك وإنه للتخلص من هذه العبودية ينبغي للمسلم أن يتوجه بعبوديته لله فالحرية إذن هي حرية القلب والعبودية عبوديته والحر من أصبح سيد نفسه كامل السيادة عليها في الإرادة والتملك والتصرف وكامل العبودية أيضا لله عز وجل فلا يحتاج في فعله إلى إذن من أحد من المخلوقات أو موافقته وإنما يستمد الحاكم أو الزوج أو الوالد سلطته على متبوعة من الالتزام بمنهج الله عز وجل وطاعته وطاعتهم والتزام أمرهم مرتبط بفحوى ما يأمرون به لا بشخصهم فإن أمروا بمعروف لزم طاعتهم وإن تنكبوا ذلك وجب معصيتهم.

فالحريات عندنا ثلاث حرية تجاه البشر تطلقهم من سيطرة غيرهم وعبودية تجاه ما يأمر به الشارع من وجوب التزام أمره واجتناب نهيه ثم حرية مطلقه في المباحات – وهي كثيرة ومتنوعة – أطلقها الله لعباده دون قيد من أحد عليه.

هذا عن الحرية.. أما عن حرية التعبير فهي مطلقة لكل فرد ممارستها في المجتمع يقول ما يريد ويعلن ما يريد إلا أن هذه الحرية ملتزمة بضوابط لحماية المجتمع من سلبيات انطلاقها والانتفاع بإيجابياتها وأبرز هذه الضوابط.

- (في اللفــظ): (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ), في اللفظ والمضمون ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء.

- (في المضمـون): فالمضمون ينبغي أن يكون معبرا عن المنهج الإسلامي في بناء المجتمع على الخير والفضيلة: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

- (في الهدف والأسلوب): (فليقل خيرا أو ليصمت), (وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً), (وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم).

- (في التثبـت): (....إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ), (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ), هذه بصفه عامه ضوابط حرية التعبير وقد يستثني من ذلك استثناءات لمصلحة أعظم نسوق منها.

- أمر الشارع بأن يقول المسلم التي هي أحسن في لفظهم ومضمون حديثهم ولكنه استثنى على الإباحة من ظلم ومن يدفع الظلم عن نفسه: (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ), (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ), أمر الله بالصدق في القول ولكنه استثنى من ذلك المصلحة الراجحة إن لم يتحقق إلا بالكذب, يقول النووي: "الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه وإن لم يمكن تحصيل ذلك المقصود إلا بالكذب جاز الكذب ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا وإن كان واجبا كان الكذب واجبا فإذا اختفى المسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائها والاحوط في هذا كله أن يورى", وفي الحديث: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا), متفق عليه.

- واستثناء ثالث من ضابط عدم الغيبة وهي كما في الحديث: (.. ذكرك أخاك في غيبته بما يكره), استثنى العلماء فيه أحوالا ستة وما في معناها: التظلم والاستعانة على تغيير المنكر والاستفتاء والتحذير والتعريف والمجاهر بالفسق.. وقد أوجبوا الغيبة من بعضها وهي الاستعانة على تغيير المنكر والتحذير وفي المجاهر بالفسق هذا إذا كانت مصلحة المجتمع راجحة ولذا قدموها على مصلحة الفرد في حماية عرضه.

هذه بصفه عامة ابرز القواعد الضابطة لحرية التعبير على النهج الإسلامي والحقيقة أن فقهاء المسلمين لم يتداولوا هذا الاصطلاح بصورته العامة وإنما تداولوا أبرز الصور التي يستخدم فيها وتناولوا منهم بالبحث والتفصيل الذي يمكن أن يرجع إليه في مظانه ولكننا سنتناوله هنا على وجه الإجمال.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن طريق القول وفيه حديث كبير عن قواعده وضوابطه وأبرزها ألا يترتب عليه منكر أكبر منه وأن يصدر ممن هو عالم بالواقعة وبالواقع محل المحتسب فيه إلى جانب علمه بفقه الحسبة وفقه المحتسب فيه وإن يكون أهلا لأداء ذلك العمل علما وخلقا.

- النصيحة ولا خلاف في أن النصيحة العامة لعموم الناس – الموعظة – مشروعة لا ينازع فيها أحد ويخضع في الحديث للضوابط العامة التي أشرنا إليها أما النصيحة الخاصة فلا تنتقل من السر إلى العلن إلا إذا لم تفلح موعظة السر وكان لإعلان النصيحة مصلحة راجحة وينبغي فيها اجتناب التشهير والتعيير والإحراج بدون مصلحة وإن يختار الناصح الوقت المناسب والطريقة المناسبة وأن يكون الناصح ملتزما بنهج النبوة في النصح بالرفق وحسن العرض والصبر.

- نشر العلم: وهو أيضا من الواجبات الشرعية التي أخذ الله الميثاق على أهلها بأن يفعلوه فكلمة الحق والصدق في الفتوى وإعلانها واجب شرعي على أهل العلم وحق للمجتمع عليه وشرط أن يكون العالم من أهل الفتوى بمواصفاته التي شرحت في كتب الأصول وتكون الفتوى مبنية على هذه الأصول هذا بالإضافة للضوابط العامة التي اشرنا إليها من قبل.

- بقي أن نتكلم عن الفروق بين حرية التعبير في كل من المنهجين الإسلامي والليبرالي الغربي:-

- أولا: الفارق من حيث المصدر:

فمصدر حرية التعبير عندنا هي الوحي لا يملك احد من البشر أن يتدخل في منعه أو تقييده أو تعطيله أو الانتقاص منه ما دامت على الضوابط الشرعية الواضحة التي أشرنا إليها والتي يعلمها الحاكم والمحكوم.. أما في المذهب الليبرالي الغربي فمصدره ما يسمونه الحقوق الطبيعية وهي حقوق كما يقولون تولد مع الإنسان لا حدود لها ولا ضابط وإنما مصدرها وحدودها مبهمين يحدده الناس بما يرون من قوانين ترتفع وتنخفض حسب ما يراها مصدرو القوانين من رأي ويظهر أثر هذا الفارق في أن المؤمن يشعر وهو يعبر عن رأيه انه يؤدي واجبا شرعيا يثاب عليه ولذلك فهو متمسك به مدافع عنه لا يفرط فيه وإن المقيد لهذه الحرية يشعر أنع يقع في معصية مؤثمة فيشعر تجاه ذلك بحرج شرعي.

كما لا يخفى أن انتماء هذه الحرية للمصدر الرباني يشعر أفراد المجتمع بالمسئولية تجاه المجتمع وتجاه دينه الذي يوجب عليه أداء ذلك الواجب.

- الثاني: الفارق من حيث إلزاميته:

فالحق في التعبير عند الغرب مجرد حق للفرد أن يتنازل عنه أو يتركه دون عقوبة أو تأثيم وهو كذلك مخير في المطالبة به أو تركه والتنازل عنه وبالتالي فإن ذلك يضعف من قيمته في نفوس أفراد المجتمع أما في الإسلام فالمسلم مطالب به بين ندب ووجوب يلزم أن يؤديه تجاه مجتمعة فإن فرط فيه فهو آثم يعاقب عليه أخرويا قبل الدنيا فالحسبة والنصيحة ونشر العلم وكلمة الحق كلها واجبات على أهلها والمجتمع في أمس الحاجة إليها ولذا فكل قادر يجب عليه ملزم بأدائها ومعرض للعقوبة في الآخرة إذا لم يسن المجتمع لذلك عقوبة دنيوية.

- الثالث: الفارق من حيث حجم ومساحة التعبير والمضمون:

حرية التعبير في الغرب مطلقة لجميع الناس في كل الأشياء وتجاه أي أحد دون أي قيود.. فقد يتكلم من لا يحسن فيما يجهل فينشر بين الناس ما يعتقد من خطأ.. وقد يتكلم الحاقد بحقده والهادم للمجتمع بمعاول هدمه والمحارب لأصول وقواعد بناء المجتمع وغيره دون ضابط أو قيد وفي هذا من الخطر على المجتمع والمفسدة العامة ما يضر المجتمع ويفسده.

أما في فكرنا الإسلامي فحرية التعبير فيما يحتاج لأهل الاختصاص موكولة لأهلها وبضوابطها وحرية التعبير على العموم لا تكون إلا في المعروف الذي يبني ولا يهدم ويحمي ثوابت المجتمع.

هذه بصفة عامة نبذه مختصرة في موضوع حرية التعبير وهي تبرز بوضوح أن هذا الاصطلاح كثيرا ما يستخدمه البعض للتحلل من القيود والضوابط التي تحمي المجتمع ويضعونه في غير موضعه.. ويخطئ كثيرا من يحاول أن يستورد هذا الاصطلاح من الغرب متجاهلا الاختلاف الحاد بين المنطلقين وبين الثقافتين وبين البيئتين اللاتي يتداول الاصطلاح فيها فإن لنا رؤيتنا وأصولنا التي نرجع إليها في ضبط أعمالنا واصطلاحاتنا.. والله الهادي إلي سواء السبيل.

أخبار ذات صلة

رغم كل ما قيل عن المؤمرات التي حيكت بمهارة فائقة بالتعاون بين الداخل والخارج من أجل إفشال تجربة الحركة الإسلام ... المزيد

كشف تقرير أمريكي حول ظاهرة الإسلاموفوبيا، أن هنالك 33 مجموعة في الولايات المتحدة لديها تمويلات وصل مجموعها ما بين عامي 2008 - 2013 إلى 205 مليون دولار. المزيد

أزمة المصطلحات:

المصطلحات كائنات حية كالبشر تماما تنشأ في بيئتها الثقافية والواقعية وتنمو فيها وتتشبع بواقعها وتحمل في ... المزيد

تعليقات