البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

بين الإمام البخاري والنصاب ( 2 ) [استعراضٌ فوقَ جثّة العلم الهامدة]

المحتوي الرئيسي


بين الإمام البخاري والنصاب ( 2 ) [استعراضٌ فوقَ جثّة العلم الهامدة]
  • الغازي محمد والحسن البخاري
    19/09/2017 05:59

تنبيه : هذا المقال هو المقال الثاني في السلسلة, ولن يستفيد القارئ منه استفادةً كاملةً ما لم يطّلع قبله على المقال الأول, ورابطه في أول تعليق.

---------------------------------

بسم الله الحقّ

(1)

[ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعض] :

لو أن للإنسان واديَيْن من الحماقة لأراد أن يكون له ثالث!

تلك هي القاعدة التي يعمل بها ملحدنا في الحياة ..

يقول ملحدنا عن الإمام البخاري :

"وفضل يسافر لمدة 16 سنة جمّع فيهم 600 ألف حديث وفي النهاية : كذّب منهم 593 ألف حديث وما سابش غير حوالي 7 تلاف وخمسمية ، وقال أن دول بس هما الصادقين وعمل بيهم كتاب صحيح البخاري دا

أولًا : لو ركزت ع النقطة دي بس هتفهم قد إيه العصر دا كان عصر كذب وتأليف وفبركة ، 600 ألف حديث ما طلعش منهم غير بسبعتلاف وخمسمية حديث دا يعني أن حوالي 99% من الأحاديث اللي اتقالت عن محمد كانت كذب ، دا يعني - theoretically - أنه من بين 100 شخص مسلم ، كان فيه واحد بس صادق ، ودا لوحده كفيل أنه يخليك تشك في الواحد المتبقي ، يخليك تشك في البخاري نفسه"

بوم بوم بوم .. انتهت الفرقعة !

وكتمهيد لحل تلك الكوارث العلميّة في هذا الجزء من الهراء, نودّ التنبيه على اللهجة المستنكرة التي نطق بها ملحدنا رقم "600 ألف حديث" -ولأنه سبق واستنكر إمكانية جمعِ ما هو أقل من هذا العدد- وكأنه شيء مستحيل وضربٌ من الخيال . .

ويبدو لنا هنا أن قناعته قد طوّفت برأسه حتى ترسّخت, فظنّ أن البخاري كان في بيئة صحراوية بالفعل، وأنه كان يبحث بين الحشائش والصخور عن الأحاديث, وبالتالي كيف تمكن البخاري من أن يجمع 600 ألف حديث دفعة واحدة من بين الحشائش الصحراوية ومن جحور العقارب المهجورة؟!

 

سؤال منطقي يا أستاذ ملحد، لكن في حالة واحدة فقط! : "عند الحاجّة" -بصوتك الأكروباتي المطرب-

أما الحقيقة التي لا يشك فيها العقلاء ؛ أن البخاري لم يكن يبحث عن الأحاديث بين الحشائش ووسط القفار، لكن حركة تجميع الحديث, ثم تدوينه وطلبه سبقت البخاري نفسه، بل سبقت نطفة الإمام البخاري، فقبل أن يأتي البخاري إلى الدنيا كتب الإمام العظيم : مالك ابن أنس كتابًا جمع فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمه الموطأ ، والإمام مالك -إن كنت لا تعلم يا مستر ملحد- كان معاصرًا للتابعين, أدركهم وأخذ منهم، أي قبل أن يأتي البخاري إلى الدنيا بسنين! (مات مالك 179 هـ وولد البخاري 194 هـ)

ثم إنه قبل أن يكتب البخاري كتابه أصلًا ، كان الإمام أحمد بن حنبل قد جمع كتابًا ضخمًا في الأحاديث اسمه: المُسند.

وعديدٌ الكتب التي دوّنت في الحديث وألّفت قبل البخاري, مما يدلّ على أن الأحاديث في تلك المرحلة كانت قدّ جمّعت ولم تعد متناثرة مبعثرة بحيث لا يقدر البخاري على سماع أكثر من 10 أحاديث في اليوم كما زعم ملحدنا الذكيّ حيث رددنا عليه في المقال السابق.

أمرٌ آخر : أن تعداد الأحاديث لم يكن بحسب النصوص, بل بحسب الرواة, فلو أن نفس الحديث رواه راويان = عدّه العلماء حديثين, هكذا اصطلحوا واتفقوا على التعداد في ذلك الزمن.

مثلًا :

حديث "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"

رواه البخاري في كتاب العلم عن أنس وعن علي بن أبي طالب وعن أبي هريرة وعن الزبير بن العوام وعن سلمة رضي الله عنهم جميعًا .

ثم عدّهم خمسة أحاديث مختلفة رغم أن الاختلاف بينها في ألفاظ قليلة, وأرقام تلك الأحاديث هي (106, 107, 108, 109 , 110) في صحيح البخاري.

هكذا تعدّ الأحاديث عند العلماء, بحسب مَن سمع لا بحسب الكلام, وما أكثر مَن يسمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وما أكثر من يسمع ممن سمع من النبي صلى الله عليه وسلم, فتكثر الأسانيد وتتعدد وبالتالي تكثر الأحاديث بتلك الطريقة في العدّ.

فهمتم يا معاشر العقلاء كيف يستغفلكم إنسان بلغ به السخف مبلغه ويتسائل : كيف ومن أين أتى البخاري بكل هذه الأحاديث؟

لم يكن شيئًا استثنائيًا، ولم يخترعه البخاري من عند نفسه، لقد كانت هذه هي سمة عصره : جمع الأحاديث، فكانت كل حواضر المسلمين العلمية فيها مجالس تحديث تسرد فيها آلاف الأحاديث يوميًا، فهذا مجلس ابن حنبل، وهذا مجلس علي بن المديني، وهذا مجلس يحيى بن معين، ثم بعدهم البخاري ومسلم وأبي دوود والنسائي, وكل هؤلاء يروون بالسند المتصل عن رسول الله .. ليس شيئًا معجزًا! ، بل إن صحيح البخاري نفسه لم ينفرد بحديث واحد غير موجود في غيره من كتب الحديث! ، يعني أن كل أحاديث البخاري = موجودة عند شخص مختلف من نفس الحقبة أو من حقبة سابقة أو لاحقة . . ليس البخاري هو الوحيد بين المسلمين!

كلام ملحدنا يشبه أن يتساءل رجل : كيف كتب رئيس التحرير في الجارديان عشرة آلاف خبر في أسبوع واحد؟ أيعقل أنه جمّع كلّ تلك الأخبار بنفسه؟ ثم يمسك بالآلة الحاسبة ويبدأ في حساباته التافهة متناسيًا أن هنالك من سبقه بتجميعها بالفعل, وإنما أخذها جاهزةً بطريقة سرديّة لا تحتاج أكثر من يومٍ لسماعها كلها.

ثم ؛

هل رأيت ما يمكن أن يحدث عندما يتكلم بائع القصب في العلوم الكونية؟

هو بالضبط ما يحدث عندما يتكلم شريف جابر في علوم الحديث!

ماذا فعل ملحدنا هنا؟

يقول :

"وفضل يسافر لمدة 16 سنة جمّع فيهم 600 ألف حديث وفي النهاية : كذّب منهم 593 ألف حديث وما سابش غير حوالي 7 تلاف وخمسمية ، وقال أن دول بس هما الصادقين وعمل بيهم كتاب صحيح البخاري دا"

لقد افترض افتراضًا عبقريًا : ما وضعه البخاري في كتابه (الجامع الصحيح) هو فقط الصحيح من الأحاديث ، وباقي المرويات كلها كذب محض . .

يا سادة! صدقوني .. أنا الآن أصفق بحرارة، لقد اخترع شريف علمًا جديدًا اسمه : "علم الحديث الحلمنتيشي" فهنئوه وباركوا له وللبشرية!

كل علماء الحديث، كل مؤلفات كتب مصطلح الحديث ؛ ليس فيها تعريف الحديث الصحيح بأنه : "ما وضعه البخاري في كتابه"

لم يقل أحدٌ قطٌ من الجن والإنس أن شرط البخاري لاعتبار الحديث صحيحًا أن يكون في كتابه، ولا قال البخاري أبدًا أن ما لم يدخله في كتابه يعني أنه يراه حديثا ضعيفا.

لكن شريف أراد ذلك! ، فلنحرق كتبنا جميعًا، ولنغلق بوابة العلم من أساسه, ولتذهب عقولنا ومناهج البحث الموضوعي إلى الجحيم .

خلط ملحدنا بين قولك "كل ما في كتابي من أحاديث هي أحاديث صحيحة" وقولك "كل الأحاديث الصحيحة في كتابي"

ألم يطرُق سمع ملحدنا يومًا كتابٌ بعنوان "صحيح فلان" صحيح مسلم مثلًا! - وهذا كتاب يعرفه طفل الابتدائية بالمناسبة-

أقال قائلٌ في التاريخ, أو قال البخاري نفسه : ماليس في كتابي فهو ضعيف ؟

من أين أتى ملحدنا بهذا الكلام الذي لم يقل به إنسٌ ولا جان ؟

أسمع معترضًا يقول : كيف تزعم أنه لم يقله أحدٌ من الإنس ، وقد قاله به شريف جابر.

فأقول : شريف ليس من الإنس ، ولا من الجن, وإنما سيأتي بيان فصيلته أثناء هذا المقال إن شاء الله.

لكن دعونا نتنزل مع هذا الشيء الذي نرد على كلامه، ونفترض أنه بالفعل ليس هناك أحاديث صحيحة إلا في البخاري فقط وباقي الأحاديث ضعيفة, دعونا نلقي عقولنا في القمامة لمدة عشر دقائق ونقتنع مع ملحدنا بتلك الفرضية المخترعة ..

دعونا نتنزّل معه لنجده يرتكب هذه المرة جناية بحق علوم الحديث من جديد !! ..

لماذا؟

لأنه ما من أحد قال أن الحديث الضعيف = أنه مكذوب هكذا بإطلاق ، لا من الجن ولا من الإنس أيضًا!

معنى قولنا : الحديث ضعيف = أننا لم نجد دليلًا قويًّا على صحّة نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم.

لكن من المهم هنا الانتباه أن ذلك لا يعني بالضرورة أننا لم نجد دليلًا على كذب نسبته له!

كل ما في الأمر أننا لسنا متأكدين من أنه قاله, فبالتالي لن نجزم بنسبته له, لكننا أيضًا لم نتأكد بعدُ من أنه لم يقُله فبالتالي لا يمكننا أن نقول أنه كذب.

وهذا يترتب عليه أحكامٌ فقهية ليس هنا محلّ بسطها.

أما الحديث الذي معنا دليلٌ على أنه كذب فاسمه "الحديث الموضوع"

انتبه الآن وراجع معنا كيف انتهك الملحد العلم انتهاكًا :

أولًا : زعَم ملحدنا أن البخاري إذا لم يُدخل حديثًا في صحيحه فهذا يعني أنه حكم عليه بالضّعف : وهذا جهل وخطأ, ولم يقله البخاري في حياته ولا قاله عالم واحد, إنما اهتم البخاري بجمع نوعٍ معيّن من الأحاديث الصحيحة, وترك آلاف الأحاديث الصحيحة الأخرى بدليل أنه وضعها في كتبٍ مختلفة له (وهذا ما سنعود إلى بسطه في آخر المقال)

ثانيًا : بعد هذا الاختراع اخترع اختراعًا آخر لا يعرفه علماء الحديث, وهو أن الحديث الضعيف = حديثٌ كاذب !

والحقيقة مختلفة عن ذلك, بدليل أن الفقهاء كالمتفقين على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال, يعني في إثبات فضلٍ خاص لبعض الأحكام الثابته, لا أن ننشئ حكمًا مستقلا عليه نقول فيه هذا حلال وهذا حرام بحديث ضعيف, لماذا؟ لأن مجرّد الضعف معناه أننا لا نملك دليلًا على صحّته .. لكن لا يعني بالضرورة أننا نملك دليلًا على كذبه.

هل انتهت المهزلة هنا ؟ لا! بل هناك مهزلة أكبر من أختيها, مهزلةُ المهازل التي استخفّ فيها بعقولنا وعقول المشاهدين كأننا صمّ بكمٌ عميٌ لا نعقل!

يقول : "لو ركزت في النقطة دي هتكتشف أنه كان عصر كذب وتأليف, 600 ألف حديث ما طلعش منهم غير بسبعتلاف وخمسمية حديث دا يعني أن حوالي 99% من الأحاديث اللي اتقالت عن محمد كانت كذب ، دا يعني - theoretically - أنه من بين 100 شخص مسلم ، كان فيه واحد بس صادق ، ودا لوحده كفيل أنه يخليك تشك في الواحد المتبقي ، يخليك تشك في البخاري نفسه"

وقبل الخوض في الكارثة نفسها نبيّن أنه مرة أخرى تتكرر نفس المغالطات المنهجية ، يا أيها الكافر بالله، دعني اسألك : هل رأيت نفسك وأنت تتكلم في أول الحلقة عن البخاري وتقول أنه كذاب؟ أمتأكد أنت؟

أظن أنك غير متأكد ، منذ 3 دقائق كنت تقول أن البخاري كذاب ، ثم بعد عدة دقائق فقط ، صدّقته ، لقد صدقته وليس فقط صدقته ، بل بنيت على كلامه حكمًا رائعًا جدًا حيث أصبح استدلالك بهذا الشكل :

- كان هذا العصر عصر تأليف واختلاق وكذب

لماذا؟ ، ما دليلك؟

- البخاري هو من قال ذلك!

أليس هذا البخاري نفسه هو الكذاب المختلق؟ ، أم أن كلامه في هذه الجزئية في غاية الصدق لأنه يخدم بحثك العظيم الأكاديمي الموضوعي ... الهكذا أشياء؟

قلت لك مرارًا : التناقض المنهجي قد يمر على الغافل مرة ، لكن ليست المرة الألف التي ستمر عليه!

لو كان هذا فقط لقلنا : حسنًا ، أن يخطيء ملحدنا خطأين منهجيين في دقيقة واحدة هو معدل ممتاز من شخص اعتدنا أن كل كلمة منه تكون أقرب إلى التراب ..

لكن إليكم الكارثة الاستدلالية .. إليكم الاستنتاج المنهجي الرائع، الذي أتى به من درج الخزانة في بدروم المطبخ ، حيث يقول أن : البخاري قال أن 7500 حديث فقط هم الأحاديث الصحيحة من 600 ألف حديث كذب (وهو ما أكدنا على خطئه منذ قليل لكننا تنزّلنا معه) فإن هذا يعني أن 99% من الأحاديث المنقولة عن محمد = كذب ، ثم ماذا يا مستر ملحد؟ ها .. أتحفنا؟

وإذن : 99% من المسلمين كذابين .. (تكبييير!)

طبعًا اعتدنا من شريف أن يغتصب علم الإحصاء مرّات ، لكن هذه المرة ربما أعدمه أو قتله!!

سأقوم بحسبة مشابهة لطيفة فانظروا :

90% من أخبار الجرائد المصرية كذب

إذًا : 1 من كل 10 من المصريين فقط هو الصادق، وهذا يجعلك تشك في الواحد الباقي، فإذن : كل المصريين كذابين أو يؤول كلامهم إلى الكذب ..

ما رأيكم؟ ، شيء عظيم ، إحصائية مذهلة ، تكتبها في ورقة لتعبئ فيها الترمس ، لكن أن تخاطب بها العقلاء ويصدقونك؟ ضرب من الخيال أو الجنون أو كليهما -وهو المرجح عندي-

بافتراض أنه فعلًا هناك 7500 حديث هم فقط الصحيح والباقي كذب ، ما علاقة هذا بعموم المسلمين؟ ما هذا الاستدلال القاتل العظيم؟ ألا يستطيع 100 كاذب أن يخترعوا كل تلك الأحاديث الكاذبة من بين ملايين المسلمين ؟

فكيف وأن تلك الأحاديث ليست كلها ضعيفة أصلا؟ ثم كيف وأنها لو كانت كلها ضعيفة فليس كل الضعيف كذب من الأساس؟ ثم مالك تحاول أن تمتطي عقولنا كأنها خيل أو بغال أو حمير لتركبها وزينة!

ثم بافتراض أن البخاري قدر على استخلاص 7500 من بين 600 ألف ، أليس هذا دليل مهارة عملاقة جبّارة؟؟ ، الرجل القادر على ملاحظة الكذب في مئات آلاف الأحاديث هو رجل خارق يستحق كل إعجاب وتقدير ، إذ أنه - كما يبدو - يمتلك قدرة نقدية نظرية عظيمة! ، جعلته قادرًا على تمييز كل هذا الكذب!

أليس هذا هو المنطق يا عباد الله؟ ، نعم والله هو!

لكن المنطق وملحدنا: دونت ميكس!

إذا أن ملحدنا اعتبرها - على عكس عقلاء العالم - دليلًا على أن البخاري كاذب لا صادق!

هذا إن تغاضينا عن الخطأ المنهجي نفسه -وقد توقفت عن عد المرّات التي وقع فيها فيه لكثرتها- إذ يقول : أن كلام البخاري يعني أن 99% من الأحاديث اللي مروية عن محمد كاذبة .. فصدّقه هنا وبنى حكمًا على كلامه، ثم هو نفس البخاري يكون كاذبًا.

هناك 3 احتمالات لحصول شيء هذا : البخاري صادق - البخاري كاذب - شريف جابر مجنون .. فقط!

أما العاقل فلا يقدر على التعايش مع مثل هذا التناقض الفجّ.

-----------------------------

(2)

[قردٌ وآلةٌ حاسبة] :

إن مما أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت

اصنع ما شئت من الكذبات, من الإحصائيات الخاطئة, من الحلقات المنتفخة بالكذب والجهل والمغالطة, ثم ألقها لقطيعٍ تحسبهم أيقاظًا وهم رقود, وقلّب قلوبهم ذات اليمين وذات الشمال !

بعدما عاث ملحدنا في علم الإحصاء فسادًا وإفسادا قرّر العودة إليه مرّة أخرى ليعاود الانتقام من جثّته, أتُرى واضع علم الإحصاء أكل ميراث أبيه ؟ ربّما !

وقبل أن أتّجه لما قاله الملحد أقدّم مقدمةً بسيطة جدا عن علمٍ مهمٍ من علوم الحديث اسمه علم "الرجال" أو "علم الجرح والتعديل"

وهذا العلم مهمّته معرفة أحوال رواة الحديث.

فمثلا : أول حديث في صحيح البخاري :

"حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ . . . "

الآن الحديث له سنَد, هذا السند هو :

الحميدي سمع من سفيان أنه سمع من يحيى أنه سمع من محمد أنه سمع من علقمة أنه سمع من عمر بن الخطاب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال كذا.

وهنا يأتي علمُ الجرح والتعديل ليبحث في أحوال "الحميدي" و "يحيى" و "محمد" و "علقمة" هل هم ثقات يمكن أن نصدّقهم أم لا ؟

ولتعلّم قساوة تلك الشروط التي وضعها أصحاب ذلك العلم ؛ إعلم أن الراوي لو ثبت كذبه مرّة في حياته = تُركَ حديثه.

ولو ثبت أنه ضعيف الذاكرة = تُرك حديثه.

ولو ثبت أنه كتب الأحاديث بخط سيء ولما عاد لها بعد فترة صار يُخطئ في قراءة خطّه = تُرك حديثه الذي قرأه من خطه.

ولو ثبت أنه كتب الأحاديث ونظره قوي, وعندما حدّث كان قد كبُر في السّن وضعف بصره فصار يخطئ في القراءة = تُرك حديثه الذي يقرأ منه.

ولو علم الوَلَد أن أباه المحدّث صار يخلط بين الأحاديث ويخطئ = منعه من التحديث فإن امتنع وإلا حبسه رغما عنه في البيت لئلا يحدّث.

بل إن البعض تشدّد وتطرّف جدا ليزيد من دقّة الوصول لحديث النبي صلى الله عليه وسلم, فالبخاري نفسُه كان شرطه في صحيحة أن لا يقبل رواية رجلٍ عن رجلٍ لمجرّد أنه تأكّد من أنهما ثقتين وتأكد أنهما كانا متعاصرين, بل يجب أن يتأكد أنهما التقيا, حتّى إذا قال الأول سمعتُ فلانا يقول = كان البخاري متأكدًا من أنه التقى به, رغم أنه متأكد قبل ذلك من صدقه وقوة حفظه

بتلك النفسية القريبة من الوَسوَسة في الصدق والكذب كان علماء الجرح والتعديل يضيّقون الخناق على الرواة ليتأكدوا من صدقهم التّام, وورعهم التام, وحفظهم القوي, وصحّة قراءتهم من المكتوب عندهم, ويتتبعونهم في مروياتهم ليروا أيكذبون أم يصدقون, بل ويعقدون لهم الاختبارات في الحفظ فيأتون مثلا بـ 100 حديث عشوائيًا من بين الأحاديث يخلطون أسانيدها بمتونها ويكون على الراوي أن يعرفها أولا ثم يرتّبها الترتيب الصحيح, والبخاري نفسه قد خضع لكثير من تلك الاختبارات حتّى يثبت كفاءته في الحفظ والصدق وسعة الاطلاع والعلم, وليأخذ ختم "الثّقة"

ولتعلم إلى أي مدى كان يبلُغ هذا العلم من الأهمية والدقة وكان يبلغ علماؤه من الأمانة والصدق دعني أخبرك أن أحد كبار علمائه وهو الإمام "علي بن المديني" سُئل عن أبيه من حيث الاعتماد عليه في الرواية، فقال: اسألوا غيري، فقالوا : سألناك، فأطرَقَ ثم رفع رأسه وقال : " هذا هو الدين، أبي ضعيف."

هذا النوع من العلم استهلك قبل البخاري قرنا أو قرنين من المتخصصين فيه, من أول قول ابن عباسٍ رضي الله عنه للرواة : سمّوا لنا رجالكم .

بل ومن قبله أبو بكر رضي الله عنه طلب من صحابي يروي حديثًا أن يأتي بواحدٍ معه ليكونا شاهدين, وعمر, وغيرهما .. وامتد هذا النّسق العلمي المتين من التيقّن من الرواة والسند والأخبار حتى ازدهر في عصر البخاري وصار من العلوم المستقرة المنتشرة المشهورة, ولها فحولٌ كبار متخصصين مثل يحيى بن معين وعلي بن المديني ومن قبلهما عبدالله بن المبارك وسفيان بن عيينة

فمعروف أن فلانا الراوي كاذب لا يؤخذ حديثٌ منه لأن فلانا وفلانا وفلانا جربوا عليه الكذب يوم كذا وكذا في حديث كذا وكذا

ومعروف أن فلانا الراوي صادقٌ ثقة لأنه يوم كذا عُقد له الاختبار الفلاني في المكان الفلاني بالطريقة الفلانية وأثبت قوة ذاكرته وأنه يحفظ الحديث كاسمه, ولأنه صادق معروف بالعبادة والخوف من الله.

وفي تلك البيئة أتى البخاري, وعليها نشأ, وفي حلقاتها العلميّة كبُرَ وتعلّم ونبغ, حتّى أنه بدأ في سنٍ مبكّرٍ بمناقشة شيوخه في تصحيح الإسناد وتصحيح الرجال وتضعيفهم وكان يُثبت كفاءةً وعلمًا.

فهِمنا المعنى العام لعلم الجرح والتعديل.. وقصّته.. ومهمّته.. وكيف كان منتشرًا على عهد البخاري ؟

نعود لملحدنا العلّامة وهو يتقافز فوق الأشجار يلتقط الثمّار ويصفق (أووو أوو أووو)

يقول نصًا :

"البخاري قال أنه عشان يتأكد من مصداقية كل حديث كان بيسأل واحد واتنين وتلاتة وبيسمع من دوّت ودوّت وبيتحرى من مصداقية أي واحد ييجي يقول له حديث عند أهله وجيرانه عشان يعرف يعني إذا كان الشخص دا صادق في حياته العامة وللا لأ ، البخاري بالدقة اللي وصف بيها إزاي كان بيجمع كل حديث دي يديك فكرة عن أي حديث كان ممكن يفضل فيه مثلًا : شهر عشان يتأكد منه ، لكن لغرض التبسيط على عمّو البخاري ، هنفترض أنه كان بيسمع حديث = كل ساعة مثلًا

وبيتأكد من مصداقية نفس الحديث مش أسبوع ولا في شهر بل في نفس الساعة

ولو قلنا إن البخاري مثلا كان بينام وياكل ويشرب ويخرج وييجي قول في 10 ساعات في اليوم وما بيعملش حاجة تانية طبعا في حياته خالص غير إنه بيسمع أحاديث غيره قالها, ده يعني إنه بيسمع ويتأكد من مصداقية 14 حديث يوميًا

إذا 600 ألف حديث هتقسمهم على 14 حديث في اليوم يعني يقعد 40 ألف يوم وهو قال إنه عمل الكتاب دوّت في 16 سنة بس "

انتهى الجزء الأول من فقرة القرد والقرداتي (!!)

ونلخّص ذلك التلوّث العلمي في نقاط واضحة ليتضح الرد بعد ذلك.

1- يفترض أن البخاري كان يحتاجُ شهرًا ليتأكّد من صحّة الحديث, حيث أنه سيحتاج للتأكد من تفاصيل الرواة وحياتهم وصدقهم وكذبهم .. الخ

2- يبسّط الموضوع فيفترض أن البخاري كان يحتاج ساعة لـ "سماع" الحديث.

3- يفترض أن البخاري كان يحتاج ساعة أخرى لـ "التأكد من مصداقية" الحديث.

4- يفترض أن البخاري كان يشتغل بالحديث لمدة 14 ساعة يوميًا, بالتالي سيسمع ويتأكد من صحة 14 حديث في اليوم.

5- الآن مع علم الإحصاء المهتوك عرضه : 600 ألف على 14 = 40 ألف يوم

6- الآن مرحلة الاستغراب العبقرية : كيف ذلك وهو يقول أنه أتمّ كتابه في 16 عام فقط ؟! (بالمناسبة : 16 عام ميلادي يعني قرابة 5850 يوم فقط!)

هذا بالضّبط ما يحدث حينما يُمسك أحد القرود بآلةٍ حاسبة ليضع ميزانية دولة . . لكن ما الذي حدث ؟!

في النقطة (1) :

يفترض أن البخاري كان يحتاج شهرًا ليتأكد من صحّة كلّ حديث

وهذا الافتراض مبني على أوهام كلها خاطئة, كلها سخيفة, كلها مضحكة.

الوهم الأول : أن البخاري لمّا بدأ تأليف كتابه كانت معلوماته عن الرواة = صفر, بالتالي فهو سيبدأ بمعرفة حال كلّ راوٍ من البداية خلال تلك الفترة (16 عام) , وهذا خطأ وخبل

فالبخاري له كتابٌ مستقلٌ عن أحوال الرواة اسمه التاريخ الكبير (9 مجلدات) ألفه قبل تأليفه الصحيح, وكان من علماء الجرح والتعديل الكبار الذين يُرجع لهم في توثيق وتضعيف الرواة قبل تأليفه كتاب الصحيح.

وذلك الوهم وإن كان وهمًا سخيفًا -لأن البخاري لمّا بدأ في كتابة صحيحه كان قد نضج في علوم الحديث نضجًا تامًا, بل وصار له نظرٌ خاصٌ في الرواية يعارض به أساتذته ويناقشهم, فلن يحتاج لبحث أحوال كثير من الرواة خلال تلك الفترة لأنه سبق وتعلّم أحوالهم وتلقّاها من أساتذته الذين أنفقوا أعمارهم في هذا العلم, ثم ألف فيها كتابا ضخما- ؛ إلا أن سخف ذلك الوهم لا يساوي شيئًا بالنسبة لسخف الوهم التالي.

الوهم الثاني : أن البخاري سيتأكد من حال الراوي كلّ مرة في كلّ حديثٍ يرويه.

مثلًا جاءك رجلٌ اسمه محمد يقول لك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا

فقلتَ له : يجب أن أتأكد من حالك, وبحثت عن حاله شهرًا حتّى تأكدت من صدقه, فقبلت الحديث.

ثم روى هذا الرجل حديثًا آخر, ملحدنا يريد أن يقنعك أن البخاري هنا سيتأكد من حاله مرّة أخرى, مثلًا تخيّل البخاري يقول له : معذرة إحنا حبايب آه, لكنني تأكدت من حالك وأنك ثقة في الحديث السابق وليس هنا, اسمحلي أن أعاود سؤال جيرانك عنك لأجل هذا الحديث.

ثم لو حدّثه الراوي بألف حديث عاد البخاري لسؤال الجيران ألف مرّة لكلّ حديثٍ مرّة, واستغرق ألف شهرٍ

أعلمتَ لماذا ينبغي أن نأخذ الآلة الحاسبة من القرد ونعطيه موزة لننقذ تلك الدولة التي يضع لها ميزانيتها ؟!

فاعلم إذن أن شيوخ البخاري المباشرين الذين أخذ عنهم الحديث قرابة الـ 1080 شيخًا, كثيرٌ منهم من مشاهير المحدّثين الذين لم يكن البخاري يحتاج إلى أكثر من سؤال أهل الفنّ عنهم ليعرف الاختبارات التي مرّوا بها وكيف أنهم ثقات, وبعضهم احتاج البخاري ليخبر وثوقيتهم بنفسه.

وكثير منهم تأكد البخاري منه ومن حاله ووثوقيته في مرحلة التعلّم ومرحلة الطلب قبل بدئه في الكتاب أصلا.

ولأبسّط عليك الأمر تخيّل أنني نثرت بين يديك الآن 1080 اسم لاعب كرة وقلت لك تأكد من احترافيتهم في اللعبة من خلال سؤال المدربين عنهم وزملائهم اللاعبين ودون الاستعانة بمقاطع الفيديو, وإن لم تجد أخبارا كافية عنهم من المدربين واللاعبين فاختبر لعبهم بنفسك, وصار هذا الأمرُ همّ حياتك لسنوات .. هل هذا عملٌ مستحيل ؟ هل هو عملٌ خرافيّ ؟ هل هو خارج طوقِ البشر ؟ اللهم لا .. إلا لو تركنا القرد يحسبها لنا بآلته.

والأحكام على هؤلاء جميعًا وعلى شيوخهم وشيوخهم حتّى التابعين = كانت مبذولة لطلاب علوم الحديث, لأنها نتيجة قرن من الزمان جمع فيه علماء الجرح والتعديل المواقف والأخبار عن كل أولئك الرواة وحكموا على وثوقيتهم حتى ألقوا ذلك جميعا بين يدي الطلبة في عصر البخاري رحمه الله كما سبق وشرحت لك في المقدمة.

في النّقطة (2)

يفترض أن البخاري كان يحتاجُ ساعةً لسماع الحديث

معاشر العقلاء, يا من لديكم غيرة عن على عقولكم, يا من تنتفضون إذا حاول أحدٌ أن يعاملكم كقطيع من الحمقى .. انظروا في أقرب ساعةٍ لكم.

نظرتم ؟ الآن اقرأوا :

"حدّثنا يحيى بن سعيد القرشي, قال حدثنا أبو بردة بن عبدالله بن أبي بردة, عن أبي بردة, عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قالوا يا رسول الله أيُّ الإسلام أفضل قال مَن سلم المسلمون من لسانه ويده"

هذا سمعه البخاري في ساعةٍ كاملة في رأي المُلحد العبقريّ (حد ياخد أم الآلة الحاسبة من إيد الواد ده يا جماعة!)

في النقطة (3)

يفترض أن البخاري كان يحتاج ساعة أخرى للتأكد من مصداقية الحديث (لاحظ أنه مشكورا تنازل عن الشهر .. مَن أخذ الآلة الحاسبة من يده؟)

وهنا سنكرر ما قلناه في النقطة (1)

لا يحتاج لكل ذلك, بل يحتاج في سنوات طلب علم الحديث -والتي كانت قبل بدئه في الكتاب أصلا- أن يعرف أخبار الرواة وأحوالهم من العلماء المتخصصين في علم الجرح والتعديل, ويبحث بنفسه عن أحوال الرواة المعاصرين الذين لم تبلغه أخبارهم, وهذا الأمر في طوق البشر بلا أي مشكلة, وعلماء الجرح والتعديل إلى يومنا هذا يفعلونه ويحفظون أحوال الرجال, وإذا سألتهم عن رجلٍ من الرواة سردوا لك حياته ومواقفه وولادته ووفاته ومَن قال أنه صادق ومن شكك في ذلك ..الخ

فهو أمرٌ مشاهَد إلى يومنا منتشر بين علماء الحديث في بقاع الأرض, نقدر على معاينته بسهولة, والتشكيك فيه نوعٌ من الخَبَل.

وبعد تلك السنوات لا عليه سوى أن يرى الإسناد ( زيد عن عمرو عن أحمد عن محمود) فيعرف أن أحمد هذا كذّاب, وفي الموقف الفلاني كذب وقال كذا كذا, وهذا تعلّمه خلال سنوات طلب علوم الحديث قبل البدء في كتابه, ففي لحظاتٍ قليلة يردّ الحديث لأن فيه رجل كذّاب, وانتهت الأزمة.

وسند آخر يعرف كل رجاله ويعرف صدقهم مما تعلمه سابقًا فيدقق فيه حتى يطمئن لصحة السند.

وسند ثالث فيه رجلٌ لم يسمع عنه مسبقًا, وهذا هو الأقل عددًا, والذي سيستغرق منه وقتًا حتّى يجمع أخباره, فمثلًا إن كان البخاري في مكة ومعه 10 رواة مجاهيل, ممكنٌ أن يسافر إلى الشام فيجد أخبار 3 منهم هناك, ويظهر له مجهولان آخران من الأحاديث التي جاء بها من الشام, وهكذا يجمع الأخبار والأحاديث, لمدّة 16 عشر عاما واصلًا الليل بالنهار حتّى يتمّ عمله.

وأيضًا كثيرا ما تتكرر الأسانيد بالمئات, بل وبالآلاف, فتخيّل إسنادا مرّ عليك 200 مرة, كم تحتاج من الوقت للحكم فيه؟

الآن عُد لقردنا بآلته الحاسبة, ساعةٌ لكل إسناد (اضرب في 600 ألف سند! = 600 ألف ساعة) يا للجمال والعبقرية !

في النقطة (5,4)

بدأت عبقريته تؤتي ثمارها (موز وسوداني)

بما أن لكل حديث ساعة كاملة مكمّلة لا تقل عن ذلك, لأن البخاري في كلّ حديث سيبحث عن صدق الراوي من جديد حتى لو تكرر نفس الراوي ألف مرّة, ولأن البخاري بدأ في تأليف الكتاب وهو لا يعرف راوٍ واحد, ولأن 600 ألف حديث = 600 ألف تكرار لنفس العملية رغم تكرار الأسانيد آلاف المرات, ولأنه يفترض أننا قطيع من الخراف المجنونة نشاهد حلقته ؛

لماذا إذًا لا يقول أن البخاري يعمل 14 ساعة في اليوم, يعني 14 حديث في اليوم, بالتالي نقسم الـ600 ألف حديث على 14

فيكون الناتج = 40 ألف يوم. (تصفيق حارّ يا جماعة!!)

والآن مرحلة الاستغراب (6)

كيفَ يقول البخاري أنه وضع كتابه في 16 عام بعد تلك الإحصائية المحكمة, الذكيّة, العبقرية, الجبّارة .. كيف يا جماعة ؟!

وينتقل من تلك النّقطة ولتذهب عقولنا, ومراراتنا, وعلم الإحصاء, وعلم الحديث, وعلم الرجال لقاع الجحيم.

ثم يقول -بالنّص- خاتمًا تلك الفقرة من عروض السيرك :

"دا غير إنه ما كانش مخصص الـ16 سنة دول عشان كتابه بس , لا دا وهو معدي كده بالمرة ألف 18 كتاب كلهم بنفس حجم البخاري دوّت وأكبر منه كمان"

وقبل الرد على هذا العكّ نبيّن هنا كذبة صريحة, وهي قوله "كلهم بنفس حجم البخاري وأكبر منه"

فطالب العلم المبتدئ يعرف أن كتاب الأدب المفرد أصغر من صحيح البخاري بكثير, وأن كتاب خلق أفعال العباد أصغر من الصحيح بكثير, وأن كتاب برّ الوالدين أصغر من الصحيح بكثير .. وهكذا .

فكما ترى دائمًا ما ينتهك ذلك الكافر بالله عرض علم الإحصاء.

والآن تخيّل معي أنك البخاري ..

لمدّة 16 عام تبحث في الأحاديث ليل نهار, تقابل شيخًا محدّثًا فتمكث عنده ليلةً أو ليلتين تتلقى منه 1000 حديثٍ كتابةً وحفظًا, ويتكرر معك الإسناد مئات المرات حتى تحتاج لحظاتٍ لتحكم عليه, وهكذا شغلك الشاغل كل ليلة وكل يوم طيلة تلك السنوات.

وخلال تلك السنوات تؤلف كُتبًا .. بعضها تشترط فيه أن لا يدخله إلا أعلى درجات الصحة وفقط, فلو كان معك حديث صحيح لكنه لم يبلغ تلك الدرجة العالية من الصحة لن تُدخله فيه.

وكتاب آخر تقبل فيه كل الأحاديث الصحيحة.

وكتاب ثالث تجمع فيه ما يخصّ التاريخ والأحداث والملاحم والسيرة دون الأحكام والمواعظ.

ورابع وخامس.. الخ

فكّر الآن وأنت في موضع البخاري .. سافرت لبلدةٍ لتقابل رجلًا من كبار المحدثين الثقات, فروى لك 1000 حديث.

منها ما هو في قمّة الصحة, ومنها ما هو صحيح لكن لم يبلغ القمّة, ومنها ما يتعلق بالتاريخ, ومنها ما يتعلق بالآداب والمواعظ, ومنها ومنها.

فجعلت ما هو قمة الصحة في كتابك الأول

وجعلت الصحيح الذي لم يبلغ الصّحة في الثاني

وجعلت الخاص بالتاريخ في كتابه

والخاص بالآداب في كتابه .. وهكذا

هل في هذا مجهودٌ زائدٌ عن مجهود طلب سماع الأحاديث الذي كنت ستبذله على كل حالٍ حتى لو كنت تؤلف الكتاب الأول فقط ؟ اللهم لا .. إلا مجهود فرز الأحاديث وتصنيفها وهذا لا يحتاج فوق ليلة واحدة أو ليلتين لتفرز ألف حديث.

ما زلتَ متخيّلًا نفسك في موضع البخاري؟ فتخيّل نفسك متّ إذًا, ودُفنت, وانتفع الناسُ بكتبك ما شاء الله من الانتفاع, ومضى على قبرك 1000 عام.

ثم جاء شريف جابر يسألك :

""دا غير إنه ما كانش مخصص الـ16 سنة دول عشان كتابه بس , لا دا وهو معدي كده بالمرة ألف 18 كتاب كلهم بنفس حجم البخاري دوت وأكبر منه كمان"

اضحكوا .. صفقوا .. أعطوه موزًا .. انتهى العرض

-----------------------------

(3)

[حماقة مكررة] :

قال برتراند راسل يومًا أن مشكلة هذا العالم تكمن في أن الحمقى دائمًا ما يثقون بأنفسهم ، بينما العقلاء فهم دائمًا يضعون قدراتهم في موضع الريبة!

هاهو يا برتراند ، تعال وانظر بنفسك!

يقول ملحدنا : "بعدين البخاري قال إنه كان حافظ 70 ألف حديث لما كان صغير بس قال إنه لما كبر كان حافظ 300 ألف حديث منهم 100 ألف حديث صحيح و200 ألف حديث ضعيف , فاكرين الرقم اللي قلناه في الأول اللي هو 9 مليون كلمة على 70 ألف حديث ؟"

طبعًا نذكره يا مستر شريف ، من يستطيع نسيان واحدة من أكبر عمليات التدليس والاستحمار التي مرّت في فيديو مكوّن من 27 دقيقة ، حيث تحولت قرابة الـ3.5 مليون كلمة إلى قرابة 9 مليون كلمة في شيء أشبه بالسحر، سحر التلاعب بطبعات الكتاب, ولا يفلح الساحر حيث أتى!

وقد كنا نبهنا في المقال السابق عن المغالطة التي احتكم إليها شريف عندما استخدم الأرقام وتلاعب بها ليوهم الناس أن هناك شيئًا مستحيلًا في حفظ البخاري لمثل هذا العدد . .

فراجع المقال الأول مشكورًا تجد ما يسرك ويسوؤه إن شاء الله.

ثم ماذا يقول؟

"كده يبقى كان حافظ أكتر من 38 مليون كلمة , أكتر من 240 مجلد , 558 ضعف قدرة شاولو اللي هو دخل بيها موسوعة جينيس في الحفظ , الكلام ده ينفع آه بس في حالة واحدة بس .. عند الحاجّة"

طبعًا تلك مغالطة مبنية فوق مغالطة ، من تحتها مغالطة تحيط بها مغالطة.

أما المغالطة : فهو أنه اعتمد الـ9 ملايين ثم بنى عليها فضاعف الرقم ليصبح 38 مليون كلمة ، وقد بينا خطأه في المقال الأول.

وأما المغالطة التي بنى عليها المغالطة : فهو اعتباره أن قدرة شاو لو هي المرجعية البشرية ،وقد بيّنا أن أصغر حافظ للقرآن يحفظ قرابة 77 ألف كلمة ، ولو اعتمدنا مساواة ملحدنا الأحمق بين الأرقام والكلمات فهي تكسر رقم شاو لو هذا (68 ألف رقم) ، وظني أن هذا الشاو لو ، لو رأى حلقة شريف لربما كره نفسه ، وكره قدرته على الحفظ ، وكره اليوم الذي تعرّف فيه على موسوعة جينيس ، من كثرة ما استخدم اسمه وإنجازه في مغالطات بهذا الشكل!

ونذكّر القارئ هنا أن مفهوم كلمة "الحديث" عند الإمام البخاري يختلف عن معناه المعاصر الذي يعتمد عليه ملحدنا قليل المعرفة.

فالمتقدمين يعدّون الحديث إذا كان له 50 راويًا = 50 حديثا

ولا يقتصر مفهوم الأحاديث عندهم على الأحاديث النبوية, بل إذا ورد أثر عن صحابي أو تابعي سمّوه حديثًا, ولو رواه عن الصحابي 50 تابعيًا كان 50 حديثًا.

وقد سبق وتكلّمنا عن تلك النقطة بشيء من التفصيل

وأما المغالطة التي تحيط بالمغالطتين السابقتين : فهي اعتباره التساوي بين قدرة الذاكرة على الاحتفاظ بأرقام عشوائية متتالية ، وبين حفظ كلام مرتب له معنى ..

وأما الذي غلف به كل هذا فهو : الجهل والغباء ، وفقط!

وتلك أمراض لم يجد العلم لها علاجًا بعد .. ولن

----------------------

(4)

[سَحْقُ رجلِ القشّ] :

 

من الكلمات المشهورة على ألسنة المثقفين, والمنتسبين لهم, كلمة "هذه مغالطة رجلِ القشّ"

وتلك الكلمة مأخوذة مما كان يحدُثُ قديمًا عند تدريب المقاتلين, فقد كانوا في ساحةِ القتال يتدربون على تماثيل من القشّ, فيوسعونها ضربًا بالسيف والرمح, ثم إذا جاءت المعركة الحقيقية لم يثبت إلا الشجاع, أما الجبان فلا يهزم سوى رجل القشّ.

وجُعل ذلك مثالًا لمَن يترك خصمه الحقيقي, ثم يخترع لنفسه خصمًا من عنده غير موجود, يخترعه ضعيفًا متهاويًا, ثم يهزمه .. ويحتفل بنصره !

هذا بالضّبط ما فعله ملحدنا هنا, بعدما افترض أن جميع مَن يشاهدونه حفنة من الجهلة والهمج والرعاع الذين لن يفنّدوا كلامه فيفضحوا لُعبته السخيفة.

مذا فعل ؟

يقول بالنّص :

"دلوقتي هو بيقول إنه كان حافظ 100 ألف حديث صحيح , و200 ألف حديث ضعيف صح ؟!

إزاي بأه ؟!

إزاي هو كان حافظ 100 ألف حديث صحيح وهو بنفسه قال إنه لف العالم كله عشان يجمع كل الأحاديث الصحيحة وفي الآخر مالقاش غير 7500 حديث ؟

راحوا فين بقية الـ93 ألف حديث صحيح اللي المفروض إنه حافظهم ؟ ما كتبهومش ليه في كتابه اللي هو مسميه بنفسه الجامع الصحيح ؟ يعني بيجمع فيه كل الأحاديث الصحيحة ؟"

وهنا وقفات, فضحكات, فردٌّ علميٌّ يُسقط سقف خدعته على أم رأسه, ثم نغسل أيدينا سبعًا إحداهن بالتراب.

أولا : نلاحظ أن ملحدنا هنا نسيَ وأخرج الـ500 حديث التي سرقها, فبعدما عدّ في إحصائيته الأولى أحاديث البخاري 7000 حديث فقط (والتي تكلمنا عنها في مقالنا الأول فقرة 3) أخرج الآن ما سرقه وأعادهم 7500 حديث كما كانوا لأف عامٍ والحمد لله ربّ العالمين.

ثانيًا : نمنحُ ملحدنا 16 عامًا -مثل البخاري لئلا يتظلّم- ليبحث عن نقلٍ واحد, أو بعض نقل, عن البخاري أنه قال :

"إنه لف العالم كله عشان يجمع كل الأحاديث الصحيحة وفي الآخر مالقاش غير 7500 حديث"

وله بعد الـ16 عام = شهر هديّة مني, إذ أن الشهر كان في رأيه مقدارًا لازمًا ليتأكد البخاري من صحة سند حديثٍ ما, فلعله يكفيه هوَ الآخر.

فإن لم يأتنا بذلك النّقل -ولن يأتنا به- فهنيئًا لمتابعيه ومستمعيه استهزاؤه المتكرر بعقولهم, وخداعه الدائم لهم, ثم تصفيقهم وتهليلهم وتكبيرهم, ثم ضحكنا منهم ومنه.

اخترع ملحدنا رجل قشٍّ يحاربه, وهزمه, واحتفل بهزيمته .

ادّعى أن البخاري قال : أنا ما لقيتش في العالم غير 7500 حديث.

وهذا لم يقُل البُخاريُّ قطّ, تلميحًا ولا تصريحًا, ولم يدّع لنفسه قطّ أنه جمع كل الأحاديث الصحيحة في كتابه وأن الباقي ضعيف, وبالتفكير البسيط نعلمُ ذلك, فملحدنا نفسه قال منذُ قليل أن البخاري ألّف 18 كتاب آخر, فهل ألفهم في الأحاديث الضعيفة فقط؟

ولم يقُل دارسٌ لعلم الحديث في تاريخ المسلمين قطّ أن الأحاديث الصحيحة محصورة في صحيح البخاري وأن ما سوى صحيحه ضعيف, ولا نسبَ عالمٌ قطّ هذا الرأي للبخاري, بل هذا جهلٌ محضٌ وكذبٌ محض وشريف جابر محض!

وقد سبق تكلّمنا عن ذلك في الفقرة (1) من هذا المقال.

ثالثًا :

وهي الفضيحةُ اللغوية المضحكة , تأمّل قوله :

"هو مسميه بنفسه الجامع الصحيح ؟ يعني بيجمع فيه كل الأحاديث الصحيحة"

يا عباد الله ! إن درّاجتي الصدئة أقدَرُ على فهم العربية">اللغة العربية من هذا الشيء الذي اضطرتنا الأيام لفضحه !

ألا أيها العقلاء ويحكُمُ هبّوا !

حينما تقول : البيتُ الجميل = فأنت تعني هنا أن كل ما سوى البيت قبيح

حينما تقول : الجامع الصحيح = فأنت تعني هنا أن كل ما سواه ضعيف

الجامع الصحيح = بيجمع فيه كل الأحاديث الصحيحة والباقي مش صحيح !!

حينما تجمع قدرًا من الأحاديث في كتاب, وتصف هذا الكتاب بأنه جامعٌ لتلك الأحاديث وأنه صحيح = هذا عند ملحدنا السكران يعني أنك تحكم على ما سواه بأنه ضعيف !

حينما تصفُ شيئًا بصفة = فهذا عند ملحدنا المستهزئ بعقولنا يعني أنك تنفي تلك الصفة عن ما سوى ذلك الشيء !

نحنُ نتعاملُ مع شيءٍ لا يستطيع التفريق بين قولنا "الجامع الصحيح" وقولنا "الجامع للصحيح" وقولنا "جامع الصحيح" ؛ ثم ينبغي علينا الردّ على ذلك السخف وتلك الجهالات وإلا اتبعه على سخفه الآلاف فهلكوا جميعًا!

فيا موتُ زُر إن الحياة ذميمةٌ . . !

 

----------------------

(5)

[ختامًا] :

 

للمرة الثانية يتّضح للقارئ أن 3 دقائق من إحدى حلقات ذلك الملحد كفيلةٌ باستخراج هذا الكمّ الضخم من المغالطات والمخادعات والجهالات المعرفيّة .

وإن العاقل ليستدلّ بالجزء على الكلّ, فإن كان جزء الشيء بهذا الفساد وهذا السخف والسقوط, فكيف بالكل ؟!

وكيف تطمئن -بعدما رأيته- لأي شيءٍ مما يأتي به ذلك الملحد في حلقاته وبرامجه؟

وإلى لقاءٍ آخر في المقال القادم إن شاء الله.

وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون.

 

*بين الإمام البخاري والنصاب..( 1 ) [قليلٌ من الأرقام . . كثيرٌ من الجهل

 

أخبار ذات صلة

دفعني لكتابة هذه السطور ما أراه اليوم وأقرؤه من أقوال وأفعال وممارسات في بعض ميادين العمل الإسلامي، على اختلاف فيها وفي الملابسات التي دعت إليها؛ ف ... المزيد

بصورة مفاجئة، استيقظ الفلسطينيون فجر الأحد 17 سبتمبر/أيلول الجاري على إعلان حركة المزيد

مقالٌ مشترك بين : الغازي محمد والحسن البخاري في الرد على الملحد شريف جابر.

---------------------------------

بسم الله الح ... المزيد

أعشق شخصية الصحابي الجليل أبى سفيان بن حرب .. وأشعر كلما قرأت سيرته أنه رجل كبير .. ولا أقصد بالكبير أنه رجل مسن – وإن كان كذلك إذ أنه كان أسن من النب ... المزيد

تعليقات