البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

بين سيد قطب ومالك بن نبي

المحتوي الرئيسي


بين سيد قطب ومالك بن نبي
  • أبو قتادة الفلسطينى
    09/10/2019 03:28

كثيرة هي مفاصل الإفتراق بين هذين الرجلين الكبيرين، سواء في الموضوع أو الأسلوب، وكذلك في مسارات الإصلاح وسبل الحياة السياسية، وإن اشتركا في أمور، فهمهما التغيير وإعادة التأثير الحضاري للمسلم، واعتمادهما على القرآن في صياغة العقل المسلم، فمالك كتب: " الظاهرة القرآنية" وسيد لم يعرف إلا بالقرآن ولغته وروحه وتربيته، وذلك مع الظلال وغيره، ولكن كيف تعامل الرجلان مع هذا الكتاب الرباني العظيم؟

 

مالك كتب الظاهرة القرآنية بلغة غير عربية، واستخدم لغة هي أقرب في ألفاظها إلى الروح الغربية في أسلوبها وطرحها، وكأنك تشعر أنه لم يكتب هذا الكتاب للعرب، ولا لقومه، بل كتبه للغرب، وخاصة حين نرى امتلاء الكتاب بكلمة (الفكرة القرآنية)، وهي كلمة يدرك مالك بن نبي أنها هجينة على لغة المسلم القرآني، فالقرآن وهدايته ليست فكراً، بل هدى ونور، وما ينتجه القرآن في العقل والقلب ليس أفكاراً بل علماً وعقيدة، ولذلك فأسلوب مالك في الظاهرة القرآنية يوحي أنه كتبه للغرب، لا لقومه، ولو دمج هذا الكتاب مع كتابه شروط النهضة لرأينا أن مالك يفكر بطريقة غربية، إذ استبعد الدين في المكون الحضاري للأمم، بل قصرها على الإنسان والتراب والوقت، وهذه هي النقطة الوحيدة التي رأينا سيد ينقضها في حياة الهداية كلها، كما في هامش موجود على معالم في الطريق، وأشار سيد لمالك أن أفكاره في هذا الإتجاه قد رماها من زمن، إذ المدح لكلمة الحضارة لا يليق إلا بالمجتمع الإسلامي.

 

هل الظاهرة القرآنية هي سرد لرحلة الشك التي عاشها مالك كما يشير لذلك محمود شاكر في مقدمته لهذا الكتاب، وما هو مقدار أثر هذه الظاهرة على فكر مالك بن نبي في كتبه كلها، وخاصة شروط النهضة؟

مالك وهو يكتب شروط النهضة كذلك بلغة فرنسية لم يدخل الدين في شروط الحضارة، وهذا ضعف منه في مواجهة المد العلماني الذي سيطر على الغرب، والذي صار من شأنه الإستهزاء بجعل الدين شرطاً للحضارة، مع وجود من اعتبر هذا ككانت وغيره.

 

ما يهم في هذا الباب أن القرآن في عقل مالك عظيم، لكن لم يصل في التعامل معه كما وصل إليه سيد قطب رحمهما الله تعالى، فسيد تكلم عن الدين والقرآن باعتباره مصدر كل خير، وهداية لكل خير، وأساس معنى الإنسان والحضارة، ولم ينظر إليه كمنفعة لتكميل صورة الإنسان والحضارة، ولا هو شئ زائد عن معنى الإنسان والحضارة.

 

يظهر هذا الفارق في شرح مالك فكرة عدم الإنحياز، فلا يوجد في كلماته قط محاسبة هذا الكيان من خلال القرآن، والدين، والإسلام، فالافروأسيوية فكرة خارج الدين والقرآن ومع ذلك ذاب فيها مالك ذوباناً كلياً، في وقت كان يعيش سيد بلاء المصابرة لتحكيم القرآن في المجتمع.

 

بقيت قضية مهمة، لا بد من اعتبارها حين النظر اعتباراً بالتجربة عند الرجلين، وهي تتعلق باللغة المؤثرة في الشعوب، وذلك بعيداً عن مناقشة الأفكار، والنظر إلى فاعلية المعاني في الشعوب، فمالك كتب بلغة المثقف، وسيد كتب بلغة الداعي، فلا تكاد أفكار مالك رحمه الله تتعدى الدرس الثقافي، ثم تقف، وأما سيد فعاشت كلماته، وما زالت تعيش، وما زالت تحدث واقعاً في مصادمة الجاهلية.

 

القرآن يصنع كلمات الداعية الذي تحيي كلماته موات النفوس، والمثقف تبقى كلماته حبيسة الدرس والمناقشة، ولذلك يخشى العدو لغة القرآن وحياة الداعية، لأنها هي التي تحدث الثورة والأثر ، وتصادم الجاهلية.

 

الغزالي الفقيه والمربي عاش وما زال، مع كل الخصومات ضده، ولم يبق من الفيلسوف إلا بقايا درس في غرف الكلام والمباحثة.

 

 

أخبار ذات صلة

إن فكرة الاجتراء على العلماء ليست جديدة، وإن كان الجديد فيها الآن اتساعها وكثافتها، فلقد كان في الماضي سابون، وبعض ذوي الألسنة الحادة - حتى بين العلماء ... المزيد

يبدو أن (حرب الفضائح) التي شهدت مؤخرا سباقا غير مسبوق .. بدأت تخرج عن نطاقها المحلي لتشتعل على المستوى الإقليمي ثم العالمي..وليتحول (خريف السقوط) لهذا العا ... المزيد

مما ينكر من التشديد أن يكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير دار الإسلام وبلاده الأصلية، أو مع قوم حديثي عهد بإسلام، أو حديثي عهد بتوبة.

المزيد