البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

جماعة الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات

المحتوي الرئيسي


جماعة الإخوان بين التيار
  • م.عبدالمنعم الشحات
    20/04/2018 05:54

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد ؛

فهذه دراسة مختصرة بعنوان: "الإخوان بين التيار البناوي والتيار القطبي وجيل السبعينيات" دعتْ إليها الحاجة الماسة لمعرفة حقيقة موقف التيارات المختلفة لجماعة الإخوان من قضايا التكفير والعنف؛ غرضها تبصير إخواننا بهذه القضية، والتأكيد على حرصنا غاية الحرص على أن يعود الجميع إلى رشدهم قبل فوات الأوان !

تمهيد: الإخوان بين الواقع والتاريخ :

كان للإخوان تاريخ مليء بالآراء والمواقف التي تحتاج منهم قبل غيرهم أن يقفوا منها موقف الناقد؛ ليستفيدوا هم وتستفيد الحركة الإسلامية بعد ذلك مِن هذه التجربة، ولكن الذي منع من إجراء مثل هذه المراجعات أن حركة الإخوان كانت قد تعرضتْ إلى ضربة أمنية قاسية وشاملة في 1965م جعلت أن الإخوان لا يُذكَرون إلا مع البكاء والإشفاق، مع كثير من الإعجاب والاحترام لثبات هؤلاء الرجال!

وزاد هذا الإعجاب عقب خروجهم من السجن في عام 1975م حيث خرجوا بعد كل هذه السنوات من السجن إلى ساحة الدعوة مباشرة، ورأى الناس منهم سماحة غير معتادة قط مع أقوام غيِّبوا وراء الأسوار فترات طويلة!

واستطاع الإخوان من خلال هذه الصورة أن يجذبوا إليهم معظم قيادات العمل الطلابي الذي كان قائمًا آنذاك، وانطلق الإخوان منذ هذه اللحظة يعملون في إصلاح المجتمع وتقديم العون له من خلال الجمعيات الخيرية والعمل النقابي، ثم دخلوا في غمار السياسة فكانوا رغم لعبهم دور المعارضة بطبيعة الحال يسارعون إلى تخفيف أعباء الفشل الحكومي عن المواطنين بأسواق خيرية، وأعمال إغاثية، ونحوها.

وفي هذه الأثناء قدَّم الإخوان طرحًا يتبنى التجميع في باب العقيدة والتساهل في شأن البدع، وكذلك اتباع منهج التيسير في الفتوى "حتى ولو مع مخالفة الدليل!"، كما قدَّموا تنازلات في موضوعات السياسية الشرعية جعلتهم يُصنـَّفون ضمن تيار "الإسلام الليبرالي!".

ودارتْ بين الإخوان والسلفيين مناقشات ومساجلات حول هذه القضايا، ومع هذا فقد ترسخ لدى السلفيين أن ما يجمعهم بالإخوان أكثر مما يفرقهم، وكان توصيف السلفيين للإخوان أنه مع كثرة مخالفاتهم إلا أنها لا ترقى إلى أن تكون في أصل كلي كما في خلافنا مع الشيعة -وإن كنا نختلف مع الإخوان في موقفهم من الشيعة-، كما أن الإخوان كانوا بعيدين عن التكفير والعنف، وهي الأمور التي كنا -وما زلنا- نرى فيها هدمًا للدعوة الإسلامية، بل وللمجتمع بأسره.

وقد تعرضت الحركة الإسلامية ككل لضربات منذ عام 1994م والذي شهد قضية للدعوة السلفية، وعام 1995م والذي شهد أكبر قضايا الإخوان في عصر "مبارك"؛ مما جعل الردود المتبادلة بين السلفيين والإخوان تشهد هدوءًا ملحوظًا لا سيما مع تشديد القبضة الأمنية على الجامعة التي كانت تشهد معظم هذه المساجلات.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2011م تعرضت الدعوة لتضييق أمني "لا سيما في الجامعة"، وتم عمل قضية في عام 2002م ركزت على العمل الجامعي، وشهدت تلك الفترة تضييقًا أمنيًّا على "السلفية"، وتزامن هذا مع تخفيف القبضة الأمنية على الإخوان (ومن نافلة القول أن نشير أننا كنا دائمًا ما نفسِّر هذا السلوك الأمني بوجود معطيات سياسية، وفسرنا هذه الحالة آنذاك بالضغوط الأمريكية التي كانت قد أعلنتْ الحرب على السلفية في حين عملت على بناء شبكة علاقات مع التيارات الإسلامية المعتدلة كما جاء في تقرير "راند"، وهذا يختلف عن سلوك الإخوان معنا حيث كانوا يرون أي انفراج أمني دليلاً دامغًا على العمالة !

وقد صرَّح الدكتور "محمد حبيب" بهذا قبل خروجه من مكتب الإرشاد بقليل بأن سماح الدولة لفضائيات سلفية هو نوع من التواطؤ بيْن الأمن والسلفية رغم علمه بأن هذه القنوات في ذلك الوقت كانت موصدة أمام دعاة "السلفية">الدعوة السلفية"؛ لكونها تمارس عملاً منظـَّمًا مع أنه كان منظمًا تنظيمًا إداريًّا ليس فيه التعقيد الذي عند جماعة الإخوان مثلاً!).

وفي هذه الأجواء بدأت مناوشات تظهر على السطح، منها: ردّ د."غزلان" على د."الهلباوي" يُنكِر عليه دعوته للتقارب مع الشيعة، ومنها: رد د."غزلان" أيضًا على د."أبي الفتوح" في زيارته لـ"نجيب محفوظ"، وصُدِّر هذا أمام غير الإخوان بأن جيل الستينيات قد فاض به الكيل من التوجه الليبرالي لجيل السبعينيات؛ مما حدا بباحث له علاقة وثيقة بالإخوان، مثل: "حسام تمام" -رحمه الله- أن يكتب دراسة بعنوان: "تسلف الإخوان"، وبلا شك لاقتْ هذه التوجهات استحسانًا سلفيًّا.

وجاءت ثورة "25 يناير" على هذه الخلفية وكشفت العلاقات المباشرة عن أمور لم نشأ أن نتناولها حتى جاءت لحظة عزل الدكتور "مرسي"؛ لنجد الاستعانة بخطاب فيه تلويح بالتكفير وبالعنف، وإن صدر من رموز غير إخوانية، ولكنه مثـَّل خطـًّا ثابتًا على منصة "رابعة"، وقد نصحناهم مِرارًا أن يمنعوا هذا الخطاب... فرفضو ا!

وتصاعدتْ نبرة استغاثة كانت قد بدأت منذ 2006م من سيطرة التيار القطبي على الجماعة، وهذا الادعاء يتضمن شقـًّا ظاهرًا تمام الظهور، وهو أن كثير من قيادات مكتب الإرشاد الحالية كانوا أعضاءً في "تنظيم 65" أو دخلوا الجماعة على يد مَن هذه صفته، وهذه ليست تهمة، ولكن التهمة التي تستحق الدراسة هي أنهم ما زالوا على قطبيتهم "والتي تعني استبطان تكفير المجتمع"، أو يعتنقون فكرًا فيه بعض سمات التكفير "وإن لم يرقَ إلى التكفير الصريح".

وأخذت الشواهد تتراكم شيئًا فشيئًا، ومنها المشاريع الانتقامية من المجتمع التي تمت الدعوة إليها عبر مواقع شبابية إخوانية بعد عزل د."مرسي"، مثل: "منع الأضحية - أو تعطيل المرور - أو استهلاك الكهرباء - ... "، وكلها مشروعات فيها عقوبة للمجتمع أو -على الأقل- لا ترى غضاضة في التضييق على الناس في سبيل الضغط على الحكومة !

وجاء تصريح د."البلتاجي" بأن العنف في "سيناء" يتوقف في الثانية التي يعود فيها الدكتور "مرسي"؛ لتجعل أقل دلالاته أنه يرحِّب بعمليات قتل لجنود أبرياء "وإن قام بها غيره" طالما أنها تدعم موقفه السياسي !

كما أن الإخوان رفعوا بعد الثورة عددًا من المقاطع المرئية لدروس في "أُسَر الإخوان" في شرح رسائل الأستاذ "حسن البنا" لكثير مِن الرموز، مثل: الأستاذ "محمد حسين"، والدكتور "عصام العريان"؛ مما أوجد مادة للبحث مِن جهة، ومما أثبت مِن جهة أخرى أن رسائل الأستاذ "البنا" هي المنهج المعتمد لأسر الإخوان حتى في ظل ما يُعرف بسيطرة التيار القطبي على الجماعة (يرى البعض أن الفرق الجوهري: أنه في ظل سيطرة التيار البناوي تُلحق رسالة دعاة لا قضاة بمنهج الإخوان، بينما يرفض التيار القطبي إدراجها في المنهج بعلة أن المتفق عليه الاكتفاء برسائل المؤسس!).

واستسهل الكثيرون الأمر، فاعتبر البعض أن جيل السبعينيات معبِّر تعبيرًا دقيقًا عن "التيار البناوي"، وأننا يمكن أن نعرف أفكار "قطبِيِّ الإخوان" من خلال أفكار التيار القطبي خارج جماعة الإخوان، وفي كل من الفرضين مجازفة؛ فقد بقيت في جيل السبعينيات آثار نشأة سلفية تجعله تيارًا ثالثًا تآكل -أو كاد- داخل جماعة الإخوان، وهذا الجيل ما زال يحتفظ ببعض البصمات السلفية، مثل الورع عن التكفير، والحرص على الإصلاح المتدرج.

والفروق بين التيار البناوي "الأصلي" والتيار القطبي ليست كبيرة؛ بدليل قدرتهم على التعايش سويًّا فترة كبيرة، وبدليل أن حركة 2005م وما بعدها أخرجتْ د."إبراهيم الزعفراني"، وم."حامد الدفراوي"، وم."خالد داود"، ولحق بهم فيما بعد د."محمد حبيب"، ود."عبد المنعم أبو الفتوح"، وكلهم من جيل السبعينيات.

كما أن ثمة أفكار تمثِّل فروقًا بين أفكار قطبِي الإخوان والجماعات القطبية الأخرى في عدة جوانب؛ لعل مِن أبرزها: "مسألة جدوى العمل السياسي"، وهذه الدراسة محاولة لتلمس معالم كل تيار مِن هذه التيارات.

أولاً: معالم دعوة الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله تعالى-:

1- شخصية "حسن البنا":

لن نستطيع في هذه الدراسة المختصرة أن نقدِّم ترجمة وافية عن "حسن البنا" -رحمه الله-، ولكن يكفي أن تعرف أنه نشأ نشأة دينية، وأنه عُرف بالحماسة الشديدة للدين والغيرة عليه، وأنه تلقى توجيهًا صوفيًّا في المراحل المبكرة جدًّا في حياته، ثم تلقى توجيهًا سلفيًّا حينما قدِم القاهرة، ثم جاء تعيينه في الإسماعيلية حيث ابتعد عن شيوخه مِن هذا التيار ومِن ذاك، ليخلو بنفسه ويفكر في أن يقدِّم شيئًا جديدًا للأمة؛ لا سيما مع حداثة العهد بسقوط الخلافة.

وثمة بُعد شخصي آخر كان له أبلغ الأثر في تكوين شخصية "حسن البنا" -رحمه الله-؛ ذلك أنه على مستوى حياته الشخصية ما تمنى شيئًا إلا وصار واقعًا وإن بدا للأعين بعيد المنال !

2- ملامح أزمة الأمة كما يراها "حسن البنا":

فكر "حسن البنا" في واقع المسلمين بعد سقوط الخلافة، فوجد عدة مظاهر للخلل، هي:

أ‌- انشغال المسلمين بكثير من الخلافات على عدة أصعدة.

ب‌- ويبدو أن "البنا" تأثر جدًّا بمسألة أن الإمام يرفع الخلاف في المسائل الخلافية، وكان هذا من الأشياء التي جعلته يُعلي جدًّا من شأن أهمية عودة الخلافة في أسرع فرصة.

ت‌- كما أنه وَجد مِن مظاهر الخلل: وجود الاحتلال، وترحيب الملك والحكومة بوجوده في مصر، وأن حالة باقي الأقطار لا تختلف كثيرًا عن حالة مصر، بل هي أسوأ !

ث‌- كما وجد أن هناك مناهج أخرى التف حولها الناس مِن: قومية، ووطنية، وغيرها... زاحمت الولاء للفكرة الإسلامية.

ج‌- وأخيرًا: رَصَد "حسن البنا" أن الناس بيْن نخبة مدركة، ولكنها لا تخالط العامة، وبين عامة غير مدركة.

ح‌- وقد شعر "حسن البنا" أنه يمكن أن يقود جيلاً شاملاً للأمة الإسلامية إلى درجة أنه درس واقع بلاد المسلمين الأخرى: كالسعودية، واليمن؛ لعله يجد بلدًا ظروفها أفضل مِن مصر، فاستقر به الحال إلى أن الأحوال في مصر هي أفضل حال يمكن أن يُطبَّق فيه مشروع إصلاحي شامل.

3- ملامح مشروع "حسن البنا":

بناءً على توصيفه لحالة الأمة خطَّ الأستاذ "البنا" الخطوط الرئيسية لمشروعه، وهي:

أ‌- حل مشكلة الخلاف بين المسلمين عن طريق الاتفاق على القدر المشترك بين المختلفين، وتأجيل حسم الخلافات إلى أن يوجد إمام يرفع الخلاف في المسائل المختلف عليها: وقد تدرجت هذه المسألة في فكر الأستاذ "حسن البنا" مِن رسالة "دعوتنا" -ولعلها أقدم رسالة تبيِّن أصول الدعوة- إلى رسالة "المؤتمر الخامس"، والذي انعقد بعد وفاة الأستاذ "رشيد رضا"، وخلافة "حسن البنا" له في رئاسة تحرير "المنار"؛ مما جعله يشعر أنه انتقل من جيل الوسط إلى الصف الأول في الحركة الإسلامية آنذاك (مِن الأمور العجيبة لدى جماعة الإخوان أنهم لا يذكرون خيرًا كان قبل أو أثناء حسن البنا إلا وهم يذكرون نشأة حسن البنا، وأنه تأثر برجال عظام: كمحب الدين الخطيب، ومحمد رشيد رضا، وقارئ التاريخ كما دونوه يتوهم وهمْ يصفون وجه الأرض المظلم، والجهل المطبق الذي أصاب مصر قبل إنشاء حسن البنا لجماعة الإخوان أن شيوخ حسن البنا قد فنوْا عن بكرة أبيهم في ساعة واحدة! بينما كانت وفاة رشيد رضا مثلاً بعد عشر سنوات من تأسيس الإخوان، وخلَّفه الأستاذ البنا في رئاسة تحرير المنار.

نعم، يحسب لحسن البنا أنه كان أكثر حيوية من جيل شيوخه، ولكن هذا القدر أمر وما يتصوره الإخوان في هذا الباب أمر آخر، ولعل محاضرة الأستاذ صبحي صالح التي قال فيها: "اسأل سنة 1928م"، وقال فيها: "لولا حسن البنا ما وُجد مَن ينادي بتحكيم الشريعة!"، إلى غير ذلك من الأقوال الغالية مِن جهة، والمنافية للتاريخ من جهة أخرى؛ وهذا مما يمنع الجماعة من المراجعة والتصحيح).

ثم تطور الأمر في رسالة التعاليم، والتي ضمتْ الأصول العشرين، وأركان البيعة، وهي تمثِّل الصورة الأخيرة من فكر الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله- في عدد من القضايا.

وفيما يتعلق بقضيتنا هذه، كان التطور كالآتي:

1- في رسالة "دعوتنا" طالب الأستاذ "البنا" باتباع آداب الخلاف وعدم الطمع في وجود الإجماع في كل مسائل الخلاف، مع التأكيد على أن وجود الإمام سوف يرفع الخلاف في هذه المسائل، وهو في هذا موافق للموقف الشرعي الذي اتبعه السلف في هذا الباب، ويؤخذ عليه أنه لم يضع إطارًا واضحًا للتفريق بين الخلاف السائغ وغير السائغ، ولعله تأثر بقاعدة المنار الذهبية التي رفعها الشيخ "رشيد رضا" في وجه الشيعة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"؛ رغم أن الشيخ "رشيد رضا" قد بيَّن أنه يرفعها كتكتيك حيث كان يبيِّن في شرحها أن ما اتفقنا عليه هو: "لزوم اتباع القرآن والسنة، وتعظيم السلف" مما يُلزِم المخالف بالرجوع إلى السنة؛ ولذلك رفض الشيعة "قاعدة المنار" مِن "صاحب المنار" بينما قبلوها مِن الشيخ "حسن البنا" -رحمه الله تعالى-؛ لأنه طبقها على عواهنها.

2- وأما في رسالة المؤتمر الخامس: فقد قرر أنه بحسبنا أن نتفق على "ما يصير به المسلم مسلمًا!" -وهو تساهل واضح-، وفيها وصف جماعته بأنها: "دعوة سلفية، وحقيقة صوفية" دون أن يدرك أن هذه الصياغة المنمقة لن تحل الخلاف بين المتناقضات.

3- وأما التطور الأخطر: فقد جاء في رسالة "التعاليم"، وهي أنه تصدى بنفسه لإيجاد الأرضية المشتركة بين المختلفين عبر "الأصول العشرين"، والتي قرر أنه يأخذ البيعة على أن يكون فَهْم الفرد الإخواني للإسلام وفق هذه الأصول، ومكمن الخطورة أن هذا التقرير لهذا الحل التفصيلي قد نقل الإخوان من خانة "المتساهل" في الخلاف إلى "المتشدد غاية التشدد" في الدفاع عن هذه الأصول، وأنها تمثِّل المخرج الوحيد مِن الخلاف، وأن مَن رفضها فهو مسئول عن تشرذم المسلمين، وعن اختلافهم، وعن... وعن... !

إلى درجة أن الأستاذ "سعيد حوَّى" لا يستحسن فقط طريقة الأصول العشرين في السعي إلى إيجاد الحلول الوسط، ولكنه يقرر في تعليقه على رسالة التعاليم المسماة بـ"في آفاق التعاليم" أن الأستاذ "البنا" قد ضبط النسبة في التوسط بين الأقوال المختلفة التي لا يجوز أن نتحرك عنها يمينًا أو يسارًا، وفي الواقع فإنك لا يمكن أن تتخيل مدى الخطر في بعض المبادئ الموجودة في رسائل "حسن البنا"؛ إلا إذا طالعت كتب الأستاذ "سعيد حوى" لا سيما رسالة: "في آفاق التعاليم"، ورسالة: "المدخل إلى جماعة الإخوان المسلمين"، ثم تستمع إلى شرح الأستاذ "محمد حسين"، والدكتور "عصام العريان" لنفس الرسائل لتجد "الظاهرية" الشديدة في التمسك حتى في نسبة التوسط بين الأقوال المتعارضة!

إن الاعتقاد بأن الأصول العشرين هي الأصول التي لا يسع مسلم راغب في الوحدة إلا أن يلتزمها هي واحدة من عدة خصائص جعلت الإخوان يشعرون بأنهم جماعة المسلمين، أو أنهم جماعة من المسلمين، ولكنها أمثلها وأقربها لأن تتحول إلى جماعة المسلمين؛ مما يلزم الجماعات الأخرى أن تنصهر فيها كما قرر ذلك الأستاذ سعيد حوى (وهو بذلك نفى أنها جماعة المسلمين، ثم عاد فالتف حول هذا النفي).

وهذا الفهم مأخوذ من عدة مواطن من فكر "البنا" منها: "أن مَن تأخر عن الانضمام إلى الإخوان فهو قاعد مع القاعدين!"، وسيأتي تفصيل لذلك.

ب‌- وبعد هذا المنهج الذي رَسَمه، والقيادة التي مثـَّلها هو والذين بدأوا معه الدعوة، وبقي العاملون المؤمنون بهذه الفكرة - اجتمعت بذلك الأركان الثلاثة للعمل الإسلامي عند الأستاذ "البنا"، والذي يتمثل دوره الرئيسي في:

- العمل على مواجهة الفكر المنحرف.

- العمل على عودة الحكم الإسلامي والخلافة الإسلامية.

وإلى هنا يبدو الأمر مقبولاً، ولكن سيطرة فكرة أن هذا هو طريق النجاة قد جعل "حسن البنا" يبالغ جدًّا في النظرة الاستعلائية لهذه الجماعة الفتية، وبُثت تلك النظرة عبر الرسائل الثلاث المشار إليها آنفًا: "دعوتنا - المؤتمر الخامس - التعاليم"، ففي رسالة "دعوتنا" نجد أن الأستاذ "البنا" يتحدث عن أقسام الناس مع الدعوة، فقسَّمهم إلى: "مؤمن - متحامل - متردد - نفعي".

وهي قسمة -كما ترى- جعلت الناس في دعوة الإخوان بيْن: مؤمن بها ممدوح، وبيْن كافر بها مذموم -وإن اختلفت أسباب كفره بها-، ومِن ثَمَّ اختلفت درجة ذمه وطريقة التعامل التي نَصح بها الأستاذ "البنا" أتباعه بالتعامل مع كل حالة!

ويا ليتَ الأستاذ "البنا" وقف عند هذا الحد، بل زاد على هذا بقوله بعدها: "ونحب أن يعلم قومنا إلى جانب هذا، أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا مَن حاطها مِن كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه، وماله، ووقته، وصحته، قال الله -تعالى-: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:24)، فهي دعوة لا تقبل الشركة؛ إذ أن طبيعتها الوحدة، فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به، ومَن ضعف عن هذا العبء؛ فسيحرم ثواب المجاهدين ويكون مع المخلفين، ويقعد مع القاعدين، ويستبدل الله لدعوته به قومًا آخرين: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة:54)".

ثم عاد الأستاذ "البنا" فقال: "والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم، لا يريدون أن ينزلوا على حكمه ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل، قوي، يقظ في نفوس الإخوان المسلمين... ظاهرة نفسية عجيبة!".

وهذه العبارة توهم التكفير حتى إن الدكتور "عصام العريان" حاول تخفيف حدة العبارة -راجع ما ذكرناه في أن جيل السبعينيات عنده حساسية من التكفير أو لوازمه ليست موجودة عند الإخوان: سواء البناويين أو القطبيين-، فقال الدكتور "عصام العريان": إن الإمام البنا لم يقسِّم الناس إلى مؤمن وكافر؛ لأن هذا يكون في موقف الناس مع دعوات الأنبياء، ولكنه هاهنا قسَّم الناس بحسب موقفهم من الدعوة. ثم عاد فعلَّق على وصف المتخاذل بأنه قاعد مع القاعدين بأن هذا هروب من وصفه بشيء "شنيع جدًّا!".

إن الأستاذ "البنا" يبالغ في مدح جماعته، وفي ذم المتخاذل عنها إلى أن يصل بنا إلى حافة التكفير، ثم يضع لنا "كوابح" من نوع "مع اشتراكنا في الإيمان!"، بل إنه في افتتاحية هذه الرسالة -"دعوتنا"- دفع بنا إلى اتجاه تقديس الإخوان بقوله: "ونحب مع هذا أن يعلم قومنا -وكل المسلمين قومنا- أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدمًا في الطريق التي رسمها الحق -تبارك وتعالى- للداعين إليه".

ولكنه يضع "كوابح" تمنع من أن يُفهم من هذا ازدراء الآخرين أو تكفيرهم بقوله: "ونحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا مِن أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تُزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضَّت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا جدّ عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم في يوم من الأيام".

غير أن هذه "الكوابح" كانت تتعرض في كلام "البنا" لمد وجزر، ويمكنك أن تقارن بين كلامه السابق وبين قوله في رسالة "مهمتنا" -وهي رسالة تقع في ترتيب كتاب رسائل حسن البنا بين رسالة المؤتمر الخامس ورسالة المؤتمر السادس-: "أيها الإخوان المسلمون: هذه منزلتكم، فلا تصغروا في أنفسكم فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلاً غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله بغيرها من الدعوات التي تبررها الضرورات، وتذهب بها الحوادث والأيام.

لقد دعوتم وجاهدتم، ولقد رأيتم ثمار هذا المجهود الضئيل أصواتًا تهتف بزعامة رسول الله وهيمنة نظام القرآن، ووجوب النهوض للعمل، وتخليص الغاية لله، ودماء تسيل من شباب طاهر كريم في سبيل الله، ورغبة صادقة للشهادة في سبيل الله، وهذا نجاح فوق ما كنتم تنتظرون، فواصلوا جهودكم واعملوا، (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد:35).

فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومَن تقاعد عنا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غدًا، وللسابق عليه الفضل، ومَن رغب عن دعوتنا؛ زهادة، أو سخرية بها أو استصغارًا لها، أو يائسًا من انتصارها؛ فستثبت له الأيام عظيم خطأه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه فإذا هو زاهق.

فإلينا أيها المؤمنون العاملون، والمجاهدون المخلصون، فهنا الطريق السوي، والصراط المستقيم، ولا توزعوا القوى والجهود، (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153)".

 

4- وسائل التغيير عند "حسن البنا" -رحمه الله- :

أ- مَن طالع رسائل "حسن البنا" سوف يجد أنه يعتمد في المقام الأول المنهج الإصلاحي التدريجي، ولكن في ظل هدف مرحلي كبير، وهو: "إقامة الحكم الإسلامي"، ويُؤخذ على هذا المسلك تقصيره في الإصلاح الشامل في المجتمع لصالح الإسراع في إقامة الحكم.

وقد تعرضنا لهذه المسألة في مقالة سابقة، وأعيد هنا ذكر ما ذكرته هناك، حيث قلتُ: "بلا شك إن الحركات الإسلامية المعاصرة كانت في حاجة إلى التحرك في محاضنها التربوية الخاصة لإعداد كوادرها لمواجهة الكثير من صور التغريب والانحراف؛ إلا أن الملاحظ أنه كلما كانت هذه المحاضن أقرب إلى العمومية ساهمت في وجود روح متصالحة مع المجتمع العام، ومِن ثَمَّ حرصت السلفية">الدعوة السلفية -بفضل الله- على جعل المسجد هو محضنها التربوي الأصلي دون غيره من الصور التي اعتمدتها حركات أخرى.

وفي المقابل: فإن هناك تيارات اكتسبت حالة عدائية شديدة تجاه المجتمع، وانزوت في مجتمعات صغيرة سرعان ما اعتبرتها أنها هي جماعة المسلمين كما حدث في جماعة "التكفير والهجرة"، وثمة جماعات أخرى لم تصرِّح بكفر المجتمع، وإنما نظرت إليه نظرة دونية، وطبَّقت مفهوم استعلاء الإيمان الذي دعا إليه بعض المفكرين إلى استعلائهم هم على العصاة "أو إن شئتَ قل: على مَن سواهم!"؛ مما أورث هؤلاء سلوكًا تكفيريًّا، وإن كانوا يتفاوتون في طريقة تنظيرهم لهذا السلوك.

وثمة اتجاهات أخرى تعاملت مع المجتمع الكبير، ولكن لم تتعامل معه من نفس الباب الذي تعامل منه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مثلاً، وإنما أوتوا من قِبَل استغراقهم في مفهوم أن الإسلام دين ودولة أكثر مِن استغراقهم في صورة المجتمع المسلم الكبير، ومِن ثَمَّ تجد أن هؤلاء تتركز أنظارهم في دائرتين: "دائرة المجتمع الصغير - ودائرة الدولة" بينما لا يمثِّل المجتمع الكبير في عرفهم إلا طريقًا واصلاً بين الدائرتين.

وأما النظرة الصحيحة فهي أن تعتبر أن دائرة المجتمع الكبير هي دائرة كبيرة تضم في داخلها عددًا من الدوائر الصغيرة تمثِّل الرؤى والاتجاهات، والمحاضن التربوية الصغيرة، وأن الدولة ما هي إلا قبعة على رأس هذا المجتمع.

إن الفرق بين الطرحين كبير، ولعله إذا اتفق الجميع على تلك النظرة أن المجتمع الكبير يضم تحته كل المجتمعات الصغيرة وتعلوه دولة عادلة؛ هي الأخرى راعية لكل مَن هو داخل الدائرة الكبرى بغض النظر عن الدائرة الصغرى التي خرج منها أفراد تلك الدولة، فهل نطمع أن يسعى الجميع إلى الانتقال -ولو تدريجيًّا- إلى هذا النموذج؟".

ب‌- إلا أن "حسن البنا" ترك الباب مواربًا للجوء إلى أسلوب الثورة، وإلى استعمال العنف، فقال في رسالة المؤتمر الخامس:

"الإخوان والقوة والثورة :

ويتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمين في إعداد ثورة عامة علي النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء؛ فليسمع مَن يشاء؟

أما القوة: فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (لأنفال:60)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) (رواه مسلم)، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه، ويناجي به ربه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) (متفق عليه)، ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف: ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر؟! فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء... شعاره القوة في كل شيء... ؟! فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء، ولابد أن يعملوا في قوة.

ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا مِن أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا في أعماقها، ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها؟ وما يراد بها؟ فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك: قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما: قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان - فسيكون مصيرها الفناء والهلاك.

هذه نظرة... ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام -والقوة شعاره- باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟ أم حدد لذلك حدودًا واشترط شروطًا، ووجَّه القوة توجيهًا محدودًا؟!

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟ أم مِن واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟!

هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه، والثورة أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر جرَّب حظه من الثورات؛ فلم يجنِ من ورائها إلا ما تعلمون.

وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

وأما الثورة: فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل؛ فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن مِن ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال... ".

ومن الواضح أن الشيخ "حسن البنا" وإن كان تعريجه على الثورة هو نوعًا من تهديد الحكام بها دون أن يتبناها؛ إلا أنه بيَّن أن اللجوء إلى العنف "خيار قائم" حال إغلاق طريق "السَّلم" في مواجهة الإخوان، وإذا علمتَ بعد هذا النقل أن تأسيس "النظام الخاص" قد تزامن مع "المؤتمر الخامس" أو جاء بعده بقليل، ثم اطلعتَ على تاريخ هذا "النظام الخاص" وما قام به مِن أعمال - تبيَّن لك ذلك، وقد شملت أعمال "النظام الخاص" تغيير المنكر باليد، وشملت القيام بعمليات ردع ضد خصوم الإخوان، كما تفرع عنه قسم الوحدات؛ للتغلغل داخل الجيش للقيام بانقلاب، وهي المهمة التي تُركت لاحقًا لـ"تنظيم الضباط الأحرار".

جذور التكفير في فكر "حسن البنا":

ومِن العرض السابق يمكننا أن نخلص إلى الإجابة على السؤال: هل يوجد جذور للفكر التكفيري في منهج حسن البنا أم أنها وليدة سيد قطب؟

وهذا بيان للإجابة على هذا السؤال:

1- الفكر التكفيري يتضمن طرفين: "النظرة الاستعلائية إلى الذات، ومعها نظرة دونية إلى الآخر".

2- وبقدر اتساع الفجوة بين "أنا" و"الآخر" نصل إلى "أنني المسلم"، والآخر "كافر!".

3- ولكن "حسن البنا" رسَّخ فكرة أن "الإخوان هم الممثل الحصري للإسلام".

وذلك عن طريق :

أ‌- "إسلام الإخوان" يمتاز عن "إسلام الآخرين".

ب‌- "إيمان الإخوان" جذوة في قلوبهم، "إيمان الآخرين" خامل في قلوبهم.

ت‌- "عمل الإخوان" منظم ومرتب ونشط ودءوب، و"عمل غيرهم" ليس كذلك.

ث‌- "نية الإخوان" سالمة عن العمل للدنيا بخلاف "نية غيرهم".

ولكن وقبل أن تفهم منه أن الآخر قد بلغ في دونيته عن الإخوان أنه أصبح "كافرًا" يضع الأستاذ حسن البنا "كوابح" بالنص على أن الآخرين مسلمون أو يأمر بالحرص على خدمتهم أو السعي في تحقيق مصالحهم، وفي ظل عدم وجود تأصيل لمسائل الإيمان والكفر -يمكنك أن تراجع باب ما يصير به المسلم كافرًا من كتاب الإسلام لسعيد حوى لتكتشف أنك أمام رجل يعدد أوصافًا فضفاضة جدًّا في باب شديد الخطورة كهذا- فستبقى هذه الكوابح في يد مَن بيده البيعة حتى إن "التنظيم الخاص" قام باغتيال "الخازندار" بناءً على كلمات عابرة من حسن البنا تؤكِّد عداوة هذا الرجل للإخوان، بينما لم يحتج "النقراشي" لمثل هذه الكلمة حيث كان حله لجماعة الإخوان كافٍ تمامًا ليتحرك النظام الخاص لقتله؛ لأنه وفق رواية الأستاذ "محمود الصباغ" أحد قيادات "التنظيم الخاص" أضل رجل وُجِد على الأرض منذ هبوط آدم -عليه السلام- إلى الأرض!

إن هذه الكوابح وإن نجحت في المنع من تكفير "المتردد" حيال دعوة الإخوان وفق تقسيم الأستاذ "البنا" فسوف تفشل أحيانًا في المنع مِن تكفير "المتحامل"، وسوف تفشل غالبًا في المنع مِن تكفير "العدو" المظهِر عداوته.

وإذا ضممنا لهذا أن الأستاذ "البنا" قد جعل العنف خيارًا مقبولاً "وإن لم يجعله خيارًا أوليًّا"، ومَن يتبنى العنف يحتاج إلى أن يتبنى معه التكفير، فمن هنا يمكننا أن نقول: إن فكر الأستاذ "البنا" قد وَضع الأساس لقبول "العنف المبني على التكفير"، وأن الكابح الرئيسي لهذا المسلك بشقيه هو "وجود فرصة تغيير سلمي"، ومتى أغلقت فتستطيع القيادة الإخوانية أن تزيل هذا "الكابح" بتوصيف مختصر، هو: أن الدولة أغلقتْ طريق العمل السلمي، وأن أفرادًا معينون أو عموم المجتمع أصبحوا عقبة في طريق المشروع الإسلامي! ويمكن في ذلك مراجعة موقف حماس مع فتح في غزة، وموقف الإخوان في مصر مع الدولة في 1954م، وفي 2013م، والذي جدَّ في 2013م هو المرور بالحالة الثورية في طريق الانتقال إلى العنف "غني عن الذكر أننا نقيِّم سلوك الإخوان، وليس المقصود هنا بيان أخطاء الحكام أو الأنظمة التي واجهتهم في كل هذه النماذج".

جذور التكفير عند "سيد قطب" -رحمه الله- ومدرسته :

قبل أن نبحث ما أدخله الأستاذ "سيد قطب" على منهج الأستاذ "حسن البنا"؛ لا سيما فيما يتعلق بجانب جذور التكفير والعنف "وهو تعديل ليس بالكبير على ما سنبين" - نعرِّف أولاً تعريفًا موجزًا بالأستاذ "سيد قطب".

التعريف بـ"سيد قطب" :

لالتزام "سيد قطب" قصة طويلة معروفة، ولكن الذي يعنينا هنا الصفات الشخصية والتجارب التي أثرت فيما بعد في فكر الأستاذ "سيد قطب"، ومِن أهمها: أن "سيد قطب" كان أديبًا روائيًّا، والروائيون يميلون إلى تطبيق قاعدة: "التاريخ يعيد نفسه"، ويبالغون في هذا الأمر جدًّا؛ فكلما مرَّ بأحدهم موقف استدعى رواية "حقيقية أو مؤلفة"؛ ليختار أن يعيد تطبيقها على أرض الواقع، ويتماشى مع أحداثها حذو القذة بالقذة.

ومِن قبل أن ينضم "سيد قطب" إلى الإخوان كتب في مقدمة الطبعة الأولى من كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" أنه يتوقع ظهور طليعة مؤمنة تحقق ما يصبو إليه، وأنه يرى وجودها أصبح وشيكًا "ورغم أنه كان يتكلم عن طليعة مؤمنة بتطبيق جانب العدالة الاجتماعية، ورغم أنه كان يتحدث عن حلم وليس عن واقع؛ إلا أن الإخوان قد اعتبروه أنه يتحدث عنهم! والشاهد تشبع سيد قطب بفكرة الطليعة المؤمنة التي تقود الأمة".

وثمة أثر أدبي آخر في شخصية "سيد قطب" -رحمه الله-، وهو قناعة "سيد قطب" الأدبية بعدم الفصل بين الفكرة والعاطفة، وهو مذهب يُستعصى معه تصور وجود مؤمن عاصٍ، ومَن تتبع كلام "سيد قطب" يجد أنه لا يكاد يتصور المعصية إلا حالة استثنائية عارضة، وأن دوامها عنده ينافي الإيمان!

أهم ملامح فكر "سيد قطب" -رحمه الله-، وموقفه من التكفير والعنف :

1- انطلق "سيد قطب" مِن الأساس الذي دشَّنه "حسن البنا" أو التقتْ -على الأقل- أفكارهما.

2- ما زال نموذج "النظرة الاستعلائية إلى الذات" و"الدونية للغير" مع وجود "كوابح" تمنع من التكفير المحض هو النموذج الذي نتبعه في تحليل فكر "سيد قطب" -رحمه الله-، مع تغييرات في "النسبة"، وممن ألمح إلى هذا الأستاذ "سعيد حوى"، وهو ممن يرى تقديس إنتاج "حسن البنا" بنفسه "وبالنسب ذاتها"، فقال مدافعًا عن فكرة انقسام الإخوان إلى بناويين وقطبيين: "إن المسألة لا تعدو أن تكون طريقة في الطرح، وإن كان الواجب الالتزام بطرح الإمام البنا".

3- والمثير للدهشة أن وفق هذا النموذج لم تكن اختيارات "سيد قطب" في العناصر الثلاثة أسوأ من خيارات "حسن البنا"، بل كان في العنصر الأول على الأقل "النظرة الاستعلائية للذات" أكثر اعتدالاً من "حسن البنا" مِن حيث إنه لم يمدح الإخوان، وإنما مدح جيل الصحابة مع التصريح بين الحين والآخر أن بوسع أي جيل أن يكرر ذلك الجيل القرآني الفريد، وهو ما يفتح الباب أمام أي اتجاه لكي تستلهم ذلك النموذج، ولعل هذا ما يفسِّر أن "سيد قطب" أصبح لاحقًا الأب الروحي لعدد كبير من الجماعات "ومِن المهم أن نشير إلى أن أحد النقاط الجانبية التي أخذت على سيد قطب هي إلحاحه على إمكانية تكرار جيل مناظر تمامًا لجيل الصحابة، وليس فقط أن يكون متشبهًا بهم؛ مما ينقص من رتبة الصحابة عند الناس، ومما يجافي الواقع فضلاً عن أن تعليل هذا بأن القرآن الذي رباهم ما زال بين أيدينا، وأنه يغني عن وجود النبي -صلى الله عليه وسلم- وجود سنته - فيه إهمال لقيم وفضيلة معايشة النبي -صلى الله عليه وسلم- والتربي على يديه، والعجيب أن يتقبل منه الإخوان هذا، وهم لا يرون أن وجود رسائل البنا مغنية عن وجود البنا نفسه!".

4- ولعل هروب الأستاذ "سيد قطب" مِن المدح المباشر للإخوان إلى مدح الصحابة ثم استحضار أننا بوسعنا أن نكون مثلهم قد يكون راجع إلى أنه لم يكن قد حط رحاله بصورة نهائية مع الإخوان، أو مِن باب الورع أو لأنه يريد أن يكون حتى مفرداته أقرب ما تكون من الانطباق على القصة التاريخية وهو أقرب الاحتمالات.

5- ومن باب الاندماج في الدور التاريخي أكثر كان "سيد قطب" أميل إلى العمل النخبوي منه إلى العمل الجماهيري، وهي النظرة التي تعمقت لديه في أثناء فترة السجن حتى أصبح يحاول إقناع مجموعات من الإخوان بعدم جدوى محاولات الوصول المتسرع إلى الحكم؛ لأنه اكتشف أن القضية أعمق من غياب تطبيق الشريعة إلى غياب المفاهيم الإسلامية لدى الجمهور، وأنه لابد من طليعة تتشرب هذه المفاهيم ثم تبثها بين الناس، وهو هنا أيضًا يأخذ جزءًا آخر من الصورة الكلية لبدء البعثة (وهو ما صرح به بوضوح في شهادته المعروفة باسم: "لماذا أعدموني؟!).

6- إلا أن "سيد قطب" قد تطور فكره في الركن الثاني للمعادلة "النظرة الدونية إلى الآخر" بشكل اقترب جدًّا من التكفير عن طريق الإلحاح حول فكرة جاهلية المجتمعات المعاصرة، وهي الفكرة التي أشبعها بيانًا يُستعصى معه تأويلها على "وجود بعض سمات الجاهلية"، وأنه يعني الجاهلية الكبرى، وقد وضع شروطـًا وزادها تأكيدًا مِن بعده أخوه "محمد قطب" لكي يُوصَف مجتمع ما بأنه مجتمع إسلامي تكاد لا تنطبق إلا على الخلافة الراشدة! "وهو ما نتج عنه أن بعض التيارات القطبية تتحدث عن ردة جماعية للأمة الإسلامية، بعضهم يجعلها من القرن الرابع الهجري، وبعضهم يجعلها من القرن السابع الهجري، وبعضهم يجعلها منذ سقوط الخلافة العثمانية!".

7- فإذا عدنا لنموذج "الاستعلاء - الدونية - الكوابح" سوف نجد أن "سيد قطب" بينما زاد في جدًّا في المركب الثاني حتى بلغ به حافة التكفير الجماعي للأمة إلا أنه اكتفى بكابح محدود جدًّا! وهو نفي التلازم بين جاهلية المجتمعات وكفر مَن عاش تحت مظلتها، وأنه لا يعنيه الحكم على الناس "ورغم ما حكاه من معاناته من الإخوان أنفسهم من اتهامات له بتكفير الناس إلا أنه أصر كما أصر مِن بعده أخوه محمد قطب ألا يصرِّح بأنه يرى أن عامة المسلمين مسلمون؛ مما أوجد فرصة لاعتباره قد أصَّل لأصل وجود نوع من الناس لا هم مسلمون ولا هم كفار!

وهو ما زاده أخوه "محمد قطب" تأكيدًا حين قسَّم الناس الواقفين تحت تلك المظلة الجاهلية إلى ثلاثة أقسام :

أ- مسلمون بلا شبهة، وهم مَن عمل على إزالة تلك المظلة الجاهلية "ويبدو هذا الشرط مستوعبًا لجميع الجماعات الإسلامية، ولكنه عند مَن يجمع بين الفكر الإخواني والفكر القطبي قاصرًا على جماعة الإخوان".

ب‌- كفار بلا شبهة، وهم مَن رضي بهذه المظلة الجاهلية.

ت‌- كتلة متميعة صرَّح بأنه لا يعنيه الحكم عليها "واضح جدًّا مِن السياق أن أصحاب المنزلة بين المنزلتين عند جميع مَن قال بها مِن أول المعتزلة الذين وضعوا فيها مرتكب الكبيرة إلى الفكر القطبي بجميع تجلياته كفار تجري عليهم بعض أحكام المسلمين".

ومِن المفيد أن نوضح أن هذا النموذج الثلاثي قد نُقِل عن "محمد قطب" مع تعديلات بعضها أشمل، وبعضها أخص، فمنها: تحويل العامل الذي يجري عليه التقسيم مِن مجرد الموقف من المظلة الجاهلية إلى الموقف من الإيمان والكفر إلى ثلاثة أقسام -عند جماعات التوقف- وهم :

أ‌- مسلم له حقيقة الإسلام، وهو المسلم الذي نطق الشهادتين، وتعلَّم بعض التفاصيل التي يشترطونها ولم يرتكب ناقضًا من نواقضها.

ب‌- كافر، وهو الكافر الأصلي، ومَن ارتكب ناقضًا من المسلمين، ومنها: موالاة أهل الجاهلية بالطبع "وهؤلاء يكفرون نوعًا وعينًا بلا اعتبار لعارض الجهل والتأويل".

ت‌- متوقف فيهم أو مسلم له حكم الإسلام دون حقيقته، وهؤلاء مَن عُلِم عنهم النطق بالشهادتين، ولكن لم يُعلم عنهم تعلم التفاصيل التي يشترطونها، وفي ذات الوقت لم يرتكبوا ناقضًا؛ وإلا لدخلوا في قسم الكفار.

كما أن بعض المعاصرين قد دافع عن قضية "كفر تارك الصلاة" وهي مسألة خلافية؛ فادعى فيها الإجماع ثم عاد فقرر أنه لا يَلزم من تكفير تاركها إقامة الحد عليه أو عدم معاملته معاملة المسلمين، وهو تقرير لوجود نوع ثالث ينتمي إليه معظم عوام المسلمين، وهو في ذلك يحقق نفس نتائج الفكر القطبي بطريقة يمكن أن تُحسب على الفكر الوهابي "يجب ملاحظة أن التوقف يتعلق بقسم، والتكفير يتعلق بقسم آخر، وقضية العذر بالجهل فرع على التكفير، ومِن ثَمَّ فلا تلازم بين التوقف وبين العذر بالجهل أو عدمه من الناحية النظرية، وإن كان عامة مَن يتوقف مع مجهول الحال أنه يكفِّر مَن تابع الطاغوت دونما اعتبار للجهل أو التأويل!".

8- اعتذر "سيد قطب" -ومحمد قطب مِن بعده- عن عدم تصديهم للحكم على هذا النوع الثالث بأن الأولى أن نسعى إلى البيان، ومِن ثَمَّ إيجاد التمايز؛ بحيث يكون هناك معسكران: معسكر إيمان لا كفر فيه، ومعسكر كفر لا إيمان فيه، وهو في سعيه لهذا التمايز لا يرغب ولا يتمنى ولا يحاول أن يكون معسكر الإيمان الذي لا نفاق فيه هو الغالبية العظمى من المسلمين، بل هو يرى أن هذا خلاف السنن الكونية -وفي الواقع فإنه خلاف الراوية التاريخية التي يحاكيها!-، ومِن ثَمَّ فهو دائم الإلحاح على فكرة الطليعة المؤمنة، ودار الأرقم بن أبي الأرقم -رضي الله عنه-.

وهذا قد يجعلنا نراجع الاعتماد على قصص المواجهات بين المسلمين والكفار في استخلاص الدروس دونما الإشارة الواضحة الجلية للفرق بين دعوات الأنبياء في مجتمعات كافرة، ودعوتنا في مجتمعات مسلمة.

9- ومن نتائج هذا الأمر: أن أصبح حدوث هذا التمايز في حد ذاته أملاً يسعى إليه أصحابه؛ ليحلوا الكثير مِن مشكلاتهم، ولو كان هذا التمايز المزعوم بإدخال البلاد والعباد في فتن لا يعلم مداها إلا الله !

كان هذا هو التطور الذي دخل على الفكر القطبي من ناحية جذور التكفير، وأما العنف فلم يتراجع "سيد قطب" عن فكرة "النظام الخاص"، وإنما قرر أن وجوده ينبغي أن يكون قاصرًا على الردع متى تعرضت الدعوة للخطر، وعليه "ما لم يحدث ذلك" أن يبقى كامنًا لا يمارس أي أعمال من جنس تغيير المنكر باليد، ولا أن يسعى إلى حدوث انقلاب.

وقد حكى "سيد قطب" في رسالة: "لماذا أعدموني؟!" كيف أنه تشاور هو ومجموعة "65" فيما عساهم أن يقوموا به من أعمال ردع حال تعرض الدولة لهم، وأن مِن جملة ما طرح أن يقوموا بتفجير الطرق والكباري، وأن "سيد قطب" رفض هذا؛ لعموم ضرره، وتم الاتفاق على ضرب بعض المصالح التي تصيب الدولة بالشلل، ثم عاد وقرر أنه بعد أن نما إلى علمه أنه سيُقبض عليه أرسل ناهيًا أفراد التنظيم عن القيام بأي مل من هذا النوع؛ لقناعته أنه لن يكفي للردع، وأنه سيكون عديم الفائدة.

وبعد هذا الطرح... فنحن نتمنى أن يوجد في هذا الجيل مَن يستطيع أن يُعلِنَ براءة تامة، وأن ينهى أتباعه نهيًا جازمًا عن أي عمل عنيف، وأهم مِن هذا أن تعيد الجماعة الاعتبار لرسالة: "دعاة لا قضاة"؛ فإنها تمثـِّل الحد الأدنى من "الكوابح" لمن يتعرض لكتابات الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-، بينما يحتاج مَن يطالع كتب الأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله- إلى كوابح أكثر عمقًا.

نسأل الله أن يرينا الحق حقـًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل، وأن يجعلنا للمتقين إمامًا.

 

 

أخبار ذات صلة

قوبل طرح لإعلامي مصري مؤيد للنظام الحاكم فكرة الحوار مع المتعاطفين مع جماعة المزيد

تتواكب الذكرى التسعين لتأسيس جماعة الإخوان مع تحركات محمومة لحصار الجماعة دوليا وتصنيفها جماعة إرهابية، لشل حركتها، وتجفيف منابعها المادية والبشر ... المزيد

قال الكاتب السعودي، جمال خاشقجي، معلقا على حديث ولي العهد، محمد بن سلمان، لبرنامج "ستون دقيقة" بأن ... المزيد

تعليقات