البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

بعد أن هدأت العاصفة

المحتوي الرئيسي


صورة الكاتب الأستاذ عصمت الصاوي صورة الكاتب الأستاذ عصمت الصاوي
  • عصمت الصاوي
    15/03/2018 10:03

بعد أن هدأت العاصفة

ألقت رؤية فضيلة الشيخ عبود الزمر الأخيرة، الضوء كاشفا حول قضية تنوع الأراء داخل الجماعه الإسلامية ، فبينما يري فريق أهمية استمرار هذا التنوع وتشجيعه وتنميته ، يري فريق أخر خطورة هذه الفكرة علي تماسك الجماعة ووحدتها ، واحتج جزء من هذا الفريق بعلمانية الفكرة ابتداء ومن ثم مضاداتها للمنظور الإسلامي الصحيح ، واحتج أخرون بأن الجماعة أو الحزب هما بمثابة التجمع الاختياري وفق أسس ومبادئ محددة وبالتالي فالتنوع داخل هذه الكيانات الاختيارية هو أمر يضاد الهدف الأولي من التجمع ، وذهب أخرون إلي أن التنوع يصح وجوده داخل الكيان الواحد في مرحلة المناقشة والشوري دون مرحلة الإعلان ، بمعني أن مراحل النقاش والشوري من الممكن أن يظهر فيها التنوع ولكن هذا التنوع يجب أن ينعدم حال اتخاذ القرار والاعلان عن الموقف النهائي للحزب أو الجماعة ، واخرون ذهبوا الي شخصنة القضية وقرروا هدم المختلف معهم معنويا لهدم فكرته، فذهبوا يتطاولون علي أصحاب الفكر المختلف معهم دون مناقشه الموضوع .

وبعد أن هدأت العاصفة يمكننا أن نتعرض بالمناقشة الهادئة لحجج الفريق القائل بمخاطر تنوع  الرؤي والأراء داخل الكيان الواحد

فأما من قال بعلمانية الفكرة ومضاداتها للتصور الإسلامي ، فغني عن الذكر أن القرأن الكريم قد أقر ابتداء فكرة التنوع الإنساني واعترف بالاختلاف باعتبارة إحدي المسلمات الكونية التي لن تتغير ، ولن يخلق الله الاختلاف ثم يعطل الأثار المترتبة عليه ، بل أن الله تبارك وتعالي قد أمرنا بالحوار والتجادل مع المختلف العقائدي بالتي هي أحسن ، فما بالنا بالمتفق العقائدي ، كما أمرنا بالحوار والشوري داخل الصف الإسلامي فهل يعقل أن يأمر الله بالشوري ثم يفرغها من مضمونها المستوجب تعدد الرؤي واختلافها وتنوعها وربما تضادها ، وكم رأينا الاختلافات الحادة داخل الجماعة الإسلامية الأولي وقت تنزل الوحي وفي حضرة النبي صلي الله عليه وسلم ، فكيف يستساغ القول بمضادة فكره الاختلاف والتنوع مع التصور الإسلامي بل هي فكرة في صميم التصور الاسلامي ولم ُينزع التنوع من المجتمع المسلم الا في العصور الجبرية التي أفقدت المجتمع المسلم حيويته وقوته .

وأما القول بأن الحزب والجماعة هما بمثابة التجمع الاختياري وفق أسس ومبادئ محددة وبالتالي فالتنوع داخل هذه الكيانات الاختيارية هو أمر يضاد الهدف الأولي من التجمع ، فهو قول محل نظر فالإسلام كله بمثابة التجمع الاختياري وفق عقائد وأسس ومبادئ محددة فهل يعقل أن نمنع التنوع داخل الصف الإسلامي كلة بحجة أن التنوع أمر مرفوض داخل الكيانات الاختيارية !!! (وإن كنا نقر بداهة أن الاختلاف العقائدي خارج عن إطار الحديث) ، وقد كانت الدولة الإسلامية الأولي بقيادة النبي صلي الله عليه وسلم كيانا اختياريا وقد رأينا فيها من اختلاف الرؤي وتعدد الأراء ما وصل إلي حد التضاد دون إنكار من النبي صلي الله عليه وسلم

وأما القول أن التنوع يصح وجوده داخل الكيان الواحد في مرحلة المناقشة والشوري دون مرحلة الإعلان ،

فهو قول وإن كان في ظاهرة يحمل علامات لقوة الكيان ووحدته وتماسك لحمته ولكنه في الحقيقة يعطل أجهزة التفكير وأدوات النقد الذاتي داخل الكيان مما يفقد الكيان جهاز المناعة الداخلي القادر علي دفع الكيان ذاتيا في اتجاه النمو والتطور ، فقد رأينا النبي صلي الله عليه وسلم يشجع مراكز التفكير داخل دولته وينمي أدوات النقد الذاتي ، فلم يمنع رأيا ولم يصادر اختلافا حتي ولو كان الخلاف مضادا لرؤيته هو صلي الله عليه وسلم ، ولنعطي علي ذلك مثاليين فقط خشية الإطالة ، أولهما موقف الحباب بن المنذر يوم بدر فقد اتفق المسلمون علي الحرب بعد عملية شورية واسعة لم تقتصر علي الصفوة فقط وإنما شملت جميع المحاربين استمع فيها النبي الي جميع الأراء بل طلب سماع من لم يتحدث ولم يكتف بالأقرار الصامت ، وبني النبي صلي الله عليه وسلم خطة الحرب بإقرار الجميع وبتأييد كاسح من جميع القادة الكبار المتواجدين أنذاك ، وتحولت الخطة النظرية المتفق عليها إلي حيز التنفيذ وأصبحت واقعا عمليا بعد أن اتخذ القادة والجنود مواقعهم المحددة وفق الخطة الموضوعة ، وإننا هنا لسنا أمام رأي للتشاور وإنما أصبحنا أمام مشروع حرب دخل حيز التنفيذ ، وهنا ظهر الحباب بن المنذر ويبدو من السياق أنه لم يحضر مرحلة التخطيط للحرب ولكنه وجد الخطة العسكرية المجمع عليها من كل القادة الكبار ومن النبي نفسه غير ملائمة للحرب ، وقد كان يسعه السكوت إقرارا للنبي وكبار القادة ، كما كان يسعه الإسرار للنبي برأيه وعدم الإعلان للكثير من الاعتبارات والتي منها وحدة الصف واجتماع الكلمة في وقت عصيب كهذا ولكنه أعلن بكل وضوح رفضه للمشروع المجمع عليه والذي دخل حيز التنفيذ والذي يتبناه النبي نفسه وقدم مشروعا بديلا ، وفي المقابل لم نجد النبي يسكته أو يعنفه بحجة دقة الموقف وصعوبة التوقيت ، بل استمع النبي وصحابته للرأي المخالف والذي كان فيه نصرة الإسلام وقوة الدولة الوليدة وانتصار الفئة المسلمة ، أما الموقف الأخر فقد كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وارضاه يوم الحديبية فقد خالف صراحة رأي النبي في الصلح وأعلن ذلك الخلاف بكل قوة وذهب إلي النبي والصديق للتشاور ولم يقتنع بدوافعهم حتي نزل القرأن الكريم مؤيدا فأقر وأذعن ، والموقفان يدلان بوضوح أن الخلاف كان مستساغا ومعلنا داخل الدولة الإسلامية الأولي ، وأن هذا الخلاف أثري الدولة ولم يضعفها بل وأمدها بعوامل القوة والبقاء .

أما من ذهبوا إلي شخصنة القضية واتهموا المختلف معهم زورا وبهتانا ، فقد خالفوا الهدي القرأني في الخلاف ، فالمنهج الإسلامي يحمل عوامل قوته وبقائه في ذاته فهو لا يخشي الخلاف أو الجدال بالحسني أو فتح أبواب الحوار والنقاش ، كما لا يلجأ إلي التخفي وغلق أبواب التفكر وعدم الإعلان بالأراء ، فالقرأن الكريم حاور الملاحدة والدهرية والمرتدين والمنافقين وغيرهم وغيرهم ولم يسع إلي التكتم علي أرائهم وإخفائها بل ذكر أرائهم وفندها، فإذا كان المنهج القرأني مع منكري الله هو منهجة القضية لا شخصنتها أفيكون منهجنا في داخلنا مغايرا لذلك .

وعلي ضوء ذلك ..   

فإن مسألة التنوع والتعدد والاختلاف السياسي داخل الكيان الواحد كان أمرا بديهيا في عصر النبوة الأول فمن المستحيل اختزال كل الأراء والألوان والأطياف في لون واحد ،ولم يحدث ذلك الاختزال في أي فترة من فترات الحكم الإسلامي إلا ورأينا دولة ذلك الاختزال تتهاوي وتتقلص وتضعف حتي تتلاشي ويحل محلها دولة فتية شابة تسمح بالتنوع والتعدد وتستفيد من حركة التفكير وأدواته

ومن هنا فإنه لا يجب أن نستهلك الطاقات والإمكانات لمنع التنوع والاختلاف داخل الكيان الواحد أو السعي لتحويله إلي لون واحد وإنما قضيتنا الأساسية يجب أن تتوجه إلي كيفية إدارة هذا التنوع وتعظيم سبل الاستفادة منه بحيث يتحول إلي مصدر إثراء وغني ودعم وقوة وفاعلية وتجدد وحيوية  داخل الحزب أو الجماعة بدلا من أن يكون سببا للتنازع والاختلاف والشقاق ، علينا أن نهتم بطرح المشروعات والرؤي التي تعزز بشكل إجرائي تنظيم ذلك الاختلاف داخل قنواته الطبيعية لتحقيق الاستفادة القصوي من الحوارات المعمقة التي تستهدف صالح الدين والأوطان أولا ثم صالح أحزابنا وتجمعاتنا الاختيارية ثانيا .

  
 

 

 

أخبار ذات صلة

1- من هي الدول التي تعترف رسميا بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟

الدول التي تعترف بالاتحاد وله فيها فروع وأنشطة رسمي ... المزيد

عقدت حركة "طالبان" الأفغانية، مباحثات مباشرة مع مبعوث الولايات المتحدة لدى كابل، زالماي خليل زاد، استمرت ... المزيد

نظرت محكمة جنايات القاهرة المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة، برئاسة المستشار حسن فريد، تجديد حبس الدكتور عبد المنعم رئيس حزب المزيد

شارك مسؤول رفيع في جهاز المخابرات العامة المصرية، مساء الجمعة، في مهرجان نظمته كتائب المزيد

تعليقات