البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

بين الشافعي والجصاص في تعريف البيان

المحتوي الرئيسي


بين الشافعي والجصاص في تعريف البيان
  • أبو قتادة الفلسطينى
    14/03/2019 10:11

كانت أول كلمة خطها الشافعي رحمه الله في كتابه "الرسالة" هي: البيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشد تاكيد بيان من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب. انتهى.

ومن قرأها علم مراد الشافعي من ذلك، وأنه رد التعارض المزعوم بين النصوص، وإن بدت في الظاهر غير متوافقة، لكنها في الحقيقة كذلك.

ومما أراده بيان تنوع مستوى الخطاب، وأنه أقوى وأضعف، وأن هذه المستويات مع تنوع مراتبها، لكنها متفقة في المعنى.

ثم قسم الشافعي أنواع البيان في الخطاب الإلهي والنبوي إلى خمسة، شرحها هناك، فارجع إليها إن أحببت.

كما أنه أفاد بهذا نوع الخطاب الشرعي، وأنه متعلق بالكلام العربي.

انتقد على الشافعي أمور، أهمها يتعلق بترك نوع الإجماع، فلم يأت به، مع ذكره للقياس؛ وقد رد على هذا الاعتراض جماعة من الأصوليين، انظرها في "البحر المحيط" للزركشي، فقد استوفى الكلام فيها عرضاً ورداً كعادته في هذا الكتاب الجامع العجيب.

كان من ردود المخالفين للشافعي الجصاص الحنفي، في كتابه الأصولي المشهور "الفصول في الأصول"، ورده في الجزء الثاني من الطبعة الكويتية، بتحقيق عجيل جاسم النشمي، وفي بداية الصفحات.

انتقاد الشافعي في تنوع البيان لا يعنيني هنا، ولكن أطال الجصاص الرد على الشافعي في التعريف، حيث قال:

- إنه بهذا التعريف "لم يبين ماهية البيان، ولا صفته، لأنه ذكر جملة مجهولة، فكان بمنزلة من قال: البيان اسم يشتمل على أشياء، ثم لا يبين تلك الأشياء ما هي.

وواضح من كلام الجصاص أنه يحاكم الشافعي على قواعد الحد والتعريف، وكأن الشافعي يتكلم في "الرسالة" مع من تعامل معهم الجصاص لما عرف البيان بقوله (٢/٦-٧): البيان إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلاً مما يلتبس به، ويشتبه من أجله، وأصله في اللغة القطع والفصل.

وهذا تعريف بالنسبة للعلماء حشو لا فائدة منه، وإنما هو جري على طريقة المناطقة في تفسير الماهية، وهو أمر لا يريده الشافعي، وليس في ذهنه، ولو فعله لوجدت ألف كاتب يقول: تأثر الشافعي من منطق اليونان؛ لأن أساس الحد بهذه الوجه هو وضع أجنبي عن تراث العربية.

وإنما وجه الشافعي في هذا العرض للبيان، هو تعريفه من وجه حصول الخلاف فيه؛ فلما استقر في القرآن أنه بيان، وأن ما جاء به الرسول هو بيان، من قوله تعالى (هذا بيان للناس) وقوله تعالى (لتبيننه للناس) وقوله (لتبين)، أراد أن يشرح وجه هذا البيان، وعلى أي وجه وقع، لا شرحاً لكلمة البيان كما يطلب الجصاص.

فالجواب الذي أراده الشافعي: طرق البيان، ومراتبها، وتنوعها، ورد زعم التعارض فيها.

وهذا الجواب من الشافعي على هذا الوجه إنما هو دخول سريع لمعالجة مشكلة الخصومات الفقهية، والتي طلب منه بيان أصول العلم التي تحقق الفهم عن الله، وبها يمكن إفهام الراد للنص خطأ رده، حين يزعم أنه رده لمخالفته لنص آخر، أو لرده لمخالفته لأصول عنده، أو لرده من أجل خلاف قواعد العقل، وهذا شيء قاله معاصروه، وعلى وفقه حصل الافتراق.

فتعريف البيان من خلال فائدته في نقض الخلاف تعريف عربي، بل وعقلي ضروري؛ لأن البيان نفسه دليل، والدليل وجه استخدامه عند الخلاف بيان وجه الاستدلال به.. وهو ما فعله الشافعي في هذا الباب.

 

طلب الجصاص بيان معنى البيان من خلال ماهيته طلب غير مقبول، لأن هذا وجه لا يختلف فيه أهل العربية، ولذلك لم يزد الجصاص بالنسبة لأهل العربية في تعريف البيان إلا أنه حمل الماء إلى هجر، وهذا مستنكر.

ثم إن من الماهية بيان صور الشيء في نفسه، وكيف يتعامل معه الناظر.

ثم لما واصل الجصاص الرد على الشافعي، ذكر أن هذا التعريف لا يختص به البيان، وأن وجود أصل وفرع، لا اختلاف في حقيقتهما يخرج هذا المعنى التعريف عن حقيقة الحد، والذي من ميزاته التمييز والاختصاص.

وهذا غير مقبول من الجصاص؛ فإن الشافعي لم يرد هذا الكلام إلا مدخلا لرد التعارض، والمعارض يزعم وجود التعارض، وبه رد كثيراً من النصوص، وهي تهمة وجهت لفقهاء في عصر الشافعي، ومن رأى مناظرات الشافعي رأى أغلبها في المسائل يدور حول هذه القضية، فكان لا بد من تعليم المخالف أصل هذه القضية، ثم شرح أفرادها.

ثم إن البيان إظهار لما في النفس، وتحميل الألفاظ معاني القلوب، وهذا بالنسبة للخلق يقع فيه الإشكال، من جهة المعاني أصحيحة أم لا، ومن جهة اللفظ كذلك، ثم إن وقعت على وجه مختلف من الأزمنة فلربما وقع فيها التبديل والتغيير، ومن حق المناصر لبيان الله ورسوله رد هذا، ابتداءً بالعنوان، ثم دخولاً في التفاصيل، وهذا ما صنعه الشافعي تماماً.

الجصاص في رده على الشافعي لم يوفق، ولم يصب.

أما زعم من زعم بأن الشافعي لم يذكر الإجماع في البيان؛ فهذا خطأ على الشافعي من هؤلاء، وذلك لأنهم لم يفهموا وجه كلامه في معنى البيان، ذلك لأن الحديث يدور حول (الكلام) وطرق إبانته عن مراد الله ورسوله، والإجماع ليس كذلك، بل هو نتيجة لما وراء ذلك، ولا يطعن في هذا أن القياس كذلك، ذلك لأن القياس من (عقلنة الكلام) كما يقول الأصوليون، فالكلام يستفاد منه المعنى إما بعبارته، وإما بمعقوليته، والقياس هو معقول الخطاب.

والحمد لله رب العالمين.

 

أخبار ذات صلة

في وقتٍ مضى قبل عشرينَ عاماً أو تزيد كنتُ ومجموعةٌ من الرفاق نجتمعُ كلّ يومٍ تقريباً تحضننا أروقةُ غرفةٍ في أطرافِ المسجدٍ يسمّونها ( مكتبة ) تقع تحت ... المزيد

أول حملة صليبية وصلت إلى بلاد الشام كانت سنة٤٩٢ للهجرة، وقد وصفت بأنها لم تجابه حرباً حقيقية أمامها، بل وجدت الخراب يسبقها، والناس يفرغون المدن أمام ... المزيد

انتهيت في المرة السابقة عند الحديث عن تجربتين لعمل مشروع حزب سياسي للإخوان بالرغم من إحساسنا بأن المجموعة المتنفِّذة في الجماعة لم تكن راغبة في ذلك ... المزيد

لعلها مفارقة طريفة أن تنجب قرية نجريج مركز بسيون محافظة الغربية اثنين من المشاهير؛ الأول الشيخ محمد عياد الطنطاوي المولود في أوائل القرن التاسع عشر ... المزيد