البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

تحريم الاستغاثة بغير الله سبحانه، ومذهب الشافعية فيه ...

المحتوي الرئيسي


تحريم الاستغاثة بغير الله سبحانه، ومذهب الشافعية فيه ...
  • محمد سالم البحيرى
    28/12/2017 02:22

الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، أمَّا بعدُ؛

فهذا تفصيلٌ في حكم الاستغاثة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وبأولياء الله الصالحين، أبيّن فيه أحكامَ المسألة على وجه الإجمالِ، ثم أشرَعُ في التفصيل، وأجيبُ فيه عن دلائل المخالِف.

وقد قسَّمتُه إلى مباحث أربعة.

المبحث الأولُ: في بيانِ الحكم الإجمالي بتحريم الاستغاثة بالأنبياء والأولياء.

المبحث الثاني: في تقرير تحريمِ الاستغاثة من حيثُ المذهب.

المبحث الثالث: في تقرير كونِها شركًا على المذهب.

المبحث الرَّابع: في الجوابِ عن أدلَّة المُجَوِّزِين للاستغاثة.

***

المبحث الأولُ: في بيان الحكم الإجمالي بتحريم الاستغاثة بالأنبياء والأولياءِ.

الاستغاثَةُ بالأنبياءِ والأولِياءِ بطلبِ جلبِ نفعٍ أو دفع ضرٍّ منهم = محرَّمة، بل شركٌ، كالاستغاثة بسيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأولياءِ الله الصالحين، كقول العامَّة: (أغِثني يا فلان) أو (أعطِني يا فلان).

كلُّ ذلك محرَّمٌ، بل شركٌ، وقد أفتى بتحريمِ ذلك جماعَةٌ من أصحابِنا الشافعيَّة كأبي زُرعة العراقيِّ رحمه الله في «فتاويه»، والبدر الأهدل رحمه الله.

والخلاف في المسألة ليس سائغًا.

ومن أفتى بجوازِه = مخطئ بلا شكٍّ، وقولُه مردودٌ، ولكن معذورٌ بتأويلِه.

أما التَّوَسُّل بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم = فجائزٌ، وذلك نحوُ أن يقولَ الداعي: «اللهمَّ إني أتوسَّلُ إليك بنبيِّك أن تفعل لي كذا»، فلا حرج في ذلك.

والفرقُ بينهما جَلِيٌّ؛ إذ التوسلُ دعاءُ الله سبحانه بنبيِّه، والثاني دعاءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

هذا بيانُ الحكمِ إجمالًا، ويبقى بعد ذلك تقريرُ ذلك على المذهبِ، ثمَّ الجوابُ عن أدلَّة المخالف.

***

المبحث الثاني: في تقرير تحريمِ الاستغاثَة من حيثُ المذهبِ.

أمَّا تحريمُ الاستغاثة وتغليطُ مُجَوِّزِها من حيثُ قاعدة المذهب = فينبغي أنْ يُعْلَم أنه ليس في الاستغاثة نقلٌ عن أحدٍ من الأصحابِ مطلقًا من زمان الشافعيِّ رضي الله عنه إلى سنة سبعمائة، وأولُ نصٍّ يكتبُ فيها إنما كان بعد سنة سبعمائة، وهو غلطٌ على قاعدة المذهب لا ريب، تَرُدُّه نصُوصُ الشافعيِّ في نظائرِه ونصوصُ متقدِّمي أصحابِه، ويدلُّ عليه تنقيحات حُذَّاق العالِمين بنصوصه ونصوهم من المتأخرين.

وذلك أنَّ المُتأمِّلَ في نصوصِ الشافعيِّ رضي الله عنه ومتقدِّمِي أصحابه يجدُ أنَّهم «يُنِطُون الأحكامَ في ذلك بالصُّورِ لا بالقُصُود».

ومما يدلُّك على ذلك في نظائرِه:

(1) ما حكَاهُ الدميريُّ في «النجم الوهَّاج» (جـ9/ص472) عن نصِّ الشافعيِّ رضي الله عنه أنه قالَ: «إذا قالَ: أذبَحُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أو تقربًا له = أنه لا يحلُّ أكلُها».

بل إنَّ ابن الرِّفعة يحكِي اتفاقَ الأصحابِ على منعِ ذلك؛ كما سيَرِدُ ذكرُه.

وأيَّد منعَ ذلك الزكشيُّ رحمه الله، فقالَ في «خادم الرافعيِّ والرَّوضة» (جـ15/لوحة 130/ نسخة الظاهريَّة): «قضيَّة كلام الشافعيِّ والأصحابِ امتناعُ هذا اللفظِ وعدَمُ حِلِّ الذبيحة؛ كما تقدَّم عن ابن كجٍّ، وقد قالَ ابنُ الرِّفعة مع اطلاعه: (ولا نزاعَ في أنه لو قالَ: أذبح للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أو تقرُّبًا إليه = أنه لا يحلُّ أكلُها، ونصَّ الشافعيُّ في الأم على أنه لو قالَ: أهللتُ بها لعيسى بن مريم = حَرُمَ أكلُها)»، ثمَّ عقَّب الزركشيُّ فقالَ: «وهذا الإطلاقُ من الشافعيِّ يقتضِي تعميمَ المنع».

تأمَّل؛ هذا الاتفاق الذي ساقَهُ ابنُ الرِّفعة رحمه الله (وهو للمتقدمين) = على أنَّ من ذبح للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أو تقرُّبًا إليه = لا يحلُّ أكلُ الذبيحة، وهو يدلُّك على أنَّ الحكم منُوطٌ بالصُّور لا بالقصُودِ.

ومُرَادُ الزركشيِّ بما سبَق عن ابن كجٍّ = ما حكوه عن «مجموع ابن كجٍّ» أنه قالَ: «إنَّ المسلمَ لو ذبَحَ للكعبة أو ذبحَ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم = فيقوى أنْ يُقال: يحرمُ؛ لأنه ذبحٌ لغير الله تعالى».

ثمَّ عضَّد الزركشيُّ رحمه الله ما ذكرَ في الصورة المذكورة، وفي الذَّبح للكعبة، فقالَ: «ويدلُّ على التحريم فيمن ذبحَ للكعبة أمرانِ:

الأول: عُمُومُ قولِه تعالى: (وما أُهلَّ لغير الله به)، وهذا قد أهلَّ به لغير الله، أو له ولغيرِه.

والثاني: أنَّ من ذبحَ للكعبة فقد نُسب لعبدة الأوثانِ، حيث ذبحُوا لأصنامهم وعبدوها لتقرِّبهم إلى الله».

تأمَّل؛ استدلالَ الزركشيَّ الحاذق العليم بنصوصِ الأصحابِ، لم يستصحب في ذلك قصُودَ الفاعِلِين، بل ناطَ الحُكْم بالصُّور.

كذلك الأذرعيُّ رحمه الله له بحثٌ نفيسٌ في تغليطِ قولِ مَنْ جَوَّز «أذبحُ للكعبة» أو «للرسول صلى الله عليه وسلَّم»، استفادَ منه الزركشيُّ، فقد نصرَ الأذرعي المنع مطلقًا.

فقالَ رحمه الله في «التوسط والفتح بين الرّوضة والشرح» (جـ3/لوحة 203/ نسخة الظاهريَّة» في قول المجوِّزين: «الأقربُ إلى النصِّ وكلام الأصحابِ المنعُ مُطلقًا، ولا أرى أحدًا من الأصحاب يُجَوِّزُون إطلاق هذا اللفظ، ولا يُحِلُّون الذبيحة».

وقالَ نحوَ ذلك في «قوت المحتاج» (لوحة 167/نسخة مكتبة ندوة العلماء بالهند)، واستدلَّ بالنصوص الذامَّة للكفار على مثلِ هذا الصنيع، فقالَ رحمه الله: «وقد أخبر الله عن الكفار أنه قالُوا: (إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفًا، فالصوابُ حسمُ البابِ».

ويكفينا في هذا الفرع: اتفاقُ المتقدِّمين الذي يحكيه ابنُ الرِّفعة رحمه الله على أنه لو قالَ: (أذْبَحُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلَّم أو تقرُّبًا إليه = لم تحل الذبيحة)، فهذا يدلُّك على أنَّ الأصحاب يُنِطُون الحُكْم بالصُّور لا بالقصُود، ولو كانوا يُنِطُونه بالقُصُود لقالُوا: إنَّ المسلم حين يفعلُ ذلك لا يعتقدُ في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الربوبيَّة ولا شيئًا من الاعتقادَات الباطلة، ثمَّ يجوِّزونها كما فعلَ من جوَّز الاستغاثة، وهذا يدلُّك على غَلَطِ من فَرَّع على الوجهِ المُخَرَّج لأبي الحسين ابن القطان.

كذلك مما يدلُّك على أنَّ العِبرة عند الأصحابِ في ذلك بالصُّور لا بالقصُود:

(2) كذلك مما يدلُّك على أنَّ الأصحابَ يُنيطون الحكم في ذلك بالصور لا بالقصُود = أنهم قطَعُوا بتحريمِ التسَمِّي بعبدِ الكعبة، رغم أنَّا قاطُعون أنهُ ليس هناك مُسلمٌ يسمِّى ولدَهُ بذلك على إرادة عبادة التعظيم، بل يُريدُ الخدمة والقيام على شأنِها، ومع ذلك قطَعَ الأصحابُ فيه بالتحريمِ، فدلَّ ذلك على أنَّ المدارَ عندَ الأصحابِ في ذلك على الصُّور لا على القُصُود، ولو كانَ المدارُ على القصُودِ لقطَعُوا بالجوازِ ولو باحتراز، وليس الحال كذلك، بل هم قاطعُون بالتحريمِ.

(3) كذلك نصَّ الأكثرون من الأصحابِ [كما قالَهُ الدميريُّ في «النجم» (جـ9/ص531)] على تحريمِ التسَمِّي بـ«عبد الرَّسول» أو «عبد النبيِّ»، ولا شكَّ أنَّ المسلم إذا سمَّى ولدَهُ كذلك لا يريد عبادة التعظيم، وإنما يُريدُ الخدمة، واعتمدَ التحريمَ الهيتميُّ نفسُه، وخالفَهُ الرَّمليُّ فقال بالكراهة، واعتمادَ الهيتميِّ موافق للأكثرين، وهي قرينة ترجيحٍ، وموافق لقاعدَة المذهب.

إذا تقرَّر لكَ ذلك علمتَ أنَّ الحُكْمَ بالجوازِ على قولِ القائل: «أغثني يا رسولَ الله» أو «أغثني يا بدويّ» ونحوِ ذلك = غَلَطٌ بلا ريبٍ على قاعدة المذهب، ذلك أنها من مِصْدَاقِ الدُّعاء في حقيقته الشرعيَّة؛ فإنها طَلَبُ جلبِ نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ من غائبٍ، وهي عبادَة مخصُوصَةٍ بالله سبحانه، فوجَبَ الحكمُ عليها بالتحريم؛ إذ المدارُ عند الأصحابِ في ذلك على الصُّور لا على القصُود.

وهذا بخِلافِ قولِ القائلِ لحاضرٍ: «أغِثني يا فلان» = فليست هذه الصُّورة من مِصْدَاق الدُّعاءِ في حقيقته الشرعيَّة.

هذا عن تقريرِ كونِ الاستغاثة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم = محرَّمة على مقتضى قاعدة المذهبِ.

وأمَّا عن تقريرِ كونِها شركًا على قاعدة المذهبِ:

فإنَّ الدًّعاء عبادَةٌ مخصُوصة بالله سبحانه، ونصوصُ الأصحابِ دالَّةٌ على أنَّ العبادَة المخصُوصة بالله سبحانه «إذا وجدت صورَتُها» مصرُوفة لغيرِه = كان فعلُها كفرًا.

وذلك كما نصَّ أصحابُنا رحمهم الله على أنَّ السُّجُود لمخلوقٍ = كفرٌ، سواءٌ في ذلك أرادَ التعظيم أو لم يُرِده.

وذلك لأنَّ السُّجودَ عبادَة مخصُوصَة بالله سبحانه، فإذا وُجدت صورتُها مصرُوفة لغيرِه = كان فعلُها كفرًا.

والهيتميُّ نفسُه يُؤيِّد ذلك، ويعضدِّهُ في «تحفته» (جـ9/ص92) بالإجماع الذي ساقَهُ العلامة الإيجيُّ في «المواقف»، وتابعَهُ عليه الجرجانـيُّ في «شرحِه» (جـ8/ص358) = على أنَّ السجود للشَّمسِ من مُصَدِّقٍ بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كفْرٌ إجماعًا.

تأمَّل؛ لم يفرِّقُوا بين ما إذا سجد تحيَّة أو تعظيمًا، ولم يقل أحدٌ: إنَّ المصدِّق بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم لا يُظنُّ به اعتقادُ ربوبيّة في الشمس، بل حكمُوا بالكفر.

وفرَّق الأصحابُ بين الرُّكوع (بحقيقته الشرعيَّة) والسُّجود (بحقيقته الشرعيَّة) = بأنَّ صورة الركوع قد تقع في العادة للمخلوق، أي: يتصور ذلك في نحوِ المعظمين من الملوكِ، فحكمَ عليه صورة الرُّكوع بالتحريم إن لم يرد التعظيم كتعظيم الله، وإن أراد التعظيم كتعظيم الله = كفر.

والفرقُ جليٌّ واضحٌ بينهما.

ولا يَرِدُ على كونِ جنس السُّجودِ كفرًا: أنه قد شُرِع في بعض الأمم السَّابقة، وذلك لأنَّا نقولُ: إنَّ السُّجودَ بحقيقته الشرعيَّة = كفرٌ، أمَّا ما شرع سابقًا كسجود إخوة يوسف لها فكان انحناءً؛ كما قالَهُ البغويُّ وغيرُه.

وأصلُ البحثِ في الدُّعاءِ، والسجودُ مثلُه في الخصوصيَّة بالله.

بل الدُّعاء أشدُّ من السُّجودِ في وضوح الخصوصيّة، لا يتردَّدُ النظرُ فيه إلا لشبهةٍ، بل قد استدلَّ ربُّنا سبحانه به على الكفار في تقرير ربوبيَّتِه، فقال سبحانه: «أمَّن يُجيبُ المضطر إذا دعاه ويكشفُ السُّوء ويجعلكم خلفاءَ الأرضِ أإلهٌ مع الله، قليلًا ما تذكرون»، قالَ العلامة الإيجيُّ رحمه الله في «تفسيرِه» (جـ3/ص225): «الكفرة يعترفون بذلك لا يلجئون في حال الاضطرار إلا إليه».

فللمخالِفِ في تكييف «أغثني يا رسولَ الله» طريقانِ لا ثالثَ لهما:

الأولُ: أنْ يقولَ: «إنَّ هذه الصيغة دعاءٌ»، وحينئذٍ يلزمُه الإقرارُ بالتحريم ووَصْفُ الفعلِ بالكفرِ.

الثاني: أن يُنازِع في كونِها دعاءً، فيقولُ: «ليست هذه الصيغة دعاءً»، وهنا يلزمُه تجويزُ استغاثة وليٍّ بالحجر الأسوَدِ إذا أجرى الله له كرامة سماعِه منه ومخاطبته، فيلزمُه جواز أن يقول هذا الوليُّ في هذه الصورة: «أغثني أيها الحجر الأسودُ»، على معنى أنَّ ذلك ليس دعاءً، والحجر الأسوَدُ في هذه الصُّورة قد خوطِب وسمعَ على وجه الكرامة للولي، والدعاءُ منه ممكِنٌ، والإغاثة على مقتضى طريقتِه ممكنة، فيلزمُه الجوازُ فيها.

فهما طريقان لازِمان، إمَّا أن يحكُمَ بأنه دعاءٌ، فيلزمُه التحريمُ ووصف الفعل بالكفر في الموضعين، وإما أن يحكُم بأنه ليس دعاءً، فيلزمُه الحلُّ في الموضعين.

والإغاثة غيرُ مُنْحَصِرَة في المعجزة والكرامة، بل هي عند المُجّوِّزين كذلك بالدُّعاءِ، وهذا حجر قد أجرى الله كرامة سماعِه من الوليِّ، فيلزمُهم جواز استغاثة الوليِّ به، على معنى: أغثني بدعائك أيها الحجر الأسودُ.

والتفريقُ بكونِ الحجر الأسود غير مُكلَّفٍ = تفريقٌ بوصفٍ طرديّ؛ إذ لا مدخل للتكليفِ في التعليل، ثمَّ إنَّ المستغاث به إذا كان بشرًا فهو ليس مكلفًا كذلك؛ إذ ينقطع التكليف بالموتِ، بل مدارُ الأمر على السَّماعِ (وليس على الحياة كذلك كما يأتي تزييفُه)، فلَزِمَهُم ما ذكر.

وبالجُملة؛ كلُّ دليلٍ يمنَعُ دعاءَ حجر = يمنَعُ كذلك دعاءَ غيرِه، فمن أحلَّ الثاني لزمَهُ حلُّ الأول، ومن حرَّم الثاني = لزمَهُ تحريم الأول، ولا دليل يفرِّق، ولا وصفَ يصلُح علَّة تفريقٍ، إلا بذوقٍ.

***

المبحث الرَّابع: الجوابُ عن أدلَّة المجوزين للاستغاثة.

استدلَّ المجوزون للاستغاثة بعدَّة أدلَّة، أوردُها من كتبِهم على الترتيب الذي ذكرُوها به، ثمَّ أُعَقِّبُ عليها بالجوابِ.

الدليلُ الأول: أنَّ الأنبياءَ والأولياءَ أحياءٌ في قبورِهم، فيجوزُ الاستغاثة بهم كسائرِ الأحياءِ، وقد نصّوا على هذه العلّة في التجويز؛ كالرَّمليِّ رحمه الله

قلتُ: هذا قياسٌ باطلٌ من خمسةِ أوجُهٍ: النقضُ، وعدم التأثير، والقول بالموجب، والفرقُ ، وفساد الاعتبار.

الوجهُ الأول: (النقض)

أمَّا بطلانُ القياسِ من جهة النقضِ = فإنَّ مَنْ يُجَوِّز الاستغاثة يلزمُه طردُ هذه العلَّة في سائر الأمواتِ؛ إذ سائرُ الأمواتِ أحياءٌ حياة برزخيَّة، بل صحَّت النُّصوصُ أنهم يسمعُون الزَّائر؛ إذ قد شُرِع السَّلامُ عليهم، ولا يُسلَّم إلا على مَنْ يسمَعُ، وصحَّ كذلك أنَّ الميَّت المسلم يُصلِّي، كما وردَ ذلك في حديث أبي هريرة عند ابن حبَّان في «صحيحه» (جـ4/ص120) أنَّ الميت المؤمن يقولُ للملائكة: «دعوني أُصَلِّي»، فتقولُ الملائكة: «إنكَ ستفعلُ».

فإذا كنتم تُجَوِّزُون الاستغاثة بالأنبياءِ على معنى أنه أحياءٌ حياة برزخيَّة في قبورهم يُصَلُّون = فإنَّ كلَّ ميت مسلمٍ كذلك، فيلزمُكم طَرْدُ العلَّة في كلِّ مسلمٍ.

ولا يقولُون بذلك، بل يخصِّصون الجوازَ بالأنبياءِ والأولياءِ.

وعليه؛ فتخلُّف الحكم (تجويز الاستغاثة) عن علَّتِه (الحياة البرزخيَّة) = نقضٌ لها.

الوجهُ الثاني: (عدمُ التأثير).

وأمَّا بطلانُ القياسِ من جهة عدم التأثيرِ = فإنَّ الوصفَ المُعلَّل به هنا (وهو: وصف الحياة) وصْفٌ طردِيٌّ، إذ ليس كلُّ ما ثبتت له الحياة ثبتَ له السَّماع (فضلًا عن الإغاثة ولو كسبًا)، فما بالُك والكلامُ في الحياة البرزخية، تلكَ التي مدارُ إثباتُ أحكامِها على خبر الشارع، لا مدخل للرأي ولا للقياس في شيءٍ منها.

وعليه فوصفُ الحياة = وصف طرديٌّ، وينبغِي إبدالُه بوصفِ «السَّماع»، وإذا ذُكرِ وصفُ الحياة يكونُ حشوًا، أمَّا من جَعَلَ العلَّة مُركَّبة من الحياة والسَّمَاع وردَ على وصف الحياة في علّته قادِحُ الكَسْر.

فإذا ثبتَ أنَّ صواب العلَّة على طريقتكم «السَّماع»، مع قولِكم: إن من معاني الاستغاثة دعاء المستغاث به للمستغيث، فهذا يردُ عليه لازمٌ.

ذلك أنه يلزمُكم على مقتضاهُ: أن تُجَوِّزوا استغاثة وليٍّ بالحجر الأسودِ إذا أجرى الله له كرامة مخاطبته وسماعه منه، وهذا ممكن؛ إذ ما جازَ أن يكون معجزة لنبيٍّ = جاز أن يكون كرامة لوليٍّ، والحجر في هذه الصُّورة = سامعٌ، ويمكنُ منه الدُّعاء، فيلزمُكم أن تجوِّزوا لهذا الوليِّ أن يقول: «أغثني أيها الحجر الأسود»، وقد وردَ في حديثٍ هم قد استدلُّوا بأضعف منه أنَّ الحجر قد استغفر لبعض الصحابة.

فإذا كانت الاستغاثة عندكم من معانيها = دعاء المستغاث به للمستغيث، وتُمْكِن من سامعٍ = لزمَكم تجويز استغاثة الوليِّ بالحجر الأسود في هذه الصورة.

كيف وقد صحَّت دلائلُ الشَّريعة بأنَّ للجماد إدراكًا وخشية، كما ورد النصُّ بتصدُّع الجبل للقرآن، وله محبَّة للمؤمنين؛ كما صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ: «أحدٌ جبل يحبُّنا ونحبُّه»، وحنَّ الجذع إليه صلى الله عليه وسلَّم، وصحَّ عن جمعٍ من السَّلفِ أنَّ مُصَلَّى العبدِ المؤمن يبكِي عليه لفقدِه، وله تسبيحٌ.

ومع ذلك فلسنا نستدلُّ إلا بصورة الوليِّ الذي أجرى الله له كرامة مخاطبة الحجر الأسود وسماعِه منه = فيلزمُكم أن يتجوِّزوا لهذا الولي الاستغاثة به.

الوجهُ الثَّالث: (القولُ بالموجَب).

وأمَّا بطلانُ هذا القياسِ من جهة القول بالموجَب = فإنَّ العلَّة هنا لا تستلزِمُ المعلول؛ إذ التعليلُ بالحياة البرزخيَّة لا يلزَمُ منه ثبوتُ السَّماعِ، وثبوتُ السَّماعِ هنا إنما نثبتُه بورودِ السَّمع به لا على جهة كونِه موجَبًا لثبوتِ الحياة.

ثمَّ السَّماعُ إنما ثبتَ في سماع سلام زائر القبر الشريف القريب منه، أي: يسمعُ النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم تسليمه عليه، ولا يلزَمُ من ذلك سماعُ سلام البعيد مباشرة، فضلًا عن أن يلزَمَ من ذلك كذلك سماعُ استغاثة البعيد، ومع ذلك كلِّه فسماعُه صلى الله عليه وسلم = لا يلزمُ منه تجويزُ الفعلِ، بل التجويز نفسُه يعوزه دليلٌ خاصٌّ.

بل دلائل السُّنة الشريفة ظاهرةٌ في أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما يسمع صلاة المُصَلِّي عليه إذا كان قريبًا، ولا يسمَعُها من البعيد، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قالَ: «إنَّ من أفضَلِ أيامِكُم يومَ الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معرُوضة عليَّ»، وفسَّر الأصحابُ قولَهُ صلى الله عليه وسلَّم: «معروضة عليَّ» بأنها تعرضُها الملائكة، فدلَّ ذلك على أنه لا يسمعُ الصَّلاة والسَّلام من البعيدِ، بل تُبَلِّغهُ الملائكة، بل وردَ ما يدلُّ على ذلك صريحًا عند الإمام احمد في «مسنده» أن النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم قالَ: «إن لله في الأرض ملائكة سياحين، يُبَلِّغوني من أمتي السلام»، فقولُه صلى الله عليه وسلّم: «يبلغوني» ظاهرٌ في أنَّه لا يسمع البعيد، إذ التبليغُ لا يكونُ لسامِعٍ.

فالخلاصة هنا: أنَّ العلَّة غير مستلزمة للمعلول.

فسماعُ النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم = إنَّما ثبتَ في القريب لا في البعيدِ.

وثبوتُ السَّماعِ للصَّلاة والسَّلام = لا يلزَمُ منه تجويزُ الاستغاثة؛ إذ ليس كلُّ ما يمكِنُ سماعُه = يجُوزُ فعلُه أو قولُه، بل هذا الذي ادُّعِي له الجواز يلزَمُ له دليلٌ خاصٌّ، فما بالك ودلائلُ الشريعة مُنْتَصِبة على منعِه.

الوجه الرَّابع: (الفرقُ).

وأمَّا بطلانُ هذا القياسِ بالفرق = فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم حيٌّ في قبـرِه حياة برزخيَّة، والمستغاث به الحاضر من البشرِ = حيٌّ حياة دنيويّة، وهذا فرقٌ قادِح في القياسِ، فقد قاسُوا الاستغاثة بالغائب الحيِّ حياةً برزخيَّة على الحاضر الحيِّ حياة دنيويّة.

الوجهُ الخامس: (فسادُ الاعتبار).

وأمَّا بطلانُ القِياس من جهة فسادِ الاعتبار؛ فإنَّ نصُوصَ الشَّريعة قد أطْلَقَت على طلبِ جلب النفع أو دفع الضرُّ من غائبٍ = دعاءً.

بخلافِ الطلبِ من الحي الحاضر؛ فإنَّهُ ليس من مصداق الدعاء شرعًا.

وسيدُنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، بأبي هو وأمِّي = لا يصدق عليه وصفُ «حاضر»؛ إذ هو في حياتِه البرزخيَّة لا يصدق عليه هذا الوصف حتى في صورة القريب منه، ولو جازَ عليه هذا الوصفُ لجاز إشهادُه على النَّكاحِ والطلاق والرَّجعة ونحوِ ذلك.

بل إنَّ بعض الفقهاءِ كأبي القاسم الصفارِ يُكَفِّرُ من فعلَ ذلك، أي: من أشهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النِّكاح؛ ويُعَلِّلُه بأنه اعتقدَ بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب.

وعليه فقولُ القائل: «أغثني يا رسول الله» = يصدقُ عليه أنه دعاءٌ غير الله شرعًا.

والقياسُ باطلٌ، ولا شكِّ.

الدَّليلُ الثاني من أدلَّة المُجوِّزين: (حديث مالك الدَّار) .

وهو ما رُوي عن مالك الدار أنه قالَ: «أصابَ الناسَ قحطٌ في زمن عمر، فجاءَ رجلٌ إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله؛ استسْقِ لأمَّتِك؛ فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له : ائتِ عمر، فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مستقيون، وقل له: عليك الكيس، عليك الكيس، فأتى عمر فأخبره فبكى عمر، ثمَّ قال: يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه».

قلتُ: والاستدلالُ به باطلٌ؛ إذ هو أثرٌ ضعيفٌ لا يثبتُ.

فقد أخرجَهُ ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (جـ17/ص64) وابنُ أبي خيثمة في «تاريخه» (جـ2/ص80) والبخاريُّ في «التاريخ الكبير» (7/304) [مختصرًا] والخليليُّ في «الإرشاد» (جـ1/ص314) والبيهقيُّ في «دلائل النبوة» (جـ7/ص47) وابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» (جـ44/ص345) و(جـ56/ص489) من طرُق عن أبي معاوية الضرير عن الأعمشِ عن أبي صالحٍ عن مالك الدَّار فذكرَهُ.

وهو إسنادٌ ضعيفٌ، وعلَّتُه: مالك بن عياض، المشتهر بـ«مالك الدار» = مجهولٌ، فقد بيَّضَ له ابنُ أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (جـ8/ص213)، وهذا تجهيلٌ عند أهلِ الصّناعة، وقالَ الهيثميُّ رحمه الله في «المجمع» (جـ3/ص125) في حديث آخر: «ومالك الدارِ لا أعرفُه».

أمَّا ابنُ حبَّان في «الثقات» (جـ5/ص384) فوثَّقه بناءً على مذهبِه الفردِ الذي خالفَ به جمهورَ أهلَ الحديثِ، وليس عليه العملُ عند أحدٍ من محققي أهلِ الحديثِ.

قالَ الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله في «لسان الميزان» (جـ1/ص14): «وهذا الذي ذهَبَ اليه ابنُ حِبَّان من أنَّ الرجلَ إذا انتفَت جهَالةُ عَيْنِه كانَ على العدالة إلى أن يتبَيَّنَ جرحُه = مذهبٌ عجيبٌ، والجمهُورُ على خِلافِه، وهذا هو مسلك ابن حبان في (كتاب الثقات) الذي ألَّفَهُ، فإنه يذكرُ خلقًا مِمَّنْ نصَّ عليهم أبو حاتم وغيرُه على أنهم مجهُولُونَ، وكانَ عند ابن حبان أنَّ جهالَةَ العينِ ترتفِعُ برِوَايةِ واحدٍ مشهورٍ، وهو مذهَبُ شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حالِه باقيَةٌ عند غيرِه، وقد أفصَحَ ابنُ حِبَّان بقاعدته فقالَ: (العدلُ مَنْ لم يُعْرَف فيه الجرح، إذ التجريحُ ضد التعديل، فمَنْ لم يُجْرَح فهو عدلٌ حتى يتبَيَّنَ جرحُه إذ لم يكلَّف الناسُ ما غابَ عنهم».

وقد أبَى هذا التجهيلَ بعضُ من خرَّج هذا الحديث، فزَعَمُوا توثيقه بقرائن، بعضُها باطلٌ لا يستقيمُ على قانونِ أهل الحديث، وبعضُها واهٍ مفرَّعٌ على مذهب ضعيفٍ مهجورٍ عند أهل الحديث.

فمِمَّا ذكرُوه في الاحتجاج على توثيقِه أن كون ابن أبي حاتمٍ قد بيَّض له في «الجرح والتعديل» = فهذا لا يدلُّ على كونِه مجهولًا.

وهذا احتجاجٌ باطِلٌ، بل ما زالَ حُذَّاقُ أهل الحديث يستدلُّون بذلك على جهالة الرَّاوي.

فقد استدلَّ الذهبيُّ رحمه الله بذلك على جهالة الرَّاوي في «المغني في الضعفاء» في قرابة عشرين موضعًا، ونحوُ ذلك في «ميزان الاعتدال»، فيقولُ فيهم: «مجهولٌ؛ بيّض له ابنُ أبي حاتمٍ».

وكذلك الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله يقولُ في «تهذيب التهذيب» (جـ1/ص391) في ترجمة إياس بن نُذير: «ذَكرَهُ ابنُ حِبَّان في (الثقات)، وذكرَهُ ابن أبي حاتم وبيض، فهو مجهول».

فتأمَّل؛ كيف استدلَّ بتبييض ابن أبي حاتم له على جهالتِه، ولم يعتبر بتوثيق ابن حبَّان له؛ لمذهبه الذي سبق حكايتُه.

وهكذا ديدينُ عامَّة أهل الحديث الاستدلال بتبييض ابن أبي حاتمٍ على الجهالة، إلا لظهُور توثيقٍ من معتبَرٍ، وليس فيما أبدوه شيء من ذلك كما يأتي بيانُه.

كذلك من باطل احتجاجهم على توثيق مالك الدار: كونُه كان خازنًا لعمرَ رضي الله عنه، ولا يُوَلِّيه عمر رضي الله عنه إلا لفرط ثقتِه وأمانته.

وهذا احتجاجٌ باطلٌ؛ إذ إنَّ الرَّجلُ إذا ثبت كونُه قد ولَّاه عمر رضي الله عنه = فغاية ما في ذلك إثباتُ ديانتِه، وليس في ذلك إثباتُ لضبطِه وحفظِه في نقلِ شيءٍ مما يحتجُّ به من الحوادث التي تثبت بها الأحكام الشرعيَّة.

فغاية ما يثبتُ بالتولية كونُ مالك الدارِ عدلًا؛ إذ لا يُولِّي عمر رضي الله عنه إلا العدلُ عنده، أمَّا كونُه ضابطًا فليس في التولية ما يدلُّ على ذلك، بل لا أحدَ من أهلِ الحديث قط يُوثِّقُ الرَّاوي بناءً على تولية أحد من الصحابة رضي الله عنه؛ إذ التوثيق مُرَكَّبٌ من وصفين: العدالة والضبط، وغاية ما في التولية إثباتُ العدالة، أمَّا الضبطُ فليست هذه القرينة مما يثبتُه، لا يخفى ذلك ولا يُشكِلُ على حَدِيثيٍّ.

كذلك من باطل احتجاجهم على توثيق مالك الدار: قولُ الخليليِّ رحمه الله في «الإرشاد» (جـ1/ص313): «متفق عليه، أثنى عليه التابعون»، فاحتجاجٌ واهٍ مبنيٌّ على الذهولِ عن اصطلاحِ الخليليِّ رحمه الله في «الإرشاد».

فإنَّ من المعلومِ أنَّ الخليليَّ إذا أطلقَ قولَهُ «متفق عليه» دون أن يقرِنه بوصفِ «ثقة» لا يعني به إلا الاتفاق على العدالة، ولا يقصد به الاتفاق على كونِه ثقة، ولا على إخراجِ الشيخين له كما قد يتوهَّم.

أمَّا إذا أرادَ أن يُوثِّقَهُ قرنَ قولَهُ «متفق عليه» بوصفٍ آخرَ دالٍّ على التوثيقِ، كقولِه: «ثقة متفق عليه» أو «حافظ متفق عليه» أو «متفق عليه مُخرَّجٌ» أو «متفق عليه صحيح الرواية» إلى آخرِه.

ومعلومٌ أنَّ الخليليَّ في «إرشادِه» له اصطلاح خاصٌّ في عبارات.

وأمَّا قولُه «أثنى عليه التابعُون» فظاهرٌ أنه ثناءُ ديانة، وليس ثناءَ ضبطٍ.

كذلك من باطل احتجاجهم على توثيق مالك الدار: ما ذكرَهُ ابنُ سعدٍ في ترجمتِه في «الطبقات» (جـ7/ص12) فقالَ: «وكان معروفًا».

وهذا أيضًا احتجاجٌ باطلٌ، وينبغِي لمن أرادَ أن يستدلَّ بقولِ عالِمٍ أن يُحرِّر اصطلاحَهُ إذا تكلَّم باستقراءِ مواضعِه، كيلا يضعَ كلامه في غير موضعِه.

فإنَّ ابن سعدٍ إذا قالَ في راوٍ: «وكان معروفًا» فإنه لا يُريدُ بذلك المعرفة الاصطلاحيَّة، وإنما يريدُ المعرفة اللُّغوية، ولو سُلِّم أنَّها الاصطلاحيَّة فإنه لا يلزم منها رفعُه من مرتبة الجهالة إلى مرتبة الثقة، بل غاية أمرِه كونُه يرتفع إلى مرتبة المستور.

يدلُّك على ذلك أنه يقولُ في الرَّاوي: «وكان معروفًا، وليس بذاكَ»، فيشير إلى غمزِه؛ كما قالَهُ في هبيرة بن يريم وحجيَّة بن عديِّ.

أمَّا إذا أرادَ أن يُوثِّقَهُ قرنَ بالمعرفة وصفًا زائدًا، كأنه يقول: «كان معروفًا ثقة» ونحو هذه العبارات، كما قالَهُ في كنانة بن نعيم العدويِّ، حيثُ قالَ في «طبقاته» (جـ9/ص226): «وكان معروفًا ثقة إن شاء الله».

لذلك تجدُ أنَّ ابن سعدٍ يقولُ ذلك في رواةٍ يقطعُ حذَّاق الأئمة بجهالتِهم، وذلك نحوُ قولِه في أبي الورد بن ثمامة بن حزن: «وكان معروفًا»، مع أنه لم يروِ عنه إلا اثنانِ، وهو عند حذاق الأئمة: «مجهول» أو «مستور».

فقولُ ابن سعد في مالك الدار: «وكان معروفًا» = ليس توثيقًا له بلا شكٍّ.

هذه هي العلَّة الأولَى في الحديث، وهي جهالة مالك بن عياض، المشتهر بمالك الدار.

وأمَّا عن العلَّة الثانية: فقد أشارَ إليها الخليليُّ رحمه الله في «إرشادِه» (جـ1/ص314)، حيثُ قالَ عقب رواية الحديثِ: «يُقَال: إن أبا صالح سمع مالك الدار هذا الحديث، والباقون أرسلُوهُ».

وهذا فيه إيماءٌ إلى إعلال الرَّواية التي يرويها أبو صالحٍ عن مالك الدار، وتصويبِ كونِه من مرسل أبي صالحٍ، وأبو صالح لم يدرك الحادثة قطعًا؛ إذ إنه لم يدرك زمان عمر لا خلافٍ عند أهلِ الحديثِ.

وقد أوردَ الهيتميُّ رحمه الله رواية أخرى لهذا الحديثِ فقالَ في «الجوهر» (ص113): «وفي روايةٍ أن رائي المنام هو بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه».

وهذه روايةٌ باطلة، يرويها سيف بن عمر التميميُّ في «الرِّدة والفتوح»؛ كما حكاهُ الحافظ في «الفتح» (2/496)، وسيف بن عمر التميميُّ متروك، قال أبو حاتم الرّازيُّ: «متروك»، وقالَ أبو داود: «ليس بشيءٍ»، وقال ابنُ حبَّان: «اتهم بالزندقة»، وقال يحيى بن معين: «ضعيفٌ»، وقالَ ابنُ عديِّ: «عامَّة حديثِه منكر»، حكى ذلك الذهبيُّ في «الميزان» (2/256).

***

الدليلُ الثالث من أدلَّة المُجوِّزين: ما رُوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قد خدرت رجلُه، فقالَ له رجلٌ: اذكر أحبَّ الناسِ إليكَ، فقالَ عبدُ الله بن عمر رضي الله عنه: «محمد».

قلتُ: الاستدلالُ بهذا الأثرِ على تجويزِ الاستغاثة = باطلٌ من وجهين، وجه دلاليٍّ، ووجه ثبوتـيٍّ.

وهاك تفصيلُه.

أمَّا الوجهُ الدلاليُّ = فبطلان الاستدلالِ به على تجويز الاستغاثة من وجوهٍ:

الوجهُ الأولُ: أنَّ هذا لا تعلُّقَ له بالاستغاثة أصلًا؛ فإنَّ هذا الذي نصحَ الرجُل به عبد الله بن عمر رضي الله عنه = كان من الأدوية المُجرَّبة عند العربِ، فكانَ أحدُهم إذا أصابَهُ الخدرانُ = ذكرَ محبوبه، فزالَ ما به من خدَرٍ، وأنشُدوا في ذلك شعرًا كثيرًا.

 

يقولُ الشهابُ الخفاجيُّ رحمه الله في «نسيم الرّياض في شرح شفاء القاضي عياض» (جـ3/ص355) في شرحِ هذا الأثرِ: «لأنَّ الناس جرَّبوا في الخدران من أصابَهُ إذا ذكرَ محبوبه زال بسهولةٍ؛ لأنه بمسرَّتهِ تنتفش الحرارةُ الغريزيَّة، فتدفع الخدر».

وأنشَدُوا في ذلك قولُ الشَّاعر:

والله ما خدِرَت رجلي وما عثرت ... إلا ذكرتُكِ حتى يذهبَ الخدَرُ.

وكذلك قالَ العلامة ابنُ علان في «الفتوحات الربانيّة في شرح الأذكار النووية» (جـ6/ص200)، وذلك عند قول النوويِّ: «وروينا فيه عن إبراهيم بن المنذر الحزامي أحد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في (صحيحه) قال: كان أهل المدينة يعجبون من حسن بيت أبي العتاهية:

وتَخْدَرُ في بعض الأحايين رِجْلُهُ ... فإن لم يقل: يا عتْبُ لم يَذْهِبَ الخَدَر».

قالَ ابن علّان رحمه الله: «(يعجبون) أي من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبُّه في الفؤاد، حتى إذا ذكَرَهُ ذهَبَ عنه الخَدَرُ».

فالخلاصة: هذا دواءٌ عربيٌّ كان العربُ يرون أنه نافعٌ طبًّا.

الوجهُ الثاني: كلُّ روايات هذا الحديثِ حتى رواياتُه السقيمة الواهية = ليس فيها طلَب، فقد وقع اللفظُ في روايةِ الثوريِّ وزهير عن أبي إسحاق السبيعيِّ: «يا محمَّد»، وهذا نداءٌ محض، والنداءُ ليس طلبًا عند أحدٍ، ووقعَ اللفظُ في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعيِّ: «يا محمد صلى الله عليه وسلَّم»، وهذا نداءٌ وصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمِّي، ووقعَ في راوية أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعيِّ: «يا محمَّداهُ»، وهذه نُدبَة، والندابة ليس طلبًا عند أحدٍ، بل هي تفجُّعٌ؛ كما صحَّ عن فاطمة رضي الله عنها أنها قالت لما تُوُفِّي سيدنا رسول الله بأبي هو وأمي: «يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس، مأواه ».

فالخلاصة؛ كلُّ روايات الأثر حتى السقيم منها = لم يقع فيها شيءٌ من الطلبِ الذي هو محلُّ النزاع.

بل وردَ في بعض الأحاديث الضعيفة ما يُشبِه هذا الدَّواء المذكور، وهو أخرجه ابنُ السنيِّ في «عمل اليوم والليلة» (ص140) قالَ صلى الله عليه وسلم: «إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصلِّ عليَّ».

فتأمَّل المغايرة بين :«فليذكرني» و«وليصلِّ علي».

فكأنَّ العبدَ يستشفِي باسمِه الشريفِ تبـرُّكًا، وبالصَّلاة علىه صلى الله عليه وسلَّم.

وهذا سيدي محيي الدين النووي رحمه الله وطيَّب ثراه مقدَّم الأصحابِ، يذكرَ أثر ابن عمر رضي الله عنه هذا بعد هذا الحديث في «الأذكار» (ص305)، أي: حديث طنين الأذن، وبوَّب عليه فقالَ: «باب ما يقوله إذا خدرت رجله».

ولم يفهم منه استغاثة، ولا حتَى عَنْوَنَ له بتوسُّل، إذ ليس فيه هذا المعنى.

فالخلاصة: لا تعلُّق لهذا الحديث بمسألة الاستغاثة، ولا دلالة فيه على تجويزِها.

هذا من الناحية الدلاليَّة.

أمَّا من الناحية الثبوتية، فقد وردَت الأثر بألفاظٍ نحتاجُ أن نميز الصحيح من السقيمِ فيها.

فقد اخْتُلِف في لفظِه وإسنادِه على أوجهٍ أربعة:

الوجه الأول: رواهُ زهير وسفيان كلاهما عن أبي إسحاق السبيعيِّ عن (عبد الرحمن بن سعد) قالَ: خَدِرَت رجلُ ابن عمر رضي الله عنه، فقال له رجل: «اذكر أحب الناس إليك»، فقال: «يا محمد».

قد أخرجَ هذا الوجهَ: ابنُ الجعد في «مسندِه» (ص369) والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (ص441) وابنُ السنيِّ في «عمل اليوم والليلة» (ص142) وابنُ سعدٍ في «الطبقات» (جـ4/ص144) والمزيُّ في «تهذيب الكمال» (جـ17/ص143) من طرقٍ عن زهير وسفيان به.

تأمَّل؛ فقد جعلَ الثوريَّ وزهير هنا شيخ أبي إسحاقَ «عبد الرحمن بن سعد»، وهو القرشي العدويُّ، مولى عبد الله بن عمر، وهوثقة وثقه النسائيُّ وغيرُه، ورواهُ بلفظِ: «يا محمَّد»، احفظ هذا فإنه معينٌ على فهمِ الخلافِ في الإسنادِ واللفظِ.

الوجهُ الثاني: رواهُ الثوريُّ عن أبي إسحاقَ عن عبد الرحمن مولى عمر بن الخطابِ قالَ: «خدرت رجل ابن عُمر، فقال له إِنسان: اُذْكُر أحبَّ الناس إِليك، فقال: يا مُحمد».

أخرجَ هذا الوجهَ: الدارقطنيُّ في «علله» (جـ7/ص242) عن أَحمد بن عيسى بن السكين، قال: حَدثنا إِسحاق بن زريق، قال: حَدثنا إِبراهيم بن خالد، قال: حَدثنا رباح بن زيد، قال: حَدثنا أبوعبد الرَّحمَن الخراساني، يَعني ابن المُبارك، عَن الثَّوري به.

تأمَّل؛ جعل الثوريُّ في هذا الوجه شيخَ أبي إسحاق السبيعيَّ هو عبد الرحمن مولى عمر ربن الخطاب، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيفٌ عند جميع النقادِ.

الوجهُ الثالث: رواهُ أبو بكر ابنُ عيّاش، ولكن قد اختُلِف عليه هو الآن على ألوانٍ ثلاثةٍ:

(1) فرواهُ محمد بن خداشٍ عنه عن أبي إسحاقَ السبيعي عن أبي شعبة قال: «كنتُ أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما، فخَدِرَت رجلُه، فجلس، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمداه فقام فمشى».

أخرجَ هذا الوجهَ: ابنُ السنيِّ في «عمل اليوم والليلة» (ص141).

(2) ورواهُ محمود بن خداش عنه عن أبي إسحاقَ عن أبي سعيد قالَ: فذكرَ نحوَه.

أخرجَ هذا الوجهَ ابنُ بشكوال في «القربة إلى رب العالمين بالصلاة على سيد المرسلين» (ص144) قالَ: أخبرنا ابن عتاب، عن أبي عمرو المالكي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا حبيب بن الحسن، قال: حدثنا بشر بن أنس، قال: حدثنا محمود بن خداش، قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش به.

(3) ورواهُ محمد بن سفيان الكوفي عن أبي بكر بن عياش عن أَبِي إسحاق سليمان بن فيروز عن أَبِي سعيد - يعني عبد الرحمن بن سعد، فذكرَهُ.

أخرجَ هذا اللون: المستغفريُّ في «الطبِّ النبويِّ» (ق70/نسخة خطية بكتبخانة ملي) قالَ: أخبرنا الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد بْن زَرٍّ قَالَ: أخبرنا عبد الرحمن بن أَبِي حاتم، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حدثنا محمد بن سفيان الكوفي قَالَ: حدثنا أَبُو بكر بن عياش به.

وقد وقع هنا: تسمية أبي إسحاق بسليمان بن فيروز، وهو غلطٌ، ولعلَّهُ من عبد الله بن محمد بن زرٍّ، الخُوارِي، فإنه مستورٌ، ترجمَهُ الذهبيُّ في «تاريخه» (جـ8/ص401)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.

الوجه الرابع: رواهُ إسرائيلُ عن أبي إسحاق السبيعيِّ عن الهيثم بن حنش، قال: «كُنَّا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فخدرت رجله، فقال له رجل: اذكر أحبَّ الناسِ إليكَ، فقالَ: يا محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فقام فكأنما نشط من عقال».

أخرج هذا الوجهَ ابنُ السنيِّ في «عمل اليوم والليلة» (ص141).

الوجه الخامس: رواهُ شُعبة عن أبي إسحاق عمن سمع ابن عمر قالَ: «خَدِرَت رجلُه»، فقيل: «اذكر أحب الناس»، قالَ: «يا محمد».

أخرج هذا الوجهَ الحربيُّ في «غريب الحديث» (جـ2/ص673).

بعد بسط هذه الوجوه الخمسة للخلاف على أبي إسحاق بقي النظرُ فيها.

فبالتأمِّل نجدُ أنَّ محل الخلاف في الإسناد هو شيخ أبي إسحاق السبيعيِّ، فجعلَهُ الثوريُّ مرَّة هو عبد الرحمن بن سعد، ومرَّة عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، وجعلَهُ إسرائيلُ الهيثم بن حنش، وأبهمه شعبة، ورواهُ أبو بكر ابن عياش على ألوانٍ ثلاثةٍ.

ولكن ليست هذه الوجوه متعادلَة، فإنَّ للثوريِّ مزيَّة عن الجميعِ بكونِه قد روى عن أبي إسحاق السبيعيِّ قبل الاختلاطِ، وكذا شعبة قد روى عنه قبل الاختلاط، فالوجه الأول والوجه الثاني والخامس أقوى هذه الوجوه، أمَّا الوجه الثالث بألوانِه الثلاثة فإنَّ راويه هو أبو بكر ابن عياش، وهو على ضعفٍ في حفظه قد روى عن أبي إسحاق بعد الاختلاطِ، وأما الوجه الرَّابع فليس يصحُّ إلى إسرائيل أصلًا؛ إذ في الطريق إليه محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني، وهو ضعيفٌ عند أكثر النقادِ ليس بحجَّة عند المخالفة.

فالنظر إذن يصفو للوجوه: الأول والثاني والخامس.

وإذا كان ذلك كذلك = فلا يُخالِف الوجه الخامس الذي يرويه شعبة ما روى الثوريُّ، غاية ما في الأمرِ أنَّ شعبة قد أبهم شيخ أبي إسحاق السبيعيِّ، ومن حفظ حجة على من أبهَم.

فليكن النظرُ إذن في الوجهين اللذين يرويهما الثوريُّ رحمه الله؛ فيحتملُ أنْ يكونَ أبو إسحاقَ السبيعيُّ قد اضطربَ فيه، ويحتملُ أن يكونَ الأثرُ محفوظًا عن أبي إسحاقَ على الوجهين، فيكون قد تحملَّه مرَّة عن عبد الرحمن بن سعد القرشيّ الثقة مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ومرَّة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الضعيف؛ مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فإن سَلِم الأثرُ من الاضطرابِ = فهو صحيحٌ، وإلا فلا، والله أعلمُ بالصَّوابِ.

وقد وردَ ذلك أيضًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنه، رواهُ ابنُ السنيِّ في «عمل اليوم والليلة» (ص141) قالَ: حدثنا جعفر بن عيسى أبو أحمد ثنا أحمد بن عبد الله بن روح ثنا سلام بن سليمان ثنا غياث بن إبراهيم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قالَ: خدرت رجْلُ رَجُلٍ عند ابن عباس، فقال ابن عباس: «اذكر أحبَّ الناسِ إليك»، فقال: «محمد صلى الله عليه وسلم»، فذهب خدره.

ولكن إسنادُها تالِفٌ، غياث بن إبراهيم النخعيُّ الكوفيُّ مُتهم، قالَ ابنُ معين رحمه الله: «كذاب، ليس بثقةٍ، ولا مأمون»، وقالَ ابنُ حبَّان: «كان يضعُ الحديثَ»، وقالَ البخاريُّ رحمه الله: «تركُوه».

***

الدليلُ الرَّابع من أدلَّة المجوِّزين: ما رُوي عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه مرفوعًا: «إذا أضلَّ أحدكم شيئًا أو أراد أحدكم عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس، فليَقُل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم».

قلتُ: والاستدلالُ بهذا على تجويز الاستغاثة باطلٌ في غاية البطلانِ.

وذلك لأنَّ الحديثَ مع ضعفِه موقوفًا ومرفوعًا = ليس في محلِّ النزاعِ أصلًا؛ إذ محلُّ النزاعِ: طلبُ جلبِ نفعٍ أو دفع ضرٍّ من غائبٍ، أمَّا ما في الحديثِ فهو طلبٌ من حاضرٍ وإن كان غيرِ مرئيٍّ؛ فإنَّ لله ملائكة في الأرض هم المقصُودُون بهذا.

وقد وردَ ما يُؤيِّد ذلك صريحًا في إحدى طرق الحديث، وهي رواية عبد الله بن مسعُود مرفوعًا عند أبي يعلى: «إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا عليَّ، فإن لله في الأرضِ حاضرًا سيحبِسُهُ عليكُم».

تأمَّل؛ «فإنَّ لله في الأرضِ حاضرًا سيحبسُه عليكم».

ووقعَ في أثر لابن عبَّاس، يروى مرفوعًا وموقوفًا، وصوابُه الوقفُ مع ضعفِه = بيانُ أنَّها الملائكة، ولفظُه كما عند ابن أبي شيبة (جـ15/ص345): «إنَّ لله ملائكة فضلًا سوى الحفظة، يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة في سفر فلينادِ: أعينوا عباد الله، رحمكم الله».

وهذا حسَنٌ معمولٌ به مُجرَّب.

يقولُ عبدُ الله بن أحمد رحمه الله في «المسائل» (ص245): «حججتُ خمس حِجَجٍ، منها ثنتين راكبًا وثلاثة ماشيًا، أو ثنتين ماشيًا وثلاثة راكبًا، فضلَلْتُ الطرِيقَ في حَجَّةٍ، وكنتُ ماشيًا فجعَلْتُ أقولُ: يا عِبَادَ الله؛ دلُّونَا على الطريق، فلم أزل أقولُ ذلك حتى وقعت الطريق».

الدَّليلُ الخامس من أدلَّة المُجوِّزين: أنَّ الصحابة رضي الله عنهم كان شعارُهم يوم اليمامة = «وامحمَّداهُ».

قلتُ: الاستدلالُ بهذا على جوازِ الاستغاثة = باطلٌ، ذلك أنَّ قولهم: «وامحمَّداهُ» ندبة، وليس في الندبة طلبٌ كما سبقَ بيانُه، بل هي كلمة تفجُّعٍ.

ومع ذلك فالخبر تالفٌ لا يثبتُ، إنما رُوي بإسنادٍ مظلمٍ، رواهُ الطبريُّ في «تاريخه» (جـ3/ص293) قالَ: كتَبَ إليَّ السريُّ عن شُعَيبٍ عن سيف عن الضَّحَاك بن يربوع عن أبيه عن رجل من بني سحيم قد شهدها مع خالد، فذكرَهُ.

وهذا إسنادٌ تالِف مظلم مسلسلٌ بالعلل، فشعيبُ هو ابنُ إبراهيم الكوفيُّ، وفيه جهالة كما قالَ الذهبيُّ في «الميزان» (جـ2/ص275)، وسيف بن عمر التميميُّ متروك، قال أبو حاتم الرّازيُّ: «متروك»، وقالَ أبو داود: «ليس بشيءٍ»، وقال ابنُ حبَّان: «اتهم بالزندقة»، وقال يحيى بن معين: «ضعيفٌ»، وقالَ ابنُ عديِّ: «عامَّة حديثِه منكر»، ووالد الضحاك بن يربوع مجهولٌ كذلك، وشيخُه مُبهَمٌ.

***

الدليل السادس من أدلَّة المُجوِّزين: ما رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنه قالَ: «حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، تعرض أعمالكم عليَّ، فإن وجدت خيرًا حمدتُ الله وإن وجدت شرًّا استغفرت الله لكم».

وقد استدلَّ مجوِّزُ الاستغاثة من المعاصرين بهذا الحديثِ على اطلاع النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم على أعمالِنا في الدنيا، واستلزَمُوا من ذلك معرفته باستغاثة من استغاثَ به.

قلتُ: وهذا استدلالٌ باطلٌ من ثلاثة أوجُه؛ وجهٍ ثبوتـيٍّ، ووجهين دلاليَّين.

الوجهُ الأول: أنَّ الحديث ضعيفٌ لا يثبت.

وهاك بيانه.

هذا الحديثُ رُوي من حديث عبد الله بن مسعُود، وأنس بن مالك، وبكر بن عبد الله المزني.

أمَّا طريقُ ابن مسعودٍ رضي الله عنه: فمدارُه على سفيان الثوريِّ، وقد اختُلِف عليه في متنِه على وجهين، فرواهُ خمسة عشر رجلًا من ثقات أصحابه على وجهٍ، وخالفَهم عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فرواهُ على وجهٍ آخرَ، وهاك تفصيله.

رواهُ عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سُفيان عن عبد الله بن السَّائِب عن زاذان عن عبد الله عن النبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ لله ملائكةً سياحين يُبَلِّغُوني عن أمتي السلام»، قالَ: وقالَ رسولُ الله ﷺ: «حياتي خيرٌ لكُم تحدثون ونحدث لكم، ووفاتي خير لكم تُعْرَضُ عليَّ أعمالُكُم، فما رأيتُ من خيرٍ حمدتُ الله عليه، وما رأيتُ من شرٍّ استغفرتُ الله لكم». أخرجَ هذه الرواية البزارُ في «مسنده» (جـ5/ص308) عن يوسف بن موسى عن عبد المجيد به.

كذا رواهُ عبد المجيد، فزادَ فيه: «حياتي خير لكم ... إلى آخره».

ورواهٌ خمس عشرة نفسًا عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فذكرُوه، دونَ زيادة: «حياتي خير لكم .. إلى آخره».

ولا يستريبُ حَدِيثيٌّ أنَّ مخالفة عبد المجيد لهؤلاء الجمع من الثقاتِ = مقتضٍ لنكارة راويتِه، كيف وقد خالفَهُ جبالُ حفظٍ وجهابذة أصحاب سفيان في هذه الزيادة؛ كوكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهديِّ وعبد الله بن المبارك وأبي نعيم الفضل بن دُكين وغيرهم.

فقد رواهُ بدونِ هذه الزيادة كلٌّ من:

(1) وكيعُ بن الجرَّاح، وقد أخرجَ روايتَه: ابنُ أبي شَيبة في «مصنفه» (جـ6/ص44)، وأحمدُ في «مسنده» (جـ7/ص260)، وعليُّ بن حرب الطائيُّ في «جزئه» (لوحة 79/ضمن مجموع بالظاهرية برقم 3809)، وابنُ أبي عاصمٍ في «الصلاة على النبيِّ» (ص29)، والنسائيُّ في «الصغرى» (جـ3/ص81) و«الكبرى» (جـ3/ص274)، وأبو يعلى في «مسنده» (جـ9/ص137)، وابنُ حبَّان في «صحيحه» (جـ2/ص172)، وأبو الشيخ الأصبهانـيُّ في «العظمة» (جـ3/ص990)، والنميريُّ في «الإعلام بفضل الصَّلاة على النبيِّ» (ص181)، والخطيبُ في «الفصل» (جـ2/ص769).

(2) عبد الرحمن بن مهدي، وقد أخرج روايته: أحمدُ في «مسنده» (جـ7/ص260)، وابن الأنجب النعال في «مشيخته» (ص132).

(3) عبد الله بن المبارك، والرواية في «مسنده» (ص30) و«الزهد» (جـ1/ص364)، وعند النسائيّ في «الكبرى» (جـ12/ص49)

(4) أبو نعيم الفضل بن دُكين، وقد أخرج روايته: البيهقيُّ في «الشعب» (جـ3/ص140) و«الدعوات» (جـ1/ص261)، والبغويُّ في «شرح السنة» (جـ3/ص197)، والنميريُّ في «الإعلام بفضل الصَّلاة على النبيِّ» (ص143).

(5) يحيى بن سعيد القطان، وقد أخرج روايتَهُ: أبو إسحاق القاضي في «فضل الصلاة على النبيِّ» (ص36)، والبزَّارُ في «مسنده» (جـ5/ص307)، والخلعيُّ في «الفوائد المنتقاة» (لوحة 69/ نسخة الأزهريّة)، والذهبيُّ في «معجم الشيوخ» (جـ1/ص125).

وهؤلاء الخمسة ثقات حفاظ أثبات، يعرفهم قاضي طلاب العلم ودانيهم، فلا نحتاج أن نذكر مع راوٍ منهم درجته في الحفظ والإتقان.

(6) أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد الفزارِيُّ، وقد أخرج روايتَهُ الحاكم في «المستدرك» (جـ4/ص340)، والخليليُّ في «الإرشاد» (جـ1/ص445)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (2/174)، وابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» (جـ7/ص120)، وأبو إسحاق ثقة حافظٌ من رجال الشيخين.

(7) عبد الله بن نمير الهمدانـيُّ، وقد أخرجَ روايته أحمَدُ في «مسنده» (جـ6/ص183)، وابنُ الجوزيِّ في «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» (2/298)، وعبد الله ثقة من رجال الشيخين.

(8) معاذ بن معاذ العنبريُّ، أخرج روايتَهُ: أحمدُ في «مسنده» (جـ7/ص343)، والنسائيُّ في «الصغرى» (جـ3/ص81) و«الكبرى» (جـ3/ص274)، والخطيبُ في «الفصل» (جـ2/ص770)، ومعاذٌ ثقة مُتقنٌ من فرسان الشيخين.

(9) محمد بن يوسف الفريابي، أخرجَ روايته: الدارميُّ في «سننه» (جـ3/ص62)، وهو ثقة فاضل، من رجال الشيخين.

(10) عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وروايتُه في «مصنفه» (جـ2/ص278)، وكذا أخرجها عنه النسائيُّ في «الصغرى» (جـ3/ص81) و«الكبرى» (جـ3/ص274)، والطبراني في «الكبير» (جـ10/ص220)، وأبو يعلى الخليليُّ في «فوائده» (ص55)، والنميريُّ في «الإعلام بفضل الصَّلاة على النبيِّ» (ص181)، وابن أبي عمر المقدسيُّ في «الجزء السادس من فوائد الإخوان» (لوحة 231/ ضمن مجموع بالظاهرية برقم 3792)، وعبد الرزاق لا يخفى مكانه من الحفظ والإتقان، وهو من رجال الشيخين.

(11) عبيد الله بن موسى الكوفي، وقد أخرج روايتَهُ: البيهقيُّ في «الدعوات» (جـ1/ص261)، والبغويُّ في «شرح السنة» (جـ3/ص197)، والنميريُّ في «الإعلام بفضل الصَّلاة على النبيِّ» (ص181)، والخطيبُ في «الفصل» (جـ2/768)، وعبيد الله ثقة من رجال الشيخين.

(12) فضيل بن عياض، وقد أخرجَ روايته: الشاشيُّ في «مسنده» (جـ2/ص253)، والطبراني في «الكبير» (جـ10/ص220)، والقاضي أبو يعلى في «ستة مجالس من أماليه» (ص88)، والرافعيُّ في «التدوين في أخبار قزوين» (جـ3/ص216)، وهو ثقة عابد، من رجال الشيخين.

(13) زيد بن الحباب، أخرج روايته: الشاشيُّ في «مسنده» (جـ2/ص252)، والخطيبُ في «الفصل» (جـ2/ص768-769)، وزيد لا بأس به، وهو من رجال مسلم.

(14) محمد بن كثير، وقد أخرج روايته أبو نعيم في «الحلية» (جـ4/ص200)، وأبو سعد السمعانـيُّ في «المنتخب من معجم شيوخه» (ص315)، ومحمد بن كثير ثقة من رجال الشيخين.

(15) معاوية بن هشام، وقد روى روايته: المزيُّ في «تهذيب الكمال» (جـ14/ص560)، ومعاوية لا بأس به، وقد روى له مسلم.

فهؤلاء خمس عشرة نفسًا فيهم جبالُ أصحاب الثوريِّ = كلُّهم يروي الحديثَ دون هذه الزيادة، ويخالفُهم جميعًا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد فيزيدُها، وهو متكَلَّمٌ في حفظِه، وما روى له مسلمٌ إلا مقرونًا بغيرِه، فلا يستريبُ حينئذٍ من له أدنى اشتغال بالحديث في نكارة روايته.

فالحديثُ من هذه الطريق منكَرٌ بلا ريبٍ.

أما طريق بكر بن عبد الله المزني، فقد أخرجَهُ ابنُ سعدٍ في «الطبقات» (جـ2/ص174) وإسماعيلُ القاضي في «فضل الصَّلاة على النبيِّ ﷺ» (ص38) من طريقين عن حمَّاد بن زيدٍ قالَ: ثنا غالِبُ القطان عن بكر بن عبد الله المزني: «حياتِي خيرٌ لكُم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا متُّ كانت وفاتي خيرًا لكم، تُعْرَض علي أعمالكم، فإن رأيت خيرًا حمدتُ الله، وإن رأيتُ غير ذلك استغفرتُ الله لكم».

ورواهُ كذلك من طريق آخرَ عن بكر المزني: الحارثُ بن أبي أُسامة في «مسندِه» [كما في «بغية الباحث» (جـ2/ص884)].

وكلاهُما ضعيفٌ للإرسال؛ بكر بن عبد الله المزني من أوساط التابعين، لم يدرك النبيَّ صلى الله عليه وسلّم.

وأمَّا طريق أنس بن مالك رضي الله عنه= فأخرجَهُ رشيدُ الدين البغداديُّ في «السباعيَّات» (لوحة 29/ ضمن مجموع بالظاهرية برقم 3741) قالَ:أخبرنا الحافظ ابن القطيعي وابن كرم الدينوري قالا: أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري قال: أنبأنا القاضي الهاشمي قال: أنا علي قال: ثنا أبو سعيد قال: ثنا خراش عن أنس قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:«حياتي خيرٌ لكم، وموتي خيرٌ لكم، أمَّا حياتي فأجدد لكم، وأما موتي فيعرض علي أعمالكم عشية الاثنين والخميس، فما كانَ من عَمَلٍ صالِحٍ حمدتُ الله تعالى عليه، وما كانَ من عمَل سوء استغفرتُ الله لكم».

وهذا إسنادٌ تالِف؛ أبو سعيد هو الحسنُ بن عليِّ بن زكريا العدوي، المُلقّب بالذئب، وهو كذَّابٌ، قالَ ابنُ عديّ:« كان يضعُ الحديثَ»، وقالَ الدارقطنيُّ: «متروكٌ»، وشيخُه خراش هو ابنُ عبد الله، وهو تالِفٌ، قالَ الذهبيُّ رحمه الله في «الميزان» (جـ1/ص651): «ساقِطٌ عَدَم، ما أتى به غير أبي سعيد العدوي الكذاب».

الوجهُ الثاني في بطلان الاستدلال بالحديث: أنَّ الحديث – على ضعفِه – متداوَلٌ في كتب شروح الحديث، لم يستدلَّ به أحدٌ من السَّابقين على بلوغ الاستغاثات له صلى الله عليه وسلَّم، بل من جوَّده جعلَهُ حجَة على عدم انقطاعِ النفعِ النبويِّ للأمَّة، وذلك باستغفارِ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لأمَّتِه، ولم يفهم أحدٌ ممن أوردَ الحديث من الشُّراح تجويزَ الاستغاثة به من هذا الحديث.

الوجهُ الثالث في بطلان الاستدلال: أنه يلزَمُ من جوَّز الاستغاثة بناءً على هذا الحديث الضعيف = أن يُجوِّزها بكلِّ مسلمٍ، إذ قد وردَ ذلك في عامَّة المسلمين، كما رواهُ الإمام أحمدُ في «مسنده» من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: «إنَّ أعمالَكُم تُعْرَض على أقارِبِكم وعشائرِكم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشرَوا به، وإن كان غير ذلك، قالوا: اللهم لا تمتهم، حتى تهديهم كما هديتنا»، ولا يشكُّ مطَّلِعٌ على طرق هذا الحديث = أنه أقوى من الحديث الآخر.

بهذا تنتهي أدلَّة من جوَّز الاستغاثة، ولم يبقَ إلا أدلَّة تالفة من جهة الدلالة لخروجها عن محلِّ النزاع، كاستدلالِهم بحديث استغاثة الخلق بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم القيامة ونحوه، فهذه استغاثة حيٍّ بحيٍّ حاضرٍ، وقد تقدَّم بيانُ شبيهه، ومثلُه الاستكثار بأدلَّة جواز التوسل في مسألة الاستغاثة.

وأخيرًا؛ رجاءٌ أخير:

هذا المنشورُ ليس منشورًا نقليًّا في موضوع الاستغاثة، فيعارض ما فيه من نقلٍ بنقلٍ، فالتعليق بنقلٍ لمُجوِّزٍ = لا فائدة منه؛ إذ هو في المنشور مع مناقشة حجَّة المُجَوِّز.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين

أخبار ذات صلة

عندما تجد الفساد الأخلاقى متفشياً فليس مطلوباً منك أن تنشر التفاصيل على عامة الناس من مراهقين أو شباب أو بنات أو كبار ومنهم مطيعين ومنهم كذلك عُصاة ... المزيد

ولد إبراهيم عليه السلام تقريبا بين عامي 1900 و 1800 ق.م. فى مدينة "أور" الكلدانية جنوبى العراق وكان أبوه "آزر" من صانعي التماثيل التى يعبدها الن ... المزيد

البنت كائن رقيق تتأثر بسرعة بالأحداث المحيطة بها، وفى نفس الوقت يمكن أن ترضى بالقليل من المدح والثناء، فشأنها مختلف تماماً عن شأن الرجل، وهذه البنت ... المزيد

لقد كان د. المسيري -رحمه الله- مفكرًا من نوع خاص، يمكن أن أصفه بالمفكر "المتمرد"، فهو ذلك الذي بدأ التمرد صغيرًا ثم يافعًا واحتكَّ بالمدرسة المار ... المزيد

تعليقات