البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

المفكر الإسلامى محمد عمارة - سؤال وجواب

المحتوي الرئيسي


المفكر الإسلامى محمد عمارة - سؤال وجواب
  • د. محمد عمارة
    24/03/2019 10:59

1- كيف نقدم الإسلام في عصرنا الراهن لإنساننا المعاصر ؟ وما هو المنهج السديد للدعوة الإسلامية في عصرنا الراهن ؟ وما هو موقفكم من التجديد ؟

 

* لتقديم الإسلام في عصرنا الراهن لإنساننا المعاصر سُبُلٌ كثيرةٌ، منها :

 

- أن تكون هناك مستويات في الخطاب الإسلامي تلبي وتناسب احتياجات ومستويات ومفاهيم المخاطبين، تمهيداً للارتفاع بهم إلى المستوى الأعلى ..

 

فلابد من خطاب برهاني لأهل الحكمة والمنطق والبرهان .. وخطاب وعظي للجمهور والعامة .. وخطاب بين هذين الخطابين لأهل الجدل ..

 

وهذه المستويات جميعها أشار إليها القرآن الكريم في آية "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل 125] .. وأشارت إلى منهجها آية "يا بَنِيَّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة" [يوسف 67] .. فالحق واحد، والمقاصد واحدة، لكنْ السبل والطرق متعددة.

 

- وأن يجمع الخطاب الإسلامي بين إيقاظ العقول وترطيب القلوب، وبذلك يحقق الوسطية الإسلامية الجامعة بين حسابات العقول وخطرات القلوب.

 

- وأن ندرك معاني ومرامي النبوة، التي لا تقف عند بلاغ الآيات القرآنية، وإنما تضيف إليه التزكية (التربية) والحكمة (أي كشف الأسرار القرآنية) .. "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" [آل عمران 164].

 

- وأن نحسن الاستفادة - عند مخاطبة العلميين والماديين- من حقائق الإعجاز العلمي للقرآن الكريم .. "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [فصلت 53].

 

* أما التجديد، فهو سنة وقانون وضرورة لإنزال الأحكام على الواقع المتغير .. وبضاعتنا فيه - والحمد لله- غنية إذا نحن استفدنا من "إبداعات مدرسة الإحياء والتجديد" التي ارتاد ميدانها الإمام محمد عبده [1266- 1323 هـ / 1849- 1905م] ومَن سار على دربه من علماء "الأزهر" و"دار العلوم" و"مدرسة القضاء الشرعي"، ونظائرها في مشرق العالم الإسلامي ومغربه،

 

مع الاهتمام بـ "الجهاد الفكري لتطبيق هذا التجديد على الواقع المعيش"؛ حتى لا يظل التجديد حبيس الكتب، وحتى لا يظل الجاهلون والمتجاهلون يتساءلون : أين التجديد ؟! بينما هم الذين يَحُولُون دون تطبيقاته في فلسفة الحُكم، والشورى، والعدالة الاجتماعية، وغيرها من ميادين التجديد.

 

***

 

2- كيف ترى موجات الإلحاد والتشكيك في الدين في العقود الأخيرة، وما تاريخها وخلفياتها وأسبابها ؟

 

الإلحاد ظاهرة غربية، منذ المادية اليونانية (مادية ديموقريطس في القرن الخامس قبل الميلاد) وحتى عصرنا الراهن (المادية الجدلية، والتاريخية، والفلسفة الوضعية الغربية).

 

وهو وافد غربي وفد إلى عالمنا الإسلامي ضمن موجات التغريب التي جاءت إليهنا في ركاب الغزوة الغربية الحديثة، عندنا نظر البعض منا إلى الدين الإسلامي بعيون الفلسفات المادية والوضعية الغربية، وأرادوا أن يتعاملوا مع الإسلام كما تعامل الأوربيون مع اليهودية والنصرانية.

 

وإذا نحن قارنا بين حجم هذا "المرض العقلي" في بلادنا وبين وضعه الكارثي في المجتمعات الغربية، لم ننزعجَ كثيراً من هذا الأمر .. فقط علينا أن ننهضَ فنجعل من محاربة الإلحاد "مهمةً من مهمات العقل المسلم المعاصر" .. نقدم العقلانية الإسلامية التي تستوعب الشكوك وعلامات الاستفهام وألوان القلق العقلي .. ونقدم الإعجاز العلمي للقرآن الكريم .. كما نقدم الهدي الإسلامي والإصلاح الاجتماعي والسياسي الذي يقدم الإسلامَ المعجز في التقدم والنهوض بالمجتمعات عبر الزمان والمكان .. وعند ذلك سيرى الملاحدة واللاأدريون كيف يقدم الإسلامُ، إلى جانب سعادة الطمأنينة القلبية، الحلَّ للمشكلات الاجتماعية التي تقذف بالبعض إلى دائرة الإلحاد.

 

وعندما رأستُ تحرير "مجلة الأزهر" يسر الله سبحانه وتعالى تقديمَ العديد من الأعمال الفكرية التي كونت ما يُشْبِه مكتبةً تعالج هذا الوافدَ الضر الذي يزعج الغيورين على الدين في واقعنا المعيش.

 

ولأن الإلحادَ هو جزءٌ من التغريب الوافد إلى عالَم الإسلام، كان تأثيره أكثر في البيئات العلمانية المتغربة، وفي البيئات التي يسود فيها الجمود والتقليد الديني (الذي يخلق الفراغَ الذي يتممد فيه التغريب) .. فالتقليد الأعمى لماضينا، والتقليد الأعمى للماضي الغربي، هما وجهان لعملة واحدة، في فضائهما يتمدد الإلحاد.

 

وإذا نحن نظرنا إلى حجم الإلحاد في الواقع الإسلامي، وقارناه بانتشار الإسلام في المجتمعات الغربية، ستطمئن قلوبنا إلى أن طريق الإلحاد في الواقع الإسلامي مسدودٌ مسدودٌ، شريطةَ "الجهاد الفكري" الذي يطهر واقعنا المعيش من الإلحاد كما تَطَهَّرَ منه واقعنا التاريخي القديم.

 

***

 

3- ما هو موقفكم من الحداثة ؟ وما موقفكم من الغرب وحضارته الحديثة ؟ وما الذي يمكن أن نستفيد فيه من الغرب ؟ وما الذي ينبغي أن نَحْذَرَه ؟ ولماذا تتصدى للتوجهات التغريبية بشكل خاص ؟

 

* "الحداثة" مصطلح غربي تم تزييف مضمونه عندما "خلط" المتغربون مضمونه بمضمون مصطلح "التجديد" الإسلامي ..

 

فعلى حين يعني التجديد الانطلاقَ من الثوابت الجامعة إلى فقه الواقع المتغير والبحث له عن الأحكام التي تَصِله بمناهج الإسلام، على النحو الذي يجمع بين العقل والنقل، وبين فقه الواقع وفقه الأحكام،

 

فإن الحداثة هي النزعة الغربية التي تقيم قطيعةً معرفيةً كبرى مع الموروث، ومع الموروث الديني على وجه الخصوص .. إنها الثقافة التي زعمت أن الدين إنما مَثَّلَ طفولة العقل البشري في التاريخ القديم، وجاءت الميتافيزيقا لتقيمَ قطيعةً معرفيةً مع مرحلة الدين، ثم جاءت الفلسفة الوضعية لتقيمَ قطيعةً معرفيةً مع الميتافيزيقا، ولتحل الإنسان في مركز الثقافة بدلاً من الله ..

 

تلك هي الحداثة في مضمونها الغربي، ولذلك تجد كلَّ الحداثيين، في بلادنا وفي غيرها، علمانيين، يقيمون قطيعةً معرفيةً مع الشريعة، ويتبنون في بلادنا - كأسلافهم الغربيين- القانون الوضعي الغربي بدلاً من الفقه الإسلامي في المعاملات ..

 

ومِن هؤلاء العلمانيين مَن يقفون بالدين عند ما لله، جاعلين ما لقيصر هو للنُّظُم الغربية في الحُكم والإدارة والقضاء والتشريع ..

 

ومنهم ماديون يجعلون قيصر هو السيد على ما لله أيضاً ..

 

فحداثتهم تقيم قطيعة معرفية مع الدين .. وعلمانيتهم تقيم قطيعةً بين الأرض والسماء.

 

* أما موقفي من الغرب وحضارته الحديثة فهو موقف "التمييز" بين :

 

- ما أبدعه الغرب الحديث في العلوم الطبيعية وتطبيقاتها (وهو "مشترك إنساني عام" لا تختلف حقائقه وقوانينه باختلاف ديانات وفلسفات المبدعين لها، ولقد سبق للغرب القديم أن تتلمذ في هذاالميدان على الحضارات الشرقية القديمة، ثم تتلمذت الحضارة الإسلامية فيه على الإريق والرومان، ثم تتلمذت النهضة الأوربية الحديثة فيه على الحضارة الإسلامية، فكان هذا الجانب من الإبداع الحضاري "مشتركاً إنسانياً عاماً" كالماء والهواء، لا يعرف الحدود ولا السدود)،

 

- بينما تظل الثقافات والعقائد والفلسفات بمثابة "البصمة" التي تُمايِزُ بين الأمم في "منتدى الحضارات الإنسانية".

 

ولهذه الحقيقة التي تَرَى العالَم "منتدى حضاراتٍ"، بينها "مشترك إنساني عام"، كما أن لكل منها "خصوصيةٌ" تُمَيِّزُها، كان تركيزي على ضرورة التمييز بين "التفاعل الحضاري" (المطلوب) وبين "التبعية الحضارية" (المرفوضة).

 

إنَّ لدينا لَوْنَان من "الجمود السلفي" :

 

- يهاجر أصحابُ اللون الأول من "الحاضر" إلى "تجارب الماضي وشكلياته"،

 

- أما اللون الثاني فهاجر أصحابه من "الشرق الحضاري" إلى "الغرب الحضاري"، بزَعْم وحدة الحضارة على النطاق العالمي،

 

وأولهم لا يميز أصحابه بين الثوابت والمتغيرات،

 

وثانيهما لايميز أصحابه بين ما هو "مشترك إنساني عام" بين كل الحضارات وبين ما هو من "الخصوصيات الثقافية والحضارية".

 

ولقد تصديتُ لكلا الانحرافَيْن (انحراف الجمود والتقليد، وانحراف التغريب)، ونبهتُ على أن انحرافَ الجمودِ هو الذي يَخْلق الفراغَ الذي يتمدد فيه التغريب، كما أن انخرافَ التغريب يُخِيفُ أهلَ الجمودِ فيزدادون انغلاقاً على جمودهم، بينما "التجديد" هو الذي يحافظ على الهُوِية، ويملأ الفراغَ، فلا يَدَعُ مجالاً لتمدد التغريب في فضائنا الحضاري.

 

وإذا كنتُ قد ركزتُ كثيراً على مخاطر التغريب؛ فلأنَّ أغلبَ نُظُم الحكم الشرقية قد سَخَّرَتْ مؤسسات الفكر والثقافة والتعليم والإعلام لخدمة التغريب، الأمر الذي جعل من هذا التغريب الحداثي الخطرَ الأكبرَ على الإسلام وحضارته.

 

***

 

4- هل، كما يدعي البعض، فشل الإسلام في مسايرة الزمان سياسيا بعد انتهاء الخلافة الراشدة وانقضى دور الإسلام في سنوات معدودات ؟ وكيف نقدم مفاهيمنا الإسلامية (في السياسة والاقتصاد وغيرهما) تطبيقياً لا نظرياً ؟

 

* إن الخلافة الإسلامية، كفلسفة، هي التي تحقق خلافةَ الإنسانِ عن الله - سبحانه وتعالى- في عمارة الأرض على المنهاج الذي أوحاه الله إلى الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام-.

 

وهي، في النظام السياسي، السلطة التي تجعل من الأمم والشعوب الإسلامية جامعةً تحقق هذه الأهداف :

 

- إقامة الشريعة-الإسلامية">الشريعة الإسلامية،

 

- وبعث الحضارة الإسلامية،

 

- وجعل الإسلام ديناً ودولةً،

 

- وتكامل دار الإسلام.

 

وإذا كان الاتحاد الأوربي هو النظام الذي يحقق للشعوب الأوربية مصالحها الدنيوية في ظل الفلسفة الوضعية، فإن الخلافة الإسلامية هي النظام الذي يحقق للشعوب الإسلامية مصالحها الشرعية المعتبرة وسعادتها الأخروية أيضاً.

 

* ولم يكن انقضاء عهد الخلافة الراشدة نهايةَ دورِ الإسلام (كما يدعي البعضُ)، بل إن الإنجازات والتراكمات المعرفية التي كونت معالم الحضارة الإسلامية إنما تبلورت واكتملت بعد عهد الخلافة الراشدة، ذلك أن ما سمي بـ "المُلك العَضُود" أو "الخلافة الناقصة" هو الذي بُنِيَت في عهوده الحضارة الإسلامية التي تعلمت منها الدنيا والتي لا نزال نعيش في ظلالها.

 

وهناك غفلة عن أن السلبيات والانحرافات التي طرأت بعد عهد الخلافة الراشدة إنما وقفت عند "الدولة" (التي كان حجمها وحجم سلطانها محدوداً جداً)، بينما ظلت "الأمة" مُؤْتَمَنَةً على المنهاج الإسلامي، تطبق الشريعة-الإسلامية">الشريعة الإسلامية، وتبدع الفقه الإسلامي، وتجعل "القانون" فوق "الدولة"، وتدير مرافق المجتمع بـ "الحسبة" (التابعة للقضاء)، وتُمَوِّلُ كلَّ ذلك بـ "الاوقاف" .. وهكذا تميز التاريخ الإسلامي بخَصِيصة "تعظيم الأمة وتحجيم الدولة"، فلم تَعُم البلوى بالقضاء على الخلافة الراشدة.

 

ولقد حدث الغبش حول هذه الحقيقة بسبب تركيز الكتابات التاريخية على "الدولة والسلطة والسلطان" وإهمال التأريخ للأمة وطبقاتها وللواقع وخُطَطه، وهو خطأ - في كتابة التاريخ- ينتظر المراجعة والتصحيح.

 

* ولم يكن إسقاط الخلافة الإسلامية ودولتها الجامعة عام 1924م بمثابة الفشل للنظام الإسلامي، وإنما كان بمثابة نجاح الاستعمار الغربي - لأول مرة- في كسر وعاء التكامل الإسلامي، وفي إسقاط رمز الوحدة الإسلامية.

 

لقد ظلت الأمة على حنينها لتجديد هذا الإطار وهذا النظام، على حين فَرَضَ الاستعمارُ - الذي عَمَّتْ بَلْوَاهُ عالَم الإسلام- القُطْرية والإقليمية والقومية والشعوبية بديلاً لـ "جامعة الإسلام وعصبة الأمم الإسلامية" (التي تحتوي القُطرية والقومية وتوظفها في البناء الإسلامي الجامع، كما احتوى الإسلامُ إبانَ ظهوره القبائلَ والشعوبَ واللغات في إطار "الأمة الإسلامية الواحدة").

 

والآن، وبعد قرن من إسقاط الخلافة، نرى الفشل الذريع للنظم القُطرية والقومية في النهوض بالأمة الإسلامية، ونرى المزيدَ والمزيدَ من تجزئة المُجَزَّأ وتفتيت المُفَتَّت .. في الوقت الذي نرى فيه لجوءَ الأمم والشعوب غير المسلمة إلى التقارب والاتحاد، على نحو ما صَنَعَتْ أوربا، الأمرُ الذي يجعلنا نزداد إيماناً بضرورة إحياء الخلافة الإسلامية (بصرف النظر عن الاسم الذي نختاره لها)؛ وذلك لنجعلَ من عالَم الإسلام (الممتد من "غانة" إلى "فرغانة"، ومن حوض نهر "الفولجا" إلى جنوب "خط الاستواء") جامعةً ورابطةً "فيدرالية" أو "كونفيدرالية" تحقق لأمتنا المكانة اللائقة بها بين الحضارات، أمتنا التي هي رُبع البشرية، ومالكة أعظم المواريث، وأغنى الثروات، أمتنا التي تجمعها : وحدة العقيدة، ووحدة الشريعة، ووحدة الحضارة، وتكامل دار الإسلام.

 

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وليجاهد المجاهدون.

 

***

 

5- كيف يفهم د. محمد عمارة مفهوم "الحاكمية" ؟

 

أنا أفهم شعار "الحاكمية" كما فهمه الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، لا كما فهمه الخوارج الذين رفعوا هذا الشعارَ زاعمين أن الحاكمية الإلهية هي البديل الذي ينفي ويَنْقُضُ حاكمية الإنسان !

 

لقد قال الإمام علي (يومها) : "نعم، إن الحكم لله، ولكنْ لابد للناس من امير، براً كان أو فاجراً، يَسُوسُ أمورَ الناس".

 

وهذا الفهم الدقيق والعميق للحاكمية يلفت نظرنا إلى ضرورة التمييز - في الإسلام- بين "المطلق" و"النسبي" .. فالخوارج قد وقفوا عند المفهوم المطلق للحاكمية (وهو لله وحده لا شريك له)، بينما نجد العلمانيين والمتغربين في عصرنا يقفون عند المفهوم النسبي للحاكمية (حاكمية الإنسان)، مُستبعِدِين مفهومها المطلق (الذي هو الحُكم بما أنزل الله).

 

أما المفهوم الذي أتبناه لهذا الشعار فهو الذي يجمع بين مفهومه المطلق ومفهومه النسبي، فـ :

 

- الحُكم لله، على نحو مطلق، في الخَلْق والقضاء والتشريع،

 

- وللإنسان حاكمية نسبية :

 

في إنزال حُكم الله على الواقع،

 

وفي الاجتهاد للمستجدات،

 

وفي إبداع الفقه (علم الفروع) في إطار فلسفات وكليات ومقاصد الشريعة-الإسلامية">الشريعة الإسلامية،

 

وفي إبداع علم الشرعية">السياسة الشرعية فيما لا نص فيه؛ تحقيقاً للمصالح الشرعية المعتبرة، وجعلاً للتدابير السياسية أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد.

 

فالحاكمية في الثوابت : هي لله سبحانه وتعالى،

 

والحاكمية في الفروع والتطبيقات : هي للإنسان،

 

وهذا هو الذي يجعل الشريعة الإلهية واحدةً .. بينما يَرِدُ التعددُ في السياسات والاجتهادات الفقهية.

 

وشبيهٌ بهذا الفهم للحاكمية (الذي يميز بين ما هو "مطلق" وما هو "نسبي") :

 

- الفهم الذي يؤمن بأن "العزةَ" (بمعناها المطلق) هي لله جميعاً،

 

- مع الإيمان بأن للإنسان "عزةً نسبيةً" (إذ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين).

 

وبذات الفهم نميز، دون أنْ نَفْصِلَ، بين :

 

- "القوة" (بمعناها المطلق)، فهي لله جميعاً،

 

- مع الإيمان بأن للإنسان "قوة نسبية" تجعل المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

 

وبهذا الفهم الذي يميز، دون أنْ نَفْصِلَ، بين :

 

- الحاكمية بمعناها المطلق (والتي هي خاصة بالذات الإلهية)،

 

- والحاكمية بمعناها النسبي (والتي هي خصيصة إنسانية)،

 

بهذا الفهم والتمييز نَخْرُجُ من الفهم المغلوط الذي وقع فيه الخوارج والعلمانيون جميعاً، وفي ذلك يقول الإمام ابن حزم [384- 456 هـ / 994- 1064م] قولة بليغةً : "إنَّ مِن حُكم الله أنْ جَعَلَ الحُكمَ لغير الله" !

 

ولقد فَصَّلْتُ ذلك تفصيلاً فيما كتبتهُ عن "الإسلام والسياسة"، وعن "نقد الغلو الديني واللاديني"، ونقد العلمانية في فكرنا المعاصر.

 

***

 

6- ما هو رأيكم في الربيع العربي، وما آل إليه، وتجربة الإسلاميين (سواء في مصر، أو تونس، أو السودان) في حكم الدولة الحديثة ؟

 

* الربيع العربي هو انتفاضة الشعوب ضد نُظُم الجور والتبعية والاستبداد والفساد، وتطلعٌ نحو الاستقلال والعدل والديمقراطية ..

 

ولقد انتكست هذه الانتفاضة، وعادت السلطة إلى أسوأ مما كانت عليه قبل هذه الانتفاضة، وتحقق قول الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا [1313- 1391 هـ / 1895- 1971م] الذي صاغه شِعراً عندما انتكس التوجه الديمقراطي في مصر عام 1954م قائلاً :

 

وكنا كمَن يخشى الصُّداعَ، فعندما *** أصيبَ به، داوَوْهُ بالسرطان !

 

ولقد تحالفت على الردة عن انتفاضة الربيع العربي قوى دولية وإقليمية عديدة :

 

- فالإمبريالية الأمريكية حذرت من هذه الانتفاضة، على لسان السيناتور الأمريكي "جون ماكين" [1936- 2018م] عندنا زار مصر في 2011م فقال : "إن الحدث الذي يحدث في مصر الآن هو الأخطر منذ سقوط الدولة العثمانية، وستكون له تداعيات محلية وعالمية"،

 

- والدولة الصهيونية رأت أن نجاح الربيع العربي سيؤدي إلى "قيام بحيرة إسلامية تغرق فيها إسرائيل"،

 

- والدول الخليجية النفطية، وهي مَحْميات أمريكية، رأت فيها الخطر على النُّظُم الرجعية التقليدية،

 

- ودولة ولاية الفقيه الفارسية رأت في الربيع العربي دعماً للمحور السني الذي يجمع دول الربيع العربي مع تركيا (المتوجهة شرقاً)،

 

- وأجهزة الدول العميقة (دول التبعية والاستبداد والفساد) التي قامت فيها هذه الانتفاضات، رأت فيها طَيَّ صفحة احتكارها للسلطة التي تكرست منذ عقود وعقود،

 

فتحالف الجميع على صُنع الردة على هذه الانتفاضة للربيع العربي.

 

* أما "الخطأ الأكبر" الذي وقع فيه الإسلاميون، وخاصةً بمصر، فهو "طموحهم المتعجل في السلطة العليا"، جاهلين الواقع المليء بـ "العسكرة" لكل ميادين الدولة والمجتمع .. ولو أدركوا حقيقة هذه "الألغام" التي تكرست على امتداد أكثر من نصف قرن لظلوا "حركة إصلاحية" تعمل - بالتدريج- على تطهير الأرض من هذه "الألغام" حتى يَحِينَ حينُ قطاف ثمرات الإصلاح في السلطة العليا للمجتمع .. لقد غفلوا عن الحكمة التي صاغتها الحركة الإصلاحية بقيادة الإمام محمد عبده، والتي تقول : "التربية قبل السياسة، والأمة قبل الدولة".

 

إن غفلة الإسلاميين عن "التدرج" في الإصلاح، وعن "ترتيب الأولويات" في الإصلاح، هو أهم أسباب الإخفاق الذي جاء بـ "السرطان" بديلاً عن "الصداع" !

 

وما لم يتعلم الإسلاميون، الذين نَجَوْا وحدهم من تجريف العسكر للفكر والسياسة والثقافة، من هذا الدرس القاسي، فسيظل الفشل محدقاً بهم - والعياذ بالله- .

 

***

 

7- ما هي القضايا الأساسية للأمة المسلمة الآن ؟ وكيف نقاربها ؟

 

القضايا الأساسية للأمة الإسلامية كثيرة، في مقدمتها :

 

- تحقيق الاستقلال الحقيقي لشعوبها عن هيمنة "النظام الاستعماري الغربي"، الذي يسمونه خطأ "النظام الدولي" !

 

لقد حققت هذه الشعوب الإسلامية، بعد الحرب العالمية الثانية، استقلال "العَلَم والنشيد"، وهو "الاستقلال الشكلي" الذي تَرَك دول هذه الشعوب ومقومات مجتمعاتها مربوطةً بسلاسل التبعية للمركزية الحضارية الغربية، فلم يتحقق لها "جوهر الاستقلال".

 

- تحرير ثروات العالم الإسلامي من قبضة "النهب الإمبريالي الغربي" .. لقد قيل - بحق- : إن الرأسمالية هي أعلى مراحل الاستعمار .. وطالما بقيت ثروات العالَم الإسلامي في قبضة الشركات الغربية متعددة الجنسيات والمتعدية للقارات، فإن العالَم الإسلامي سيظل بعيداً عن تحقيق جوهر الاستقلال.

 

- تحقيق الاستقلال الفكري والثقافي للعقل المسلم، وذلك لتحقيق التميز الذي يحقق التعددية الفكرية والثقافية في العالم الذي نعيش فيه .. أما إذا ظللنا أسرى لـ "التبعية الفكرية" للغرب، نَرْقُصُ على أنغامه، ونَقِيسُ تجديدَنا بحداثته، وفلسفةَ حُكمنا بعلمانيته، وتأويلَنا بالهرمينوطيقا الغربية، فستظل قلوبنا وعقولنا تتجه نحو القبلة الغربية.

 

- التحرر من الفصام النكد بين ما هو "ديني" وما هو "مدني" .. فالإسلام هو دين السماء كما هو دين الأرض .. ودولته مدنية مرجعيتها الشريعة التي لا كهانة فيها .. وكل المعارف والعلوم التي تخدم الاجتماعَ وتقربه إلى المُثُل الإسلامية هي معارف وعلوم إسلامية (شرعيةً كانت أو مدنيةً) .. ولقد نبه على هذه الحقيقة إمام دار الهجرة مالك بن أنس [93- 179 هـ / 712- 795م] رضي الله عنه عندما قال : "إن ديننا هذا علم، وإن علمنا هذا دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".

 

وبهذا يصبح "الاستقلال الحقيقي" هو "جوهر القضايا الأساسية للأمة الإسلامية".

 

وإذا كنا نردد المأثور الذي يقول : "لن يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، فلقد كان صلاحُ أول هذه الأمة بـ :

 

- استقلالها "الفكري" الذي أَحَلَّ التوحيد محل الوثنية،

 

- واستقلالها "السياسي" الذي امتلك الدينُ به الدولة،

 

- واستقلالها "الاقتصادي" الذي امتلكت به السوقَ، وإحياء الأرض المَوَات، وتطبيق نموذجها المتميز في فلسفة الأموال والثروات (فلسفة استخلاف الإنسان عن الله في الثروات والأموال).

 

تلك هي أهم القضايا الأساسية التي يجب أن يَعِيَهَا العقل المسلم؛ كي تأخذَ مكانها في "المشروع النهضوي الإسلامي" وفي "برامج الإسلاميين" وفي "الثقافة" و"الإعلام".

 

***

 

 

8- القضية الفلسطينية هي الأولى من القضايا العالمية للمسلمين. وفِي ظل تصاعد دعوات للتطبيع مع الاحتلال واعتراف عدة دول للقدس عاصمة اسرائيل كيف ترى القضية الفلسطينية الآن ؟ وما واجب العلماء والأمة تجاهها ؟

 

* الموقف الحالي للحكومات العربية والإسلامية يذكرنا بالمناخ والملابسات التي ضاعت في ظلالها الأندلس ! .. أمراء وولاة يُطَبِّعون مع العدو، بل ويتحالفون معه ضد المقاومة ! .. بينما الأمة - في مجموعها- على ولائها للقضية، لكنها مغلولة الأيدي بسبب ولاوة الجور والفساد والاستسلام.

 

ويذكرنا هذا الموقف كذلك بحقبة الغزوة الصليبية [489- 690 هـ / 1096- 1291م] التي شهدت قيامَ إمارات وأمراء وسلاطين تحالفوا مع الصليبيين المُغْتَصِبين للأرض والمُدَنِّسين للعِرْض، والذين حولوا الأقصى (أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومَسْرَى رسو الله صلى الله عليه وسلم) إلى كنيس لاتيني واصطبل للخيول !

 

بينما ظلت الأمةُ رافعةً رايةَ الجهادِ ضد الغزو الصليبي .. وقد وصف المؤرخ أبو شامة [600- 666 هـ / 1203- 1268م]، صاحب [كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية]، هذه الازدواجية وهو يؤرخ لإحدى الحَوْليات فقال - في ختامها- : "وانقضى العامُ وأهلُ التجارة في تجارتهم، وأهلُ الحرب في حربهم، ولله عاقبة الأمور" !

 

ولأن عاقبةَ الأمورِ تحكمها السنن والقوانين الإلهية التي لا تبديل لها ولا تحويل، فإننا نؤمن بأن الصهيونية ودولتها (المزروعة قسراً في قلب الجسد الإسلامي) مصيرها هو مصير الكيانات الصيلبية التي سبق وزُرِعَت في الأرض المقدسة .. ولقد عبر صلاح الدين الأيوبي [532- 589 هـ / 1137- 1193م] عن هذه الحقيقة في رسالته إلى المَلِك الصليبي ريتشارد قلب الأسد [1157- 1199م] عندما قال له : "وطالما استمر الجهاد، فلن يقوم لكم حَجَرٌ في هذه البلاد".

 

* أما واجب العلماء فهو أبقاء القضية المقدسة حيةً في عقل الأمة ووجدانها .. وهذا ما صنعه العلماء والأدباء والشعراء إبان الغزوة الصليبية وإبان حقب الاستعمار للأوطان الإسلامية، شحذاً للهمم، وإعداداً واستعداداً لمعركة التحرير.

 

إن صلاح الأمة رَهْنٌ بصلاح العلماء والأمراء .. وإن صلاح العلماء هو الشرط لصلاح الأمراء .. هكذا علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- .. وهكذا يجب أن يعي العلماء مكانهم ودورهم في تحرير الأرض المقدسة.

 

***

 

9- ما رسالتكم لأهل الهند ؟ خاصة في هذا الوقت الذي اقتربت فيه انتخابات الرئاسة، وكانت الحكومة الفاشية التي حكمت السنوات الماضية قد أشعلت نيران العداوة بين الأديان والطبقات المختلفة، وبرزت موجة تطرفية هندوسية من قبل الفاشية ضد الأقلية المسلمة.

 

أقول لأهل الهند : إن الحضارة الإسلامية منذ فجر تاريخها هي "حضارة شرقية" .. ولقد كان الإسلام، في التاريخ الهندي، صفحةً زاهرةً في الحرية الدينية والنهوض الحضاري ..

 

وإن الغزو الغربي للهند هو الذي زرع الشقاق بين "المسلمين" و"الهندوس" .. وإن استقلال الهند وتقدمها يحتاج إلى بعث تراث المهاتما غاندي [1308- 1367 هـ / 1869- 1948م] وتراث مولانا أبو الكلام آزاد [1305- 1377 هـ / 1888- 1958م] .. فهذا التراث هو الذي يضع الأولويات في المواجهة للتحديات، ويُنقذ شبه القارة الهندية من "التعصب الأعمى" الذي يجعل بأسنا بيننا شديداً .. وإنَّ لنا لعِبْرَةً في التاريخ البائس لكل "الحركات العنصرية" (الفاشية والنازية والعنصرية الاستعمارية) التي كانت وبالاً على شعوبها في كل البلاد على امتداد التاريخ ..

 

وإن تسانُدَ الحضارات الشرقية - وفي مقدمتها الهندية والإسلامية- إنما يفتح الأبواب الواسعة أمام الوحدة الوطنية لكل قوميات الهند ودياناتها ..

 

إن الإسلام - الذي تَدين به رُبع البشرية- يعلن من خلال قرآنه الكريم هذا الشعار الإنساني الذي يقول : "والأرضَ وَضَعها للأنام" [الرحمن 10] .. وانطلاقاً من "فلسفة هذا الشعار" فإن الهند تَسَع كلَّ الهنود، بدياناتهم وفلسفاتهم ومذاهبهم ولغاتهم المتعددة ..

 

فالحذر كل الحذر من التعصب والعنصرية والفاشية، ومن صنيعها البائس الذي شَقِيَتْ به الإنسانية على مر التاريخ.

 

تحريراً في 28 من جمادى الآخر 1440هـ ، الموافق 5 من مارس 2019م

 

أخبار ذات صلة

لا أزال ألح على مراجعة تفكيرنا الديني، وأساليب حكمنا على الأشياء والأشخاص!! .. لقد سقطت الخلافة العثمانية من ستين سنة، وانفرط عقد الأمة الكبيرة على ال ... المزيد

من كتاب "صور من الحياة" (وهو جزء من سلسلة "المنتخبات" من كتابات علي الطنطاوي):

في المزيد

قال الدكتور طارق سويدان المفكر الإسلامي، والداعية الإسلامى الكويتى، إن هجوم نيوزيلندا "جاء محص ... المزيد