البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

جوف ويتلام .. حقيقة الأزمة التى أطاحت بأعظم رئيس وزراء لأستراليا منذ إنشائها

المحتوي الرئيسي


جوف ويتلام .. حقيقة الأزمة التى أطاحت بأعظم رئيس وزراء لأستراليا منذ إنشائها
  • محمد عدس
    05/11/2014 11:35

جُوفْ وِتْلام Gough Whitlam (٧) : هناك نقاط هامة لابد من توضيحها لكي نستوعب حقيقة الأزمة التى أطاحت بأعظم رئيس وزراء لأستراليا منذ إنشائها إلى يوم توليه السلطة فى بلاده سنة ١٩٧٢م .. وقد وصفها هو بأنها إنقلاب على الدستور والديمقراطية. ١- لم يكن وتلام يتصور أن الحاكم العام (جون كير) John Kerr الذى اختاره هو وقدم اسمه للملكة إليزابيث لتصدر قرارا بتعيينه- لم يكن يتصور أن يشترك فى مؤامرة ضده وأن يصدر قرارا بعزله .. وحل مجلس الوزراء والبرلمان.. وتعيين رئيس حزب المعارضة رئيسا لحكومة مؤقته .. ٢- كذلك لم يكن يتصور أن زعيما لحزب فى دولة ديمقراطية عريقة يقبل على نفسه أن يتولى السلطة بدون انتخابات حرة عبر صناديق الاقتراع، ولا أن يتصور أنه مع حزبه الذى يملك أغلبية فى مجلس الشيوخ يمكن أن يشتركوا فى التآمر على الحكومة ويحجبون الموافقة على ميزانية الحكومة ، لإفشالها ووضعها فى مأزق تبدو فيه غير قادرة حتى على صرف مرتبات موظفى الدولة وتسيير شئونها اليومية.. ٣- لم يكن يتصور أن البنوك الاسترالية سترفض طلب حكومته قرضا مؤقتا لتسيير شئون الدولة حتى تنجلى الأزمة .. وقد تبين له فيما بعد أن المخابرات قد سرّبت إلى البنوك قرارات الحاكم العام التى تفيد أن هذه الحكومة لم تعد مخوَّلة للاقتراض لأنها أصبحت خارج السلطة .. فى الوقت الذى لم يكن هذا الخبر مذاعًا ولا معروفًا لرئيس الوزراء الشرعي نفسه.. فقد كان التلاعب فى الإجراءات والتوقيتات الرسمية يجرى بسرعة بين أطراف المؤامرة من خلف ظهره. ٤- لقد عرفنا فيما بعد أن جوف ويتلام كان مستغرقًا فى حلول للأزمة المالية بسرعة وأنه بالفعل كان على وشك أن يحصل على قرض مؤقت قيمته نصف مليون دولار من حسن البكر رئيس جمهورية العراق ، لكي يخرج من الأزمة المالية الطارئة ويلتقط أنفاسه.. ثم يتفرغ لمواجهة المشكلات الأخرى حتى لا تتكرر عملية مصادرة الميزانية فى مجلس للشيوخ الذى لا يمثل أعضاؤه الشعب الأسترالي تمثيلا صحيحا ، كما هو الشأن بالنسبة لمجلس النواب. مجلس الشيوخ يتشكل من ٧٢ عضوا بواقع ١٢ عضوا لكل ولاية.. والنتجة أن "تسمانيا" وهي أصغر الولايات (أقل من نصف مليون نسمة) تتساوى مع "نيوسوث ويلز"NSW التى بها أكثر من ستة ملايين .. وهذا لا يمثل حقيقة الإرادة الشعبية فى النظام الديمقراطي . و فى عهد وتلام كان حزب المعارضة يسيطر على المجلس بأغلبية ضئيلة ؛ ولذلك كان يسعى لتصحيحها كما أشرنا ، لو أتيحت له فرصة الوقت .. إذْ كان يعوِّل على استكمال فترة ولايته الدستورية التى بقي فيها عام كامل، لولا المؤامرة التى قطعت عليه الطريق. . ذهب وتلام إلى "جون كير" ليشرح له الموقف ولديه قرار بموافقة أعضاء حزبه فى مجلس الشيوخ على رفع الحظر عن الميزانية وموافقة مجلس النواب على التعديلات المقترحة بشأن إنشاء كيانين جديدين بحكومتين ذات استقلال ذاتى.. ويشرح له أنه ليس من المعقول أن حفنة من أعضاء مجلس الشيوخ يوقفون حال الدولة ويشلون يد الحكومة المنتخبة ... ولم يكن وتلام يعلم أن مالكوم فريزر رئيس المعارضة كان موجودا -أثناء ذلك- فى مكان آخر بمكتب جون كير للاتفاق على اللمسات الأخيرة لطرد وتلام .. وأن قرارا بعزله كان فى طريقه للنشر سرا فى الجريدة الرسمية حتى لا يتخذ وتلام إجراءات دستورية معاكسة تجهض المؤامرة فى مهدها ؛ فمن صلاحيات رئيس الوزراء أن يطلب من الملكة إليزابيث إيقاف جون كير وترشيح بديلٍ عنه لمنصب الحاكم العام. إقترح وتلام على جون كير تجديد انتخابات نصف أعضاء مجلس الشورى ، وهو إجراء يقع ضمن سلطاته .. حيث توقع أن هذه العملية ستستغرق عدة أشهر وتكون التعديلات الجديدة قد تم تنفيذها بحيث يأتى مجلس الشورى الجديد وفيه أغلبية للحزب الحاكم .. فوجئ وتلام برفض أي تفاهم من جانب جون كير فقد اشترط حل المجلسين معًا .. وهو مارفضه وتلام وخرج معتزما إستخدام صلاحياته الدستورية: أن يطلب من الملكة إليزابيث إنهاء ولاية الحاكم العام .. ولكن كانت خطوات المتآمرين أسبق إليه ؛ حيث فوجئ وهو يتحدث فى البرلمان بإعلان قرار الحاكم العام بعزله ، مستندًا إلى فتوى رئيس المحكمة العليا الذى كان بدوره ضالعًا فى المؤامرة.. خرج وتلام من قاعة مجلس النواب ووقف فى أعلى سلّم مبنى البرلمان يستمع مع الجماهير إلى قرار الحاكم العام بعزله وحل البرلمان بمجلسيه وتعيين مالكوم فريزر رئيسا لحكومة مؤقتة.. أمسك جوف وتلام الميكروفون وتحدث إلى الجماهير الغاضبة حديثًا كشف فيه عن أبعاد الانقلاب الدستوري. كان خطابا تاريخيا ظل الناس يرددون عباراته زمنا طويلا .. وذهبت بعض عباراته أمثلة تتردد فى كتابات المؤلفين والمعلقين على هذا الانقلاب الغادر الذى وقع فى يوم ١١نوفمير ١٩٥٧م .. ومنها عبارته الشهيرة: لقد فعلها الشرير “Kerr’s cur” وعبارات أخرى مثل "حافظوا على غضبتكم .. ليعلم الانقلابيون أن أستراليا أكرم من أن تُعامل بهذه الخسّة" وقال عبارته الأشهر والأخلد التى ذهبت مثلا فى أدبيات الكتابة السياسية .. قال: Well may we say God Save the Queen; because nothing will save the Governor-General." وبالفعل حلّت اللعنة على جون كير فقد اختفى إلى الأبد لم يجرؤ على الظهور أمام الجماهير.. ولم يعتزل العمل السياسي فقط وإنما اعتزل الدنيا بأسرها وعاش بقية عمره خارج أستراليا .. منطويًا على نفسه يجترّ سيئاته ويخشى من انتقام الجماهيرحتى حانت لحظة وفاته سنة ١٩٩١م فلم يحفل به أحد وذهب غير مأسوف عليه .. أما جوف وتلام فقد ظل مرفوع الهامة نجما تتنافس الجامعات فى طلبه للتدريس والمحاضرة .. وظل ملء السمع والبصر فى عالم الكتابة والتأليف والمشورة فى الشئون السياسية والاجتماعية .. وفى سنة ١٩٨٣انتدبته حكومة أستراليا ليكون ممثلها فى منظمة اليونسكو بمقرها فى باريس .. كنت آنذاك خبيرا فى المنظمة مما أتاح لى متابعة نشاط جوف وتلام فى هذه الفترة الحرجة التى شهدت مؤامرة أمريكية على مديرها العام الدكتور "أحمد مختار أمباوْ" الأفريقي المسلم ؛ لأنه جاهر برأيه معارضا أي تغييرات تقوم بها إسرائيل فى مدينة القدس وخاصة عمليات الحفر الإجرامي تحت المسجد الأقصى مما يعرضه للانهيار .. وقال بالحرف: " إسرائيل دولة احتلال والقانون الدولي يمنع دولة الاحتلال من إجراء أي تغييرات تقوم بها فى الأراضى المحتلة .." ومن ثم أرادت أمريكا عزله هو الآخر وسعت بكل أساليبها العلنية والخفية لإثبات فشل إدارته للمنظمة الدولية وكانت وراء تدابير حرق أرشيف اليونسكو الوثائقى لولا مشيئة الله أن اكتشفت المحاولة بالصدفة وتم إجهاضها.. فلجأت أمريكا إلى أساليب أخرى إذ امتنعت عن دفع حصتها المالية فى ميزانية اليونسكو .. وسعت لدى بريطانيا وكندا واستراليا لتحذو حذوها .. وكنت أتابع الأحداث بقلق شديد .. وأعرف أن الملك عبد الله الحالى -وكان آنذاك ولي عهد السعودية- قد وعد بتعويض اليونسكو بثلاثين مليون من الدولارات .. ولكن أمريكا زجرته فنكس بوعده وخذل الرجل .. أما جوف وتلام الملتزم بمبادئه الأخلاقية ، فلم يستجب لأمريكا ولم يتخلَّى عن مدير عام اليونسكو فى محنته بل سانده ووقف أمام المحافل الدولية يدافع عن كفاءته وإنجازاته فى تطوير المنظمة ووضعها فى مكانها العالمي المتميّز لخدمة الشعوب فى مجالات التربية والثقافة والعلوم.. عاش جوف وتلام حياة حافلة مضيئة بالفكر والعمل .. فى موضع حب و تقدير من شعبه حتى وافته المنية عن عمر ناهز الثامنة والتسعين عاما ، فى أكتوبر هذا العام ٢٠١٤م وأعظم تركة خلّفها وراءه مؤلفاته التى صب فيها تجاربه فى السياسة والحكم والحياة لتكون منارة للأجيال التى تأتى من بعده ، فيأخذوا بأحسن ما فيها ويتجنبوا ما صادفه من عثرات ..

أخبار ذات صلة

كنت أود تأخير مقالى بعد العيد لكن تأخير البيان لايجوز عن وقت الحاجة

بفضل الله  منذ عشر سنوات أو أكثر وانا احذر وأنتقد عزمى بشارة فه ... المزيد

عديدة هي التحولات الجيوبوليتكية السحيقة في القطر العربي التي امتدت من الشرق إلى ليبيا و الهادفة إلى بلقنة المنطقة تنزيلا لبنود مخططات الظلاميين و ا ... المزيد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فمن السنن الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم سنة الأضحية ، وقد ثبت في السنة الصحيحة تحديد الشروط الواجب تو ... المزيد