البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

بين مقاربتين في التعامل مع التصوف

المحتوي الرئيسي


بين مقاربتين في التعامل مع التصوف
  • شريف طه
    11/06/2021 07:42

الطرق الصوفية - الجماعات الإسلامية الدعوية  - المذاهب الإسلامية، هي في الأساس وسائل للوصول لغايات شرعية (في أساسها) ولذلك لا تحمد ولا تذم لذاتها، وإنما يلحقها الذم في حالتين :

الأولى : حينما تنقلب الوسيلة لغاية، ويصبح الحفاظ على (النسق) هو الهدف في ذاته، ولو على حساب الدين نفسه، فيتحول الولاء والبراء على هذه الصور أشد من الولاء للإسلام، وهذه هي عصبية الجاهلية المذمومة.

الثانية : حينما يقع الانحراف في الخط الفكري والمنهجي للطائفة، وليس المقصود أي خطأ؛ فإنه لا تخلو طائفة - أيا كانت- من ذلك، ولا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، والعصمة للأمة في إجماعها، أما طوائفها فلا تخلو طائفة من خطأ.

وإنما المقصود هنا : الانحراف في أصل كلي من أصول الشريعة، وقواعدها الكبار، كإنكار السنة، أو تقديم العقل على النقل، أو نفي الصفات، ونفى القدر، وتكفير الصحابة، وعدم التزام الشريعة ونحو ذلك من قواعد الدين.

ومثله : كثرة المخالفة في الجزئيات، فإنها تدل على فساد الأصل، كرجل يحرف آيات القرآن، ويفسرها تفسيرا باطنيا بعقله أو بهواه، ويكون هذا ديدنه، وتتبعه طائفته على ذلك.

أو طائفة تصرح بلزوم الكتاب والسنة، ولكنها لا تلتزم بذلك قط في أورادها وعباداتها واحوالها، بل تعتمد على الكشف والإلهام وتقدمه على الشريعة.. فهذا كالمخالفة في الأصل الكلي.. وهنا يقع الذم للطائفة.

ومن هنا يمكننا فهم موقف كثير من العلماء، التصوف، ومثله الجماعات الإسلامية المعاصرة.. والعجيب أن بعض منتسبي التصوف يذمون الجماعات الإسلامية من الجهة التي يشاركونهم فيها في الذم لو صح ذمهم، بل ربما كانوا مستحقين للذم أكثر، كفكرة السمع والطاعة لمرشد الجماعة الموجودة عند الإخوان ومن انبثق منهم وتأثر بهم، فإنها موجودة أشد عند الصوفية   بل ربما اقتبس البنا فكرة البيعة والسمع والطاعة من الطريقة الحصافية التي كان أحد مريديها قبل أن ينفصل ويؤسس طريقته الخاصة وجماعته الخاصة بنسقه الخاص.

على مر العصور، ومع تفاوت البلدان، تفاوتت درجات المخالفات في هذه الانساق الثلاثة، وتفاوتت معها مراتب الإنكار والإصلاح، ففي بعض الأحوال يكون الخير هو الغالب مع مخالفات يسيرة، وتارة تكثر المخالفات، ويشتد معها الإنكار، دون رغبة (وأحيانا لا قدرة) في هدم النسق بالكلية،ومن ثم يكون الأصلح هو الإصلاح ورد المخالفات، ومحاولة تذكير الأتباع بخطر الانحراف عن المسار الذي كان عليه مشايخه، الذين هم أقرب للصواب.. وهذه-في نظري - هي مقاربة ابن تيمية مع التصوف السائد في عصره.

 

فقد كانت فتنة الاتحادية تموج في عصر ابن تيمية، وما زال أمر ابن عربي غامضا لم ينكشف لأكثر العلماء المغترين بصلاحه وزهده، خاصة مع غموض اللغة واختباء الرجل خلف الإشارات والرموز والألغاز؛ للهروب من قبضة الفقهاء وعلماء الشريعة، الذين اعتبرهم ابن عربي كالفراعنة مع الرسل!!

كانت همة ابن تيمية منصبة في الأساس نحو محاربة هذا النوع من التصوف الفلسفي الغالي، والذي انتشر بوعي أو بدون وعي بين عامة المتصوفة الذين ربما يرددون بعض عباراته وهم لا يستوعبون مضامينها الفلسفية الكفرية.. فجاهد ابن تيمية بقلمه ولسانه لإثبات أن أئمة التصوف الأوائل كانوا على السنة في أصولها الكبار، ومجانبين لهذه العقائد الباطلة- وهذا لا يعني بالمناسبة إقرار جميع أحوالهم- وتأول - بتكلف أحيانا - عباراتهم الموهمة؛ ليردها لأصول الكتاب والسنة، فلم يكن الرجل مهتما بإدانة المتصوفة، وإثبات انحرافهم، ولكن كان يهمه صفاء المنهج، وإصلاح التصوف من داخله، بدلا من ترك المتصوفة لأفكار وعقائد وضلالات التصوف الفلسفي.

في مرحلة لاحقة، كانت الدعوة الوهابية تمتلك من الحماسة والقوة، ما يجعلها لا تقف هذا الموقف من الصوفية، بل رأى اغلب علمائها أن الطرق الصوفية، لم يعد يرجى صلاحها ولا إصلاحها، بعد أن تجذرت أزماتها، وصار الأمل الوحيد في إصلاحها هو دعوة المتصوفة لترك التصوف جملة، وعدم بذل الجهد في تأويل مقالاته الغامضة والوعرة.. فهناك طريق أيسر من كل هذا.. وهو إهالة التراب عليه، والاكتفاء في باب التزكية بما جاء في الكتاب والسنة، وكتب العلماء المجانبين لبدع التصوف ومقالاته.

وهي الطريقة التي سار عليها جماعة أنصار السنة في مصر َورجالها الأوائل، كحامد الفقي وعبد الرحمن الوكيل وغيرهما.

ربما كانت طريقتهم أنجع في استئصال الداء المستشري، وربما رأى البعض أنه لم يعد هناك مجال لإصلاح التصوف، خاصة أنه لم يعد يمكن الإشارة إلى مدرسة أو طريقة صوفية أو علم صوفي يشار إليه بالاعتدال.

ولكن مع ذلك ستبقى طريقة شيخ الإسلام هي الأقرب الإنصاف والعدل والله أعلم.

 

أخبار ذات صلة

بعد سقوط الخلافة قال «توماس إدوارد لورانس» المشهور بـ«لوارنس العرب» في كتاب «ثورة في الصحراء»: «لقد وضعنا بمهارة مكة في مواجهة إسطنب ... المزيد

حركة المقاومة الإسلامية ذات تاريخ معروف، وشعبية كبيرة بين أبناء الأمة الإسلامية والعربية، وأحرار العالم، سواء الحركة، أم قادتها ورموزها، وليس خافيا ع ... المزيد

ولماذا تحمد وجود هذه الزلّة؟!

لأنه مصمم على عدم التراجع، واللف والدوران حول الإذن بالذكر، وادخال مصطلحات التجربة في التعبّد وأن كثر ... المزيد

مع صحة كل ما قيل وذهب إليه المحللون واستفاض فيه المحاورن لإماطة اللثام عن ما فعلته المقاومة الفلسطينية المباركة بالعدو الصهيوني من مسحٍ لكرامته وتضييع ... المزيد