البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

تدافع الحسنات والسيئات

المحتوي الرئيسي


تدافع الحسنات والسيئات
  • د. خالد راتب
    04/12/2016 08:19

من سنن الله فى كونه أن يتدافع الضدان، وهى سنة باقية إلى يوم القيامة حتى تستمر مسيرة الصلاح والإصلاح، قال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ) (البقرة:251) أى: لولا أن الله- سبحانه وتعالى- يدفع بمن يقاتل فى سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم عبادة الله تعالى، وإظهار دينه، بل وتخريب دور العبادة، قال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:40).

* ونحن نرى دائماً فى سنة التدافع أن الغلبة تكون للحق مهما طال الزمان؛ لأنه الأقوى وعلى نفس الدرب يغلب الإيمان الكفر، والخير الشر، والحسنة السيئة..، ولولا هذه المدافعة بين الحسنات والسيئات لهلك العبد؛ لأن تراكم السيئات بعضها فوق بعض دون توبة وفعل للخير كالفيروس الذى لا يجد مقاومة فيحيط بالعضو من جميع الاتجاهات مما يؤدى إلى عطبه وهلاكه؛ لذا نجد الكافرين قد أحاطت بهم الذنوب من كل اتجاه ولم يدفعوها بالإيمان مما أوجب لهم النيران، قال تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:81).

إن الله- عز وجل- يمحو السيئات بالحسنات ويمحو الحسنات بالسيئات، وهذا كثير فى كتاب الله وفى سنة النبى صلى الله عليه وسلم مما يجعل العبد لا ييأس من رحمة الله، ولا يركن كذلك إلى عفوه وكرمه دون عمل واجتهاد.

وقد وردت نصوص فى كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم تؤكد هذه السنة "سنة تدافع الحسنات والسيئات".

قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: 114).

وقال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (النساء:31).

أما فى السنة فقد وردت حادثة عظيمة كشفت لنا عن هذا المعنى، وذلك حينما كتب حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فأوحى الله إلى رسوله بالخبر، فدعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علىَّ يا رسول الله، والله إنى لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت، ولا بدلت... ، فقال عمر- رضى الله عنه-: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".

فإن الحسنة العظيمة وهى شهود حاطب لبدر أعظم وأقوى بكثير من سيئته التى فعلها، فغلب الأقوى الأضعف، بل وأبطله وتلك حكمة الله فى شرعه وأمره.

وقد حدث نفس الأمر مع المرأة الباغية، حيث مُحيت ذنوبها ودفعت بالحسنة عندما سقت الكلب الذى كان يلهث من العطش، وحدث ذلك مع قاتل المائة نفس، وكل هذه بشائر عظام من الرحيم الغفور لعباده أن يقبلوا عليه ولا ييأسوا من رحمته، فإنه شكور يرضى من عباده القليل بل ويجازيهم عليه بالكثير... فإلى متى الجفاء والبعد؟!

وعلى العكس تماماً فإن السيئات كذلك تمحو الحسنات، وقد وردت أدلة كثيرة على ذلك، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) (البقرة:264)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات:2).

وقد قال صلى الله عليه وسلم: فى الحديث الذى رواه البخارى "من ترك صلاة العصر حبط عمله".

وعن أبى إسحاق عن العالية أن امرأة أتت عائشة رضى الله عنها، فسألتها عن عبد باعته من زيد بن أرقم بثمانمائة نسيئة، واشترته منه بستمائة نقداً، فقالت عائشة رضى الله عنها: "بئس ما ابتعت أبلغى زيداً (زيد بن أرقم) أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب" (الحديث إسناده جيد) إبطال الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب بيع العينة، فكيف بالذين يتعاملون ليل نهار بالربا؟ ألا يخاف هؤلاء على أعمالهم أن تحبط وهم لا يشعرون؟!

وانظر إلى ذى الخويصرة وأضرابه من الذين بلغ اجتهادهم فى الصلاة والصيام وقيام الليل... إلى حد أن يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم صلى الله عليه وسلم: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" (رواه البخارى)، فلم تنفعهم تلك الأعمال العظيمة "الصلاة، الصيام، القيام..." مع تلك الصفات الفاسدة المهلكة..

* فهل يَعتبر الذين يكفِّرون الناس بهذا الصنف من الناس؟ أما آن لنا أن نحفظ ألسنتنا من الخوض فى أعراض الناس والحكم عليهم ظلماً وبهتاناً، فإن بعض المنتسبين إلى العمل الإسلامى قد نصَّبوا أنفسهم قضاة على الناس، ليس ذلك فى أمر الدنيا فحسب بل فى أمر الآخرة، وكأنهم ملكوا خزائن رحمة الله، فحكموا على هذا بالجنة، وحكموا على الآخر بالنار، وقد حاول رجل كما جاء في الحديث الشريف "أن يضع نفسه فى ذلك الموضع فأحبط الله عمله، حيث قال لأخ له: عاص والله لن يغفر الله لك، فقال الله: أين الذى يتألى علىَّ ألا أغفر لفلان فقد غفرت له وأحبطت عملك" (رواه مسلم).

وإن من أكبر السيئات التى تمحو الحسنات أن يقال: هلك الناس؛ لأن ذلك يؤدى بهم إلى الإحباط وترك العمل وفساد المجتمع، فجزاء هذا الصنف أنه أول الهالكين؛ لأنه بهذه الكلمة دفع المفسدين ليتمادوا فى إفسادهم، ودفع المذنبين إلى اليأس من رحمة الله التى وسعت كل شىء.

وأخيراً: أنصح كل مسلم ألا يركن إلى حسناته، وألا يستهين بسيئاته، وليحافظ على حسناته من الضياع حتى لا تصبح هباءً منثوراً؛ لأنه من السهل أن تفعل الحسنة ولكن من الصعب أن تأتى بها سالمة من الإحباط؛ لذا قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالها) (الأنعام:160).

ولم يقل من فعل الحسنة، لأن من جاء بها كانت سليمة من الأحباط فلينشغل كل منا بحسناته فينميها، وبسيئاته فيمحوها بالحسنات.

أخبار ذات صلة

ألا إنّ نصر الله قريب

يا أيها الصابرون الصامدون المرابطون على أرض الشام: إنكم تُمْسون وتصبحون على لهب النار وتعيشون اليو ... المزيد

عن سلَمة رضي الله عنه قال:

خفّتْ أزوادُ القوم وأملقوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم، فأذِن لهم. فلقيهم عمر ... المزيد

(إقامة الشريعة) معنى عظيم، ينبغي أن تنعقد عليه القلوب، وتتوحد عليه الصفوف، وتهفو له الأرواح وتعلو به الأصوات. والمقصود به تقويم اعوجاجنا بالاستقامة ... المزيد

مما يؤسف له أن يجهل كثير من المسلمين والمسلمات عمق تاريخ الإسلام في الكون، وذلك بسبب المناهج التعليمية المزورة في بعض البلاد، والتي تزعم أن البشرية نشأ ... المزيد

تعليقات