البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

بوح اليراع في غفلة من الشمس

المحتوي الرئيسي


بوح اليراع في غفلة من الشمس
  • أبو بكر محمد بن أحمد الأثري
    12/09/2015 04:59

(1) « في غفلةٍ من الشمس » !
 
. . مع كل يومٍ تتسللُ فيه خيوط الفجر من ذيالك الأفقِ الرحب الواسع، لتعلنَ ميلادَ يومٍ جديد، وانبثاق زمنٍ لكَ أيها
 
الإنسان= يُضيف إلى رصيد عمرك ساعاتٍ ولحظات ؛ تنادي عليكَ ثوانيه مشفقةً حريصةً :
 
لقد خلق الله لك يوماً جديداً ..
 
وحباك سويعاتٍ مزيدة .. وأودع في عمرك الفاني أوقاتاً فوق أوقاتك التي قرضتها شفرات الأيام والأعوام :
 
خذني حازماً وكن حذقاً لبيباً فاهماً؛ وإياك . .
 
وإياك وطول الأمل؛ فإن الذي حباكَ هذا المولود الجديد = قد خلقَ لك ما سيأتيك بغتةً ليخنق هاتيك اللحظات
 
التي كنت تأمل أن تعيش .. معلناً أنْ قد انتهى الإمتحان وانقضت لحظاته وآن أوان الحساب؛ فماذا
 
عساك متمنياً إلاّ بُعيض ثوانٍ ..
 
بُعيض ثوانٍ .. علّك أن ترجع فتعمل صالحاً فيما تركتَ .. وأنّا لكَ ذلك !
 
أيها الإنسان :
 
ألا فالتّعلم أن ذياك الوقت الذي نسجه لك القدر ليكون رصيداً لك جديداً في سني حياتك = مصدرٌ للشقاء، كما هو
 
منبعٌ للسعادة والارتياح ؛ ففيه نَقباتٌ من نور ونوافذ من ضياء وحبور ..
 
وكذا فيه كهوفٌ دامسة الظلام جالبةً للهموم والنَكبات، ودروبٌ مِلئُهَا الأشواك والعقبات !
 
وله لذةٌ كما أن له ألمٌ بئيسٌ لا يرحم ولا يفتأ ينغص عليك بالكَ، ويمزق عليك هنائك !
 
ولكنه يمدك بما يصلح أن تعمل فيه صالحاً غداً ترضاه ، وكذا طالحاً يؤول عليك بالنقمات ويفتح عليك كوةً من
 
ألم وهموم وحسرات . . وبعد كل ذلك :
 
لك أنت الخيار !
 
أيها الإنسان :
 
إن شفرات الأيام لا ترحم ولا ترقب ولا تمُهل .. حِداداً هي تأتي على الأوقات تمزيقاً وانتهاباً ولا مُوقف لها ولا راد ..
 
مخلصةً في تقريضها لا عمل لها إلا ذاك !
 
بل هي قطارٌ لا يفتأ ويتسارع .. فأدرك نفسك قبل حلول الوصول إلى المحطة التي تعرف وأعرف ..
 
فإنَّ الموعد المرتقب قد أزف .. وتذكر :
 
أن ذيالك المولود عمّا سويعات ليأتين عليه الغروب - حين أن تغرق الشمس و « في غفلة منها » ككرة نار في أفقٍ
 
دامٍ، منذرةً بقرب ليلٍ أليل - ؛ ذبحاً وإزهاقاً، معلنةً بغرقها انتهاء موعد مَعيش أوقاته .. وأفول لحظاته !
 
وستبقى أنت وما فعلت !
 
أيها الإنسان :
 
هذا ما لدي .. فأدركن نفسك قبل مجيء الناعي لك أيامك، المُغلق عليك سنِي حياتك، فإما أن تستقبله بما يرضيك ..
 
أو يُغلقه عليك بما يسوئك ولا ترتضيه !
 
وتذكر :
 
أن لك اليوم الخيار !!
 
* * * *
[ 2 ]
 
رثاءُ الذكرَياتِ  « حروفٌ سُطِرت بمدادِ الأحزان . . » !!
 
قذى بعينيَّ أم بالعين عوّارُ ، ، أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار
 
كأن دمعي لذكراه إذا خطرت ، ، فيضٌ يسيل على الخدَّين مدرارُ
 
 * *
. . . هكذا الذكرى شكولٌ وأنواعُ ... ولكنما الذكرى ذِكْرَى مَن تجزعُ لذكراهم القلوب وَتُمْسِكُ آلة اللِّسان عند لمح
 
لحاظها عن الإبانة والإفصاح، وتختَّنق العبرات وتُقتل قبلها الكلمات وتوأدُ في صدِّرٍ سُكب فيه الشوق ممزوجًا بأحزانٍ
 
وآلام، وتتضَّاءل الأنفاس حتى تكاد تحكم على أصحابها بالفناء، وترسل لها العيون دمعًا حرَّاقًا يُذكِي الأحزان لتنمو
 
وتنتشر فتعمُ كسْر القلوب وزواياها . . !!
 
ذكرى .. لأجلها ترسل العيون مائها لتُتَرجمَ عن أحزان القلوب ولكنَّها دموعٌ لا تُحْسِنُ تَتَكلَّم .. !!
 
ذكرى رجلٍ إن جئته مفتِّشًا عن ثلمةٍ فيه لم تجد شيئًا، وإن جئته مُنَقِبًا عن نَقَبٍ في أخلاقه لم تجد شيئًا، وإن أنتَ
 
طالبت سجاياه بضد طباعها لم تجد شيئًا، وإن ذهبتَ لسؤل الناس عن سوءٍ رأوه مذُ عقلوه لم تجد شيئًا .. وإن أردت
 
فيه قلبًا ينبضُ رأفةً ويدق سجيةً حسنةً في الرضى والغضب وجدتَ كل شيءٍ !
 
رجلٌ . .
 
رجلٌ إن أنت من أيَّ النواحي أتيتَهُ رأيتَ شخصًا قد تمثلت به سجايا الأخلاق ملتَّحفَةً بأبهى حللها وأطيب طيبها ..
 
وكأنه أفقٌ والنجوم سطوره ، ، تاريخ أخلاقٍ وشجاعة ومعالي
 
متأنقُ الجنبات مشبوب الضيا ، ، خِضلُ الندى صافي الشمائل سامي
 
هذا بُعَيض وصفه أفتُلامُ المآقي إن هي للدموع أرسلت عليه أنهارًا وأنهارا ؟!
 
* * *
 
ألّا قاتل الله المنايا ورميَها خير الناس عن عمدِ، وتَبَتْ يَدَى تلك الأيدي الأثمَةِ التي أرسلت شواظَ الموت ليَسِّلَ - روحًا
 
طيبةً - وتب !
 
أَيَا صاحب الذكرى خَلْفَكَ نفوسٌ مجدبةٌ قد انصرفَ عنها سحاب الخير وأريج الخَصَبْ، ثم رحمَها الله بزهرتين ترِفَّان
 
نضرة ورواءَ، كانت تجد في أنفاسهما ثروة الرَّوضة الحيّة فلا تجد فقرًا ولا جدبًا . . !
 
أمَّا إحداهما = فقد قطفتها حقيقة الحياة، وأما الأخرى = فانتزَّعتها حقيقةُ الموت، وبقيت هاتيكَ الأنفس مجدبةً تستشعر
 
ذلَّ الفقر .. فقر الصبر ولوعة الاشتياق !
 
فالعين بعدكَ كأن حِداقها ، ، كُحِّلت بشوكٍ فهي عورُ تدمعُ
 
* * *
 
إيهٍ لو حضرتَ رِيَاضَهُ وشنَّفت مَسَامِعَكَ بكلامه .. حُروفٌ وكأنها سليلُ الماء المتَّدفقٍ من بين أزاهير وثمار، شفتانِ
 
الدُّر حديثهما وطيب الكلام نسجهما .. !
 
فإن أثبتَ قلبكَ فيها رأيت تفصيلًا شيئًا بعد شيءٍ بعد شيء، كما تنظر نجمًا بعد نجمٍ بعد نجم :
 
كُلها شعاعٌ وكلها نورٌ وكلها حسنٌ !
 
وباسِمٌ . . باسمُ العينين مؤتَلِقٌ ، ، كما ترقْرَقَ في الغُدران سَلسَالُ 
 
حلو الحديثِ كأنَّ الرَّاح مَا شَرِبَتْ ، ، أُذنَاكَ والوُدَّ أنسامٌ وأظلالُ
 
همةٌ وكأنها تنورٌ قُذِفَ تحتها حطبٌ وحطبٌ من شديد الاشتعال لا تفتُّرُ أن تتسَّعرَ وتضطرمَ .. في الناسِ هي عاليًا
 
عاليًا .. وفيما هم يَرُوغوهه نازلًا نازلًا ، كأنها ليسَ في الأمر إلَّا أنها أُخِذَت من السماء ووضعت بين جنبيه !!
 
فليسَ في فعالهِ إلَّا حسنٌ يجرّه إليكَ شوقٌ ثم ينبعث في ورعك منه حبًا ووفاءَ!
 
* * *
 
ليسَ من وكدِ اليراعة أن تَخُطَّ مآثرهُ.. وكذا ليسَ من شأنها أن تسطرَ سيرته؛ فإن ذلك يُعجز ويُقصر؛ فإن أبا عبدِ الله
 
كثيرُ الشمآئل عظيمُهَا فأنَّى لقرطاسٍ أن يضمها، أيُّ قرطاس؟! ..؛ إنما هي زفراتٌ يُتَرجِمُهَا صاحبها
 
حروفًا وآهاتٍ . . !
 
ذكرى حرَّةٌ لا تزال تنشَقُ لها زَفرَاتٍ تبرقُ لها آلام ، لا تفتأ أن تبرِقَ رَغمَ أنَّ الحدثان أثبتا في القلبِ ومحيا .. ولكنها
 
ذكرى الأحباب .. وهل تمحى ذكراهم .. ؟!
 
تلكَ ليلةٌ سوداءٌ أتت على حواشِ الضياء بخيلها ورجلها تمزيقًا واغتصابًا؛ وكأنَّه أليلٌ انصدَعت عنه السماء .. ثم علا
 
فسدَّ بنحسِ سواده ذاك الطالع الجميل .. !
 
* * *
 
تحت الثرى .. عليكَ رحمة الله التي وسعت كل شيءٍ، وفوقَ الثرى.. على قلوبٍ عمها الحَزَن فضاقت بكل شيءٍ؛
 
تحت الثرى تَتَجدَّدُ عليكَ هبوبُ روائح الجنان ونعيمها؛ وفوقَ الثرى تَتَقادم علينا أحزانُ الذكريات ولوعة الشوق
 
وحرَّات المآقِ !
 
مَضى طاهِرَ الأَثوابِ لَم تَبقَ رَوضَةٌ ، ، غَداةَ ثَوى إِلّا اِشتَهَت أَنَّها قَبرُ 
 
ثَوى في الثَرى مَن كانَ يَحيا بِهِ الثَرى ، ، وَيَغمُرُ صَرفَ الدَّهرِ نائِلُهُ الغَمرُ
 
عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ وَقفاً فَإِنَّني ، ، رَأَيتُ الكَريمَ الحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ
 
رحمكَ الله أبا عبدِ الله . . رحمكَ الله . . 

أخبار ذات صلة

الكنيسة الكبرى :

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

المزيد

ألغت المحكمة الإدارية العليا، الجمعة، قرار مجلس الوزاء الصادر بتاريخ 24/ تشرين الثاني/ نوفمبر 1934، بتحويل "آياصوفيا" بإسطنبول من المزيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

واقع العالمانية التركية:

المزيد

الحمد لله وبعد فهذه مسائل فقهية حول أحكام صلاة المريض ،وما يتعلق بها من أحكام الطهارة وغيرها . وقد كان الحامل على جمعها وكتابتها ما نعاني منه جميعاً من ا ... المزيد