البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تنظيم الدولة: هل من عودة قريبة؟

المحتوي الرئيسي


تنظيم الدولة: هل من عودة قريبة؟
  • حسن أبوهنية
    05/07/2019 06:40

بدأ الحديث يتصاعد مؤخراً عن قرب عودة تنظيم "الدولة" بنسخته الجديد. ذلك ما خلص إليه تقرير معهد "دراسات الحرب" في واشنطن، بعنوان "عودة داعش الثانية: تقييم تمرد داعش المقبل" الصادر نهاية يونيو/حزيران 2019.

لم يهزم تنظيم "الدولة الإسلامية" على الرغم من فقدانه السيطرة المكانية على الأرض التي أقام عليها مشروع "الخلافة" في العراق وسوريا. فهو اليوم أقوى مما كان عليه إبان حقبة "دولة العراق الإسلامية" التي ورثت "القاعدة في بلاد الرافدين".

 

فعندما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من العراق عام 2011 كان لدى التنظيم في العراق حوالي 700 إلى 1000 مقاتل، بينما بلغ عدد مقاتلي تنظيم "الدولة" وسوريا في أغسطس/آب 2018 وفقاً لتقديرات وكالة الاستخبارات العسكرية 30 ألف مقاتل في العراق.

 

وقد استطاع تنظيم "الدولة" تأسيس جيش كبير مكنه من استعادة الفلوجة والموصل ومدن أخرى في العراق والسيطرة على معظم شرق سوريا خلال ثلاث سنوات فقط، وسوف يتعافى تنظيم "الدولة" بشكل أسرع بكثير مما حدث مع العودة الأولى، وسيصل إلى مستوى أكثر خطورة من القوة في ولادته الثانية.

 

تلك كانت خلاصة تقرير معهد "دراسات الحرب" في واشنطن، بعنوان "عودة داعش الثانية: تقييم تمرد داعش المقبل" الصادر نهاية يونيو/حزيران 2019، الذي أعده جينيفر كافاريلا، وبراندون والاس، وجيسون تشو، وهو تقرير يعزز قناعة باتت راسخة لدى الخبراء والباحثين ومراكز الأبحاث والأجهزة الاستخبارية الدولية أن هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" بصورة نهائية لا تتمتع بالواقعية والمصداقية.

 

تعتمد التوقعات بولادة ثانية لتنظيم "الدولة" على فهم سلوك التنظيم بعد ولادته الأولى إذ يتوافر التنظيم على خطط مسبقة للتعامل مع الوقائع والمتغيرات.

 

حسن أبو هنية

فعلى الرغم من طرد تنظيم "الدولة" من مناطق سيطرته الحضرية في المدن العراقية والسورية، فإن التنظيم لا يزال يتمتع بقدرات قتالية وتمويلية وإعلامية كبيرة.

 

فقد كشفت الوقائع الميدانية عن سرعة تكيّف التنظيم مع التطورت الميدانية، وتمتعه بمرونة شديدة بالتحول من نهج المركزية إلى حالة اللا مركزية، إذ تمكن من إجراء إعادة هيكلة تنظيمية على الصعيد العسكري والأمني والإداري والشرعي والإعلامي.

 

 

فمع نهاية المشروع السياسي للتنظيم كدولة "خلافة" نهاية 2017، عاد التنظيم إلى حالته المنظمة، وغيّر من تكتيكاته القتالية بالاعتماد على نهج الاستنزاف وحرب العصابات.

 

تستند التوقعات بولادة ثانية لتنظيم "الدولة" إلى وقائع تاريخية وحقائق ميدانية، فعودة التنظيم للعمل كمنظمة سرية ساهم بفاعلية في الحفاظ على هياكله التنظيمية وفاعليته الإيديولوجية ورسالته الدعائية ومصادره التمويلية.

 

وتحولت استراتيجيته إلى نهج الاستنزاف ومنطق حرب العصابات، بالاعتماد على مجاميع صغيرة تنتشر في العراق وسوريا عبر مساحات غير مأهولة، وتجمعات سكنية معزولة في مناطق الفراغ الأمني، وفي عمق الأرياف والفضاءات الصحراوية النائية، إضافة إلى التموضع كخلايا نائمة داخل المدن.

 

 

وعلى الرغم من القدرات الذاتية وإرادة القتال العالية لدى التنظيم، فإن الظروف الموضوعية تلعب دوراً كبيراً في ولادة ثانية للتنظيم، ففي كل البلدان التي شهدت صعود تنظيم الدولة وتراجعه عموماً، وفي العراق وسوريا خصوصاً، لا يزال الاستقرار هشّاً.

 

إذ لم يحدث تحول حقيقي في المجالات السياسة والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن تنامي حالة التنافس والصراع الدولي والإقليمي، وتراجع الحديث عن الحلول السياسية وبرامج التنمية وإعادة الإعمار، ومحاربة الفساد، وتنامت الصراعات الطائفية، وتعمقت السلطوية، وتجذرت الأسباب العميقة الباعثة على العنف والتمرد.

 

تعتمد التوقعات بولادة ثانية لتنظيم "الدولة" على فهم سلوك التنظيم بعد ولادته الأولى، إذ يتوافر التنظيم على خطط مسبقة للتعامل مع الوقائع والمتغيرات.

 

فمنذ تشكُّل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بالتعاون مع القوات العراقية وقوات سوريا الديمقراطية ضد التنظيم وبدء عملياته، وضع تنظيم الدولة خططاً مضادة لخوض مرحلة تالية من الحرب، إذ انسحبت معظم القيادات، وأعداد كبيرة من المقاتلين إلى أماكن آمنة. احتفظ تنظيم "الدولة" بأرصدة مالية كبيرة، وأسس شبكة تمويل عالمية، وقام بإخفاء أسلحة نوعية عبر نظام معقد من الأنفاق.

 

شكّل ظهور البغدادي بشريط مصور إلى جانب ثلاثة من مساعديه في 29 أبريل/نيسان 2019 بعنوان "في ضيافة أمير المؤمنين"، تدشيناً لعودة ثانية لتنظيم "الدولة بعد اكتمال عملية إعادة الهيكلة التنظيمية العسكرية والأمنية والإدارية والمالية والشرعية والإعلامية، وإقرار الخطط العسكرية لاستئناف "حرب استنزاف".

 

احتفظ تنظيم "الدولة" بأرصدة مالية كبيرة وأسس شبكة تمويل عالمية وقام بإخفاء أسلحة نوعية عبر نظام معقد من الأنفاق.

 

حسن أبو هنية

وقد استعرض "تقارير شهرية" عن فروع التنظيم وعددها 12 ولاية، وكان البغدادي قد أقر عملية إعادة الهيكلة في خطاب سابق في 28 سبتمبر/أيلول 2017 بعنوان "وكفى بربك هادياً ونصيراً"، وأكدها في كلمة لاحقة بعنوان "وبشر الصابرين" في 22 أغسطس/آب 2018.

 

منذ أن تحول تنظيم الدولة إلى العمل كمنظمة اعتمد على خطط استراتيجية بناء على تكتيكات "حرب الاستنزاف"، وعلى الرغم من أنه شن أكثر من 3 آلاف هجوم صغير ومتوسط في العراق وسوريا عام 2018 عن طريق الكمائن، والعبوات، والقنص، وعمليات الاغتيال، فإنه لا يزال مقتصداً في تكتيكاته المفضلة ممثلة بالعمليات الانتحارية والانغماسية المتنوعة والمركبة.

 

وقد اعتمد منذ 31 مايو/أيار 2019 على تكتيكات جديدة في إطار "حرب الاستنزاف" تقوم على مبدأ أطلق عليه "إسقاط المدن مؤقتاً كأسلوب عمل للمجاهدين"، وقد نشرت صحيفة "النبأ" التابعة له، سلسلة من أربعة أجزاء لشرح التكتيك الجديد، إذ دعا التنظيم مقاتليه إلى تجنب الاشتباكات المباشرة مع العدو، وشرحت السلسلة كيف يستطيع المقاتلون من خلال حرب العصابات إضعاف العدو دون تكبد خسائر، وقالت إن من بين أهداف هجمات الكر والفر احتجاز الرهائن وتحرير الأسرى والاستيلاء على أموال العدو.

 

إن مقارنة ولادة تنظيم "الدولة" الأولى بالولادة الثانية، تظهر قدرة التنظيم على الانبعاث من جديد، فقد شهد تنظيم "دولة العراق الإسلامية" بداية عام 2009، تراجعاً واضحاً، بعد اعتماد الولايات المتحدة على استراتيجية الجنرال بترايوس بتدفق القوات وزخم الصحوات، وتقلصت أعداد التنظيم إلى ما بين 700 و1000 مقاتل، في مناطق معزولة ونائية.

 

ومع حلول عام 2010 أصدر تنظيم "دولة العراق الإسلامية" مراجعة تقويمية وتقديراً للموقف، وحددت رؤيته المستقبلية في العراق مع اقتراب موعد انسحاب القوات الأمريكية، فقد أصدر وثيقة استراتيجية بعنوان "خطة استراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية"، وعقب خروج القوات الأمريكية من العراق عام 2011، أعلن عن بدء خطة "هدم الأسوار"في يوليو/تموز 2012، ثم أعلن عن بدء خطة جديدة بعنوان "حصاد الأجناد"،في 29 يوليو/حزيران 2013، انتهت بالسيطرة على الموصل في يونيو/تموز 2014.

 

تشير القدرات العسكرية والمالية والإعلامية لتنظيم "الدولة" في ظروف ولادته الثانية إلى تفوق كبير، إذ تؤشر أرقام متطابقة صادرة عن الأمم المتحدة ووكالة الاستخبارات ووزارة الدفاع الأميركية في عام 2018 إلى أن عدد مقاتلي التنظيم في العراق وسوريا يبين 20 و30 ألف مقاتل.

 

احتمال ولادة ثانية لتنظيم "الدولة" أسرع من الولادة الأولى كما أكد تقرير معهد "دراسات الحرب" الأخير.

 

حسن أبو هنية

وحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن هذا العدد لا يشمل مقاتلي التنظيم الموجودين في فروعه الأخرى، فخريطة نشاط التنظيم وانتشاره تتوسع في مناطق وبلدان عديدة.

 

إذ يتمتع التنظيم بحضور كبير في أفغانستان، ولا يزال التنظيم يشن هجمات في شبه جزيرة سيناء المصرية، ويحافظ على قدرته التشغيلية في جنوب شرق آسيا، وكذلك وسط آسيا، وفي اليمن.

 

وتعتبر القارة الإفريقية ساحة بديلة لتنظيم الدولة مع إصراره على تعدد الجبهات والملاذات، وخصوصاً منطقة الساحل والصحراء الإفريقية، وغرب إفريقيا وشرقها، ولا تزال شبكات التنظيم ومجاميعه المنسقة وخلاياه الفردية النائمة و"ذئابه المنفردة" تشكل خطراً على أمريكا وأوروبا.

 

خلاصة القول إن احتمال ولادة ثانية لتنظيم "الدولة" أسرع من الولادة الأولى كما أكد تقرير معهد "دراسات الحرب" الأخير.

 

هذا الاحتمال يستند إلى قراءة تاريخية وواقعية صلبة، وهي متطابقة مع توقعات معظم الخبراء والمحللين، ذلك أن قدرات التنظيم العسكرية والمالية والإعلامية لا تزال كبيرة، فقد أظهر التنظيم قدرة فائقة على التكيّف وإعادة الهيكلة والعمل كمنظمة لا مركزية.

 

ولا تزال جاذبيته الأيديولوجية مرتفعة، في ظل هشاشة الوضع الأمني في العراق وسوريا وضعف الاستقرار، إلى جانب سوء الحوكمة، وسيادة منظومة الفساد وشيوع الاستبداد، وتفشي الطائفية، فضلاً عن التدخلات الخارجية وصراع القوى الإقليمية والعالمية على الشرق الأوسط، ووجود المستعمرة الاستيطانية المسماة "إسرائيل"، وغياب حل عادل للقضية الفلسطينية.

 

*المصدر: تى أر تى عربى

 

أخبار ذات صلة