البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

جهاد مسلمي الفلبين ضد الاحتلال الأسباني

المحتوي الرئيسي


جهاد مسلمي الفلبين ضد الاحتلال الأسباني
  • شريف عبدالعزيز
    25/11/2014 08:57

تقع جزر الفليبين في منطقة جنوب شرقي آسيا على شكل أرخبيل يضم زيادة على سبعة آلاف جزيرة، تتفاوت هذه الجزر في مساحتها تفاوتًا كبيرًا، ومعظم هذه الجزر غير مأهول بالسكان، وتعتبر جزر الفليبين جزءًا من أرخبيل الملايو الذي يضم إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وهي الدول العامرة بالخيرات والثروات الطبيعية والتي جلبت عليها الكثير من المتاعب وأطماع الدول الأوروبية.

بدأ الإسلام يطرق أبواب جزر الفليبين في أواسط القرن الثالث الهجري عن طريق التجار الذين كانوا يجوبون البلاد، ويطوفون أنحاء المعمورة ليس للتجارة وحدها ولكن للدعوة أيضًا؛ فالتاجر المسلم قديمًا كان خير داعية للإسلام بحسن تعامله مع الناس وعدله وأمانته وسمته وهديه، ومع دخول القرن الخامس ظهر الأثر الإسلامي في الجزر، حيث استوطن كثير من المسلمين شبه جزيرة الملايو وسومطرة وجاوة وأرخبيل الفليبين.

ومع سقوط الخلافة العباسية سنة 656هـ ـ 1258م حدث تحول كبير في تاريخ الوجود الإسلامي في المنطقة بأسرها؛ إذ هاجر كثير من الفقهاء والمشايخ والأسر المسلمة إلى تلك الجزر، وحصل نشاط كبير للدعوة الإسلامية في الفليبين، أدى لقيام العديد من الممالك والإمارات الإسلامية، على الرغم من أن غالبية السكان ما زالوا على الوثنية، ولكن المسلمين كانوا هم الفئة الحاكمة لرقيهم في شتى المجالات، ومن هذه الممالك والإمارات مملكة «صولو» الإسلامية والتي كانت تشرف على أكثر إمارات وممالك الجنوب، ومملكة «أمان الله» التي أصبحت بعد ذلك «مانيلا» وتشرف على إمارات وممالك الشمال، وعلى رأس كل مملكة أو إمارة صغيرة حاكم يُدعى (داتو) ويندمج بعضها مع بعض في كيانات أكبر يحكمها (راجا)، وكان أشهر الراجات راجا مانيلا، وراجا صولو.

وبالجملة فإن الإسلام قد وصل جزر الفليبين وانتشر وحكم وساد وأقام الممالك الكبيرة والقوية وذلك كله دون أن يشهر سيف واحد أو تراق نقطة دم واحدة من المسلمين أو من أهل البلاد، مما يوضح مدى عظمة هذا الدين وتأثيره، ويوضح أيضًا الدور الكبير والرائع الذي حققه التجار والدعاة في نشر رسالة الإسلام حتى أقصى بلاد الأرض.

* البرتغال وجنوب شرق آسيا:

يعتبر البرتغاليون أول أباطرة الاحتلال الصليبي وصولاً لمنطقة جنوب شرق آسيا، وذلك خلال حركة الكشوف البحرية التي قاموا بها بدوافع صليبية محضة، ولكنها مغلفة بأطماع وطموحات اقتصادية، فالبرتغاليون هم أول الأوروبيين وصولاً إلى بلاد الهند والجزر الإندونيسية، وأرخبيل الملايو، وذلك في أوائل القرن العاشر الهجري وبعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح بالدوران حول أفريقيا.

كان البرتغاليون يستهدفون من وصولهم إلى هذه الجزر أمرين: أولهما وأهمهما ديني وهو القضاء على الإسلام ونشر النصرانية، وثانيهما اقتصادي وهو السيطرة على تجارة المشرق وحرمان المماليك وأعوانهم من المدن التجارية الإيطالية من مصادر هذا الثراء العظيم، أي أن البرتغاليين كانوا قطاع طرق شديدي التعصب والحقد.

أدرك مسلمو الفليبين لأول وهلة مدى خطورة وتعصب البرتغاليين، وكان أكبر سلاطين المنطقة آنذاك السلطان محمود شرف الدين حاكم «ملقا» في شبه جزيرة الملايو، فقدر ببعد نظره أن يخلي عاصمة حكمه ويستدرج البرتغاليين للداخل حيث التجمعات السكانية الكثيفة للمسلمين، وبدأ في تأسيس سلطنة جديدة تزعمت لواء مقاومة العدوان البرتغالي على بلاده، وذهب أحد أبناء السلطان محمود واسمه (محمد كابونسوان) وأسس سلطنة جديدة أخرى في «ملابانك»، وعجز البرتغاليون رغم تفوقهم العسكري عن زحزحة المسلمين عن مناطق نفوذهم وممالكهم حتى ظهر في الأفق عدو طارئ جديد هم الإسبان.

* ماجلان الصليبي ولابولابو المسلم:

كما كان فاسكو دي جاما أشهر بحارة البرتغال ومكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، كان فرناندو ماجلان أشهر بحارة إسبانيا، ونظرًا للتنافس الكبير بين إسبانيا والبرتغال قررت الأولى إرسال حملة بحرية تدول حول أفريقيا لتكتشف طريقًا جديدًا للتجارة يصلون خلاله مباشرة إلى مناجم الثروات الطبيعية في جنوب شرق آسيا دون المرور على المراكز البرتغالية التي تتحكم في حركة التجارة العالمية وقتها.

خرج (ماجلان) بحملة بحرية مكونة من خمس سفن وطاقم مكون من 265 بحارًا، لاكتشاف الطريق الجديد وذلك في أواخر سنة 925هـ، فظل في رحلته البحرية طيلة عشرين شهرًا في غير فائدة حتى استبد اليأس بقلبه، وأخيرًا رست سفن ماجلان على سواحل الجزر الفليبينية، وقد ظن ماجلان أنه وصل جزر المولوك المشهورة بالتوابل ولكن سرعان ما اكتشف الحقيقة، فأطلق على الجزيرة التي رست سفنه عندها اسم «سانت لازار» وكان من حسن حظ الإسبان أنه قد نزل في منطقة الممالك الوثنية، فاتفق ماجلان مع حاكم جزيرة «سيبو» ويُدعى (هومابون) وكان وثنيًا على أن يدخل النصرانية مقابل أن يكون ملكًا على جميع الجزر تحت اسم ملك إسبانيا، وفي المقابل يعمل ماجلان بجنوده وأسلحته النارية على توسيع ملك (هومابون) وتمكينه من السيطرة على سائر الجزر.

انتقل ماجلان من جزيرة «سيبو» إلى جزيرة أخرى بجوارها وهي جزيرة «ماكنتان» وكان عليها سلطان مسلم يُدعى (لابولابو)، فلما علم الإسبان بإسلام أهل الجزيرة أصابهم الغضب الشديد وثارت أحقادهم، فأضرموا النار في بيوت السكان وسرقوا مؤنهم، ورفض لابولابو العرض الذي قدمه له ماجلان مثلما فعل مع (هومابون)، فحشد ماجلان قواته وقرر تأديب لابولابو حتى يكون عبرة لغيره من الأمراء والسلاطين، فيخضعوا لسلطان ملك إسبانيا الصليبي.

طلب ماجلان الصليبي من لابولابو المسلم التسليم والخضوع بكل صلف وعنجهية واستعلاء صليبي مقيت ووقف يخطب في أهل الجزيرة قائلاً: «إنني باسم المسيح أطلب منكم التسليم، ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد»، فأجاب السلطان المسلم الحكيم (لابولابو) بكل عزة وشموخ: «إن الدين لله وإن الإله الذي أعبده هو إله جميع البشر على اختلاف ألوانهم»، ثم اشتبك المسلمون الفليبينيون مع الإسبان، وقتل لابولابو ماجلان بيده، وشتت شمل فرقته، وأنزل بهم هزيمة منكرة، ورفض تسليم جثة ماجلان للإسبان، ودفنه في أرض الجزيرة كرمز على نصر المسلمين على الصليبيين، وبعد الهزيمة انسحب الإسبان إلى بلادهم.

أرسل الإسبان أربع حملات دينية متتابعة ليشفوا غليلهم وينتقموا من مصابهم ومن سوء طالعهم أن هذه الحملات رست على شواطئ جزيرة «مينداناو» في الجنوب حيث أغلبية السكان من المسلمين، ففتك المسلمون بتلك الحملات كلها وذلك خلال الفترة من 930هـ حتى سنة 950هـ، وكان (روي لوبيز) قائد الحملة الرابعة وهو الذي أطلق على تلك الجزر اسم (الفليبين) على اسم ملك إسبانيا (فليب الثاني) وخلال الحملات الإسبانية الفاشلة كوّن الإسبان رؤية مستقبلية في التعامل مع صلابة المقاومة الإسلامية في الفليبين.

* الاحتلال الإسباني لجزر الفليبين:

بدأ الاحتلال الإسباني الحقيقي للفليبين سنة 973هـ، أي بعد قرابة الخمسين عامًا من وصول ماجلان لشواطئها، فلقد وصلت حملة إسبانية ضخمة بقيادة (ميجل لوبيز) إلى سواحل الفليبين سنة 973هـ، فرست عند جزيرة «سيبو» وقام الإسبان ببناء قلعة حصينة، جعلوها مقرًا لإقامة الجند ونقطة انطلاق للإغارة على باقي الجزر وبعد قتال عنيف ومرير استولى الإسبان على مملكة «راجا سليمان» في الشمال، ودمر عاصمتها «أمان الله» وأقاموا مكانها مدينة جديدة أسموها «مانيلا»، ولكن مع ذلك التوسع والنصر على المملكة الإسلامية في الشمال ظل الإسبان في حالة فزع وخوف من انقضاض السكان عليهم لضراوة المقاومة الإسلامية هناك، لذلك عمدوا إلى بناء مدينة صغيرة داخل مدينة مانيلا، ولكن شديدة التحصين أطلقوا عليها اسم «انترامورس» أي المدينة المسَّورة ضد المسلمين، وجعلوها مقرًا لحكومة الاحتلال، وسبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة، فهذا الفكر المذعور هو نفسه الذي دفع الأمريكان عند احتلال العراق لبناء المنطقة الخضراء داخل بغداد لتكون مقرًا لحكومة الاحتلال أيضًا.

وانطلاقًا من مدينة «مانيلا» استولى الإسبان على الجزر الشمالية لقلة عدد المسلمين بها وغلبة الوثنيين، في حين عجزوا تمامًا عن السيطرة على الجزر الجنوبية التي يحكمها المسلمون، وعلى الرغم من المحاولات المستميتة للإسبان لاحتلال مناطق المسلمين إلا إنهم فشلوا في النهاية، فقرروا التركيز على ما تحت أيديهم، فأجبروا السكان على التنصر والتحول إلى الكاثوليكية، وامتزج الإسبان مع السكان الأصليين للجزر المعروفين بالأنديو، فنشأ عنصر خليط من ذلك التمازج هو عنصر «المستيزو» وهو الذي سيشكل رأس الحربة الصليبية ضد مسلمي الفليبين لعهود طويلة وحتى وقتنا الحاضر.

* السياسة الإسبانية في محاربة مسلمي الفليبين:

كانت مقاومة المسلمين في الفليبين عنيفة وحامية بدرجة أذهلت الإسبان وأدخلت اليأس في قلوبهم من احتلال الجزر الجنوبية حيث ممالك المسلمين، فلجأ الإسبان إلى سياسية دينية صرفة في تدمير قوى المسلمين هناك بشتى الوسائل والإجراءات منها:

1ـ فرض حصار اقتصادي شديد على الممالك الإسلامية في جزر الفليبين لحرمان المسلمين من أهم مصادر حياتهم اليومية وهي التجارة، وذلك باستخدام أسلوب القرصنة الذي يجيده الإسبان، وقد اتفقوا مع الهولنديين الذين كانوا يفعلون نفس الشيء مع مسلمي إندونيسيا، ومع الإنجليز الذين كانوا يفعلون نفس الشيء مع مسلمي الملايو.

2ـ العمل على تفريق الصف المسلم ببث الشائعات والأكاذيب وإثارة العرقيات والأحقاد وهو أسلوب صليبي معروف وما زال يتبع حتى الآن، فما أن يطأ الاحتلال الغاشم أي بلد مسلم حتى يفتش عن العداوات القديمة والأحقاد الدفينة، فيثيرها ويؤججها من جديد، ويثير العرقيات والقوميات وهكذا، فعمل الإسبان على عزل الممالك الإسلامية عن بعضها البعض، وقطع خطوط الاتصال بين مسلمي الفليبين وإندونيسيا والملايو، وذلك كله لينفردوا بكل مملكة على حدة فيسهل محاربتها.

3ـ إيفاد الإرساليات التنصيرية إلى جزر الفليبين لنشر النصرانية في صفوف الوثنيين والإغداق عليهم بالأموال والمنح واستخدامهم في محاربة المسلمين فيما بعد.

4ـ الإغارة المستمرة على التجمعات الإسلامية والتخريب المتعمد لكل مصادر الحياة في هذه التجمعات من إحراق البيوت وإتلاف المحاصيل وتدمير السفن والموانئ، وإتباع سياسة الأرض المحروقة لإجبار المسلمين على الهجرة وترك ديارهم.

* ملحمة حروب المورو ـ المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال الإسباني:

المورو هو الاسم الذي يطلق على المسلمين في الفليبين وتايلاند وسيلان ومدغشقر وسائر البقاع التي دخلها الاحتلال الإسباني والبرتغالي لمنطقة جنوب شرق آسيا، وأصل التسمية مأخوذ من لفظة إسبانية معناها صاحب الوجه الأسمر أو الكالح، وكان الإسبان يطلقونها على مسلمي الأندلس والمغرب، فلما فرغوا من إنهاء الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس في أواخر القرن التاسع الهجري والخامس عشر الميلادي، وداروا دورتهم الشهيرة حول القارة الأفريقية، ورست أساطيلهم على جزر أرخبيل الملايو، ظنوا أن البلاد خالية أمامهم، فلما رأوا المسلمين بها صعقوا بشدة وقالوا الموروس هنا، ومن يومها أطلق على مسلمي تلك الجزر اسم المورو.

ونحن لا نحبذ إطلاق هذا الاسم على مسلمي الفليبين وغيرهم لما يحويه من دلالات عنصرية وصليبية مقيتة، وأيضًا فيها طمس لحقيقة مسلمي الفليبين حتى ظن البعض أن المورو يعني بها قومية أو عرقية محددة في الفليبين، والأمر غير ذلك تمامًا؛ لذلك فإننا سوف نسمي الأمور باسمها الحقيق ونقول المقاومة الإسلامية الفليبينية ضد الاحتلال الديني الإسباني.

عند احتلال الإسبان للجزر الشمالية للفليبين كان للمسلمين عدة ممالك قوية في الجنوب أهمها سلطنة «ديبتروان»، وسلطنة «صولو»، وسلطنة «ماجنيدنا»، وسلطنة «بويان»، وتلك الممالك هي التي قادت الجهاد الإسلامي ضد الاحتلال الديني الإسباني وبرز العديد من قادة الجهاد الإسلامي مثل البطل المقدام (ديبتروان قدرات) الذي دوخ الإسبان وقهرهم في معارك كثيرة، ومنهم السلطان نصر الدين سلطان المسلمين في جزيرة صولو، والذي قاد الجهاد الإسلامي من داخل الغابات، وأصبح أسطورة البلاد والشبح الذي بث الرعب في نفوس الإسبان لفترات طويلة.

استمرت المقاومة الإسلامية في الفليبين ضد الاحتلال الإسباني طيلة فترة وجود ذلك الاحتلال أي لزيادة على ثلاثة قرون، أخذت خلالها المقاومة الإسلامية هناك شكل الملحمة التاريخية الرائعة ومرت بست مراحل لا تكاد تنتهي الحروب من واحدة حتى تبدأ الثانية، وذلك في التواريخ الآتية:

1ـ الحروب الأولى من سنة 1565م حتى 1578م.

2ـ الحروب الثانية من سنة 1587م حتى 1599م.

3ـ الحروب الثالثة من سنة 1606م حتى 1635م.

4ـ الحروب الرابعة من سنة 1637م حتى 1645م.

5ـ الحروب الخامسة من سنة 1818م حتى 1850م.

6ـ الحروب السادسة من سنة 1851م حتى 1898م.

وخلال تلك الحروب كلها استخدم الإسبان كل أنواع الأسلحة المادية والمعنوية، وأظهروا صليبية مقيتة وصبغوها بصفة دينية كاملة، وتعاون معهم في بعض مراحلها الهولنديون على الرغم من العداوة التاريخية الشديدة بين الإسبان والهولنديين، ولكنه نداء الدين ووحدة الصليب الذي جعلهم يتناسون أحقادهم ويتحالفون ضد المسلمين.

وقد أبدى المسلمون في الفليبين مقاومة باسلة ورائعة صارت مضرب الأمثال في جنوب شرق آسيا كله، فلقد حارب المسلمون من بيت إلى بيت، فلما أحرقوا منازلهم انتقلوا إلى الغابات، فلما أحرقوا الغابات عادون يبنون بيوتًا جديدة من الأغصان وظلوا يقاتلون بمنتهى الشراسة على الرغم من وحشية الاحتلال الإسباني مع مواجهة المقاومة، حتى أنهم أجبروا الحاكم العام الإسباني في الفليبين على الفرار إلى هونج كونج سنة 1895م وهو ما جعل الإسبان يفكرون جديًا في كيفية الخروج من المأزق الفليبيني المرعب ولكن بصورة تحفظ لهم كرامتهم التي تمرمغت في الوحل على يد المقاومة الإسلامية هناك.

* المؤامرة الأمريكية الإسبانية:

شعر الإسبان بعجزهم الكبير عن مواجهة المقاومة الإسلامية في الفليبين، وبحثوا عن مخرج لأزمتهم تلك وأخيرًا قرروا الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية وكانت وقتها قوة جديدة وناشئة على بيع جزر الفليبين وكوبا وبورتوريكو وهي المستعمرات الإسبانية بمبلغ خمسة ملايين دولار، وذلك بعد عدة معارك استعراضية بين الإسبان والأمريكان سنة 1316هـ ليظهر الأمريكان بصورة المنقذ والمحرر لجزر الفليبين من الاحتلال الإسباني، وبالفعل انطلت الخدعة على سكان البلاد ورحبوا بالأمريكان وساعدوهم بقوة ضد الإسبان، وأعلنت إسبانيا على لسان الحاكم العام للفليبين الجنرال (جوينالدو) استقلال الفليبين عن إسبانيا وذلك سنة 1316هـ، وفرح السكان بشدة لذلك.

ولكن سرعان ما اكتشف أهل البلاد الخديعة إذ أعلن الإسبان انسحابهم من الجزر والأمريكان ما زالوا على أراضيها، فطلب المسلمون في الفليبين من الأمريكان المغادرة فرفضوا بشدة وأعلنوا ضم الفليبين للولايات المتحدة الأمريكية، فثار المسلمون لذلك وحملوا سلاحهم مرة أخرى ضد الأمريكان الذين ساروا على نفس الخط الإسباني في محاربة الممالك الإسلامية وعزل مناطق المسلمين وفرض سياج من الجهل والتخلف والفقر على أبناء الإسلام هناك، في حين تم تقريب نصارى البلاد واحتضانهم ورفع مستوى المعيشة لأبنائهم وذلك للهدف البعيد وهو تسليم البلاد لتلك الطبقة النصرانية الموالية للاحتلال الأجنبي.

استمر الاحتلال الأمريكي الصليبي للفليبين قرابة النصف قرن استطاع خلالها أن يحقق ما عجز عنه الإسبان في ثلاثة قرون باستخدام الخديعة والمكر والخداع، فالأمريكان هم ورثة الإنجليز في الأساليب الاستعمارية، والإنجليز كما هو معروف تاريخيًا هم أساتذة المكر والخداع، فلقد ابتلعت السياسة الأمريكية في الفليبين الممالك الإسلامية العريقة مثل مملكة صولو ومملكة ماجنيدنا ومملكة بويان، وذلك بعد أن ثبت الفرقة وأذكت الخلافات بين الممالك باتباع السياسة الإنجليزية الشهيرة (فرق تسد)، فضاع التماسك الإسلامي الذي وقف بكل صمود وتحدي للإسبان لعدة قرون، كما وضعت أمريكا نظامًا لحيازة الأراضي كان من نتيجته فقدان المسلمين لمعظم أراضيهم لصالح نصارى الفليبين، كما عمل الأمريكان على فتح باب الهجرة لليهود والصهاينة إلى البلاد وأفسحوا لهم المجال للتسلل إلى الساحة السياسية في البلاد تمهيدًا لمرحلة ما بعد الاستقلال.

* كفاح المسلمين ضد أذناب الاحتلال:

حصلت الفليبين على استقلالها الظاهري من الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1946م ـ 1365هـ، بعد أن سلمت أمريكا الحكم لحلفائهم النصارى وتأكدت من ولائهم التام للسياسة الأمريكية، وأيضًا تركت لهم مهمة محاربة الوجود الإسلامي في البلاد، وبالفعل بدأت الحكومة الصليبية في الفليبين تمارس سياسة البطش والإرهاب ضد مسلمي البلاد بصورة منهجية كما يلي:

1ـ تشجيع النصارى على الاستيطان في مناطق المسلمين وتمليكهم لأراضيهم، مع حرمان المسلمين من المشاركة في المشاريع الهامة والحيوية في البلاد.

2ـ إغراق المناطق الإسلامية بأعداد ضخمة من قوات الأمن لمراقبة تحركات المسلمين وقمع أي ثورة يقوموا بها ضد مظالم الحكومة الصليبية.

3ـ دفع المسلمين لترك أراضيهم الزراعية ومصايد الأسماك، وإرغامهم على اللجوء إلى الغابات والأحراش وشعب الجبال ليمتهنوا أشق الأعمال وأحقرها.

4ـ تشكيل العصابات الإجرامية والمنظمات الإرهابية التي تعمل على إنهاء الوجود الإسلامي في الفليبين وإجبار المسلمين على التنصر أو القتل، ولقد تشكلت عدة عصابات إرهابية كبيرة مثل منظمة «إيلاجا» وقد أشرف عليها الرئيس الفليبيني الهالك ماركوس، وهي مزودة بأحدث الأسلحة ويبلغ عدد أفرادها مائة ألف مجرم وقاتل مأجور، وعصابة الفئران وكانت تهدف لإحراق المزارع وتدمير الأملاك، وعصابة الأخطبوط وتهدف لتصفية قادة المسلمين واغتيال الشباب والعلماء والشيوخ، ولقد قامت تلك التشكيلات الإرهابية والإجرامية بمجازر مروعة بحق المسلمين يندى لها جبين كل حر في العالم المعاصر.

5ـ معارضة كل اتجاه نحو فتح مدارس إسلامية أو إقامة شعائر الإسلام مع تبني عمليات التنصير المنظمة داخل مناطق المسلمين وخاصة الفقيرة منها تحت شعار الفلبيني الصالح هو الفلبيني النصراني.

6ـ استدراج المسلمين لصدامات مفتعلة لخلق الذرائع اللازمة للقضاء عليهم وجر المسلمين لمعركة هم غير مستعدين لها، وكانت الخطة الصليبية تقضي بأن يتم الاستيلاء على أراضي المسلمين في البداية لجرهم إلى القتال وهم غير مستعدين على حين تهيأ النصارى للقتال واستعدوا، وبالفعل تم زحف النصارى من الشمال إلى الجنوب حيث مناطق المسلمين وذلك سنة 1391هـ ـ 1970م، وبدأت عمليات الشغب وحرق المزارع وإلقاء السموم في الآباء وقتل الحيوانات، كما قامت حوادث الخطف والاغتيال وأدى ذلك القتال لتشريد أكثر من ستين ألف أسرة مسلمة في الجبال والغابات.

على الرغم من ضخامة وكثافة الهجوم الصليبي على مسلمي الفليبين إلا أن مسلمي الفليبين الذين جاهدوا الاحتلال الإسباني ثم الأمريكي لقرون زادوا استمساكًا بدينهم وإصرارًا على حقوقهم، وتكونت في بداية الأمر منظمة إسلامية لقيادة الكفاح الإسلامي ضد العدوان الصليبي وهي جبهة اتحاد الهيئات الإسلامية وتعرف اختصارًا (بانسا) بزعامة الدكتور أحمد ألونتو ثم تكون الذراع العسكري لتلك الجبهة باسم «الجبهة الوطنية لتحرير مورو» بزعامة نورميسوري وسلامات هاشم رحمه الله.

تحصن المسلمون بأعداد كبيرة في بلدة «بابا لومان» وطالبوا بفصل المناطق الإسلامية في جزر مينداناو وصولو وبالاوان، وتدخلت منظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن أصر نصارى الفليبين وزعيمهم ماركوس على مواصلة قمع المسلمين، وظل القتال بين الطرفين عدة سنوات أبدى فيه المسلمون ضراوة في القتال والمقاومة أجبرت الحكومة الصليبية في الفليبين على الجلوس على مائدة المفاوضات وذلك سنة 1396هـ بعاصمة الجماهيرية الليبية طرابلس وبرعاية الرئيس الليبي معمر القذافي، وتم الاتفاق على بنود معاهدة السلام بين الطرفين كانت في مجملها لصالح المسلمين في الفليبين.

لم يكن في نية الحكومة الصليبية في مانيلا الوفاء بأي بند من بنود معاهدة السلام، وإنما كانت مناورة لالتقاط الأنفاس والتعرف على قادة المسلمين الحقيقيين ومواطن قوة المقاومة، وبالفعل لم تمض سوى عدة شهور حتى نقضت الحكومة الصليبية في منانيلا تعاهداتها كلها وهجمت بقوات ضخمة على جزيرة مينداناو سنة 1397هـ، وأوقعت عدة مجازر مروعة في بولوان وكوتاباتو، وقرية سوباه بوكول، وكان الهجوم من كل الاتجاهات برًا وبحرًا وجوًا، وسقط الضحايا بالآلاف، وكان القصف بأسلحة محرمة دوليًا، وكانت القوات الصليبية تتعمد استهداف المساجد والجوامع والكتاتيب لطمس معالم الوجود الإسلامي غير أن قوات حركة تحرير مورو استطاعت أن تصد الهجوم الحكومي وتكبده خسائر كبيرة من بينها قائد الحملة الصليبية نفسه الجنرال المجرم (باتيستا)، وبرز في المقاومة الإسلامية القائد البطل (عثمان صالح) الذي أرهق الصليبيين بتكتيكاته القتالية الذكية حتى أن الطاغية ماركوس قد وضع مكافأة تقدر بمائة ألف دولار لمن يأتي بعثمان صالح حيًا أو ميتًا، وقد حاولت منظمة المؤتمر الإسلامي وبعض الدول الإسلامية الاحتجاج على المجازر التي ترتكبها الحكومة الصليبية بحق مسلمي الفليبين، ولكن ذهبت كلها أدراج الرياح.

وعلى الرغم من رحيل ماركوس الصليبي في سنة 1406هـ ـ 1986م، وتظاهر الحكومة الجديدة بإنصاف المسلمين وإعطائهم حقوقهم السليبة إلا إن شيئًا لم يتغير على أرض الواقع، وما زالت فصول الملحمة قائمة حتى كتابة هذه السطور.

*المصدر: الإسلاميون

أخبار ذات صلة

-قليل من العلماء هم من يصدح بالحق، وقليل من هذا القليل مَن يُقارع الطغاة والظلمة وجها لوجه، وما سمع الناس عن عالِم واجه الباطل بلسانه ويده إلا بما فعله المزيد

ولو نظرت لشخصك أنت ثم سألت نفسك سؤالاً: ماذا قدمت لمن تتعامل معهم حتى يذكرونك عندما يفتقدونك سواء بالغياب أو الوفاة؟!

هل المرح والضحك ... المزيد

- أنهم جزء من الأمة التي تتكون  منهم ومن غيرهم.

..

- أن تنوع الحركة الإسلامية لا يعني انقسامها انقسام  تضاد . المزيد

ينظر إلى مصادر هويتك ثم يعمل على تفريغها من الداخل ثم يقدم لك من خلال المصادر المفرغة هوية جديدة تختلف بشكل يسير عن الماضية ولا تمانع التغريب من الداخل، ... المزيد