البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

المخاض الجزائري العسير، وضبابية المصير

المحتوي الرئيسي


المخاض الجزائري العسير، وضبابية المصير
  • د. عبد الرزاق قسوم
    14/03/2019 05:22

أمنا الجزائر الحبيبة، وقد دخلت غرفة العمليات، ووُضعت على طاولة مشرحة التحليلات، ودشنت عهد المسيرات، تعاني أعراض مخاض عسير، ويستبد بالخلّص من أبنائها، هاجس ضبابية المصير.

إن الجزائر ترسل بأعراض تأزم خطير، هو التلبيس، والتيئيس، والتدنيس، والتجنيس، منذ نأت، أو كادت عن منهج ابن باديس.

لقد بات الجميع يسلمون بوجود الاحتقان العسير، وبضرورة إحداث التغيير من الصغير إلى الكبير. لقد ضعف فيها الطالب، الذي هو رمز المستقبل في الأمة، عندما أصبح هذا الطالب، يغتال تحت السرير، وتعطلت لغة الإبداع عند السياسي، بدءا بالوزير وانتهاء بالقنصل والسفير. واحتار في الجزائر الموسر الوفير، والمعدم الفقير، وحتى البهائم والحمير.

ماذا دهى بلادي، حتى ساءت فيها الأحوال؟ هل تشكو شحا في النساء الحرائر، والأبطال من الرجال؟ وهل تعاني من عدم وفرة المال والأعمال؟ لا، وألف لا ! فالجزائر قادرة من حيث اتساع المكان، وتعداد السكان، وشبابية الإنسان، وتنوع الإنتاج من كل الألوان، قادرة على البنيان غير أنها تعاني غزارة في الإنتاج وسوء توزيع.

إنّ ما تعانيه الجزائر اليوم، أخطر من كل هذا، إنه انسلاب الرأي، وضعف الوعي، وطغيان البغي، وانعدام السعي، ويقدمون لنا –بالرغم من كل هذا- الرقص على أنغام الويْ ويْ.

لا ينكر عاقل، أن في الجزائر وطنيين أوفياء، وناشئين أذكياء، ومسلمين أتقياء، وأغنياء أصفياء. لكن ما أفسد على الجزائر وجهها الناصع، ونجمها الساطع، وصيتها الذائع، أصوات ناعقة بالفكر الباشع، ودُمى مبشرة بالصوت الفاجع، وأقلام كافرة بكل ما هو أصيل ونافع.

فويل لأمة لا تقدر للخطوة وقعها، ولا تحسب للفكرة وسعها، فهي تسبح ضد التيار، ولا تراعي للأغلبية وزنها، ونفعها.

هذه هي أعراض المخاض العسير، الذي قد يقود أمتنا إلى ضبابية المصير.

إن الجزائر تبعث من طاولة المشرحة، بنداء لتخفيف الألم، واستنجادا لشحذ الهمم، وصراخا من أجل إبراء الذمم.

وما أشبه الليلة بالبارحة.

صرخة الأوطان من ساح الفداء.

فاسمعوها، واستجيبوا للنداء.

واكتبوها بدماء الشهداء.

واقرأوها لبني الجيل غدا.

فالبارحة عندما اذلهم ليل الاستعمار، وطغى فكر الحزبية الضيقة، وفتنة الاندحار، خرج على الناس فتية آمنو بربهم وزدناهم هدى، أن حذار فإن الوقت عصيب، والعدو مريب، والخطر محدق وقريب، فتنادى الجميع إلى وحدة الصف، وتوحيد الهدف، والابتعاد عن كل خلاف ولف. فالجزائر أغلى من زعامة الأفراد، ومصلحة الوطن يجب أن تعلو على مصلحة العباد.

واليوم، وأعراض التصدع تُخرج أعناقها، ونداءات المصالح تفتح أشداقها، وصرخات التيئيس ترفع أبواقها، أفلا يحق للجزائر العميقة أن تبث همومها وأشواقها، وأن تبسط على الداخل والخارج، آمالها وأعماقها، وأن تستجيب لمطامح شبابها وعقلائها.

وما آمال الجزائر وأعماقها، إلا العودة إلى الذات الجزائرية بكل أبعادها الحضارية العربية الإسلامية.

وما أعماق الجزائر إلا أن تعلو على الذاتية النرجسية في التقييم والتقويم، وأن تعمل بالصالح المصلح المستقيم، وأن تذوب في ذهنيتها فكرة تقديس الأشخاص، وأنانية الزعيم.

إن الجزائر لا تحيا بحياة فرد، ولا تموت بموته. إن الرحم المعطاءة الولود التي ولدت وستلد الابن الودود، لا مكان فيها لأي خائن حقود أو كنود.

يجب أن يتناسى الجميع خلافاتهم الحزبية، ومصالح عصبياتهم المادية، والذاتية، والنرجسية.

فالجزائر قبل كل شيء، والوطن فوق كل أحد، كما قال إمامنا عبد الحميد بن باديس:

إلام الخلف بينكم إلامَ؟

وهذي الضجة الكبرى عَلام؟

وفيم يكيد بعضكم لبعض،

وتبدون العداوة والخصام؟

فلا عاش في الجزائر من لا يؤمن بها إيمانا عميقا. ولا مكان فيها لمن لا يحبها حبا حقيقا. ولا خير في من يعيش على أرضها، ولا يعمل لها عملا دقيقا.

يجب أن يسأل كل مواطن وكل مواطنة نفسه عما قدم، وما يقدم للجزائر، ويجب أن يحاسب ذوو المصالح والمناصب، والمكاسب في الجزائر، أنفسهم عما قدموا ويقدمون للوطن الذي وفر لهم كل هذه المزايا التي بها ينعمون، والهدايا التي بفضلها يتنعمون.

إنّ أولى الناس بالتضحية في سبيل الجزائر أبناؤها الصادقون، من علماء، ومجاهدين وأبناء شهداء، وصالحين وصلحاء. وإنّ أحق الناس بشكر نعمة الجزائر الذين يمرحون في خيراتها، ويحصلون على ملذاتها دون جهد يذكر، أو عمل يشكر. أفلا يحق لهؤلاء جميعا –شكرا لنعمة الجزائر- أن يقفوا مع مطالبها المشروعة اليوم، لتحقيق أملها في الإنصاف والعدل، والتسابق من أجلها إلى العطاء والبذل.

إنّ أولى خطوات التغيير الصحيح تبدأ بالانتخاب الشفاف الصريح، وتقدم المرشح الكفء القادر، المليح. وتسند مسؤولية هذا التغيير، للمحايد المقتدر الصريح.

 

فمحال أن يُبنى العدل على قاعدة الظلم. ومحال أن يتم الإصلاح باليد الملطخة بالفساد. وما عودتنا عليه التجارب السابقة في مثل هذه الاستحقاقات هو السطو على الإرادة، والتدخل في فرض أنواع القيادة، والضحك على ذقون المواطنين متهمين إياهم بالبلادة.

لقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وإن الجزائر تعيش اختناقا، هو أشبه بالبركان القابل للانفجار في أي وقت، ولأتفه الأسباب.

فلنحكّم العقل، ولنمكن للوطنية، فنعمل على نزع كل فتيل للاحتقان والانفجار، ولنؤمن بأن التاريخ لا يرحم أحدا، وويل لمن لا يعي التاريخ في عقله وصدره، وويل لمن لم يتعظ بمن سبقوه في تجارب الأمم التي عاثت فسادا، فكان مصيرها اللعن والعدم. إن القوة الحية في الجزائر وفي مقدمتها الشباب تلقي درسها البليغ وعلى الجميع حسن الإصغاء.

فاشهدي يا جزائر! أننا بيّنا، وأعلنا وأسررنا، وأننا نصحنا، ونبهنا.. وحذرنا.

فاللهم إني قد بلغت، فاللهم فاشهد !

 

أخبار ذات صلة

قالت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (أكبر تجمع لعلماء الدين في البلاد) الثلاثاء، إن إعلان الرئيس عبد العزي ... المزيد

أعلنت حركة مجتمع السلم، أكبر حزب إسلامي في الجزائر، ترشيح رئيسها عبد الرزاق مقري رسميا لسباق الرئاسة المقرر ف ... المزيد