البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

بينى وبين الشيخ الشعراوى فى قضية طلب الدنيا

المحتوي الرئيسي


بينى وبين الشيخ الشعراوى فى قضية طلب الدنيا
  • د. إبراهيم عوض
    18/08/2018 05:27

وعند تناول شيخنا الكريم تفسير قوله سبحانه فى "الفاتحة": "اهدنا الصراط ‏المستقيم" يقول: "بعد أن آمنتَ بالله سبحانه وتعالى إلهًا وربًّا واستحضرتَ عطاء ‏الألوهية ونِعَم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه وأعلنتَ أنه لا إله إلا الله، ‏وقولك: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ"، أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا ‏إياه، وأعلنتَ انك ستستعين بالله وحده بقولك: "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، فإنك قد ‏أصبحت من عباد الله. ويعلمك الله سبحانه وتعالى الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن. ‏وما دمتَ من عباد الله، فإن الله جل جلاله سيستجيب لك مصداقا لقوله سبحانه: ‏‏"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ‏وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (البقرة/ 186). والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا. لماذا؟ ‏لأن الحياة الحقيقية للإنسان في الآخرة: فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ‏ولا تفارقه. فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيراً ولا أن يمتلك عمارة مثلا ‏لأنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل، ولكنه يطلب ما ينجيه من النار ويوصله الى ‏الجنة".‏

ولكن لمن يترك المؤمن الدنيا ما دام لا ينبغى له أن يدعو الله بالمال والصحة ‏والقوة؟ بطبيعة الحال سيتركها لأعداء الإسلام، فيتسيدونها قوةً وصحةً وارتفاعَ ‏مستوى معيشةٍ وتقدمًا علميًّا ورُقِيًّا اقتصاديًّا وسيادةً فى الأرض، ونطلع نحن من ‏المولد بلا حمص، ولا عزاء للأغرار السُّذَّج. وهل يريد أعداء الله منا أفضل من ‏هذا؟ أذكر فى هذا السياق ما سمعناه من قول علماء الدين فى بعض بلاد المسلمين إن ‏الله قد سخَّر لنا الغربيين كى يخدمونا فى أمور الدنيا حتى نتفرغ نحن للآخرة. وهو ‏ما أثار سخريتى من ثعلبية هؤلاء المسمَّيْن: "علماء الدين"، وما هم بعلماء ولا ‏متدينين، أو من غبائهم وتنطعهم. ألا يعرفون أن أولئك الغربيين، لتفوقهم فى أمور ‏الدنيا، قد أحرزوا السيادة والقوة والقدرة والسلطان فى كل شؤون الحياة، وأغراهم ‏هذا بالاعتداء علينا وشن الحروب المبيرة ضدنا، أو تهديد من معه مال غزير من ‏دولنا بالدفع أو السحق والإذلال، فترى حكام تلك الدول يدفعون مئات المليارات ‏ولا يفتحون أفواههم بأنينٍ، فضلا عن كلمة اعتراض لأنهم يعلمون عواقبها؟ فيا ‏لها من مذلة وحقارة أوقعَنا فيها الكلامُ السخيفُ عن وجوب النفور من الدنيا ‏والزهد فيها، وكأن المسلمين الآن يتمرغون فى نعيمها المرفه ولا يعرفون كيف ‏ينفقون أموالها الطائلة من كثرة زيادة تلك الأموال على حاجاتهم وفيضانها فى ‏أيديهم حتى لتكاد تغرقهم وتخنقهم. خيبة ما بعدها خيبة! ‏

ثم لماذا خلق الله الدنيا وامتنَّ بها على عباده المؤمنين الصالحين إذا كانت الدنيا ‏شرا ووبالا ولا قيمة لها على الإطلاق، وينبغى أن نفر منها فرار السليم من الأجرب ‏والأبرص؟ لماذا كل تلك الآيات القرآنية التى تتحدث عن الرزق المبثوث فى ‏الأرض والسماء إذا كان المطلوب منا نبذه وإدارة ظهورنا له؟ هل المراد فقع ‏مصاريننا بتحنيسنا بمتع الدنيا ومطالبتنا فى ذات الوقت ألا نمد أيدينا بل ولا عيوننا ‏إليها؟

لنقرأ النصوص التالية، وهى مجرد عينة صغيرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ ‏طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" (البقرة/ 172)، "وَهُوَ الَّذِي ‏أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا ‏مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ‏مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ ‏يُؤْمِنُونَ" (الأنعام/ 99)، "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ‏وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ‏وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ ‏نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)" (الأعراف)، "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ ‏وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ‏لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ‏وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا ‏تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)" (إبراهيم)، "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا ‏دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) ‏وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏‏(7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ ‏قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ‎ ‎السَّمَاءِ مَاءً ‏لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ ‏وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ ‏لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ ‏لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ ‏يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً ‏تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى ‏فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ ‏وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا ‏نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)" (النحل)، "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ ‏أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ‏أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (النحل/ 72)، "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ ‏بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ ‏إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ ‏لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ‏وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)" (النحل)، ‏‏"وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ‏قَدِيرًا" (الأحزاب/ 27)، "لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ‏كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) ... وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ ‏وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ‏آمِنِينَ (18)" (سبأ)، "وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ ‏يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) ‏لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)" (يس)، "أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى ‏السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا ‏فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) ‏وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا ‏طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)" (ق)، "أَلَمْ ‏نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ ‏سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا ‏شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) ‏لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)" (النبا)، "فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى ‏طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ‏‏(27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ‏‏(31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)" (عَبَسَ).‏

ولماذا كان الرسول يوزع الغنائم والأنفال على صحابته كلما انتصروا فى حرب ‏على أعدائهم؟ أليست أموال الأنفال والغنائم والجزية من صميم صميم الدنيا؟ لقد ‏كان الأحرى ألا يهتم المسلمون أصلا بها، أو على الأقل: أن يجمعوها بعد الحرب ‏ويكوموها كومة واحدة ثم يضرموا فيها النار حتى يتخلصوا من شرها وإغرائها ‏الذى يمكن أن يحرفهم عن الآخرة. أليس كذلك؟

وإذا كانت الدنيا سيئة قبيحة فلماذا نوزع الصدقات والزكوات على الفقراء ‏والمساكين وأبناء السبيل والمحتاجين؟ كان الأقمن ألا نشغل أنفسنا بفقر أو فقراء ‏ولا بحاجة أو محتاجين بل نتركهم دون أن نعينهم على النجاح فى التعامل مع دنيا ‏كريهة ملعونة بل وأن نتخلص نحن القادرين الأغنياء أيضا مما فى أيدينا من مال ‏حتى نكون نحن وهُمْ فى الهوا سوا من حيث كراهة الدنيا والانصراف عنها وعن ‏مغرياتها من مال وصحة وقوة وزوجات وأبناء وممتلكات. ‏

وإذا كانت الدنيا قبيحة، ومن واجبنا الفرار منها، فلماذا حرص الإسلام على ‏أن يضع قواعد لتوزيع المواريث على الأولاد والأقارب؟ لقد كان ينبغى أن يقال ‏للمسلمين إن الأموال التى تركها ميتكم إنما هى مجرد لُعَاعَة من لعاعات تلك الجيفة ‏المنتنة الملعونة المسماة بـ"الدنيا"، فإياكم أن تمدوا أيديكم إليها، بَلْهَ أن تتخاصموا ‏بسببها وتذهبوا إلى المحاكم وتضيعوا وقتكم وجهدكم فى سبيل ذلك العفن ‏والنتن؟ ‏

ثم كيف نفهم نَهْىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك الصحابى الذى ‏كان ينوى أن يتبرع فى سبيل الله بماله كله عن وضع نيته موضع التنفيذ، وإفهامَه إياه ‏أنه يكفيه التبرع بالثلث، والثلث أيضا كثير لأنه من الأفضل أن يترك ورثته أغنياء ‏بدلا من أن يتركهم عالة يمدون أيديهم إلى الناس؟ ترى هل كان الرسول يعطى ‏الدنيا من الاعتبار ما لا تستحق؟ ولماذا أمر رسول الله عليه السلام المسلمين ‏بالبحث عن الدواء لكل داء والتداوى به من المرض؟ ألم يكن المنطقى أن يقول ‏لهم: إن المرض نعمة جاءتكم دون سعى منكم حتى تخرجوا من الدنيا التافهة ‏القبيحة الشريرة إلى الآخرة بسهولة وسرعة وترتاحوا منها ومن وجع دماغها؟

بل لماذا التعب أصلا لإقامة مجتمع إسلامى، ونحن نعرف أن هذا المجتمع ‏سيكون جزءا من الدنيا الفانية التى لا قيمة لها والتى لا ينبغى أن نمد أعيننا ولا ‏أيدينا نحوها؟ لماذا لم يُقَل للمسلمين: لا لزوم لتعب القلب فى هذه الدنيا أساسا، ‏وليلزم كل منكم كسر بيته أو فليسند ظهره المتعب إلى حائط فى الشارع ويترك ‏الذباب والهباب يحطان عليه ويتراكمان حتى يحين حَيْنُه وينتقل إلى الآخرة غير ‏مأسوف عليه بل مشيعا بالبهجة والفرحة أنْ كتب الله له هذه النعمة قبل سواه؟

نعم لماذا إقامة مجتمع إسلامى وتشريع قوانين تحمى المظلوم من الظالم، ‏والمسروق من السارق، والمقتول من القاتل، والمغتصَب ممن يغتصب أمواله وبيته ‏وأولاده وزوجته إذا كان هذا كله من أمور الدنيا، والمسلم يجب عليه ألا يهتم بها أو ‏بما فيها ويركز عقله وقلبه فى الآخرة، والآخرة فقط؟ أليس هذا تضييع وقت ومَطًّا ‏وتطويلا لزمن الدنيا، والمفروض أن نقصِّرها بكل ما نستطيع أو نتركها تنتهى ‏بطريقتها دون تدخل منا فى ذلك؟

ألم يقل الرسول إن "مَنْ‎ ‎قُتِلَ‎ ‎دُونَ‎ ‎مالِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ‎ ‎قُتِلَ‎ ‎دُونَ ‏‎ ‎دِينِهِ فهوَ ‏شَهيدٌ، ومَنْ‎ ‎قُتِلَ دُونَ‎ ‎دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ‎ ‎قُتِلَ‎ ‎دُونَ‎ ‎أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ"؟ هل أخطأ ‏الرسول، أستغفر الله، فحثنا على الدفاع عن أموالنا ودمائنا وأهلينا، وهذا كله دنيا ‏فى دنيا؟ ألم يقل عليه السلام أيضا: "ثلاثةٌ من السَّعادةِ:‏‎ ‎المرأةُ ‏‎ ‎الصَّالحةُ‎ ‎تراها ‏تعجبُك وتغيبُ فتأمنُها على نفسِها ومالِك، والدَّابَّةُ تكونُ وطيئةً فتُلْحِقُك ‏بأصحابِك، والدَّارُ تكونُ واسعةً كثيرةَ المرافقِ. وثلاثٌ من الشَّقاءِ:‏‎ ‎المرأةُ‎ ‎تراها ‏فتسوؤك وتحملُ لسانَها عليك، وإن غبتَ عنها لم تأمَنْها على نفسِها ومالِك، والدَّابَّةُ ‏تكونُ قَطُوفًا: فإن ضربتَها أتعبتْك، وإن تركتَها لم تُلحِقْك بأصحابِك، والدَّارُ تكونُ ‏ضيِّقةً قليلةَ المرافقِ"؟ أليست هذه الأشياء من صميم الدنيا؟ ‏

ولنقرأ هذا الحديث أيضا عن ابن العاص، الذى يحكى كيف قال له النبى ذات ‏يوم: "خُذْ عليكَ ثيابَكَ وسلاحَكَ ثمَّ ائتِني. فأتيتُهُ وَهوَ يتوضَّأُ فصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرِ ثمَّ ‏طَأطأَهُ فقالَ: إنِّي أريدُ أن أَبعثَكَ على جَيشٍ فيُسَلِّمكَ اللَّهُ ويُغَنِّمكَ، وأرغَبُ لَكَ ‏منَ‎ ‎المالِ‎ ‎رَغبةً صالِحةً. قال: قُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما أسلَمتُ من أجلِ المالِ، ولَكِنِّي ‏أسلَمتُ رغبةً في الإسلامِ وأن أَكونَ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ. ‏فقالَ: يا عَمْرُو،‎ ‎نِعمَ‎ ‎المالُ‎ ‎الصَّالحُ‎ ‎للمرءِ‎ ‎الصَّالحِ"؟ أوَلو كانت الدنيا تافهة ولا ‏قيمة لها ولا اعتبار، أكان الرسول يتكلم عن المال على هذا النحو؟‏‎ ‎أليس رسولنا ‏الكريم هو القائل: "إنَّ الدُّنيا حُلْوةٌ‎ ‎‏ خَضِرةٌ،‏‎ ‎فمَن أخَذها بحقِّها بُورِك له فيها"؟‎ ‎ثم ‏لماذا غرس الله حب المال والدنيا فى نفوسنا؟ ألكى يعذبنا طول الوقت بالتعرض ‏لإغراءاتها التى لا يمكن أحدا الإفلات منها ثم مطالبتنا رغم هذا بمحاولة ‏المستحيل، وهو إدارة ظهرنا تماما لها وعدم التفكير فيها؟ كيف بالله؟ أيريد الله منا ‏أن نعيش عيشة الحرمان والمقاساة ويعيش الكافرون عيشة الراحة والنعمة؟ لقد ‏كان أحرى بالرسول، لو كان الأمر كذلك، أن يشجع على البقاء فى المسجد ذلك ‏الصحابى الذى لا ينصرف عن بيت العبادة بعد الصلاة اعتمادا على جَرْى أخيه ‏عليه، وذلك بدلا من أن يقول له: أخوك أعبد منك. أليس هذا ما يقول به العقل ‏والمنطق؟

وانظر كذلك إلى الحديث التالى، وفيه يبشر رسول الله المسلمين بأنهم سوف ‏يفتحون فارس ويكون من نصيبهم كنوز كسرى، ويمتنّ الله تعالى على عبده يوم ‏القيامة بأنه أكرمه فى الدنيا بالمال والولد. فلو كان على المسلم أن يدير ظهره للدنيا، ‏وأهم ما فيها المال والبنون، أكان الرسول يبشر المسلمين بكنوز كسرى ويمتن الله ‏على عبده بما وهبه من مال وبنين؟ قال عَدِىُّ بن حاتم: "بينا أنا عند النبي صلَّى الله ‏عليه وسلَّم إذ أتاه رجلٌ فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال: يا ‏عديّ، هل رأيت الحيرة؟ قُلْت: لم أرها، وقد أُنْبِئْتُ عليها. قال: فإن طالت بك ‏الحياة لتَرَيَنَّ الظعينةَ ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله ‏‏(قُلْتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار طيئ الذين قد سعروا في البلاد؟). ولئن ‏طالت بك حياة لتفتحن‎ ‎كنوز كسرى.‏‎ ‎قُلْتُ‎ : ‎كسرى‎ ‎بن هرمز؟ قال:‏‎ ‎كسرى‎ ‎بن ‏هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخْرِج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب ‏من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يومَ يلقاه، وليس بينه وبينه ‏ترجمان يترجم له، فيقولنّ: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم ‏أعطك مالا وولدا وأُفْضِل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، ‏وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم... قال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة ‏حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتح‎ ‎كنوز ‏‎ ‎كسرى ‏‎ ‎بن هرمز، ‏ولئن طالت بكم الحياة لتَرَوُنَّ ما قال أبو القاسم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".‏

وفى الحديث التالى أيضا تبشير نبوى للمسلمين، أيام قلة ما فى أيديهم من مال ‏وطعام، بفتح فارس والحصول على كنوز كسرى: "أُهْدِيَ إلى رسولِ اللهِ شاةٌ، ‏والطعامُ يومئذٍ قليلٌ، فقال لأهلِهِ: أَصلِحُوا هذه الشَّاةَ، وانظُروا إلى هذا الخُبْزِ ‏فأَثْرِدوا واغْرِفوا عليهِ. وكانتْ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَصْعَةٌ يُقالُ لها: "الغَرَّاءُ" ‏يَحمِلُها أربعةُ رجالٍ، فلمَّا أَصبَحوا وسَجَدوا الضُّحَى أُتِيَ بتلكَ القَصْعةِ، فالْتَفُّوا ‏عليها، فلمَّا كثُروا جَثَا رسولُ اللهِ، فقال أعرابيٌّ: ما هذهِ الجِلْسةُ؟ قال: إنَّ اللهَ جعَلَني ‏عبدًا كريمًا، ولم يَجْعَلْني جبَّارًا عَصِيًّا. كُلُوا مِن جَوانِبِها، ودَعُوا ذِرْوتَها يُبارَكْ فيها. ثم ‏قال: خُذوا كُلُوا. فوالَّذي نفْسُ محمَّدٍ بيدِهِ لتُفْتَحَنَّ‎ ‎عليكُم‎ ‎فارِسُ والرُّومُ حتَّى يَكثُرَ ‏الطَّعامُ فلا يُذْكَرُ عليه اسمُ اللهِ". ولنقرأ هذا الحديث أيضا: لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى ‏تكْثُرَ فيكم‎ ‎الأموالُ وتفيضَ حتَّى يُهِمَّ ربَّ المالِ مَن يقبَلُ منه صدقتَه وحتَّى يعرِضَه ‏ويقولَ الَّذي يُعرَضَ عليه: لا أرَبَ لي فيه".‏

وهذا صحابى يطلب من النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعو لقبيلته الله أن ‏يغيثهم بالماء حتى يشربوا ويُرْوُوا زرعهم. فهل قال النبى إنه لا يصح أن يدعو الله ‏بتحقيق أمر من أمور الدنيا طبقا لكلام الشيخ الشعراوى؟ أبدا، بل استجاب له عن ‏طيب خاطر ودعا الله واستجاب له العلى العزيز استجابة بلغت الغاية فى الكرم. ‏فعن أنس بن مالك "أنَّ رجلًا دخَلَ المسجِدَ يومَ الجمعَةِ من بابٍ كانَ نحوَ دارِ ‏القضاءِ ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ قائِمٌ يخطُبُ ، فاستقبَلَ رسول اللهِ صلَّى ‏اللهُ عليهِ وسلمَ قائمًا ثم قالَ : يا رسولَ اللهِ ، هلكَتْ‎ ‎الأموالُ‎ ‎وانقطَعَتْ السبلُ ، ‏فادْعُ اللهَ يُغِيثُنا . فرفَعَ رسولُ اللهِ صلَى اللهُ عليهِ وسلمَ يدَيهِ ثمَّ قالَ : اللهمَّ أغَثْنَا ، ‏اللهمَّ أغِثْنَا ، اللهمَّ أغِثْنَا . قالَ أنسٌ : ولا واللهِ ما نَرَى في السماءِ من سحابٍ ولا ‏قَزَعَةٍ ، وما بينَنَا وبينَ سَلْع من بيتٍ ولا دَارٍ . قالَ : فطَلَعَت من ورائِهِ سحَابَةٌ مثلُ ‏التُّرْسِ ، فلمَّا تَوَسَّطَتْ السماءَ انتَشَرَت ثم أمْطَرَتْ . فلا واللهِ ما رأينَا الشمسَ ستًّا . ‏ثمَّ دَخَلَ رجلٌ من ذلكَ البابِ في الجمعَةِ (يعني الثَّانِيَةَ)، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ ‏وسلمَ قائِمٌ يخْطُبُ ، فاسْتَقْبَلَهُ قائِمًا ، فقالَ : يا رسولَ اللهِ ، هلَكت الأموالُ‎ ‎، ‏وانقَطَعَتْ السُّبُلُ ، فادْعُ اللهَ يمسِكُهَا عنَّا . قالَ : فرفَعَ رسولُ اللهِ يدَيهِ ثمَّ قالَ : ‏اللهمَّ حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا ، اللهمَّ علَى الآكَامِ والظِّرَابِ وبطونِ الأوديةِ ومنَابِتِ ‏الشجَرِ . قالَ : فأَقْلَعَتْ ، وخَرَجْنَا نمشِي في الشمسِ".‏

وانظر إلى الحديث التالى وما فيه من دلالة على أن الأموال نعمة طيبة تعين على ‏عمل الصالحات: "جاء الفقراءُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا : ذهب أهلُ ‏الدُّثورِ منَ‎ ‎الأموالِ‎ ‎بالدرجاتِ العُلَا والنعيمِ المقيمِ : يُصلّون كما نُصلّي، ويصومونَ ‏كما نصومُ، ولهم فضلٌ من‎ ‎أموالٍ‎ ‎يحجُّونَ بها ويعتمِرونَ، ويُجاهدونَ ويتصدَّقونَ . ‏قال: ألا أُحدِّثُكمْ بأمرٍ إن أخذتُمْ بهِ أدركْتُم مَنْ سبقَكمْ، ولم يدرككُمْ أحدٌ بعدَكُم، ‏وكنتُمْ خيرَ مَنْ أنتمْ بينَ ظَهْرانَيْهِ إلا مَن عَمِلَ مثلَهُ ؟ تُسبِّحونَ وتحمِّدونَ وتكبِّرونَ ‏خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ".‏

وإليك هذا الحديث أيضا: "إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفرٍ: عبدٍ‎ ‎رزقَهُ‎ ‎اللَّهُ مالًا وعِلمًا ‏فَهوَ يتَّقي فيهِ ربَّهُ ، ويصلُ فيهِ رحمَهُ ، ويعلمُ‎ ‎لهُ‎ ‎فيهِ حقًّا، فَهَذا بأفضلِ المَنازلِ ، ‏وعبدٍ‎ ‎رزقَهُ‎ ‎اللَّهُ علمًا ولم يرزقهُ مالًا فَهوَ صادقُ النِّيَّةِ يقولُ : "لَو أنَّ لي مالًا لعَمِلْتُ ‏بعملِ فلانٍ"، فَهُوَ بنيَّتِهِ، فأجرُهُما سواءٌ ، وعبدٍ‎ ‎رزقَهُ‎ ‎اللَّهُ مالًا ولم يرزقهُ علمًا ، ‏يخبطُ‎ ‎في‎ ‎مالِهِ بغيرِ علمٍ ولا يتَّقي فيهِ ربَّهُ ولا يصلُ فيهِ رحمَهُ ولا يعلمُ للَّهِ فيهِ حقًّا ، ‏فَهَذا بأخبثِ المَنازلِ ، وعبدٍ لم يرزقْهُ اللَّهُ مالًا ولا عِلمًا فَهوَ يقولُ : "لَو أنَّ لي مالًا ‏لعَمِلْتُ فيهِ بعملِ فلانٍ"، فَهوَ بنيَّتِهِ، فَوِزْرُهما سَواءٌ".‏

وفى الآية 52 من سورة "هود" يغرى هود عليه السلام قومه بأنهم إذا ‏استجابوا لدعوته واستغفروا ربهم وتابوا إليه يرسل السماء عليهم مدرارا ويزيدهم ‏قوة على قوة: "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ‏وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)". أليس هذان الأمران اللذان ‏وعدهم بهما هود هما من حظوظ الدنيا؟‏

ثم ألم يقل القرآن فى سورة "البقرة" تمثيلا لمن ينفقون أموالهم فى سبيل الله: ‏‏"وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ‏أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏‏(265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ ‏فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ ‏فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)"؟ أليس معنى هذا ‏أن الجنة (أى الحديقة) الجميلة الخصبة الكثيرة الثمر نعمة عظيمة يمتن الله بها علينا ‏ويصورها لنا على أنها مما يُحَبّ ويُطْلَب، وأن فقدان مثل تلك الحديقة هو مصيبة ‏تبعث على الحزن ولا يمكن أن يطلبها الإنسان لنفسه أو لأولاده أبدا؟ فكيف إذا ‏كانت الدنيا قبيحة وينبغى النفور والهروب منها؟ ‏

ألم يمتنّ الله على داود بأنه آتاه الملك والحكمة؟ وهل الملك إلا السيطرة فى ‏الدنيا وعلى الدنيا؟ ألم يتزوج الأنبياء ويتألم منهم من مات أو ضاع له ولد؟ هل ‏أخطأ يعقوب عندما بكى طويلا حتى ابيضت عيناه من الحزن على فقدان يوسف؟ ‏هل ارتكب موسى خطيئة حين فر من قوم فرعون عقب تحذير أحدهم له من ‏الاغتيال جراء قتله مصريا على سبيل الخطإ؟ أم هل ارتكب خطيئة حين عبر عن ‏خوفه لربه من أن يقتله فرعون إثر إبلاغه سبحانه وتعالى إياه أنه اختاره رسولا إلى ‏عاهل مصر؟ أليس الخوف على الحياة فى الحالين أمرا من أمور الدنيا؟ هل غلط نبينا ‏لما انتابه من ألم على موت صغيره إبراهيم؟ ألم يَأْسَ النبىُّ أَسًى شديدًا على وفاة ‏خديجة حتى لقد سُمِّىَ العام الذى ماتت فيه هى وأبو طالب: عام الحزن؟ هل أخطأ ‏عليه السلام حين هاجر سرا ولجأ إلى الحيلة وضلل المشركين حتى استطاع أن يفلت ‏من أيديهم وينجو ويصل إلى يثرب سالما غانما لم يصبه سوء؟ هل كان عليه بدلا من ‏ذلك أن يمكِّن قريشا من رقبته حتى يبرهن أنه ليس على الدنيا من الحريصين؟ ألم ‏يطلب يوسف من مَلِك مصر أن يُوَلِّيَه خزائن الأرض؟ سيقال: إنه أراد إشاعة ‏العدل والرحمة والتخفيف عن الناس. وهذا هو ما أريد قوله، إذ لو كانت الدنيا ‏شيئا سيئا لأمرنا الله ورسوله أمرا حاسما جازما ألا نبالى بها أدنى بالة وأن نعطيها ‏ظهورنا ولا نعمل شيئا لتحسينها بل ننتظر الموت فقط حتى نبلغ الآخرة سريعا، ويا ‏حبذا لو أخذنا زمام المبادرة وانتحرنا، ويا بخت من زار وخَفَّف؟

ثم لماذا نذهب بعيدا، وها هو ذا القرآن فى سورة "البقرة" يقول عن أدعية ‏الحجيج فى نهاية الحج: "فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ‏ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) ‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏‏(201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)". وواضح من ‏الآيات أن من يدعون ربهم بأن يرزقهم فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة هم من ‏المؤمنين المخلصين. فهل منعهم إخلاصهم من طلب حسنات الدنيا؟ وهل يستطيع ‏بشر كائنا من كان أن يرفض الدنيا رفضا باتا؟ أرونى هذا الإنسان من فضلكم. ترى ‏هل إذا دعا الطالب ربه أن يأخذ بيده وينجِّحه فى الامتحان يكون ضعيف الإيمان ‏متعلقا بالدنيا الفانية؟ فماذا عليه أن يفعل يا ترى؟ هل يبتهل إلى الله أن يُرَسِّبه حتى ‏يثبت أنه لا يبالى بالدنيا وأن

ها لا تساوى فى نظره جناح بعوضة؟ وهل إذا رفع ‏المريض أَكُفّ الضراعة نحو السماء راجيا الشفاء يكون فى إيمانه دَخَلٌ؟ فما المطلوب ‏إذن منه كى يبرهن أنه مؤمن صلب اليقين؟ أيجب عليه الدعاء بأن يقصف الله ‏عمره حتى يعرف الناس أنه فى الدنيا وطول العمر من الزاهدين؟ وهل إذا رجا ‏الفلاح ربه أن يكثِّر محصول زرعه يكون هش الدين؟ فماذا يفعل يا ترى حتى يدلل ‏على قوة دينه وإيمانه؟ أيطلب من ربه ويلح فى الطلب أن تفشل أرضه فى إعطاء أى ‏محصول وأن يمن الله عليه بإلحاقه بطائفة الشحاتين فنعلم من ثم أنه ليس من ‏عشاق الدنيا الفانية؟

إن كثيرا من الوعاظ والخطباء الشعبيين يستهويهم عَزْف هذه النغمة، فتجد ‏الواحد منهم وقد علا صراخه كأنه يحارب جيوش الأعداء محذرا الناس من الدنيا ‏الغرور الكذابة التى تردى من يطلب خيراتها فى مهاوى الجحيم، ومستمعوه ‏يمصمصون شفاههم مؤمِّنين على ما يقول لفظا بينما قلوبهم فى عالم الدنيا مشغولة ‏بتدبير المؤامرات بعضهم لبعض. فهو يضحك على نفسه وعليهم لأنه أول من ‏يكذِّب بما يقول، وهم يضحكون عليه بمصمصة شفاههم وانشغالهم فى الوقت ‏نفسه بالدنيا والتفكير فيها والحسرة على قلة نصيبهم منها بسبب كسلهم وبلادتهم ‏وعدم استقامة طرقهم. وهذا الواعظ الشعبى، بغبائه وعدم فهمه وغياب وعيه، لا ‏يتنبَّه إلى أن هذا هو بالضبط ما يريده أعداؤنا حتى نظل فى فقر وتخلف ومرض ‏ومذلة ويستمتعوا هم بما جَنَوْه وما زالوا يجنونه من خيرات هذا الدنيا الغرور ‏الكذابة منذ الكشوف الجغرافية والنهضة الحديثة التى أسقطت فى حجورهم نعيم ‏قارتين كاملتين زيادة على خيرات بلادنا والبلاد الأخرى التى احتلوها وامتصوا ‏نعيمها كاملا وتركونا نقشِّر بصلا ونردد فى عَتَهٍ وبلاهةٍ أن الدنيا ملعونة بنت ‏ملاعين. فهنيئا لنا ما نحن فيه من فقر وتخلف وضعف ومذلة، وليذهب الغربيون ‏بالخير كله فى الدنيا، ونخسر نحن الدنيا والآخرة معا لأن من يفشل فى الدنيا ‏ويتوانى عن الجهاد والتفوق وبلوغ منازل الكرامة فيها لن يكون له حظ فى الآخرة، ‏إذ إن هذه الغَرُور الكذابة هى البوابة التى ندخل منها إلى نعيم الطيبة بنت الناس ‏الطيبين المسماة بـ"الجنة". ‏

والآن تعالوا لنرى ماذا قال الشيخ الكريم فى تفسير هذه الآيات. قال رحمه ‏الله: "يَلْفِتُنا الحقُّ... إلى أن الإنسان إذا ما قضى المناسك كان أهلا لأن يضرع إلى الله ‏ويسأل الله بما يحب أن يسأله. والسؤال لله يختلف باختلاف همة السائلين، وكانوا لا ‏يسألون الله إلا قائلين: يا رب، أعطني إبلاً، يا رب أعطني غنماً، يا رب أعطني بقراً، ‏ويا رب أعطني حائطاً، أي بستاناً، يا رب كما أعطيتَ أبي أعطني. ولم يكن في بالهم ‏إلا الأمور المادية، وأراد الله أن يجعلهم يرتفعون بالمسألة لله، وأن يُصَعِّدُوها إلى ‏شيء أخلد وأبقى وأنفع، ومن هنا تأتي المزية الإيمانية، فإذا كنتم ستسألون الله متاعا ‏من متاع الدنيا فما الفارق بينكم وبين أهل الجاهلية؟

ذلك ما نفهمه من قول الله عز وجل في ختام هذه الآية: "فَمِنَ النَّاسِ مَن ‏يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ". فالعبد حين يؤدي مناسكه لله ‏يجد نفسه أهلا لأن يسأل الله، وما دمت قد وجدت نفسك أهلا لأن تسأل الله ‏فاسأل الله بخيرٍ باقٍ لأن الإنسان إنما يُصَعِّدُ حاجته إلى المسؤول على مقدار مكانة ‏المسؤول ومنزلته: فقد تذهب لشخص تطلب منه عشرة قروش، وقد تذهب لآخر ‏أغنى من الأول فتقول له: أعطني جنيها، ولثالث تطلب منه عشرة جنيهات. إنك ‏تطلب على قدر همة كل منهم في الإجابة على سؤالك.‏

إذن ما دام العباد، بعد أداء المناسك، في موقف سؤال لله فليُصَعِّدُوا مسألتهم ‏لله وليطلبوا منه النافع أبداً، ولا ينحطوا بالسؤال إلى الأمور الدنيوية الفانية البحتة: ‏‏"فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ". إن العبد قد ‏لا يريد من دعائه لله إلا الدنيا، ولا حظ ولا نصيب له في الآخرة. ومثل هذا ‏الإنسان يكون ساقط الهمة لأنه طلب شيئاً في الدنيا الفانية، ويريد الله أن نُصَعِّد ‏همتنا الإيمانية. ولذلك يتبعها بقوله الحق: "وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ‏وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". ولماذا لم ننس الدنيا هنا؟ لأنها هي المزرعة ‏للآخرة". ‏

إذن فطلب الدنيا من الله ليس عيبا ولا إثما، بل العيب فى التركيز عليها ‏ونسيان الآخرة نسيانا تاما. ولو كان الشيخ قد قال منذ البداية ذلك لما اختلفنا معه. ‏كذلك من المعلوم أن الإثم يَفْظُع إذا جاء طلب الدنيا على حساب الآخرة، فيرتكب ‏طالبُها الغش ويرتشى ويسرق ويحتكر ويقتل ويغتصب غير واضع الآخرة فى ‏حسبانه بتاتا. ولو كان الشيخ قد قال هذا أيضا فى البداية ما قلنا شيئا لأنه هو الكلام ‏المنضبط الصحيح.‏

ومثل موقفه فى هذه القضية كلامه فى الرزق: فهو فى تفسيره لقوله تعالى فى ‏سورة "العنكبوت": "إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ ‏تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ‏وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)" يقول إن "الرزق هو الشُّغْل الشاغل عند الناس، ‏ففي أول الأمر كلنا يجتهد لنأكل ونشرب ونعيش، فلما تتحسَّن الأمور نرغب ‏للمستقبل: فالموظف مثلاً يدخر لشهر، والزارع يدخر للعام كله. ومن أعاجيب ‏هذه المسألة أنك تجد الإنسان والفأر والنمل هم الوحيدون بين مخلوقات الله التي ‏تدخر للمستقبل، أما بقية الحيوانات فتأخذ حاجتها من الطعام فقط، وتترك الباقي ‏دون أنْ تهتمَّ بهذه المسألة، أو تُشْغَل برزق غدٍ أبداً، لا يأكل أكثر من طاقته، ولا ‏يدخر شيئاً لغده.‏

لذلك يُذكِّر الله عباده بمسألة الرزق لأهميتها في حياتهم. ومن عجيب أمر ‏الرزق أنه أعرَفُ بمكانك وعنوانك منك بمكانه وعنوانه، فإنْ قُسِمَ لك الرزق ‏جاءك يطرق عليك الباب، وإنْ حُرِمْتَ منه أعياك طلبه... يقول أحد الصالحين: ‏عجبتُ لابن آدم يسعى فيما ضُمِن له ويترك ما طُلِب منه. فرَبُّكَ قد ضَمِن لك ‏رزقك، فانظر إلى ما طُلِب منك، واشغل نفسك بمراد الله فيك. لذلك نتعجب من ‏هؤلاء المتسولين الذين كنا نراهم مثلاً في مواسم الحج، وشرُّهم مَنْ يعرضون ‏عاهاتهم وعاهات أبنائهم على الناس يتسولون بها، وكأنهم يشتكون الخالق للخَلْق، ‏ويتبرَّمون بقضاء الله، والله تعالى لا يحب أن يشكوه عبده لخلقه. والنبي صلى الله ‏عليه وسلم يقول: "إذا بليتم فاستتروا". ووالله لو ستر أصحاب البلاء بلاءهم ‏وقعدوا في بيوتهم لَسَاقَ الله إليهم أرزاقهم إلى أبوابهم".‏

ثم نجده عند تعرضه للآية العشرين من نفس السورة، أى بعد ثلاث آيات ‏ليس إلا، وهى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ ‏الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، يقول ضمن ما قال: "السير من أرض لأخرى ‏له دافعان: إما للسياحة والتأمل والاعتبار، وإما للتجارة والاستثمار، إنْ ضاق ‏رزقك في بلادك. فقوله: "قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا" (العنكبوت/ 20) أي نظر ‏اعتبار وتأمل. أما في "ثُمَّ انْظُرُوا" (الأنعام/ 11) فـ"ثم" تفيد العطف والتراخي كأنه ‏سبحانه يقول لنا: سيروا في الأرض للاستثمار، ثم انظروا نظرة التأمل والاعتبار، ‏ولا مانع من الجمع بين الغرضين.‏

وتذكرون أن الحق سبحانه قال في سورة "القصص": "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ‏الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ" (القصص/ 85)، والمراد بذلك الهجرة. وفي هذه السورة ‏تأتي "ياعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ" (العنكبوت/ 56). ‏والمعنى: إنْ ضاق رزقك في مكان فاطلبه في مكان آخر، أو إنْ لم تكُنْ الآيات ‏الظاهرة لك كافية لتشبع عندك الرغبة في الاعتبار والتأمل فسِرْ في الأرض، فسوف ‏تجد فيها كثيراً من الآيات والعِبَر في اختلاف الأجناس والبيئات والثمار ‏والأجواء... إلخ. لذلك يقول سبحانه: "أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا" ‏‏(النساء/ 97). ‏

فالأرض كلها لله لا حدودَ فيها ولا فواصلَ بينها، فلما قسَّمها الناس وجعلوا ‏لها حدوداً تمنع الحركة فيها حدثت كثير من الإشكالات، وصَعُبَ على الناس التنقل ‏للسياحة أو لطلب الرزق إنْ ضاق بأحد رزقه. وها هي السودان بجوارنا بها ‏مساحات شاسعة من الأراضي الخِصْبة التي إنْ زُرِعت سدَّتْ حاجة العالم العربي ‏كله، أنستطيع الذهاب لزراعتها؟ ساعتها سيقولون: جاءوا ليستعمرونا. لذلك لما ‏أتيح لي التحدث في هيئة الأمم قلت: إنه لا يمكن أنْ تُحلَّ قضايا العالم الراهنة إلا إذا ‏طبَّقنا مبدأ الخالق عز وجل وعُدْنا إلى منهجه الذي وضعه لتنظيم حياتنا، وكيف ‏نضع بيننا هذه الحدود الحديدية والأسلاك الشائكة، وربنا يقول: "وَالأَرْضَ وَضَعَهَا ‏لِلأَنَامِ" (الرحمن/ 10)؟ فالأرض كلُّ الأرض للأنام كل الأنام. ويوم نحقق هذا ‏المبدأ فلن يضيق الرزق بأحد، لأنه إنْ ضاقَ بك هنا طلبتَه هناك. لذلك أكثرُ ‏الشكوى في عالم اليوم إمَّا من أرض بلا رجال أو من رجال بلا أرض، فلماذا لا ‏نُحْدِث التكامل الذي أراده الله في كونه؟". وواضح أن الكلام فى النصين مختلف ‏بل متناقض.‏

 

أخبار ذات صلة

في لغتنا العربية المعاصرة نقول مثلا :

جاء سعادة المدير وصافحته.

ولا نقول:

< ... المزيد

اعتذر ابتداء عن الإطالة..

ولكنها النصيحة،والدين النصيحة،ففي ليالي العشر من ذي الحجة..يتطلع كل طامع في الر ... المزيد

اعتاد العديد من قادة الدول مخاطبة الجمهور الأميركي عبر صفحات صحيفة نيويورك تايمز، بسبب ما لهذه الصحيفة من أثر واسع في الولايات المتحدة. وليس مقال ال ... المزيد

من بركات ثورتنا العظيمة (التي خذلناها وجَنَينا عليها بأيدينا) أنها عرّفتني بكرام لم أكن أعرفهم. منهم رجل خَيِّرٌ جادَ بالوقت والمال وكان شعلة متّقدة ... المزيد

تعليقات