البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

بين انقلابين .. التاريخ يعيد نفسه!

المحتوي الرئيسي


 بين انقلابين .. التاريخ يعيد نفسه!
  • أسامة شحادة
    31/12/1969 09:00

في نهاية القرن التاسع عشر أسس بعض طلبة المدرسة الحربية ومدرسة الطب العسكري باستانبول جمعية سرية باسم (الاتحاد والترقي) وذلك سنة 1890م، ثم تفككت وهرب أعضاؤها إلى باريس سنة 1897م، وكان غاية هذه الجمعية العمل على تقويض حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، والذي كان له أعداء كثر، منهم هؤلاء الشباب المتأثرون بالأفكار الأوروبية والذين تلقفوا الدعايات الكاذبة عن ديكتاتورية السلطان ودمويته حتى تبنوا فرية وصفه بالسلطان الأحمر، لكثرة سفكه للدماء! ومن أعدائه اليهود والصهاينة الذين فشلوا في إغرائه بقبول استيطان اليهود في فلسطين، ومن أعدائه السفراء الأجانب الذين كانوا مستائين من سياستة المعروفة بالجامعة الإسلامية، والتي نجح من خلال لعبه على تناقضات المطامع الأوروربية في تأخير انهيار الدولة العثمانية ما يزيد عن 30 سنة، وذلك بعد معاهدة برلين 1878م. ومن أعدائه أيضا كثير من القيادات العربية التي كانت تضج من الظلم والحيف الواقع على البلاد العربية وغيرها من ظلم جهاز الأمن والمخابرات التابع للسلطان عبد الحميد. ومن أسباب النقمة على السلطان عبدالحميد أنه عطل الدستور العثماني ومجلس المبعوثان 30 سنة (1878م - 1908م)، وانفرد بالحكم والقيادة، وسمي هذا العصر بعصر الاستبداد الحميدي، وكان الحامل للسلطان على هذا الحل والانفراد بالحكم هو قرار مجلس المبعوثان بدخول الحرب ضد روسيا سنة 1877م، مما عرضها للهزيمة المرة والدمار! لاشك أن الانفراد بالحكم وتعطيل مشاركة الأمة ليس بالأمر الصائب، لكن قراءة الواقع العثماني في تلك الحقبة قد تخفف اللوم عليه، إلا أن طول المدة لهذا الانفراد (30 سنة) أضعف السلطان والسلطنة، وخاصة أنه لم يعمل على تحسين البيئة السياسية للمشاركة الفعالة والمنتجة في المستقبل، ولذلك حين أنهك عبدالحميد فإنه لم يستطع أن يجد خيارا يثق فيه ويسلمه الراية، وفُرض عليه أسوأ خيار عمل طويلاً لتلافيه ! المهم أن أوروبا تلقفت جمعية الاتحاد والترقي وشجعتها على التمرد على السلطان عبدالحميد، ونتج عن نشاطها السري ضد السلطان تزايد نفوذها وسط الضباط الذين انخرطوا في خلاياها السرية، حتى قدرت أعدادهم بأكثر من خمسة عشر ألف عضو، وتحدد هدفها في استعادة دستور 1876 والتخلص من السلطان عبد الحميد مع الإبقاء على أسرة السلاطين الحاكمة. عَرف السلطان عبد الحميد أخبار هذه الخلايا عن طريق جواسيسه لكنه لم يقدر قوة الحركة حق قدرها، والأمر ذاته حصل مع الرئيس مرسي وجماعة الإخوان الذين لم يقدروا تظاهرات 30/6 حق قدرها!! وبدعم من اليهود والمحافل الماسونية والدول الغربية، دفعت جمعية الاتحاد والترقي الأهالي إلى مظاهرات صاخبة في سلانيك ومناستر واسكوب وسوسن مطالبين بإعادة الدستور تحت شعار (حرية، عدالة، مساواة)، وتعهد الانقلابيون بوضع حد للتمييز في الحقوق والواجبات بين السكان على أساس الدين والعرق، وتزامن معها ثورات متلاحقة في صفوف الجيش الثالث خلال يونيو ويوليو 1908، وعجزت القوات الموالية للسلطان عن قمع انتفاضة يقودها ضباط الجيش! وهكذا وفي 23 يوليو/ تموز 1908 أرغمت جمعية الاتحاد والترقي السلطان على الرضوخ لمطالب المتظاهرين بإعادة العمل بالدستور وإحياء البرلمان. لكنهم لم يتمكنوا من عزل السلطان على الفور لأن الجنود العثمانيين كانوا يعتبرون أن الحاكم هو السلطان -الخليفة- ولا يتقبلون فكرة الانقلابيين في إقامة حكومة دستورية! وتم لهم ذلك في السنة التالية بعد أن هيأو مظاهرات تطالب بالشريعة الإسلامية، ومن ثم تصدى لها الإتحاديون وعزلوا السلطان بوفد من أربع أشخاص ليس فيهم مسلم بل فيه يهودي ! وهذا ما حدث مع الرئيس مرسي والذي تحت ضغط المظاهرات المفتعلة قدم متأخراً مبادرة سياسية يوم 30/6، لكن الجيش رفضها وعزله بعد 3 أيام فقط !! وفي واقعنا المعاصر وبحسب شهادة منى مكرم عبيد فإن الجيش طلب من عدد من الشخصيات العلمانية كتابة بيان لطلب تدخل الجيش ضد الرئيس مرسي!! وذلك تحت شعارات الديمقراطية والدستورية والحريات ومحاربة الاستبداد!! ومن ثم خرج قائد الانقلاب الفريق السيسي ليطلب من الشعب الخروج للشارع لتفويضه لمحاربة الإرهاب (الإخوان)!! وفي تركيا نجح الانقلابيون فعلاً بتقليص صلاحيات السلطان والعمل بالدستور، فخرج الشعب مهللاً فرحاً مسروراً، حتى دوّن ذلك العلامة رشيد رضا – والذي كان معارضاً لسياسة عبدالحميد، قبل أن يكتشف حقيقة الانقلابيين- في مجلته المنار فقال: "في هذا اليوم السعيد استعاد العثمانيون قانونهم الأساسي، ومجلس الأمة الذي يكفله، استعادوهما بسعي الأحرار، وتعزيز الجيش الجرار، فهو عيد الأمة العثمانية على اختلاف أجناسها ومِللها ونحلها. الفضل في هذه المزايا الكثيرة التي نلناها في هذا اليوم لجمعياتنا السياسية العاملة، ولضباطنا ذوي النباهة والغيرة والحمية والبسالة، الذين اتحدوا مع إخوانهم السياسيين، وأنذروا الاستبداد بالوثبان عليه، والقضاء على سلطته بقوة السلاح، إذا لم تَنَلِ الأُمَّة مطلبها مع حفظ الأرواح". (م 11، ج 6، ص 417). أما حاليا فقد شاهدنا الفرحة العارمة لأنصار الانقلاب على الفضائيات المملوكة لرجال الأعمال الداعمين للانقلاب على الرئيس مرسي، وذلك بعد أن أُغلقت فوراً جميع القنوات الرافضة للانقلاب، وتبحث السلطات اليوم إغلاق قناة الجزيرة في مصر! وفي تركيا سرعان ما تكشفت الحقيقة وظهرت نوايا الانقلابيين، فقد تبخرت كل الشعارات التي رعتها جمعية الاتحاد والترقي (حرية، عدالة، مساواة)، ويسجل رشيد رضا في مجلته (م 12، ج‌ 3، ص‌ 233) مشاهداته لحكم الاتحاديين في الشام نجتزئ منها:  1- إن سلوك الجمعية مع أعوان الاستبداد، لم يكن سلوك من يريد القضاء على الاستبداد بإزالة نفوذ أهله وإخضاعهم للدستور، بل سلوك من اغتنم الفرصة للاستفادة منهم. (أليس هذا يشابه إطلاق يد البلطجية اليوم في مصر، وبالافراج قريبا عن مبارك!!). 2- إنها لم تحسن في انتقاء العمال والحكام، فقد ساعدت كثيرين من أعوان الاستبداد حتى على الترقي في الوظائف ، وأهملت شأن كثير من الأحرار والمجربين. (أليس هذا يطابق اليوم عودة رجالات الحزب الوطني، وعودة المحافظين العسكريين، والإبقاء على ثلث وزراء حكومة قنديل التي انقلبوا على مرسي بسبب سوئها!!).   3- ظهر في بعض لجانها التعصب للجنس التركي، حتى كأن يكون الأعضاء من الترك هم أصحاب الشأن. (وإذا كان الانقلابيون الاتحاديون قد أقصوا العرب، فاليوم يقصي الانقلابيون في مصر الإسلاميين وخاصة الإخوان منهم!).   4- حمل الضباط في جميع البلاد على الاشتغال بالسياسة، وجعل نفوذهم هو الأعلى في لجان الجمعية، وهذا خطر على الدولة، كان يجب التشديد في منعه. (واليوم لا جدال في الهوية العسكرية للحكم في مصر!!). 5- الجهل بمداراة الشعور الديني في الأمة، قد أظهر بعض أعضائها المشهورين أمورًا منكرة في نظر الدين، جعلت لأعدائها مجالاً واسعًا للتنفير منها. (واليوم في مصر تستباح المساجد ويقتل المصلون في صلاتهم ويهاجم الملتحي والمنقبة بسببهما، ويطالب بإقصاء الدين وإعلان العلمنة جهارا نهاراً!!). 6- ظهورها بمظهر السلطة المستبدة غير المسئولة، حتى صرت تسمع قول الكثيرين: إن استبداد السلطان ابن السلطان ابن السلطان أهون علينا من استبداد أوشاب من الناس، لا يُعرفون. وذلك حين كثر قتل الاتحاديين للمخالفين ونصبوا المشانق للمفكرين الأحرار من العرب في دمشق وبيروت، وبهذا ظهر فضل السلطان عبد الحميد، فبرغم الدعايات السوداء حوله واتهامه بأنه متعطش للدماء، إلا أنه كان برغم الحكم بالاعدام على خصومه إلا أنه يكتفي بالسجن بضع سنوات أو النفي، ولم يقتل إلا رجلا واحداً !! ونترك رشيد رضا يشرح جرائم جمال باشا السفاح (الوالي المعين من قبل الاتحاديين على بلاد الشام) ومدى بشاعة الاستبداد الذي قام به، فيقول: "كان جمال باشا من آحاد الضباط الكثيرين المنتمين إلى جمعية الاتحاد والترقي، وإنما ترقَّى جمال بك ببراعته وجرأته على سفك دماء خصوم الجمعية، فهو الذي دبر مكيدة المذبحة الأولى في أدنه إذ كان واليًا لها بعد الدستور، وهو الذي قتل الجم الغفير من كبراء الآستانة المخالفين للجمعية عقب اغتيال محمود شوكت باشا، ولأجل هذا اختارته الجمعية لقيادة فيلق سورية. إن الجمعية اختارت جمال باشا لأجل أن يتم تنفيذ ما توعدت به سورية من بضع سنين في جريدتها طنين وعبرت عنه بالدش البارد وإنما كانت مذبحة الكرك وتعذيب العرب برضخ رؤوسهم بالصخور هي الرشة الأولى من هذا الدش، وإننا على علمنا بهذا الإنذار وبما هو أشد منه وأوضح وعلى ذكرنا بعض تلك النذر في مقالات العرب والترك، وغيرها في المنار، قد ارتبنا في أول خبر بلغنا عن شنق جمال باشا لبعض نابغي المسلمين في بيروت، ولا يزال أكثر المصريين يكذبون أخبار التقتيل والنفي التي تكررت بل تواترت". أما في مصر فالفضائيات الآن تنقل لنا كل يوم بل كل ساعة خبر مجازر وقتلى ومصابين بسبب الاعتراض على الانقلاب على الرئيس مرسي، ولا يزال البعض يشكك فيها كحال أهل مصر مع مجازر جمال السفاح في الشام قبل 100 سنة!! ولما ظهرت الحقيقة الدموية للانقلابيين الاتحاديين نطق بعض الشرفاء ممن تورطوا بالانقلاب على السلطان بالحق، من أشهرهم أحمد رضا بك صاحب جريدة "المشورة" والتي تخصصت في مهاجمة السلطان وترويج الافتراءات عليه، ثم نشر مذكراته في صحيفة "الجمهورية" في العهد الجمهوري واعترف فيها بندمه على ما كتبه ضد السلطان! واليوم وبعد أن أيّد كثير من الناس الانقلاب على الرئيس مرسي طمعاً في ديمقراطية وحرية وعدالة أفضل، وجدوا من اللحظات الأولى: تكميما للإعلام، واعتقالا للمعارضين، وعسكرة للدولة، وفرضا للجان الدستور بدون انتخاب مع سلق له ولكن بالميكرويف وليس على الغاز حتى! ثم استباحة للدماء بشكل مروع، وعدم اعتناء بالكفاءات، وإبطال لكل قرارات العدالة الاجتماعية ورفع الرواتب، وإقصاء وتخوين لأي متراجع عن إقصاء الإسلاميين والإخوان ولو كان البرادعي أو حمزاوي أو حتى باسم يوسف!! ثم كانت نكتة الموسم بأن نفوذ الإخوان امتد ليخطف شقيق أوباما!! أيها الانقلابيون: برغم كل مساوئ العهد القديم وعيوبه إلا أن واقعكم ومستقبلكم أسوأ بكثير، فتباً لكم.  

أخبار ذات صلة

إختلف العلماء في حكم صلاة الغائب ، فذهب البعض إلى أنها غير جائزة ، و أنها كانت من خصوصيات النبي صلى الله عليه و سلم ، و أجازها الجمهور ، ثم إختلفوا ، فحصره ... المزيد

**.. من المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة تغيرات للأصلح أو للأسوأ.. وبوسع من ابتلاهم الله بالولايات العامة للمسلمين أن تكون الأزمات والنوازل الحالية فرصة ... المزيد

في أعقاب حرب الخليج الأولي التي انتهت بتحرير الكويت وتدمير القوة العسكرية للعراق وفرض الحصار عليه، صدر كتاب عام 1992 بعنوان: "نحن رقم واحد: أين تقف أمري ... المزيد

لم تعجبني الدراسة المسلوقة التي قام بها أربعة من الشباب المصري بتركيا ونشرها المعهد المصري للدراسات هناك عن مبادرة الجماعة الإسلامية عام 1997.

المزيد

إن المتابع الواعي والمتدبر للأحداث في العالم العربي وإجراءات الأنظمة العربية لمكافحة وباء فيروس كورونا يدرك بكل وضوح بأنها خطط حرب وطوارئ لمواجهة التغ ... المزيد