البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

المسألة الشيعية

المحتوي الرئيسي


المسألة الشيعية
  • أحمد طه
    05/07/2015 10:09

كيف يمكن لرجال دولة مواجهة طائفة على بدعة مُكفرة، يتحالفون مع أعداء المسلمين ضد أهل السنة، ثم يَدعون في النهاية انتسابهم للإسلام ؟!
 
هذه المُعضلة هي عقبة تؤرق قادة المسلمين عبر التاريخ، فكيف نجح القادة في كبح جماح هذا الشر، وكيف تم التعامل معه ؟
 
وسنناقش - بإذن الله - في هذا المقال: (1) الرؤية الشرعية والفكرية. (2) المواجهة الواقعية والميدانية.
 
أولاً: الرؤية الشرعية والفكرية
 
وسنختار أشد العلماء على الشيعة، وعلى الفرق المبتدعة، وهو العلاّمة ابن تيمية ♫:
 
يقول في أحوال الشيعة: 
"وَالشِّيعَةُ هُمْ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ ، شَرُّهَا الْغَالِيَةُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِعَلِيٍّ شَيْئًا مِنْ الْإِلَهِيَّةِ أَوْ يَصِفُونَهُ بِالنُّبُوَّةِ ، وَكُفْرُ هَؤُلَاءِ بَيِّنٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُ الْإِسْلَامَ ، وَكُفْرُهُمْ مِنْ جِنْسِ كُفْرِ النَّصَارَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَهُمْ يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى . وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ : وَهُمْ الرَّافِضَةُ الْمَعْرُوفُونَ ، كَالْإِمَامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْإِمَامُ الْحَقُّ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَصٍّ جَلِيٍّ أَوْ خَفِيٍّ وَأَنَّهُ ظُلِمَ وَمُنِعَ حَقَّهُ ، وَيُبْغِضُونِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَيَشْتُمُونَهُمَا ، وَهَذَا هُوَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ سِيمَا الرَّافِضَةَ وَهُوَ بُغْضُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَبُّهُمَا . وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ : الْمُفَضِّلَةُ مِنْ الزَّيْدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَلَكِنْ يَعْتَقِدُونَ إمَامَتَهُمَا وَعَدَالَتَهُمَا وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ ، فَهَذِهِ الدَّرَجَةُ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً ، فَقَدْ نُسِبَ إلَيْهَا طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ ، وَلَيْسَ أَهْلُهَا قَرِيبًا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ ، بَلْ هُمْ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ إلَى الرَّافِضَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُنَازِعُونَ الرَّافِضَةَ فِي إمَامَةِ الشَّيْخَيْنِ وَعَدْلِهِمَا وَمُوَالَاتِهِمَا ، وَيُنَازِعُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي فَضْلِهِمَا عَلَى عَلِيٍّ - وَالنِّزَاعُ الْأَوَّلُ أَعْظَمُ , وَلَكِنْ هُمْ الْمِرْقَاةُ الَّتِي تَصْعَدُ مِنْهُ الرَّافِضَةُ فَهُمْ لَهُمْ بَابٌ" [ الفتاوى الكبرى لابن تيمية، ج 6، ص  369 ]
 
وفي مسألة التفريق بين أحوالهم يقول:
 
عن المرجئة والشيعة المُفضلة:
"وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي عَدَمِ تَكْفِيرِ " الْمُرْجِئَةِ " وَ " الشِّيعَةِ " الْمُفَضِّلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَمْ تَخْتَلِفْ نُصُوصُ أَحْمَدَ فِي أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ حَكَى فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ - مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ - خِلَافًا عَنْهُ أَوْ فِي مَذْهَبِهِ حَتَّى أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ تَخْلِيدَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا غَلَطٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وَعَلَى الشَّرِيعَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ إلْحَاقًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي قَالُوا: فَكَمَا أَنَّ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا بِذَنْبِ فَكَذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا بِبِدْعَةِ". [ مجموع الفتاوى، ج3، ص352]
 
ويقول عن الخوارج والروافض:
"وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ فَفِي تَكْفِيرِهِمْ نِزَاعٌ وَتَرَدُّدٌ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ".[ مجموع الفتاوى، ج3، ص352]
 
ويقول عن الإسماعيلية والنصيرية:
"فَإِنَّ الْقَاهِرَةَ بَقِيَ وُلَاةُ أُمُورِهَا نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ؛ وَكَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ رَافِضَةٌ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ: إسْمَاعِيلِيَّةٌ ونصيرية وَقَرَامِطَةٌ بَاطِنِيَّةٌ كَمَا قَالَ فِيهِمْ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَاتَّفَقَ طَوَائِفُ الْمُسْلِمِينَ: عُلَمَاؤُهُمْ وَمُلُوكُهُمْ وَعَامَّتُهُمْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا خَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ جَائِزًا" [مجموع الفتاوى ج28/ 636]
"وَقَدْ يَزْعُمُونَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ أَعْلَمَ بِاَللَّهِ مِنْهُ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَهَذَا الضَّرْبُ مَا زَالَ مَوْجُودًا لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ: مِنْ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالْنُصَيْرِيَّة وَالْمُلُوكِ العبيدية: الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ الْخِلَافَةَ وَمَعَ الخرمية والمزدكية وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الطَّوَائِفِ وَهَؤُلَاءِ خَوَّاصُهُمْ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمِنْ الْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبَشَرِ أَوْ نُبُوَّتِهِ وَهُمْ مُنَافِقُونَ زَنَادِقَةٌ؛ لَكِنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ لَمَّا لَبَّسُوا عَلَيْهِ أَصْلَ قَوْلِهِمْ أَوْ وَافَقَهُمْ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يَمِيلُونَ إلَى الرَّافِضَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى التَّصَوُّفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْكَلَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ مَعَ الْفُقَهَاءِ فِي مَذَاهِبِهِمْ. وَهَذَا الضَّرْبُ يَكْثُرُ فِي الدُّوَلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْبَعِيدِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْإِسْلَامِ وَالْتِزَامِهِ كَمَا كَانُوا كَثِيرِينَ فِي دَوْلَةِ الدَّيْلَمِ والعبيديين وَنَحْوِهِمْ وَكَمَا يَكْثُرُونَ فِي دَوْلَةِ الْجُهَّالِ مَنْ التُّرْكِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرِّسَالَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِتَفَاصِيلِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ" [ مجموع الفتاوى ج 12، ص 338]
 
ويقول في الدرزية:
"هَؤُلَاءِ " الدُّرْزِيَّةُ " و" الْنُصَيْرِيَّة " كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ؛ بَلْ وَلَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ؛ فَإِنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ؛ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى لَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَا وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَا وُجُوبِ الْحَجِّ؛ وَلَا تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا. وَإِنْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ هَذِهِ الْعَقَائِدِ فَهُمْ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ". [ مجموع الفتاوى، ج35، ص 161]
 
ويقول في قتال أهل البدع عموماً:
فَأَمَّا قَتْلُ الْوَاحِدِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الْخَوَارِجِ؛ كالحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ؛ كَالدَّاعِيَةِ إلَى مَذْهَبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّنْ فِيهِ فَسَادٌ.... وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ. فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُمْ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلُوا وَلَا يَجِبُ قَتْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا لَمْ يَظْهَرْ هَذَا الْقَوْلُ أَوْ كَانَ فِي قَتْلِهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ. وَلِهَذَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ ذَلِكَ الْخَارِجِيِّ ابْتِدَاءً لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ " وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ فِيهِ فَسَادٌ عَامٌّ؛ وَلِهَذَا تَرَكَ عَلِيٌّ قَتْلَهُمْ أَوَّلَ مَا ظَهَرُوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا وَكَانُوا دَاخِلِينَ فِي الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ظَاهِرًا لَمْ يُحَارِبُوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُمْ هُمْ.
وَأَمَّا تَكْفِيرُهُمْ وَتَخْلِيدُهُمْ: فَفِيهِ أَيْضًا لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد. وَالْقَوْلَانِ فِي الْخَوَارِجِ وَالْمَارِقِينَ مِنْ الحرورية وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُفْرٌ وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ كُفْرٌ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرْت دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لَكِنْ تَكْفِيرُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ. فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضَى الَّذِي لَا مَعَارِضَ لَهُ. وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي " قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ ". [ مجموع الفتاوى، ج28، ص 500، 501]
 
ويقول في وصف (أفعال) الشيعة الروافض ضد المسلمين:
"وَالرَّافِضَةُ أَشَدُّ بِدْعَةً مِنَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ يُكَفِّرُونَ مَنْ لَمْ تَكُنِ الْخَوَارِجُ تُكَفِّرُهُ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَكْذِبُونَ عَلَى النَّبِيِّ ☺ وَالصَّحَابَةِ كَذِبًا مَا كَذِبَ أَحَدٌ مِثْلَهُ، وَالْخَوَارِجُ لَا يَكْذِبُونَ، لَكِنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا أَصْدَقَ وَأَشْجَعَ مِنْهُمْ، وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا أَكْثَرَ قِتَالًا مِنْهُمْ، وَهَؤُلَاءِ أَكْذَبُ وَأَجْبَنُ وَأَغْدَرُ وَأَذَلُّ.
وَهُمْ يَسْتَعِينُونَ بِالْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِعَدُوٍّ كَافِرٍ كَانُوا مَعَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا جَرَى لِجَنْكِزْخَانَ  مَلِكِ التَّتَرِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ أَعَانَتْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ  .
 
وَأَمَّا إِعَانَتُهُمْ لِهُولَاكُو ابْنِ ابْنِهِ لَمَّا جَاءَ إِلَى خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ فَهَذَا أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَكَانُوا بِالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْصَارِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَكَانَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ بِبِغَدْادَ  الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ مِنْهُمْ ، فَلَمْ يَزَلْ يَمْكُرُ بِالْخَلِيفَةِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَسْعَى فِي قَطْعِ أَرْزَاقِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَضَعْفِهِمْ، وَيَنْهَى الْعَامَّةَ عَنْ قِتَالِهِمْ، وَيَكِيدُ أَنْوَاعًا مِنَ الْكَيْدِ، حَتَّى دَخَلُوا فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ بِضْعَةَ عَشْرَ أَلْفِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ، وَلَمْ يُرَ فِي الْإِسْلَامِ مَلْحَمَةٌ مِثْلَ مَلْحَمَةِ التُّرْكِ الْكُفَّارِ الْمُسَمَّيْنَ بِالتَّتَرِ، وَقَتَلُوا الْهَاشِمِيِّينَ وَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَغَيْرِ الْعَبَّاسِيِّينَ، فَهَلْ يَكُونُ مُوَالِيًا لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ☺ مَنْ يُسَلِّطُ الْكُفَّارَ عَلَى قَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ وَعَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؟ ....
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ  بِالشَّامِ مِنَ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ لَهُمْ كَلِمَةٌ أَوْ سِلَاحٌ يُعِينُونَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمِنَ النَّصَارَى أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، عَلَى قَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ." [منهاج السنة ج5، ص 155]
 
وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، فَفِيهِمْ جَهْلٌ، وَظُلْمٌ، لَا سِيَّمَا الرَّافِضَةِ، فَإِنَّهُمْ أَعْظَمُ ذَوِي الْأَهْوَاءِ جَهْلًا وَظُلْمًا يُعَادُونَ خِيَارَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّينَ، مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَرَضُوا عَنْهُ، وَيُوَالُونَ الْكُفَّارَ، وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكِينَ، وَأَصْنَافِ الْمُلْحِدِينَ كَالنُّصَيْرِيَّةِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الضَّالِّينَ، فَتَجِدُهُمْ، أَوْ كَثِيرًا مِنْهُمْ إِذَا اخْتَصَمَ خَصْمَانِ فِي رَبِّهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْكُفَّارِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ - سَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِقَوْلٍ، أَوْ عَمَلٍ كَالْحُرُوبِ الَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُشْرِكِينَ - تَجِدُهُمْ يُعَاوِنُونَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْقُرْآنِ.
 
كَمَا قَدْ جَرَّبَهُ النَّاسُ مِنْهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي مِثْلِ إِعَانَتِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ التُّرْكِ، وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِخُرَاسَانَ، وَالْعِرَاقِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِعَانَتِهِمْ لِلنَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ، وَمِصْرَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي وَقَائِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَعْظَمِهَا  الْحَوَادِثُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَدِمَ كُفَّارُ التُّرْكِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا رَبُّ الْأَنَامِ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَمُعَاوَنَةً لِلْكَافِرِينَ، وَهَكَذَا مُعَاوَنَتُهُمْ لِلْيَهُودِ أَمْرٌ شَهِيرٌ حَتَّى جَعَلَهُمُ النَّاسُ لَهُمْ كَالْحَمِيرِ". [ منهاج السنة، ج1، ص 21]
 
ويقول في وصف ( عقيدة ) الروافض:
"وَأَمَّا الرَّافِضَةُ، فَأَصْلُ بِدْعَتِهِمْ عَنْ زَنْدَقَةٍ، وَإِلْحَادٍ، وَتَعَمُّدُ الْكَذِبِ كَثِيرٌ فِيهِمْ، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُونَ: دِينُنَا التَّقِيَّةُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ بِلِسَانِهِ خِلَافَ مَا فِي قَلْبِهِ، وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ وَالنِّفَاقُ، وَيَدَّعُونَ مَعَ هَذَا أَنَّهُمْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَيَصِفُونَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ بِالرِّدَّةِ، وَالنِّفَاقِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ: رَمَتْنِي بِدَائِهَا، وَانْسَلَّتْ، إِذْ لَيْسَ فِي الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ أَقْرَبُ إِلَى النِّفَاقِ وَالرِّدَّةِ مِنْهُمْ، وَلَا يُوجَدُ الْمُرْتَدُّونَ، وَالْمُنَافِقُونَ فِي طَائِفَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُوجَدُ فِيهِمْ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْغَالِيَةِ مِنَ النُّصَيْرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِالْمَلَاحِدَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَأَمْثَالِهِمْ." [منهاج السنة ج1، ص68]
 
"فَإِنَّ الرَّافِضَةَ فِي الْأَصْلِ لَيْسُوا أَهْلَ عِلْمٍ، وَخِبْرَةٍ بِطَرِيقِ النَّظَرِ، وَالْمُنَاظَرَةِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ، وَمَا يَدْخُلُ فِيهَا مِنَ الْمَنْعِ، وَالْمُعَارَضَةِ، كَمَا أَنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِمَعْرِفَةِ الْمَنْقُولَاتِ، وَالْأَحَادِيثِ، وَالْآثَارِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ صَحِيحِهَا وَضَعِيفِهَا، وَإِنَّمَا عُمْدَتُهُمْ فِي الْمَنْقُولَاتِ عَلَى تَوَارِيخَ مُنْقَطِعَةِ الْإِسْنَادِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا مِنْ وَضْعِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ، بَلْ وَبِالْإِلْحَادِ... وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ، وَالرِّوَايَةِ، وَالْإِسْنَادِ عَلَى أَنَّ الرَّافِضَةَ أَكْذَبُ الطَّوَائِفِ، وَالْكَذِبُ فِيهِمْ قَدِيمٌ، وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَعْلَمُونَ امْتِيَازَهُمْ بِكَثْرَةِ الْكَذِبِ" [ منهاج السنة ج1، ص59]
"أما من اقترن بسبه [ أي سب الصحابة ] دعوى أن عليا إله أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لاشك في كفره بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره.
وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
 
وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.
 
وأما من لعن وقبح مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
 
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ☺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضا في كفره فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم والثناء عليهم بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الأمة التي هي: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم...
وبالجملة فمن أصناف السابة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من تردد فيه" [ الصارم المسلول ج1، ص 586، 587]
 
ويقول في نسبة الإسلام إلى بعض الروافض:
"وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ إلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَانْتَفَعُوا بِذَلِكَ وَصَارُوا مُسْلِمِينَ مُبْتَدِعِينَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْمُلُوكِ قَدْ يَغْزُو غَزْوًا يَظْلِمُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارَ وَيَكُونُ آثِمًا بِذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ خَلْقٍ كَثِيرٍ كَانُوا كُفَّارًا فَصَارُوا مُسْلِمِينَ وَذَاكَ كَانَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِمِ بِالْوَاجِبِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُفَّارِ فَهُوَ خَيْرٌ". [مجموع الفتاوى ج13، ص 96 | دقائق التفسير ج2، ص 143 ]
"وَالْإِمَامِيَّةُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ خَيْرٌ مِنْهُمْ بِكَثِيرٍ [ يقصد الإسماعيلية الذين يقولون بعِصمة بني عُبَيْدٍ، وهم ملاحدة منافقون ] فَإِنَّ الْإِمَامِيَّةَ مَعَ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ فِيهِمْ خَلْقٌ مُسْلِمُونَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا لَيْسُوا زَنَادِقَةً مُنَافِقِينَ، لَكِنَّهُمْ جَهِلُوا وَضَلُّوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَأَئِمَّتُهُمُ الْكِبَارُ الْعَارِفُونَ بِحَقِيقَةِ دَعْوَتِهِمْ الْبَاطِنِيَّةِ زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ، وَأَمَّا عَوَامُّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا بَاطِنَ أَمْرِهِمْ فَقَدْ يَكُونُونَ مُسْلِمِينَ". [ منهاج السنة ج2، ص 451، 452]
 
"وَسُئِلَ: عَنْ " الرَّافِضَةِ " هَلْ تُزَوَّجُ؟
فَأَجَابَ: الرَّافِضَةُ الْمَحْضَةُ هُمْ أَهْلُ أَهْوَاءٍ وَبِدَعٍ وَضَلَالٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ رافضي وَإِنْ تَزَوَّجَ هُوَ رافضية صَحَّ النِّكَاحُ إنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ تَتُوبَ وَإِلَّا فَتَرْكُ نِكَاحِهَا أَفْضَلُ لِئَلَّا تُفْسِدَ عَلَيْهِ وَلَدَهُ". [ مجموع الفتاوى ج 32، ص 61]
 
"وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ يُفَضِّلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى الرَّافِضَةِ؟
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُؤْمِنِ بِذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْبِدْعَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِدْعَةَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كُفَّارٌ كُفْرًا مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَالْمُبْتَدِعُ إذَا كَانَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مُخَالِفٌ لَهُ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِهِ؛ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ يَكْفُرُ فَلَيْسَ كُفْرُهُ مِثْلَ كُفْرِ مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [ مجموع الفتاوى ج35، ص 201 | الفتاوى الكبرى ج3، ص 516 ]
*   *   *
ويقول العلاّمة أبو حامد الغزالي في كتابه "فضائح الباطنية"  الذين هم أهل الزندقة والإلحاد من القرامطة وأشباههم، المأخوذة عقيدتهم عن ملاحدة الفلاسفة، ودين المجوس.. قال: "ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض" وقال: "مَذْهَب الباطنية أدنى درجاته التبديع والتضليل، وأعلاه التَّكْفِير والتبرى؛ وَذَلِكَ فِي اثباتهم إلهين قديمين على مَا اطبق عَلَيْهِ جَمِيع فرقهم، وَالثَّانِي فِي انكارهم الْحَشْر والنشر وَالْجنَّة وَالنَّار وَجُمْلَة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ وعد الْقرَان ووعيده بفنون من التأويلات بَاطِلَة وَذَلِكَ مِمَّا نعلم أنه لَو ذكر شَيْء مِنْهُ فِي زمَان رَسُول الله ☺ وعصر الصَّحَابَة بعده لبادروا إِلَى حز الرَّقَبَة وَلم يتماروا أنه صَرِيح التَّكْذِيب لله وَرَسُوله"  [فضائح الباطنية، ص 173].
 
ويقول في مسألة توبتهم ثلاثة أحوال:
الْحَالة الاولى: أَن يتسارع إِلَى اظهار التَّوْبَة وَاحِد مِنْهُم من غير قتال وَلَا إرهاق واضطرار وَلَكِن على سَبِيل الإيثار وَالِاخْتِيَار مُتَبَرعا بِهِ ابْتِدَاء من غير خوف واستشعار هَذَا يَنْبَغِي أَن يقطع بِقبُول تَوْبَته فَإنَّا أَن نَظرنَا إِلَى ظَاهر كَلمته صدقناها مُوَافقَة لعين الْإِسْلَام وَأَن نَظرنَا إِلَى سَرِيرَته كَانَ الْغَالِب أَنَّهَا على مُطَابقَة اللِّسَان وموافقته، فَإنَّا لم نَعْرِف الْآن لَهُ باعثا على التقية وَإِنَّمَا الْمُبَاح عِنْدهم إِظْهَار نقيض المعتقد تقية عِنْد تَحْقِيق الْخَوْف، فَأَما فِي حَالَة الِاخْتِيَار فَهُوَ من أفحش الْكَبَائِر ويعضد ذَلِك بِأَمْر كلي وَهُوَ أَنه لَا سَبِيل إِلَى حسم بَاب الرشد عَلَيْهِم فكم من عَامي ينخدع بتخيل بَاطِل ويغتر بِرَأْي قَائِل ثمَّ ينتبه من نَفسه أَو ينبهه مُنَبّه لما هُوَ الْحق فيؤثر الرُّجُوع إليه والشروع فِيهِ بعد النُّزُوع عَنهُ فَلَا سَبِيل إِلَى حسم مَسْلَك الرشاد على ذَوي الضلال والعناد.

الْحَالة الثَّانِيَة: الَّذِي يسلم تَحت ظلال السيوف وَلكنه من جملَة عوامهم وجهالهم لَا من جملَة دعاتهم وضلالهم فَهَذَا أَيْضا تقبل تَوْبَته فَمن لم يكن مترشحا للدعوة فضرر كفره مَقْصُور عَلَيْهِ فِي نَفسه، وَمهما أظهر الدّين احْتمل كَونه صَادِقا فِي إسراره وإظهاره ولعامي الْجَاهِل يظنّ أَن التلبيس بالأديان والعقائد مثل المواصلات والمعاقدات الاختبارية فيصلها مُدَّة بِحكم الْمصلحَة ويقطعها أُخْرَى وباطنه يُوَافق الظَّاهِر فِيمَا يتعاطاه من الْتِزَام وإعراض وَلذَلِك ترى من يسبي من العبيد وَالْإِمَاء من بِلَاد الْكفْر إِلَى دارالإسلام يدينون بدينهم معتقدين وشاكرين لله على مَا أتاح لَهُم من الرشد ورحض عَنْهُم من وضر الْكفْر والغي، وَلَو سئلوا عَن السَّبَب فِي تَبْدِيل الدّين وإيثار الْحق الْمُبين على الْبَاطِل لم يعرفوا لَهُ سَببا إِلَّا مُوَافقَة السَّادة على وفْق مصلحَة الْحَال، ثمَّ ذَلِك يُؤثر فِي بَاطِن عقائدهم كَمَا نرى ونشاهد فَإِذا عرف أَن الْعَاميّ سريع التقلب فنصدقه فِي انقلابه إِلَى الْحق كَمَا نصدقه فِي إضرابه عَنهُ إِذا ظهر من معتقده خلاف الْحق فَإنَّا بَين أَن نغضى عَن كَافِر مستسر وَلَا نَقْتُلهُ بل نتعامى عَنهُ أَو نهجم على قتل مُسلم ظَاهرا أَو بَاطِنا أَن كَانَ مضمرا لما يظْهر وَلَيْسَ فِي التغاضي عَن كفر كَافِر لَيست لَهُ دَعوه تَنْتَشِر وَلَيْسَ فِيهِ شَرّ يتَعَدَّى كَبِير مَحْظُور فكم مننا على الْكفَّار وأغضينا عَنْهُم ببذل الدِّينَار فَلَيْسَ ذَلِك مُمْتَنعا أما اقتحام الْخطر فِي قتل من هُوَ مُسلم ظَاهرا وَيحْتَمل أن يكون مُسلما بَاطِنا احْتِمَالا قَوِيا فمحظور. 
 
الحالة الثالثة: أَن نَنْظُر بِوَاحِد من دعاتهم مِمَّن يعرف مِنْهُ أَنه يعْتَقد بطلَان مذْهبه وَلكنه يَنْتَحِلهُ غير مُعْتَقد لَهُ ليتوصل إِلَى استمالة الْخلق وَصرف وُجُوههم إِلَى نَفسه طلبا للرياسة وَطَمَعًا فِي حطام الدُّنْيَا هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّقِي شَره وَالْأَمر فِيهِ مَنُوط بِرَأْي الإِمَام ليلاحظ قَرَائِن أَحْوَاله ويتفرس من ظَاهره فِي بَاطِنه ويستبين أَن مَا ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا بِهِ بعد التحقق والكشف أَو هُوَ نفاق وتقية وَفِي قَرَائِن الْأَحْوَال مَا يدل عَلَيْهِ وَالْأولَى أَلا يُوجب على الإِمَام قَتله لَا محَالة وَلَا أن يحرم قَتله بل يُفَوض إِلَى اجْتِهَاده، فَأن غلب على ظَنّه أَنه سالك مَنْهَج التقية فِيمَا أَدَّاهُ قَتله وَأَن غلب على ظَنّه أَنه تنبه للحق وَظهر لَهُ فَسَاد الْأَقَاوِيل المزخرفة الَّتِي كَانَ يَدْعُو اليها قبل توبته وأغضى عَنهُ فِي الْحَال وَأَن بقيت بِهِ رِيبَة وكل بِهِ من يراقب أَحْوَاله ويتفقده فِي بواطن أمره وَيحكم فِيهِ بِمُوجب مَا يَتَّضِح لَهُ مِنْهُ فَهَذَا هُوَ المسلك الْقَصْد الْقَرِيب من الْإِنْصَاف والبعيد من التعصب والاعتساف. [فضائح الباطنية، ص 161، 163]
*   *   *
ونلحظ أن العلاّمة ابن تيمية - وغير من العلماء - التفصيل والتفريق في مسألة الشيعة، فهم ليسوا على درجة واحدة من حيث الطائفة: فهناك المُفضلة الزيدية، والرافضة الإمامية الإثنا عشرية، والإسماعيلية، والنصيرية، والقرامطة، والدرزية...إلخ، فمنهم ما هو كافر بالإجماع سواء على التعيين أو الإجمال، ومنهم من طائفته كافرة بوجه عام.. لكن تكفير المُعين من طائفته منهم من يُجيزه بشروطه وأحواله، ومنهم من يمتنع عنه لوجود مانع شرعي،  ومنهم ما هو على بدعة وضلالة، ومنهم ما هو مُختلف في حكمه..  ومنهم من هو مُسلم بيقين ولا يخرج من الملة كـ الشيعة الزيدية.
"كما أن حكم الطائفة يُأخذ من معتقداتها، أم أعيان عوامهم فيحكم عليهم من عياشهم، وما يَدينون به، وما هم فيه من ملابسات وأحوال، ولا يُؤخذون بجريرة بعض كبرائهم من الغلاة، كما أن هناك طوائف ممتدة في شعاب التاريخ، وتتوالد فيها الفرق وتتداخل، وتتغير من الناحية الفكرية، طبقاً للظروف والملابسات المحيطة، وتأخذ الظروف السياسية والاجتماعية جانباً كبيراً من التأثير عليها.."
 
كما يفرق السادة العلماء بين وصف الطائفة، ووصف أفعالها، وإطلاق الوعيد فيها، وبين تقييد مسألة تكفير المُعين ( تكفير الشخص بعينه ) ومن ثم مسألة قتله واستحلال دمه، وما يترتب عليها من سياسة أمور المسلمين.
 
كما نلحظ - بعد تفصيل حال الطوائف - التفريق بين رؤوس الطائفة، وعوام الطائفة، وبين دعاة الطائفة، وجماهيرها، وبين المُحارب الممتنع منها، وبين المُداهن المُسالم، وبين الداعي للبدعة والناشر للفتنة، والساكت عنها، وبين الداخلين في جماعة المسلمين وإمامهم، وبين الخارجين عليه بالسلاح، والداعمين لأعداء المسلمين.
وهذه النظرة التفصيلية العميقة للسادة العلماء، توضح أن الأمور لا تُأخذ بالجملة، ولا بالعموم، ولا بنظرة أحادية..  بل تحتاج إلى تفصيل شرعي، ورؤية واقعية دقيقة، ودراسة للتوازنات السياسية والاجتماعية القائمة، حتى يرتسم لـ "الإمام المسلم".. أولويات الدعوة وأولويات القتال.. وأولويات التخطيط، وأولويات نطاق العمل؛ حتى يتحقق التمكين المطلوب لدعوة الحق، ورسالة الإسلام.
 
*   *   *
ثانياً: المواجهة الواقعية
 
وسنختار في المواجهة الواقعية الميدانية القائد المُلهم المجاهد نور الدين محمود زنكي، وذراعيه المباركتين: أسد الدين شيركوه، وصلاح الدين الأيوبي رحمهم الله أجمعين.
وساحة هذه المواجهة في مصر حيث الدولة الفاطمية .. وأنقل هنا من مقال: "جهود صلاح الدين في بناء الجبهة الإسلامية/ د. عبدالعزيز بن راشد".
كانت مصر تحت حكم ما يُسمى "الخليفة الفاطمي" وفي أواخر عهدها حدث صراعاً على المُلك بين الوزراء.. جعل أحد هؤلاء الوزراء يلجأ إلى نور الدين محمود في دمشق ! وهو الوزير الفاطمي شاوَر.."وصل شاوَر إلى دمشق في ربيع الأول سنة 559 هـ، وعرض الأمر على نور الدين، وحسَّن له أمرَ إرسال حَملةٍ حرْبيَّة تُعيده لمنصب الوزارة، وفي المقابل وَعَدَهُ بثُلُثِ خراج مصر وتَحمُّل نفقات الحملة، وأن يبقى قائدها ينوبُ عنه في مصر، أو يعتبره هو نائبًا له في حكمها" [ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 84، ابن خلدون: العبر جـ 5 ص 246، اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 264].
 
فكانت الحملة الزنكية الأولى على مصر:
 
واستجاب نور الدين محمود لطلب شاوَر، "أمَّا أسباب هذه الاستجابة فقد ذكرها المؤرِّخون؛ فابن الأثير يذكر أن ذلك رعاية لقصد شاوَر، وطلب الزيادة في المُلْك والتقوِّي على الفرنج. أمَّا ابن خلكان فيذكر لذلك سببين: "أحدهما: قضاء حقِّ شاوَر؛ لكونه قصده ودخل عليه مستصرخًا، والثاني: أنَّه أراد استعلام أحوال مصر؛ فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند، وأحوالها في غاية الاختلال؛ فقصد الكشف عن حقيقة ذلك".
 
وابن شداد يذكر أنَّ دوافع هذه الحملة هي: "قضاءٌ لحقِّ الوافد المستصْرِخ، وجسًّا للبلاد، وتطلُّعًا إلى أحوالها"[ النوادر السلطانية ص 36].
"وعلى هذا فيمكن أن نستنتج دوافع هذه الاستجابة؛ وهي:
(1) معرفة أحوال مصر وكشف أخبارها؛ تمهيدًا للاستيلاء عليها.
(2) الاستفادة من الموارد المالية لمصر، وتسخيرها لأمور الجهاد، وبخاصةٍ أن جزءًا منها كان يدفع للصليبيين ضريبةً سنوية.
(3) تضييق الخناق على الصليبيين؛ بِمُحاصرتهم من الجنوب، وقطع أملهم في الاستيلاء على مصر.
(4) إسقاط الدولة الفاطمية الشيعيَّة، وضم مصر للدولة العباسية، وإعادة المذهب السُّني للبلاد.
(5) تحريض بني أيوب لنور الدين - وبخاصةٍ أسد الدين شيركوه - فقد وردتْ إشارات كثيرة تدلُّ على ذلك، يقول ابن الأثير: "وكان هوى أسد الدين في ذلك" [جهود صلاح الدين في بناء الجبهة الإسلامية / د. عبدالعزيز بن راشد ]
 
"انطلقت هذه الحملة من دمشق بقيادة أسد الدين شيركوه في جمادى الأولى سنة 559هـ، واسْتَصْحَبَ معه شاوَر، كما اسْتَصْحَبَ ابن أخيه صلاح الدين، وجعله مقدَّم عسكره ومستشاره [النوادر السلطانية ]، وكان عمره آنذاك سبعًا وعشرين، وقد كان نور الدين يدرك خطورة الطريق بين مصر والشام؛ فخشِيَ على جيشه من الصليبيين؛ فأخذ يشاغلهم بِهجمات متفرِّقة، ممَّا مكَّن أسد الدين من الوصول إلى مصر بأمان [العبر، ابن خلدون، ج5]، وفي مصر التقت الحملة الزنكية بجيش ضرغام الوزير الفاطمي وهزمتْه، ودخل أسد الدين شيركوه القاهرة وقتل ضرغام، الذي لم يَدُم في الوزارة سوى تسعة أشهر، وأعاد شاوَر للوزارة في شهر رجب من نفس العام، لكنَّ شاوَر لم يَفِ بما التزم به لنور الدين؛ بل إنَّه غدر بأسد الدين وطلب منه الرجوع إلى الشام، فاضطرَّ أسد الدين إلى مغادرة القاهرة واللجوء لبِلْبِيس" 
 
ولجأ شاوَر إلى الصليبيين، ليتحالف معهم ضد نور الدين، وفي ذلك يقول ابن الأثير: "فأرسل شاوَر إلى الفرنج يستمدُّهم ويخوِّفهم من نور الدين إن مَلَكَ مصرَ، وكان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن تمَّ مُلْكُه لها، فلمَّا أرسل شاوَر ليطلب منهم أن يُساعِدُوه على إخراج أسد الدين من البلاد - جاءهم فرجٌ لم يَحْتسبوه، وسارعوا إلى تلبية دعوَتِه ونُصْرَتِه، وطمِعوا في تلك الديار المصرية، وكان قد بذَلَ لَهُمْ مالاً على المسير إليه، وتَجهَّزُوا وسارعوا، فلمَّا بَلَغَ نورَ الدين ذلك سار بِعساكِرِه إلى أطراف بلادِهِم ليمتَنِعُوا عنِ السير، فلم يَمنَعْهُم ذلك؛ لعِلْمِهم أنَّ الخطرَ في مقامهم إذا مَلَكَ أسد الدين مصر أشدُّ" [الكامل: جـ 9 ص 85، والمقريزي: اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 276.]
ومع قُوَّة الجيش الصَّليبِيِّ الذي وصل إلى مصر - فإنَّه لم يَسْتَطِعِ القضاء على الحملة الزنكية التي تَحصَّنتْ في بِلْبِيس، وانتهى الحصار الذي دام ثلاثة أشهر بصلحٍ بين الجانبين، عاد على أَثَرِه أسد الدين بحملته إلى الشام.
 
ومع عودة القائد أسد الدين شيركو بعد الصلح، بدأ التخطيط لكيفية العودة مرة ثانية، لا سيما بعد الإطلاع على أحوال مصر، وإمكانية إسقاط هذه الخلافة الفاطمية المزعومة، ورد مصر إلى الخلافة العباسية.. ولما وصل إلى علم شاور هذا التخطيط، وهذه النية، لا سيما بعد غدره، ونقض وعوده؛ استنجد شاور بالقوى الصليبية بالشام، فأعد نور الدين وأسد الدين حملة جديدة لمنع سقوط مصر في يد الصليبيين، فكانت الحملة الثانية:
 
الحملة الثانية:
وفي ربيع الأول من عام 562 هـ سار أسد الدين شيركوه إلى مصر على رأس حملةٍ زنكيَّة، ومعه مَجموعةٌ من الأمراء وابن أخيه صلاح الدين يوسف، الذي ألزمه نور الدين بالسير مع كراهته ذلك، وتوَافَق وصول الحملة الزنكية مع وصول الصليبيين بقيادة الملك عموري ملك بيت المقدس، وقدِ استقْبَلَهُم شاوَر وعسكر معهم في بِلْبِيس؛ استعدادًا لمُلاقاة أسد الدين، غير أنَّ أسد الدين عَرَفَ بِهذا؛ فسلك طريقًا آخر؛ حيث اتَّجه نحو الجنوب وأخذ يشنُّ الغارات ويستدرج الفرنج إلى صعيد مصر.
"ولقد كان أسد الدين يقصد باتِّجاهه صوب الجنوب الحصول على مساعدة المصريين الناقمين على شاوَر؛ حيث تتركَّز المعارضة في جنوب مصر وشَمالها، وقد ذكرت المصادر انضمامَ كثيرٍ من هذه الفئات إليه، وإمدادَها له بالسلاح والأموال" [يحيى بن أبي طي: السيرة الصلاحية، عن الروضتين جـ 1 ق 2 ص 425].
 واستطاع أسد الدين - بفضل الله - الانتصار على حلف الصليبيين - شاور، رغم المعركة غير المتكافئة بين عشرات الألوف من الصليبيين، وألفي جندي فارس من جانب حملة نور الدين.
"ولقد أسفرتْ هذه المعركة عن نتائجَ مهمة بالنِّسبة لأسد الدين؛ فقدِ انفتح الطريق أمامه إلى الإسكندريَّة؛ حيث سار إليها يَجبي في طريقه الأموال ويستميل الرجال، وفتحت الإسكندرية أبوابَها لأسد الدين، واستناب عليها ابْنَ أخيه، ثُمَّ عاد إلى الصعيد حيثُ مَلَكَه وجبَى أمواله، وأقام به حتى رمضان من عام 562 هـ، وقدِ استغلَّ الصليبيُّون انشغالَه في الصعيد؛ فهاجَموا الإسكندريَّة، وحاصروا صلاح الدين وضيَّقوا عليه الخناق؛ فاستنجد بعمِّه، ولمَّا علم الصليبيُّون بذلك عرضوا الصُّلح على أسد الدين؛ فرضي بذلك، وكان من بنود هذا الصُّلح:
1 – أن يدفع شاوَر لأسد الدين جميعَ ما خسِرَهُ في هذه الحملة، ومقدارُه خَمسون ألف دينارٍ، عدا ما جَبَاهُ هو من البلاد.
2 – ألاَّ يُقيمَ الفرنج في مصر، ولا يتملَّكوا بلدًا واحدًا.
3 – أن يعود أسدُ الدين ورجالُه، ويسلِّموا الإسكندريَّة للمصريين.
4 – أن يعطي ملك الفرنج لصلاح الدين مراكبَ يحمل عليها الضعفاء من أصحابه.
وعاد أسد الدين بعد ذلك للشَّام، حيث وصل دمشق في شهر ذي القعدة.
ولقد نقض شاوَر والصليبيون بعض بنود هذا الصلح؛ حيث تذكر المصادر الصليبيين طلبوا من شاوَر أن يكون لهم شحنة بالقاهرة، وتكون أبوابها بأيدي فرسانهم، وأن يُدفع لهم مائة ألف دينار كل سنة، وكان هدفهم ضمان عدم عودة أسد الدين على غفلةٍ منهم" [المقريزي: اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 287، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 5 ص 349.]
ولقد تَمخَّضت هذه الحملة عن نتائجَ مهمة بالنسبة لمصر وبالنسبة للأيوبيين؛ فلقد سَلِمَت مصر من الوقوع في يد الصليبيين، وإن كان الصليبيون قد حصلوا على بعض الامتيازات؛ إلاَّ أنَّها لم تكن في مستوى طموحات ملك القدس، ولا شكَّ أن وجود هذا المنافِس القوي لهم - والمتمثِّل في الزِّنْكيين - قد حال دون تحقيق رغبتهم تلك.
أما بالنسبة للأيوبيين؛ فقد كانت هذه الحملة رصيدًا عظيمًا لهم يُضاف إلى جهودهم في الكفاح ضد الصليبيين في الشام، كما أنَّ صلاح الدين قد برز كقائدٍ شجاع في معركة البابيين وفي حصار الإسكندرية.
 
الحملة الثالثة:
هاجم الصليبيُّون مصر بقيادة عموري ملك بيت المقدس، وذلك أنَّ الحامية الصليبيَّة في القاهرة قد هوَّنت أمر مصر، وأَغْرَتْ عموري بِمهاجمتها والاستيلاء عليها، كما أنَّ الطوائف الصليبية في الشام هي الأخرى مارست الضغط عليه لضمِّ مصر، ونفَّذ عموري هذا المخطط، واستطاع الوصول للقاهرة والاستيلاء على ما في طريقِه، وأصبح الخليفة الفاطمي والوزير شاوَر محاصرَيْن في القاهرة، ولا تدلُّ الظروف المحيطة بِهما على أيِّ أملٍ في صدِّ هذه الهَجمة الصليبية، وبخاصَّةٍ بعد ما حصل من القتل والنهب والسلب من قِبَل الصليبيين ضدَّ المسلمين، وإزاء ذلك اتَّصل شاوَر بالخليفة العاضد، وشرح له الأوضاع، وأشار عليه بِطَلَبِ النَّجدة من نور الدين [يحيى بن أبي طي: السيرة الصلاحية، ص 432]، ولعلَّه لجأ إلى ذلك لأنَّه يدرك أنَّ نور الدين لم يعد يثق به ولا بوعوده بعد غدره برجال حملته الأولى والثانية، ولما كان الخطر جسيمًا؛ فلعلَّ نور الدين يستجيب لطلب الخليفة، واستجاب الخليفة لمشورة شاوَر، وأرْسَلَ يطلبُ النَّجدة من نور الدين، وقد أرْفَقَ بالكُتُبِ شُعُور نِسائه، وقال لنور الدين: "هذه شعور نسائي من قصري؛ يَسْتَغِثْنَ بكَ لتنقذهنَّ من الفرنج".[ابن الأثير الباهر ص 138]
جهز نور الدين جيشاً عظيماً هذه المرة، وأمده بالعتاد والعدة، لرد خطر الصليبيين، وأطماعهم، ومع تحرك الجيش، ودخوله مصر في 564 هـ، أثر الصليبيون الانسحاب من مصر.. وهكذا انفتح الطريق لأسد الدين لدخول القاهرة، وقابل الخليفة العاضد، وأظهر له الوزير شاور الود، لما رأوا قوته وجيشه.. وبقي أسد الدين هذه المرة بالقاهرة، لن يتركها لا سيما مع تحين الصليبيين لأي فرصة للانقضاض على مصر، وشعر شاور بخطر أسد الدين عليه، وخطط لقتله، إلا أن أسد الدين سبقه، وتم لصلاح الدين القبض على الوزير الفاطمي شاور، وإحضاره لعمه أسد الدين، وتم قتله. وتولى أسد الدين الوزارة مكان الوزير الفاطمي، ولقبله الخليفة الفاطمي بالملك المنصور أمير الجيوش" [ابن الأثير: الباهر ص 140، ابن شدد: النوادر السلطانية ص 40]
 
وكان نور الدين يرغب في عودة أسد الدين ليستقوي به - بعد الله - في حربه مع الصليبيين، فأرسل للخليفة الفاطمي العاضد في ذلك: "وقدِ افتقر العبد إلى بعثته، وأعوز عسكره يُمْن نقيبته، واشتدَّ حزب الضلال على المسلمين لغَيْبَتِه، لأنه ما زال يرمي شياطين الضلال بشهابه الثاقب، ويصمي معقل الشرك بسهمه النافذ الصائب" [الروضتين، ج1، ص437، ابن أبي طى]
لكن أسد الدين مات بعد شهرين من تواليه الوزارة.. وخلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، فقد كانت صناعة القرار الفعلية في يد رجال حملة الدولة الزنكية، والخليفة الفاطمي مجرد صورة أوشكت على الانتهاء والوفاة، ولقبه الخليفة الفاطمي بـ "بالناصر" [الروضتين، ج1، ص439، ابن أبي طى]
واستمال صلاح الدين قلوبَ الناس، فبَذَلَ الأموال، وملك الرجال، وهانت الدنيا في عينيه؛ فتعلَّقت به الرعيَّة وأحبَّه الجميع، فكان الخليفة يَميلُ إليه كثيرًا، وحكَّمه في ماله وبلاده، كما أنَّ نور الدين كان يَحترمه ويلقِّبه في المُكاتبة بالأمير الأسفهلار، ويُوصي أُمراءَهُ ورِجاله باحترامه وإجلاله.
 
وأشرنا في أسباب الحملات الزنكية على مصر إلى أنَّ من أهمِّ تلك الأسباب: الرغبة في إسقاط الخلافة الفاطميَّة الشيعية، ومن هنا فإنَّ على صلاح الدين أن يعمل من أجل تحقيق هذا الهدف، على أنَّ صلاح الدين - وقد عرف حالة الدولة وطبيعة مصر - بدأ العمل بطريقة هادئة، وسياسةٍ بارعة، وخطوات مدروسة، تؤدِّي في النهاية إلى سقوط هذه الدولة.
لذا نراه يقوم بعد توليه الوزارة بالقبض على أمراء الدولة، وإقامة أصحابِه عوضهم، وأَخَذَ يُغْدِقُ على أعوانه ويَمْنحهم الإقطاعات، ويضيِّق على حاشية الخلافة ويمنع عنهم، "فلم يزل أمرُه في ازديادٍ وأمرُ العاضد في نقصان"، ومن الطبيعي أن يستاء رجال القصر الفاطمي من هذا التدبير، ويفكِّرُوا في التخلُّص من صلاح الدين بعد أن أصبح يمثِّل خطرًا عليهم وعلى دولتهم، وكان أبرز هؤلاء الرِّجال في ذلك الوقت جوهر، الملقَّب بمؤتمَن الخلافة، الذي بدأ في تدبير حركةٍ ضدَّ صلاح الدين يستعين فيها بالصليبيين ليهاجِمُوا مصر من الخارج ويثور هو في الداخل، ولقد كانت هذه الحركة من العقبات الخطيرة التي كادت تودي بآل أيوب، لولا عنايةُ الله ثم فطنة صلاح الدين، الذي علم بِهذه الاتصالات حينما قبض رجاله على رسولٍ من مؤتمَن الخلافة يحمل رسالةً للصليبيين، ورغم ذلك فقد أبقى هذا الأمر سرًّا حتى ينفرد بجوهر ويقبِضَ عليه مُنفردًا؛ لعلمه بكثرة أعوانه من الجند السودان، وقد كانت هذه سياسةً اتَّبعها صلاح الدين مع كل الخارجين عليه؛ يُمهِلُهم حتى تتكشَّف له أسرارهم، ويعلم كل المشتركين معهم، ثم ينفرد بهم وهم آمنون.
 
وقد قُبض بعد ذلك على مؤتمَن الخلافة في ذي القعدة سنة 564 هـ، وقُتل من حينه؛ فتخلَّص صلاح الدين بذلك من العقبة الأولى التي واجهته.
 
وبدأ المكر الصليبي يزداد مع وجود مصر في يد صلاح الدين، وتحت سلطان الدولة الزنكية في الشام، فأصبحوا في بيت المقدس محاصرين.. وبدأ القلق الصليبي في أوروبا يزداد أيضاً، يقول ابن شداد : "ولَمَّا علِم الفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم، وما تمَّ للسلطان من استقامة الأمر في الديار المصرية - علِمُوا أنَّه يَملِكُ بلادهم، ويخرِّب ديارهم، ويقلع آثارهم؛ لما حدث له من القوة والمُلْك"، وهكذا بدأ الملك عموري ملك بيت المقدس حلمه لتأليب ملوك أوروبا ضدَّ صلاح الدين ورجاله، فأرسل الرسل إلى ملوك ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وصقلية يستحثُّهم للقيام بِحملةٍ صليبيةٍ ينقذون بها إخوانهم صليبيِّي الشرق، وحيث إن الظروف الداخلية في أوروبا لم تسمح للقيام بِهذه الحملة - فقد اتَّجه عموري نحو بيزنطة، التي أظهرت استجابةً طيبةً تِجاه هذا المشروع، والجدير ذكره: أنَّ هذه الاتصالات لم تَخْفَ على مؤرِّخينا في تلك الفترة؛ فهذا ابن الأثير يقول: "وكاتبوا – أي: إفرنج الشرق – الفرنج الذي بصقلية والأندلس وغيرِها، يستمدُّونَهم، ويعرِّفونَهم ما تجدَّد من مُلْك الأتراك في مصر، وأنهم خائفون على البيت المقدَّس منهم؛ فأرسلوا جماعةً من القسوس والرهبان يحرِّضونهم على الحركة"
وفي صفر سنة 565هـ هاجَمَتِ السفن البيزنطية ميناء دمياط، في حين وصلها عموري عن طريق البرِّ، وما أن علِمَ صلاح الدين بِهذه المؤامرة حتى استعدَّ وأرسل النَّجدات إلى دمياط، وشحنها بالعتاد والرِّجال، وأرسل إلى نور الدين يستنجِدُ به فأرسل له المَدَدَ، كما أنه أخذ يُهاجم المعاقل الصليبية في الشام، مِمَّا فتَّ في عَضُد الصليبيين، وأدركوا صعوبة تحقيق أحلامهم في هذه المرحلة، وبعد خَمسين يومًا من الحصار غير المُجدي انسحب الصليبيُّون يَجرُّون أذيال الخيبة، فكانوا على حدِّ تعبير ابن الأثير: "كالنعامة خرجت تريد قرنَيْن؛ فعادت بلا أذنَيْن"، ومنذ ذلك الحين أصبح صلاح الدين هو صاحب المبادرة في الجهاد ضد الصليبيين؛ أي إنه تحوَّل إلى موقف الهجوم؛ ففي سنة 566 هاجم عسقلان وهزم الفرنج وفتح أَيَلَة؛ فحقَّق بذلك أوَّل نصرٍ على الصليبيين خارج مصر.

" إن المتتبِّع لأعمال صلاح الدين مدة وزارته للخليفة العاضد يدرك أنها كانت تهدف إلى أمرين: إلغاء الخلافة الفاطمية، وإضعاف أو إزالة المذهب الشيعي، وكانت كلها أعمالاً مهمة، يقرِّب كلُّ واحدٍ منها الهدفَ النهائي ويسهِّل تحقيقه، وأظهر صلاح الدين ذكاءً وسياسةً في هذا الصَّدد؛ بحيث لم تحدث هذه الأعمال رِدَّات فعل عنيفة، أو ثورات مضادَّة من رجال الدولة أو أتباع المذهب الشيعي، والواقع أنَّ صلاح الدين قد استفاد كثيرًا من تجارب السَّلاجقة السنة في العراق في مُحاربتهم لآل بُوَيْه الشيعة، كما استفاد أيضًا من جهود أستاذه نور الدين في مُحاربة الشيعة في حلب وغيرها من مدن الشام، وكانت تلك السياسات تعتمد على النواحي الفكريَّة والعقليَّة أكثر من اعتمادها على القوَّة والقمع؛ فالسَّلاجقة قد أكثروا عن طريق وزرائِهم ورجالِهم من افتتاح المدارس وإعلاء شأن العلم وإكرام العلماء، كما أن نور الدين قد سار على نفس النهج، فلمَّا جاءَ صلاح الدين إلى مصر طبَّق تلك السياسة، وسار على نفس المنهج؛ فجاءتْ أعمالُه سليمةً ومؤثِّرةً في نفس الوقت؛ بِحَيْثُ لَم يَمضِ وقتٌ طويلٌ، حتَّى كان تحقيق الهدف النهائي - وهو إعلان زوال الخلافة الفاطميَّة الشيعيَّة - سهلاً وميسَّرًا، ولا شكَّ أنَّ صلاح الدين قدِ استفاد كثيرًا من تلك الامتيازات الإداريَّة والقياديَّة الَّتي مَنَحَها إيَّاه الخليفةُ العاضد في منشور توليه الوزارة، كما أنه استفاد أيضًا من دَعْمِ ومساندة نور الدين وتلبيته لطلباته في هذا المجال". [ جهود صلاح الدين في بناء الجبهة الإسلامية، د/ عبدالعزيز بن راشد] 
ولإدراك صلاح الدين خطورة المذهب الشيعي؛ فقد بدأ يُحارِبُه بكلِّ الوسائل الممكنة؛ فأبطل الكثير من مظاهره، ومنها: ما يُقال في الأذان؛ كـ (حيِّ على خير العمل)، وأنكر على مَنْ ينتمي لهذا المذهب، كما غيَّر شِعار الإسماعيلية، وفي المقابل؛ فقد عمل على تقوية المذهب السُّني وذلك بإنشاء المدارس السُّنِّيَّة على المذاهب الأربعة. [ ابن أبي طي: الروضتين، ص 498، ابن كثير : البداية والنهاية جـ 12 ص 263].
 
"كان أوَّل هذه المدارس هي المدرسة الناصريَّة الشافعيَّة، التي أنشأها سنة 566 هـ؛ حيث استغلَّ دار المعونة التي كانتْ سجنًا للفاطميين فهدمها وحوَّلها إلى مدرسة، وهي أوَّل مدرسة سُنِّيَّة تُقام في الدولة الفاطمية؛ فكان ذلك من أعظم ما نَزَلَ بالدولة، أمَّا المدرسة الثانية فتُعرف بالمَدرسة القَمْحِيَّة، وكان موضعها مكانًا يُباع فيه الغزل؛ فهدمها الناصر صلاح الدين وبنى مدرسةً خصَّصها للمالكيَّة، وكان يتولَّى فيها التدريس أربعةٌ من علماء المالكيَّة خُصِّص لهم قمحٌ يُفرَّق عليهم؛ فعُرفت بالقمحية، أما المدرسة الثالثة فهي المدرسة السُّيوفيَّة، وقد وَقَفَهَا صلاحُ الدِّين للمذْهَبِ الحَنَفِي، وجعل فيها مُدرِّسًا، وأوقف لَها أوقافًا جليلةً، وعُرِفَتْ بِهذا الاسم لكوْن سوق السُّيوفيين على بابها.
وقدِ اقتدى أبناءُ البيت الأيُّوبيِّ وأمراء الحملة الزِّنْكيَّة بِصلاح الدين؛ فأخذوا ينشؤون المدارس السُّنية في كُلِّ مُدُنِ مصر، وبخاصَّةٍ القاهرة والإسكندريَّة.
ففي شهر شعبان سنة 566 اشترى تقيُّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب - وهو ابنُ أخي صلاح الدين - منازلَ العزِّ بالقاهرة، وهي من دُور الخُلفاء الفاطميِّين، وحوَّلها إلى مدرسة خصَّصها للشافعيَّة، كما أسَّس بالفيُّوم مدرستَيْنِ؛ واحدة للشافعيَّة وأخرى للمالكيَّة.
 
لقد كان من نتائج ذلك هو اختفاء مذاهب الشِّيعة من نفوس المصريين، وخاصَّةً بعد القضاءِ على مَجالس الدعوة التي كانت من أقوى الوسائل في نشر المذهب الشيعي بين الناس.
ومِنَ الأعمال الجليلة لِصلاح الدين إبَّان وزارته: عَزْل القضاة الشيعة، وتعيين قضاةٍ من المذهب السُّني في جَميع البلاد، وجعْل القاضي صدر الدين بن درباس الشافعي مسئولاً عن القضاء والحكم في مصر وأعمالها.
 
وهكذا لم يبقَ من الخلافة الفاطميَّة إلاَّ اسْمُها، وزالتْ كلُّ مظاهِرِ التَّشيُّع والدَّعوة، وأصبح إسقاط الخلافة أمرًا مُمْكِنًا وسَهلاً؛ بِحَيْثُ لم يبقَ من معالمها سوى ذكر اسم العاضد في الخطبة، والتي أصبح يُشارِكُه فيها نور الدين محمود الذي يذكر اسمه بعد اسم العاضد، ويبدو أنَّ الأمر المتبقِّي على إعلان السقوط ليس سوى تبديل اسم العاضد باسم الخليفة العباسي ببغداد، ولا شكَّ أنَّ لأعمال صلاح الدين المتأنِّية والمتدرِّجة أعظمَ الأثر في الوصول إلى هذا الهدف، وهكذا بعدما أصبحت الظروف مواتيةً لإعلان سقوط الخلافة الفاطمية،  شرع صلاح الدين في تنفيذ ذلك في أوَّل جُمعة في عام 567 هـ. لقد كان لسقوط الدولة الفاطمية نتائج مهمة وخطيرة على العالم الإسلامي بشكلٍ عام وعلى مصر والشام بشكلٍ خاصٍّ - فَقَدْ فرِح المسلمون لِسُقوط هذه الخلافة، وزُفَّتِ البُشرى تُقرأُ في كُلِّ مكانٍ تَمرُّ به في الطريق إلى بغداد، وفي بغداد كان الفرح عظيمًا، فخرج الناس وعلى رأْسِهم الخليفة لتلقِّي الرُّسل والبشارة، وكان يومًا مشهودًا، ونظم الشعراء القصائد، وألف العلماء الكتب تخليدًا لهذا الحدث.
 
وهكذا سقطت الدولة الفاطمية التي استمرت أكثر من قرنين من الزمان تنشر عقيدتها الباطنية في أرجاء العالم الإسلامي!
 
ومن الناحية السياسية: قضى صلاح الدين الأيوبي على الخلافة المنافسة للخلافة العباسية، التي ظلَّت عدَّة قرون تُنازِعُها زعامة العالم الإسلام، وعادت مصر من جديد تحت ظلال العباسيين، يُدعى لخلفائها على المنابر وتضرب أسماؤهم على السكَّة، ورفع شعار العباسيين في أرجاء مصر، حيثُ وصَلَتْ أعلامُهم وراياتُهم السود ففُرِّقت على المساجد والجوامع لتنصب على منابرها، وكان زوال هذه الدولة إيذانًا بضعف المَذْهَبِ الإسماعيليِّ الشيعي في مصر وبقية المناطق الأخرى كالشام واليمن، ففي مصر استطال أهل السنة على الإسماعيلية وضيَّقوا عليهم، مِمَّا اضطروهم إلى مغادرة مصر، وفقد الإسماعيلية في الشام واليمن سندهم والقوة التي كانوا يعتمدون عليها ويتبعون لها، ممَّا مهَّد للقضاء عليهم أو إضعافهم وإزالة نفوذهم.
ومن الناحية الفكرية: فقد كان للحركة العلمية الَّتي بذر بذورَها صلاح الدين وأعوانه بإنشاء المدارس السنية عظيم الأثر على تدعيم هذا المذهب وإضعاف ما سواه، وبعد سقوط الدولة تتبَّع رجال صلاح الدين كتب الإسماعيلية التي تحمل أفكارهم المضلِّلة، وحدُّوا من انتشارها بين الناس".
 
"ولقد استطاع صلاح الدين بإسقاط الدولة الفاطمية أن يوحِّد مصر والشام سياسيًّا ومذهبيًّا تحت سلطة واحدة هي سلطة نور الدين محمود، وكان لذلك عظيم الأثر على الجهاد الإسلامي ضدَّ الصليبيين، وكان الصليبيُّون يدركون خطورة هذه الوحدة، ولذا رأينا جهودهم في السابق تنصبُّ على عرقلتها بِحملاتِهِم التي أشرنا إليها فيما مضى، وإذا كان نور الدين - رحمه الله - لم يقطف ثِمار هذه الوحدة بِسَبَبِ؛ وفاته فإنَّ صلاح الدين هو الذي قطفها بعدما أقام دولته في الشام ومصر، وسخَّر إمكانات هذين الإقليمين البشرية والمادية لخدمة الجهاد الإسلامي ضدَّ الصليبين، وظهر ذلك في شكل انتصاراتٍ باهرة توَّجها باستعادة القدس الشريف من أيديهم، والحقيقة أن ذلك لم يكن سهل التحقيق لو لم تتمَّ هذه الوحدة بين مصر والشام، وأشار صلاح الدين نفسه إلى ذلك حيث يقول: "لمَّا يسَّر الله لي فتح الديار المصرية، علمتُ أنه أراد فتح الساحل؛ لأنه أوقع ذلك في نفسي".
 
والحقيقةُ أنَّ الدَّولة الفاطميَّة قد قامتْ – وبِخاصَّةٍ في آخر أيامها – بأعمالٍ جعلتِ النَّاس يَكْرَهُونَها ويتمنَّون زوالَها، إضافةً إلى الاختِلاف المَذْهَبِي الذي ظلَّ سائدًا في مصر على الرغم من الجهود التي قام بِها دعاةُ الإسماعيليَّة، التي لم تُفلح في تحوُّل المسلمين المصريين عن مذهبهم السني، ولذا أصبح هناك فجوةٌ وخلافٌ بين الحاكم والمحكوم، ووجد آل أيوب قَبولاً وعدم معارضة من المصريين، لما بينهم من اتفاق مذهبي؛ فالجميع من السُّنة.
 
وقد وجد المصريون في صلاح الدين مخلِّصًا لهم من ظلمٍ قد حاق بهم من قِبَل حكَّام الفاطميين وأعوانهم؛ فأبطل ما كان يُؤخَذ من المكوس وهي عديدةٌ جدًّا؛ بحيث لم يسلم منها غني ولا فقير[المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 1 ص 104]، وكان من أقبحها ما كان يُؤخذ على الحجاج العابرين إلى الحجاز، وأصدر بذلك منشورًا قُرئ في مصر؛ ففرح الناس بذلك، ولهجت ألسنتهم بالدعاء والثناء لصلاح الدين، يقول ابن إياس: "ثم إن صلاح الدين أخذ في أسباب إصلاح الديار المصرية، وأبطل من المكوس والمظالم ما كان استجدَّ في الدولة الفاطمية، وكتب بذلك مساميح، وقُرئت على المنابر بعد صلاة الجمعة؛ فضجَّ الناس له بالدعاء، واستمالت إليه قلوب الرعية، وأظهر العدل بالديار المصرية، وكان قدر ما أبطله من المكوس في كل سنةٍ ما يُنيف عن مائة ألف دينار"[بدائع الزهور: جـ 1 ق 1 ص 238].
 
ولم يكتفِ صلاح الدين بإزالة هذه المكوس؛ بل إنَّه أنعم على الناس وبذل لهم الأموال، يقول المقريزي: "وفيها – أي في سنة 567هـ - فُرِّقَت الزَّكوات في ثالث ربيع الأول على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والغارمين".
 
ولم يستسلم أبناء البيت الفاطمي ولا أعوانُهم؛ بل ظلُّوا يتحيَّنون الفرص للانقضاض على صلاح الدين والتخلُّص منه، ولا شكَّ أنَّ تسامح صلاح الدين وعدم بطشه بأبناء العاضد وأقاربه وأعوانه قد أتاح لهم التخطيط لعددٍ من الحركات ضدَّه، إلا أن صلاح الدين مع تسامحه وعدم ميله للقتل وسفك الدماء كان سياسيًّا بارعًا وإداريًّا متفتِّحًا، استطاع اكتشاف هذه الحركات وتتبُّعها والقضاء عليها، وكان أسلوبه في ذلك هو دسُّ أعوانه بين المتآمرين ومعرفتهم واستكشاف خططهم، ثم الانقضاض عليهم والتخلص منهم، وقد نجح هذا الأسلوب كثيرًا، وتمكَّن صلاح الدين من القضاء على كل أعدائه، وتخليص مصر من الفاطميين وأتباعهم". [ جهود صلاح الدين في بناء الجبهة الإسلامية، د/ عبدالعزيز بن راشد] 
وتم سياسة وإدارة أمر الشام بعد وفاة قائده نور الدين محمود، وأفول نجم الدولة الزنكية، فأدار الأمر بعبقرية سياسية، وبراعة، حتى قطع دابر الفتنة، وتم توحيد مصر والشام تحت قياداته، وبفتح النوبة واليمن، وتأمين الحجاز والحرمين الشرفين من هجمات الصليبيين؛ تم ضم جبهات إسلامية جديدة تحت قياداته، فاستطاع بناء جبهة داخلية قوية، بعد أن طهرها من الانحرافات والبدع، وكذلك الانحرافات الخلقية.. وبذلك استعد لمواجهة خطر الصليبيين، وأعد لهم العدة حتى دحر الصلبيين وأخرجهم من بيت المقدس.
*   *   *
وهكذا رأينا كيف استطاع نور الدين محمود، وأسد الدين شركوه، وصلاح الدين الأيوبي - رحمهم الله أجمعين - إسقاط الدولة الفاطمية بمصر، وكيف كان يفكر رجال الدولة في إقامة دولتهم، ومحاربة خصومهم، لم يكن صلاح الدين بحاجة إلى تفجير مساجد الفاطميين بمصر، ولم يكن بحاجة إلى تفجير الأزهر الذي بناه الفاطميون لنشر مذهبهم الإسماعيلي الباطني.. ففكر رجل الدولة ليس "التفجير" ولكن كيفية تحويل هذا المكان من نشر التشيع والرفض إلى نشر السنة والحق، وبالفعل تحول الأزهر إلى أهل السنة، وقام بدور جليل في خدمة الإسلام والمسلمين عصور طويلة..
 
ولم يكن فكر صلاح الدين كيفية إبادة الفاطميين من مصر، ولكن كيفية تحويل العامة منهم إلى العودة إلى صحيح الدين الحق والسنة الصحيحة، وأما أصحاب المصالح منهم والذين حاربوه، ومكروه به.. فقد فتك بهم، وأحباط مؤامراتهم، وتخلص منهم. 
 
واستطاع أن يُدير الأمور ببراعة، وبحنكة واختيار الوقت المناسب والمكان المناسب.. ولم يكن يعيش هاجس إدانة الناس، وإقامة مُحاكمة لكل فرد فيهم.. بل نظر إلى الأمور بنظرة كلية، متكاملة، كل خطوة تُسلم إلى التي تليها.
 
حتى استتب له الأمر، وحفظ الله به الحرمين الشريفين، وكرّمه بتحرير الحرم الثالث.. بيت المقدس.
ونجد في سيرته خفض الجناح والرحمة في أمر الرعية وعموم الناس - أياً كان مذهبهم - والشدة والحزم والبأس مع من يقاتله أو يعبث بمشروعه الجهادي، وتوحيد البلاد الإسلامية لمواجهة خطر الصليب..
القضية ليست حماسة، ولا اندفاع، ولا إدانة للناس.. بل قضية حكمة وتخطيط وسياسة دقيقة، وسنن متبعة، حتى يتم التمكين.. والله ▐ لا يُضيع أجر المحسنين من المندفعين، ولا من أصحاب الحماسة، ولكن لا يتحقق التمكين وقيام الدولة إلا بالسياسة الصحيحة الدقيقة، وإتمام السنن على الصورة المتكاملة، والصبر على خطوات الطريق دون حرقها، أو استعجال مرحلة من مراحلها.
 
*   *   *
ومن هذا السرد التاريخي، نجد كيف خطط القائد المجاهد نور الدين محمود ♫ في استرداد بيت المقدس من يد الصليبيين، وكيف لم يستعجل الخطوات، ولم يستبق الأحداث، فبعد أن صارت له دولة قوية بالشام تُجيش الجيوش، وينعقد لها الألوية.. بدأ التخطيط في كيفية الوصول إلى بيت المقدس.. فنلحظ:
الرؤية الحربية: إنه على حدود بيت المقدس من جهة الشام، ولكنه لم يستشعر بعد بإكتمال عدته، رغم أن بيت المقدس حوله الأراضي الإسلامية، ولكن وجود ملك نصراني، يستطيع أن يحشد أوروبا النصرانية خلفه، جعله يتروى في كل خطوة، حتى لا يهلك جند المسلمين في خطة غير مدروسة جيداً.
الرؤية الجيوسياسية: إنه يمكن الدخول إلى بيت المقدس من جهة مصر، وفي هذه الحالة يتم تطويق بيت المقدس من جهة الشام، ومن جهة مصر.. ويتطلب هذا الأمر "توحيد" جبهة مصر والشام تحت دولة واحدة، وسلطان واحد، وقيادة واحدة، وهدف واحد.
الرؤية الواقعية: مصر تحت ما يُسمى "الخلافة الفاطمية" لأكثر من مائتي سنة، ولا بد أن الشعب المصري قد تأثر كثيراً بهذه المذاهب المبتدعة والمنحرفة.. والتغيرات السياسية داخل الدولة المصرية حينها، تكاد تعصف بالدولة، وتجعلها محط أطماع الصليبيين.
رؤية الفرصة: تقع الدولة المصرية في يد الوزراء، وينحسر ظل الخليفة الفاطمي.. فتكون الصلاحيات في يد "رئيس الوزراء" أو "الوزير الأول".. وتقع خلافات بينهم، تُخلخل من قوة الدولة، ويذهب أحدهم إلى نور الدين ليستنجد به على غريمه، لإعادته لمنصبه بعد الإطاحة به.
الرؤية الشرعية: لم يغب عن وعي القائد المجاهد نور الدين خطورة المذهب الفاطمي ومعتقداته.. ولكنه رأى أن الخطر الصليبي على مصر، وعلى بيت المقدس أشد، ولم يدعم نور الدين الوزير الفاطمي من أجل حماية الدولة الفاطمية ! حاشاه، وهو الذي طهر الشام من هذا المذهب، ونشر فيها السنة، وحكم فيها بالشرع، والعدل.. لكنه علم أنه لا وصول لبيت المقدس دون تحرير جبهة مصر، والتحرير لا يمكن من خلال الصدام الكلي مع جند الخلافة الفاطمية، وهو مازال دولة صغيرة.. فرأى أن تكون حملته لمصر.. خطوة للدخول، واستكشاف الأحوال.
 
التخطيط السياسي: يرى نور الدين الفرصة مواتية لاستكشاف أحوال مصر، بصورة واقعية.. من خلال رجال حملته، ليكون له موطن قدم في مصر، فيقرر إرسال خيرة رجاله لهذه الحملة.
 
التخطيط العسكري: في رسم كيفية الدخول إلى مصر، دون لفت انتباه القوات الصليبية المتربصة، وتنجح الخطة في تنصيب الوزير الفاطمي.. الذي يخلف وعوده.
الرؤية المبصرة: لم يُصدم نور الدين بخيانة الوزير الفاطمي، فهو يعلم ويستعد لذلك، ولم يكن ينتظر منه الكثير.. فهو يخطط لأبعد من ذلك بكثير جداً.
التخطيط المتكامل: حيث دخل بقوة جنده، وبسواعدهم، لم يدخل ليشارك في حكومة أو ليكون خادماً في النظام الفاطمي.. بل دخل بسلاحه، واستخدمه في التوقيت الصحيح، وفي المكان الصحيح.. مع الحفاظ على صورته السياسية، وتواجده داخل الدولة المصرية، وتكوين قاعدة سياسية وشعبية له، فجمع بين "القوة" التي تحمي هيبته وقراره، وبين "السياسة" التي تحمي صورته بين عموم الناس، وبين "الحكمة" في استخدام كل منها في التوقيت المناسب.
 
الرؤية الاجتماعية: في تقوية جبهة المعارضة المصرية الناقمة على الحكم الفاطمي، ومن ظل مستمسكاً بعقيدة أهل السنة، لتكون لهم عضُداً، وجنداً في خطتهم الكبرى.
رؤية الأخطار:  يستعشر نور الدين خطر الصليبيين على مصر، وأن وجود موطن قدم لهم في مصر، يعني عدم تحرير بيت المقدس، لاسيما بعد تحالف الوزير الفاطمي، مع الصليبيين.. فيقرر حملة عسكرية ثانية على مصر، لرد خطر الصليبيين، فلا يريد زيادة الأخطار على مصر أكثر من ذلك. وتنجح الحملة في مهمتها.
الصبر الاستراتيجي: يدخل نور الدين مصر، ويغدر به الوزير الفاطمي، ويخرج منها، ويعود مرة ثانية ويحاصر جنده الصليبيون، ويعقد الصلح معهم، ويقبل الهدنة، وكل هذه الأحداث "الصغيرة" بالنسبة لخطته ورؤيته.. جعلته يصبر، لينال "الانتصار" الأخير.
 
الرؤية الاستراتيجية: فبعد الحملة الاستكشافية الأولى، والحملة الثانية في رد خطر الصليبيين، جاءت الحملة الثالثة لتكون حملة اللاعودة.. بل حملة التحرير الكلي وتطهير البلاد، فتم قتل الوزير الفاطمي، والوصول إلى صناعة القرار في الدولة المصرية.
السياسة الهادئة: سلك صلاح الدين بعد تواليه الوزارة.. سياسة هادئة تعمل على التطهير الشامل من المذهب الفاطمي، وإحباط إي مؤمرات على سلطته.
القاعدة الشعبية: من خلال كسب ود الناس، وإجزال العطاء لهم، والسير فيهم سيرة حسنة، ورفع الظلم والضرائب الجائرة عنهم، والحكم بالحق والعدل.
التطهير الشامل: من خلال محاربة الفكر الشيعي الفاطمي، والمذاهب الباطنية، بسلطان صلاح الدين، ومال الدولة.. فتم إنشاء المدارس السنية في كل مكان، وإلغاء القضاء الشيعي.. وكل هذه القرارات تمت بحكمة وهدوء، دون إثارة أي مشكلات أو اعتراضات.
 
الرؤية الزمنية: لما جاءت الفرصة المناسبة، للتوغل داخل القرار السياسي المصري حينها، بعد صراع دولة الوزراء في ما يسمى "الخلافة الفاطمية" جاءت الحملة الأولى لنور الدين سنة 559 هـ، ثم خرجت، وعادت.. ليتم في خلال ثمان سنوات سقوط الخلافة الفاطمية كلها رسمياً من مصر سنة 567 هـ، ويتم الدعاء للخليفة العباسي فقط، وينتهي الوجود الفاطمي من مصر، لتعود إلى أهل السنة والجماعة.. ولتتحد جبهة مصر والشام في مواجهة خطر الصليبيين، ومن ثم تحرير بيت المقدس في معركة حطين سنة 583 هـ.
رؤية الإخلاص: رغم هذا التخطيط البارع الذي رسمه القائد نور الدين، إلا أنه لم ير تحرير بيت المقدس بعينه، ومات قبلها، ولا يهم أن يرى النصر، المهم أن يرسم الطريق، ويسير في خطواته.. لا يهم أن يكون النصر على يديه، فقد أخلص نيته لوجه الله الكريم، فلم يُرد من تحرير بيت المقدس مالاً ولا سلطاناً، بل ابتغاء مرضاة الله بتحريم الحرم الثالث للمسلمين، وفي ذلك صبر واحتسب، ورغم أنه رسم الطريق، فكان التمكين لصلاح الدين.. وكان لنور الدين الأجر والمثوبة - إن شاء الله - فهو الذي رسم الطريق، ومضى فيه. [ يراجع مقال: هكذا ظهر جيل صلاح الدين (ومرفق الكتاب كاملاً مع المقال) ] .
 
ومن كل هذه الرؤى بأنواعها المختلفة، نجد أنها "تركيبة - معادلة" دقيقة للغاية.. إذا اضطرب مُكون أو عنصر فيها، قد يُفجر الخطة كلها، ولا تنجح في تحقيق غايتها.. وإن في كل مُكون منها سُنة يجب اتباعها، من يتخلف عنها يَنهزم، ومن استكمل السنن، واستفرغ الوسع، وأحسن التوكل على الله.. أتم الله عليه نعمة التمكين، ومن أخطأ، ولم تستطع رسم المعادلة الصحيحة بصورة متكاملة، فله أجره عند الله، ولكن لا يَخرق الله السُنة له،  ومن أراد التمكين.. فليستكمل شروطه وليتحقق أسبابه.. والله لا يضيع أجر المحسنين.

أخبار ذات صلة

قال حساب "معتقلي الرأي"، المعني بالقضايا الحقوقية في السعودية: إنه تأكد من أنباء وفاة الداعية فهد القاضي، ا ... المزيد

رحيل البغدادي يضعف -لا شك- من معنويات أنصاره ومتابعيه، ويمنح -على الجانب الآخر- المناوئين شيئا من الزهو والانتصار.

لكن أثره على الأرض ... المزيد