البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

"المصلحة والمفسدة" في التصور الإسلامي، والبرجماتية العلمانية

المحتوي الرئيسي


"المصلحة والمفسدة" في التصور الإسلامي، والبرجماتية العلمانية
  • أحمد طه
    20/04/2015 06:26

هل الحدود والأحكام الشرعية خاضعة جميعها للمصالح والمفاسد والمآلات؟
هل يمكن تعطيل الحدود اعتباراً للمصلحة والمفسدة؟

لما صار المسلمون إلى مرحلة "الملك الجبري والطواغيت" وحل بهم الذلة والمسكنة والضعف والهزيمة.. ولما أحبوا الدنيا، وكرهوا الجهاد في سبيل الله الذي يُصحح هذا الخلل، ويعود بهم إلى وضعهم الطبيعي كخير أمة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وتحمل رسالته إلى العالمين.. لم يصبهم الذلة فحسب، بل أصابهم فساد الفكر والتصور، فتلوثوا بالفكر "البرجماتي العلماني" وخلطوه بـ "التصور والفكر الإسلامي" فاخرجوا البرجماتية العلمانية في ثوب إسلامي ! يحترف إيجاد "المهاربالشرعية" ليبرر ويُحلل بها واقعه العلماني !

فراح البعض يقول: إن الحدود والأحكام الشرعية خاضعة جميعها للمصالح والمفاسد والمآلات، ويمكن تعطيل الحدود إذا كانت ستضر بالمسلمين ويستشهد ببعض الحوادث في السيرة، ويُضخم ويتعسف في تحليلها لإيجاد "مهرب شرعي" لذلك، ولو أنهم يقولونها صراحة دون لف أو دوران.. لكن أفضل للناس، حتى لا يقع التدليس، والانحراف، والكذب!
ولقد رأينا تجربة من يقول: كل شيء خاضع للمصلحة والمفسدة والمآل، حتى وجدنا أن لا تعريف للشرع عندهم ابتداء إلا أنه مجرد أخلاق أو إصلاحات اقتصادية... إلخ.

ولقد وجدنا في التجربة التركية كبيرهم "أردوغان" يقول وينصح أهل مصر بأن تكون الدولة "علمانية" ويقول: يجب على الدولة أن تكون على مسافة متساوية من كل الأديان.. فلما قلنا: إن هذا القول من "الكفر البواح" قالوا: إنه من أجل المصلحة والمفسدة والاستضعاف فعل ذلك !
فلم مرّ على حكمه أكثر من عشر سنوات، وجاء وزير خارجيته "داود أغلو" ليحكم البلاد من بعده، قال: "نحن لا نتخذ أي قرار على أساس ديني" !!

وبهذا، وجدنا أن الانحراف البسيط والطفيف في بداية الطريق، والذي قد لا يعبأ به البعض، ويحسبه حكمة! قد يفضي - في النهاية - إلى الكفر البواح، والعياذ بالله !
ومما أصاب الفكر الإسلامي المعاصر.. البرجماتية المادية، والتي وجدوا لها مسماً شرعياً اسمه "المصالح والمفاسد والمآلات" !فما هي المصلحة والمفسدة وفقه المآل في التصور الإسلامي ؟

قبل الحديث عن المصلحة والمفسدة يجب أن نحدد أولاً واقع المسلمين:
إن واقع المسلمين يدور غالباً بين ثلاثة أحوال: (1) الاستضعاف. (2) التدافع. (3) التمكين. وعند تحديد الواقع بصورة دقيقة ربانية سيتحدد الفقه الصحيح للمسلمين، وسنجد في الشرع والفقه ما يرسم لنا "الصراط المستقيم" بكل سهولة وبساطة ويسر، وسنجد أننا لسنا بحاجة إلى "التعسف وتضخيم" بعض الحوادث التي وقعت في السيرة؛ لإيجاد "مهرب شرعي" لواقعنا العلماني، أو للتفلت من حكم شرعي، أو للهجوم المؤسف على طائفة من المسلمين !

وإن الذين في قلوبهم مرض يتركون المُحكم من كتاب الله إلى المتشابه، ويفعلون ذلك مع السنة وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك، ويضعون الأحكام على غير واقعها، فيضعون - مثلاً - حكم فرد مستضعف على جماعة، وحكم جماعة مستضعفة على جماعة ذات قوة... إلخ من صور الانحراف في فهم النصوص، ولي أعناقها بصورة متعسفة لتناسب واقعهم، ولو أنهم يتركون النص كما هو بلا انحراف ولا هوى في فهمه لهداهم - بإذن الله - إلى صراط الله المستقيم.
* * *
ومن القضايا التي أُتخذت ذريعة لتعطيل الحدود والأحكام هي قضية المصالح والمفاسد.. فما الفرق بين المصلحة والمفسدة، والفكر البرجماتي؟
الفكر البرجماتي: هو فكر مادي، لا يؤمن بالغيب، ويتجه إلى تحقيق مصلحة الفرد أو الجماعة، دون اعتبار لأي قيمة أخلاقية، أو مبدأ أعلى، وهو ينشأ من عبادة الفرد لذاته، أو لمتاعه، وهو فكر خرج عن لوثة العلمانية التي أصابت البشرية في هذا العصر.

أما المصالح والمفاسد في الفكر الإسلامي: فهي الطرق التي تحقق مصلحة الإسلام: من إقامة الدين، وتحكيم الشرع، وإعلاء كلمة الله، وتوحيد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وحمل رسالة الإسلام إلى العالمين، وهو يرى في هذه الرسالة قيمة أثقل من ملء الأرض ذهباً، وهو فكر قوامه الإيمان بالغيب، ويرى أن قوته الوحيدة ليست في "المادة" التي في يديه، إنما في إيمانه بالله، وأنه لا يعتمد في حركته وجهاده على "القياس المادي" بينه وبين عدوه، إنما يُعد ما استطاع من قوة، ويتوكل على الله يجاهد في سبيله لا يخاف لومة لائم، وكان هذا الإيمان هو سر القوة، وسر انتصار المسلمين في كل زمان ومكان.

وأما المفسدة: فهي في تعطيل الحدود، وترك الشرع، والقعود عن الجهاد، والفشل في حمل رسالة الله إلى العالمين، والركون إلى ظاهر الحياة الدنيا، والقياس المادي مع العدو، واستهوال الفجوة المادية بين المسلمين وبين عدوهم، هذه المفاسد هي أصل كل بلية وشر وقع للمسلمين طوال تاريخهم..
ولهذا جاء الشرع الحنيف ليحقق هذه المصالح، ويدفع هذه المفاسد.. وليس - كما يُخيل للبعض - أن جاء ليحقق مصلحة خاصة مادية لفئة من الناس، كالتصور "البرجماتي" الذي وقع لدى كثير من الناس، ثم يسمونه كذباً وبهتناً "فقه المصلحة والمفسدة" !

ثم جاء ما يسمونه "فقه المآلات" أي: ما سيؤول إليه الفعل ما أشياء ظاهرة.. فيعطلون الشرع بحجة أنه سيؤول إلى "استعداء" العالم علينا، فإذا تساءل أحد أنى هذا ؟! قالوا: هذا فقه المآلات.. وهذه أدلته، وهؤلاء علمائه ! وينقلون من هنا وهناك في صورة متعسفة، تُدلس على المسلمين، وتضيع عنهم القضية الأصلية، والأعجب من ذلك أنه عندما يرفض أحد هذه الحجج الواهية يتهمونه بالغلو والتطرف والغباء... إلخ ! بل يصل الأمر إلى العداوة والبغضاء والمحاربة !

وإن فقه المآلات في التصور الإسلامي هو ما سيؤول إليه الفعل من رضى الله - جل جلاله - وابتغاء وجهه الكريم، بلا شريك.. وإنها لمسألة وثيقة الصلة بـ "الإيمان" فلقد كان الإيمان - في كل زمان ومكان - قياساً بظواهر الأشياء يبدو خطراً محدقاً على الناس، بل لقد كفر الناس خوفاً على مصالحهم، وحياتهم المحدودة، ووجدوا في الإيمان ما يعرضهم للقتل أو التشريد أو عداوة قوم، أو فقدان الأهل والعشيرة...إلخ.

ولقد كان الكفار - في كل زمان ومكان - يرفضون دعوة التوحيد، حتى تأتيهم البيّنة المادية القاهرة الظاهرة.. التي تكون أبلغ وأشد وأقوى من تصوراتهم المادية المحدودة، ولكن الإيمان بالغيب كان هو الفيصل في كل قضايا الإيمان..

وإن فقه المآلات بصورته المادية البرجماتية العلمانية، هي التي جعلت الكفار يحسبون أنهم أهدى سبيلاً، وأقوم طريقاً، وأصح هداية.. وأحسن أثاثاً وحضارة وإنتاجاً.
وإن فقه المآلات بصورته الربانية الإسلامية هي التي جعلت المسلمين هم أشد جهاداً، وأكثر بذلاً، وأحب تضحية، وفداء في سبيل الله.

ومتى استقامت هذه المعاني: معاني المصلحة والمفسدة والمآل في تصور المسلمين، استقامت حركتهم، وفقههم، ودعوتهم، ومتى انحرفوا عن هذا الفهم، تحولوا إلى الصورة البرجماتية العلمانية التي تظل تنحرف بالأدلة الشرعية، والفقهية عن حقيقتها، حتى يخدعوا أنفسهم، ويضلون الناس عن سبيل الله.
* * *
وإن الإسلام يراعي أحوال المسلمين والمرحلة التي هم فيها، ويراعي ما هم فيه من ضعف، أو تدافع، أو تمكين.. وفي الأحكام الشرعية وما خرج عنها من فقه.. وفرة كبيرة لمن أراد الحق، وأراد صراط الله المستقيم.

ففي مرحلة الاستضعاف: يَدفع المسلمين إلى الحفاظ على دينهم، وهويتهم، والتمسك بالأصول والثوابت، وعدم الذوبان في الجاهلية والعلمانية، أو الخضوع للاستبداد والطواغيت، ويُعلي من قيمتهم، ويرفع من أخلاقهم، والتزام دينهم، ويُقوي مجتمعهم وبناءهم، وولاءهم وبراءهم.. وسنجد في المرحلة المكية نبراساً لهذه المرحلة، ونجد أن المسألة في الاستضعاف ليس فيها تعطيل للشرع والعياذ بالله، بل التمسك به والمفاصلة عليه، ومعاداة الجاهلية، وإعلان البراءة منها، وفي ذلك أهمية عظمى في عدم التماهي مع الجاهلية أو اعتبار أن الإسلام والجاهلية على قدم المساواة أو مجرد فروقات بسيطة يسعها "الوطن الواحد" !

وفي مرحلة التدافع: يدفع المسلمين إلى رد العدوان، وإعداد القوة، وتحصين الجبهة الداخلية، وتزكية المسلمين، وبناء قوتهم، وترسيخها بكل السبل، وفضح أحوال أهل النفاق - الفئة التي تظهر مع قوة الإسلام - وإقامة المحاكم والقضاء، وإقامة حدود الله.. وسنجد في "بداية" المرحلة المدنية نبراساً لهذه المرحلة، ونجد أن المسألة في مرحلة التدافع ليس فيها تعطيل للشرع والحدود والعياذ بالله، بل التمسك به، وعدم تركه لغيره - فهذا هو النفاق والكفر - وإقامة الحدود على الشريف والضعيف والكبير والصغير سواء، فهذه هي المصلحة العليا للإسلام والمسلمين بل وللبشرية كلها.. وليس فيها ترك للحدود بحجة أن لا يخاف الناس من دعوة الإسلام، فهذا تجني على ما شرّعه الله، وأراده.. فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، ولقد كان في نزول الآيات على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مزيداً من الطغيان والكفر على البعض، ومزيداً من الهداية والإيمان على البعض الآخر.

وفي مرحلة التمكين: يدفع المسلمين إلى طلب العدو، وفتح البلاد والعباد، وإقامة الحق والعدل الرباني في كل الأرض، ولكل إنسان، ودفع الظلم الواقع في حياة البشر.. سواء بمنعهم عن دعوة الحق، أو بإخضاعهم لعبودية البشر، أو بسرقة ثرواتهم، ورد جميع الحقوق لأهلها، والتعاون على البر والتقوى، ونشر الخير، وكبح جماح الشر.. وحسم مادته.. وإقامة الشرع والحدود - كما أمر الله - وسنجد في "نهاية" المرحلة المدنية والخلافة الراشدة نبراساً لهذه المرحلة..

وسنجد أن مفهوم التمكين لم يكن هو "التفوق المادي" على العدو، أو حتى مساواته.. فلقد كان العدو في غزوة مؤته أكثر بحوالي 67 ضعف عدد المسلمين! ومع ذلك كان الإسلام يواجه، ولا يتوقف ولا يقعد ، فقد كان يرى المصلحة في المواجهة، والمفسدة في القعود، ومآل الخير في حب الموت في سبيل الله، ومآل الشر في حب الدنيا وكراهية الموت.

وهكذا نجد في كل مراحل المسلمين، تحقيقاً للشرع، وليس تعطيلاً له وهروباً منه، بحجة أن ذلك ليس من فقه "المصالح والمفاسد" !

ونجد كذلك بساطة التصور الإسلامي، وعمقه، وسهولته.. بعيداً عن التعسف والتنطع، ولي أعناق النصوص لنهرب - والعياذ بالله - من تحقيق ما أمر الله به.. وسيظل أهل الزيغ في كل زمان ومكان يهربون إلى المتشابه، ويتركون المحكم، ويحسبون أنهم مهتدون!
***
ونجد كذلك بطلان تذرعهم بمثل: صلح الحديبية، والنجاشي، وأهل النفاق، وابن سلول، وغيرها من الحوادث والأحوال التي يحاولون بها الخروج عن ظرفها ومناسبتها، ليبرروا بها واقعهم العلماني، أو الذي يصالح العلمانية لا يفاصلها..

مما جعلهم يتجرؤن على الشرع والحدود، ويقولون: أنها خاضعة للمصلحة والمفسدة - من وجهة نظرهم - أو أن الشرع مجرد بعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.. ويظلون يعيشون في وهم الاستضعاف حتى ولو بلغ عددهم الملايين، وثرواتهم بالمليارات ! وليس هذا فحسب بل لا يتركون أهل الجهاد لجهادهم إنما يحاربونهم إعلامياً وفكرياً ويتهمونهم بالغلو والتطرف !
بل بلغ قولهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك واجباً شرعياً أو حداً من حدود الله، اعتباراً لأقوال الناس ! واستشهدوا بحادثة ابن سلول، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" وجعلوها مخرجاً لتعطيل الشرع والحدود بحجة المصلحة والمفسدة وكلام الناس ! وهذا من فشح القول والعياذ بالله..

فخلطوا بين الأمور، وقلّبوا الأقوال، وتركوا المُحكم إلى ما يبدو متشابهاً من القول أو الفعل.. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أقام الحدود كلها - متى توفرت شروطها - دونما اعتبار لأدنى كلام للناس، بل قال صلى الله عليه وسلم: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يداها" لم يقل - حاشاه صلى الله عليه وسلم - أن في قطع يد السارق تنفيراً لدعوة الإسلام، أو هروباً من التزام أحكامه في بيئة كانت تعيش على أقل من الكفاف وشظف العيش، وقلة الموارد.. ولم يقل في حد الزني أن في ذلك تنفيراً وعقوبة قاسية، نتركها لأجل المصلحة والمفسدة - والعياذ بالله - بل أقام الحد على الشريف - قبل الضعيف - دونما اعتبار لغضبة قومه، واعتبر ترك ذلك مهلكة عظيمة أهلكت من كان قبلنا من الأمم.
صورة سهلة واضحة كاملة.. أنى يهرب منها البعض، ليوافق هوى نفسه ؟!!
* * *
أما قصة ابن سلول، ولماذا ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - إقامة حد القذف، وحد الردة عليه؟

فالإجابة: وبكل بساطة أنه لم تتوفر الشروط اللازمة لإقامة أي من الحدين عليه، ولم يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - الحد من أجل الخوف من كلام الناس !
فإقامة حد القذف على حسان بن ثابت ومسطح وحِمنة الذين خاضوا في حادثة الإفك لأنه قام عليهم الدليل، أما الخبيث ابن سلول، فقد كان يُظهر الإسلام، ويبطن الكفر.. وظل يُظهر الإسلام، وهو الذي حرك الفتنة في حادثة الإفك - وغيرها - لكنه كان يتخفى، ولم يظهر بشخصه، ولم يقل علانية ما يُؤخذ به، فيُقاد إلى الحد، وإنما يتفلّت كعادة أهل النفاق، وكان إذا تم مواجهته بقول أو فعل أنكر وأقسم بالله أنه لم يقل، ولم يفعل. أما أهل الإسلام أمثال حسان - رضي الله عنه - فكان حالهم ظاهر وعليه دليل ولا يبطنون الكفر، فحكم عليهم بإقامة حد القذف..

وليس صحيحاً - كما قال البعض - أن حد القذف لم يقع على ابن سلول حتى يُعذبه الله به في الآخرة ! فهو - كما قال تعالى - في الدرك الأسفل من النار.. وليس بعد ذلك من عذاب، والله يُعذب بعدله من يشاء، وإنما لأن ابن سلول كان يُجيد الكذب، والتخفي، والإنكار؛ فلم يقم عليه الدليل الشرعي الذي يستوجب الحد.

وأما مسألة قتله بحد الردة، فلأنه كان يُظهر الإسلام، ويبدو كأنه كان محترفاً في الكيد للإسلام، مع تمسكه بظاهر الإسلام، لأنه هو العاصم له، وليس العاصم له قومه أو عشيرته.. ولو أنه أصاب شروط حد الردة، لأقامه النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، وليغضب من يغضب من الناس..

وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :"حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" فقد كان تعقيباً على قول عمر - رضي الله عنه - "دعني أضرب عنق هذا المنافق" المنافق وليس المرتد.. وهو يتفق مع ما سبق بيانه.. أن ابن سلول كان يظهر للناس أنه من "أصحاب" النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يظهر دليل مادي على ما يكيده للإسلام وأهله ! وأن في مسألة قتله تعزيراً "جواز وسعة" يحق للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخير فيها بين القتل، وبين الترك اعتباراً لمصلحة شرعية، تحقن الدماء، وتطفئ الفتن !
ولما استأذن عبدالله - رضي الله عنه - أن يقتل أبيه ابن سلول، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "بل نترفق به، ونحسن صحبته ( ما بقي معنا )" وإن كان الإسناد ضعيفاً - موضوع إرسال - فهو يتفق مع السياق العام لهذه الحادثة، وهي رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمنافقين، ولكن بشرط "ما بقي معنا" أي: لم يُعلن العداوة، ويُظهر الكفر والردة، ثم جاء الأمر الإلهي بالغلظة عليهم..
ورغم هذا النفاق.. صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابن سلول، ولما تساءل عمر - رضي الله عنه - عند ذلك، قال: خيرني ربي - "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم" - ثم نزل بعدها الحكم النهائي بعدم الصلاة عليهم أبداً.
وهنا يتبين الفرق بين إقامة الحدود التي لا تُراعي شيئاً إلا إنفاذ حكم الله، وليس فيها خيار، ولا اعتبار، ولا رؤية، ولا مآل، وبين الأمور التي فيها خيار وسعة وخلاف جائز ومعتبر والتي نبحث فيها ونرجح فيها بين المصالح والمفاسد، وهذا مدار أمر جميع الفقهاء في الحديث في هذه المسألة، وغيرها..
كانوا يتكلمون فيما فيه سعة وخلاف جائز.. فيتساءلون على أي أساس يكون الاختيار ؟ فقولوا: ما يحقق أكبر مصلحة، ويدفع أكبر مفسدة.. ولم يقولوا نعطل الشرع والحدود بحجة المصالح والمفاسد !
وابن سلول كان منافقاً في دولة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو حاكمها وقاضيها - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيه خبر السماء، فقضى فيه بما أراه الله.. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يترك ( واجباً ) وحداً شرعياً من أجل "أن لا يتحدث الناس"، فإذا كان قتله واجباً وحداً.. فليس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد أحق بإقامة الواجب والحد منه.
وإن إطلاق مسمى النفاق على أحد.. إنما يعني أنه لم ينهض به الدليل الشرعي للقول عليه بأنه "مرتد".. وهذا الفرق القضائي بين المنافق والمرتد ! والفرق الإصلاحي والتربوي والتعزيري بين معاملة كل منهما.
والآن نحن المسلمون أمام أحكام شرعية وحدود واجب علينا الالتزام بها، وعلى الحاكم المسلم إقامتها.. وليس في ذلك صعوبة في تصورها، ولا يمكن الهرب منها بخلط أحوال النفاق مع أحوال الردة الظاهرة.. وطريقة وكيفية مواجهة كل منهما، فما كان حداً أُقيم كائناً ما كان، وما كان تعزيراً وسياسة ومصلحة للإسلام وللأمة نظر فيها الحاكم بما يراه صواباً وبما لا يخرج عن الحدود والأحكام الشرعية.

ولو أننا فكرنا كما يفكر أهل البرجماتية العلمانية، لاعتبرنا كل حادثة من حوادث الإسلام وعزواته.. مفسدة عظيمة، فستكون حروب الردة لأبي بكر - رضي الله عنه - تفتيتاً للدولة التي أقامها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنفاً غير مبرر لا سيما بعد زلزل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسيكون خروج أسامة بن زيد - رضي الله عنه - لغزو الروم في الشام في هذا الوقت المبكر من خلافة أبي بكر تهوراً لا داعي لها، وسيكون ملاقاة المسلمين في غزوة تبوك ومؤتة واليرموك وغيرها من الغزوات انتحاراً مؤكداً، واستئصالاً لشأفة المسلمين... إلخ !
وهنا نعود إلى ضابط الأمر في المصلحة والمفسدة والفرق بين معانيها ومدلولاتها في التصور الإسلامي وفي البرجماتية العلمانية.. وأن المصلحة والمفسدة لا يحددها أهواء البشر، إنما يحددها "الدوران مع الكتاب حيث دار" فالسلطان والقوة المادية الظاهرة ستفترق عن الكتاب، والبرجماتية العلمانية تقول بلسان الحال أو المقال: لنبق مع السلطان والقوة المادية نداهنها أو نطلب شرعيتها أو نتوافق معها، أو نتصالح معها.. والمصلحة الإسلامية تقول: دوروا مع الكتاب حيث دار..
حتى ولو علّقتم على أعواد المشانق، ونُشرتم بالمناشير.
* * *
وأخيراً: إن الأمة تحت هيمنة الطواغيت وجبر القوى الصليبية، تمنع عنها تحررها.. وتحاربها بكل قوة ممكنة، وأخطر ما تحارب به الأمة هو "الاختراق الفكري" بـ: طلب الشرعية من القوى العالمية، أو مداهنتها، أو التوافق معها.. وتقعدها عن الجهاد: بحجة أن القوى العالمية ستسحق المسلمين سحقاً حتى لا يتبق منهم أحداً؛ فينتج عن هذا التصور محاولة التوافق مع الجاهلية، ومحاولة الإصلاح تحت مظلتها، والتهرب من الأحكام والحدود الشرعية بالحجج الواهية.. ثم تفسير الشرع على أنه هو مجرد الإصلاح تحت راية الجاهلية، ولي أعناق النصوص لتبرير هذه المواقف المنحرفة من جذورها وأعماقها..

ثم ينتج عن هذه المحاولة - سواء فشلت أو نجحت ظاهرياً بعض الشيء - إهدار طاقات الملايين من المسلمين، وإفساد تصوراتهم، وضياع تضحياتهم.. من أجل هذا العبث، فتكون المأساة ضياع الدين والدنيا معاً !

ويا العجب ! إن النظام الدولي الصليبي يُدرك مكامن القوة في الشرع والجهاد - ولم يدركها المسلمون بعد !! - فعمل من قديم على تعطيلهما بإلغاء المحاكم الشرعية واستبدالها بالقانون الوضعي، وإلغاء الشرع والهوية الإسلامية واستبدالها بالعلمانية، واستبدال الجهاد بالديمقراطية والحزبية... إلخ، وكاذب مجرم من يدعي أن يسعى إلى تحكيم الشرع تحت مظلة هذا النظام الدولي الصليبي المهيمن على الأمة المسلمة، إنما البداية في جهاد الطواغيت وجهاده.. والتحرر منهم حتى يملك المسلمون مصيرهم وقرارهم وحريتهم، وعندها تعود المحاكم الشرعية، وتعود الدولة المسلمة..

ولقد مَنّ الله على المسلمين بالثروات البشرية والمادية، وأعطاهم الفرص تلو الفرص لهذا التحرر، ولكن يخرج خبثاء يحيدون بالمسلمين عن الطريق، كلما جاء الفرج، وخرج المنادي للجهاد !!

وعلى المسلم أن يُحصن نفسه من لوثة البرجماتية العلمانية، المطلية بـ "مهارب شرعية" وأن يخلص نفسه لله.. ويعرف أنه لا مفر من "الجهاد في سبيل الله" ولا مفر من مواجهة الطاغوت وقوى الصليب.. وأن هذا وحده سبيل التحرر الوحيد، وسبيل تحكيم الشرع والحدود، وإقامة الدين. ولا يلتفت لعبث العابثين، وتهافت المتهافتين، فحق الله المبين.. واضح سهل لمن أراد سبيل المؤمنين، والعاقبة للمتقين.

*المصدر: مدونة أمتى

أخبار ذات صلة

إن الخصيصة الأولى من الخصائص العامة للإسلام هي: الربانية.

والربانية ـ كما يقول علماء العربية ـ مصدر صناعي منسوب إلى "الرب"، زيدت ... المزيد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فهذا رد على الدكتور حاكم المطيري غفر الله لي وله فيما كتبه ... المزيد

قال تعالى في سورة الأنفال :

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَاب ... المزيد