البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

بين السامري والخضر...(عَورة نفس وطُهر قلب)

المحتوي الرئيسي


بين السامري والخضر...(عَورة نفس وطُهر قلب)
  • د. أحمد عبدالمنعم
    25/12/2019 06:43

. اختلفت قلوبهم فاختلف كلامهم.... (كلمات تكشف خبايا النفوس)

 

يقول تعالى:

(قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُول )

أي: قال السامري: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ يعني: رأيت ما لم يَرَوا وعلمت ما لم يعلموا به.

قال موسى: ما الذي رأيت دون بني إسرائيل؟ فقال: رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة. وهو قوله:

فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، يعني: من أثر فرس جبريل.

فَنَبَذْتُها، يعني: فطرحتها في العجل. ثمّ قال: وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، أي: زينت، فلا تلمني بهذا الفعل ولمهم بعبادتهم إياه.

قالَ له موسى عليه السلام: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ، يعني: عقوبتك في الدنيا أَنْ تَقُولَ لاَ مِساسَ، يعني: لا أمس أحداً ولا يَمسَّني أحد، ويقال: معناه لن تخالط أحداً ولن يخالطك أحد، فنفاه عن قومه (تفسير السمرقندي).

 

وَقَوْلُهُ: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} يَقُولُ: قَالَ السَّامِرِيُّ: عَلِمْتُ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ، وَهُوَ فَعَلْتُ مِنَ الْبَصِيرَةِ: أَيْ صِرْتُ بِمَا عَلِمْتُ بَصِيرًا عَالِمًا (الطبري).

 

- فهذه الكلمة (بصرت بما لم يبصروا به) تظهر لنا عورة النفس الأنانية واضحة جلية وتدل على إحساس داخلي بالانفراد التام في الفهم والبصيرة وتنمّ على شعور بالاستغناء التام عن أي نصح أو مشورة.

وما خالط هذا الشعورُ أحدا إلا جعله متيبّسَ الرأس رافضا للنصح منعزلا عن إخوانه.

فهي تبين لنا نمطا نفسيا متكررا له نفس المقدمات والنتائج.

فشعورك بأنك ترى ما لا يراه الآخرون شعورٌ غريب قد يجعلك تعيش في عالم آخر غير عالم الناس تحتقرهم وتتكبر عليهم، وقد يجعلك تشكر نعمة الله عليك موقنا أن غيرك يرى ما لا تراه أنت.

هذا الشعور قد يكون حقيقة وقد يكون ظنا.

والعجيب أن السامري بالفعل (على افتراض صحة هذه الإسرائيليات) قد قُدّر له رؤية خاصة لفرس جبريل لم يرها غيره وحصل على قبضة خاصة من أثر الفرس، ولكن هذه الرؤية وهذه القبضة كانت بلاءً ولم تكن عطاءً كانت فتنةً له ولم تكن نعمة له.

وكما قال القشيري

(يقول السامري: هكذا زيّنت لى نفسى فاتّبعت هواها.....ثم كان هلاكه..

لئلا يأمن أحد مكر التقدير، ولا يركن إلى ما فى الصورة من رفق فلعلّه -فى الحقيقة - يكون مكرا ( انتهى)

 

إذن :على فرض الانفراد ببعض العلم أو العمل أو الرؤى قد يكون هذا على سبيل الابتلاء لا الاصطفاء.

والذي يظن نفسه منفردا بعلم أو بعمل ويصاحب ذلك اتباعٌ للهوى= لا يستطيع أن يتعايش مع إخوانه وينظر إليهم دائما بنظرة احتقار أو شفقة ثم يصنع لنفسه خندقا يعيش بداخله وشرنقة ينظر من خلالها للعالم.

فكأنه ينادي على نفسه قائلا (لا مساس) وذلك حتى من قبل صناعة عجله الذي بناه برؤيته الخاصة الفريدة.

 

ولكن هل يمنع هذا من اصطفاء الله حقا لبعض عباده بعلم أو عمل؟!!

أقول: لا يستطيع أحد أن يحجر أو يجحد فضلا أعطاه الله لعبد من عباده ولكن هذا العبد المصطفى الذي يشكر هذه النعمة لا يتصرف كالسامري

ولكن يتصرف كالخضر مع موسى عليه السلام... وإليك ما حدث:

 

جاءت قصة الخضر مع سيدنا موسى عليه السلام بين قصتين .. قصة صاحب الجنتين (مرحلة استضعاف جزئي) وقصة ذى القرنين (مرحلة التمكين)

وكأن في ذلك إشارة إلى مفاهيم وأخلاق مهمة للانتقال من الاستضعاف إلى التمكين.

 

وفي صحيح البخاري: عندما قال موسى عليه السلام أنه لا يوجد في الأرض أحدٌ أعلم منه فعَتَبَ اللهُ عليهِ إذْ لمْ يَرُدَّ العلمَ إليهِ، فأوْحى اللهُ إليهِ: بَلَى؛ إنَّ لي عبداً مِن عِبادي، بمَجْمَعِ البحرين هو أعلَمُ منكَ ... (ياترى ماذا قال موسى عندما سمع هذه الكلمة؟!)

قال يا ربِّ! فكيفَ لي بهِ؟ وكيف السبيل إليه؟

 

هكذا يتعامل أهل الدين عندما يعلمون أن أحدا من الطائعين يملك فضل علم أو عمل ليس عندهم، ولا يحسدونهم ولا يهدمونهم ...

بعكس ما فعل أحد ابني آدم عندما علم بقبول الله لقربان أخيه ولم يقبل منه ، فلم يقل له علمني ماذا أفعل حتى يُقبل مني........ ولكنه قال: لأقتلنك!!

ولقد قال الخضر لموسى عليه السلام كلمة تلخّص العلاقة الصحيحة والصحيّة بين العاملين لدين الله:

قال ((( إنِّي على علمٍ مِن علمِ اللهِ علَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنتَ، وأنتَ على علمٍ مِن علمِ اللهِ علَّمَكَ اللهُ لا أعلَمُه)))

ففي الجملة الأولى: أخبر بما عنده من علم وأنه من فضل الله وأن موسى لا يعلمه

وفي الثانية: اعترف بما عند موسى من علم ونسبه إلى الله واعترف بعجزه في هذا العلم.

قال الخضر الجملتين معاً ولم يكتف بالجملة الأولى.

فهكذا يحدث التكامل بين العاملين لدين الله وهكذا ننتقل من الاستضعاف إلى التمكين ... لا بالتنازع فيما بيننا وهدم بعضنا لبعض.

 

أخبار ذات صلة

كان اللقاء مع مجموعة من كوادر جماعة الإخوان المسلمين في الخارج ، وفيها قدر من المكاشفة والمصارحة ، خاصة بعد الجدل الذي أثير عقب نشر الزميل الأستاذ سليم عزوز ... المزيد

أولا تيار السلفية يمثل قطاعا عريضا ومن الظلم التعميم علي جميع أعضائه وماأطرحه رؤية شخصيه تحتمل الخطأ والصواب.

 

يرجع تاريخ التفكير ال ... المزيد

دائما يقع الاسلاميون في دائرة الطرف المدين او العاجز بسبب أمور منها:-

..

القفز على حقيقة الوسع في إدارة واقع أو مستقبل قر ... المزيد

قال تعالى: "مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْ ... المزيد