البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

المجتهد مثاب أصاب أو أخطأ

المحتوي الرئيسي


المجتهد مثاب أصاب أو أخطأ
  • م.أسامة حافظ
    13/11/2015 04:59

هل المصيب في المسائل الاجتهادية واحد؟
 
أم أن كل مجتهد مصيب؟
 
وهل الحق في أحد الأقوال فقط ؟
 
أم أن كل مفت محق في فتياه ؟
 
هذه المسألة أثارها الأصوليون من علماء السلف في كتبهم واختلفت فيها أقوالهم وأبدع كل فريق في الانتصار لمذهبه والرد علي مخالفيه.
 
وهي مسألة تدل علي سعة أفقهم وتفهمهم للرأي الآخر وتقديرهم له.
 
وهي أيضا ً تبرز كيف يتسع صدر شريعتنا الغراء للتنوع وتباين الأفهام في المسائل الظنية التي تتصارع فيها العقول والآراء في فهم نصوص الكتاب والسنة.. وتنزيلها علي واقع الناس.
 
ولعلماء سلفنا الصالح من أهل الأصول ثلاثة آراء أساسية نسوقها مختصرة مبسطة من كتبهم بقدر ما يحتمل المقال.
 
المذهب الأول:- يقول أتباعه "أن كل مجتهد مصيب وأن كل مفت محق في فتياه وأن الحكم في هذه المسائل لا يكون واحداً وإنما هو تابع لظن المجتهد.. فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدي إليه اجتهاده وغلب علي ظنه".
 
هذا هو ما حكاه الماوردي والروياني عن الأكثرين.. وهو قول الأشعري والمعتزلة والقاضي ان العربي والجبائي وابنه.. وهو قول أهل العراق كما قال عنهم صاحب فواتح الرحموت وتبناه الغزالي في المستصفي وأبدع في الدفاع عنه والرد علي مخالفيه وكذا المزني من الشافعية واستدلوا لذلك بأدلة سمعية كثيرة نذكر منها اختصاراً:
 
قوله تعالي "... وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً" فلو لم يكن الاثنان علي صواب ما نسب إليهما الحكم والعلم.
 
قوله تعالي " مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ" فما دام القطع والترك بإذن الله فكلاهما صواب.
 
تصويب كلتا الطائفتين اللتين صليتا العصر في الطريق لبني قريظة.
 
إجماع الصحابة علي تسويغ الخلاف لبعضهم البعض من غير نكير.
 
تولية الخلفاء للقضاة مع علمهم بمخالفتهم في الأحكام ولم ينكر ذلك أحد.
 
تصويب القراءات مع وجود الخلاف بينهم.
 
أما عن الأدلة العقلية فنسوق منها:
 
لو كان الحق متعيناً في مسائل الاجتهاد لأنزل الله لكل مسالة دليلاً يقطع الخلاف ويدفع الإشكال.
 
لو كان الحق واحد لوجب نقض كل مخالفه.
 
لو كان الحق متعيناً لوجب الحكم علي المخالف بالفسق والتأثيم.
 
أن حصر الحق في جهة واحدة في الأحكام مع ظنية النصوص يفضي إلي الحرج والحرج في ديننا مرفوع.
 
لو كان المخالف مخطئاً لما كان مغفوراً له.
 
المذهب الثاني:- "وهو أن الحق واحد وهو قول الأئمة الأربعة" قال أبو حنيفة "كل مجتهد مصيب –يقصد مصيب في بذل الوسع حتى يؤجر عليه – والحق عند الله واحد قد يصيبه وقد لا.
 
ذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك وأكثر الفقهاء إلي أن الحق في أحد الأقوال ولم يتعين لنا وهو عند الله متعين لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمن الواحد في الشخص الواحد حلالاً وحراماً وقد كان الصحابة يخطئ بعضهم بعضاً ويعترض بعضهم علي بعض ولو كان كل اجتهاد حق لم يكن للتخطئة وجه".
 
"ثم اختلفوا بعد ذلك هل كل مجتهد مصيب"
 
عند مالك والشافعي أن المصيب واحد وإن لم يتبين وأن الكل مخطيء إلا هذا الواحد.
 
وقال جماعة منهم أبو يوسف أن كل مجتهد مصيب وإن كان الحق مع واحد وحكي مثله عن الشافعي – وإن أنكره المروزي عنه – وروي مثله عن أهل العراق وأصحاب مالك وابن شريح وأبي حامد.
 
واستدلوا علي لك بأدلة كثيرة منها: ".....إذا اجتهد الحاكم فأخطأ ...." فدل علي أن الحكم وهو اجتهاد فيه صواب وفيه خطأ.
 
"ففهمناها سليمان "فدل علي أن الصواب في هذه المسألة ما فهم سليمان.
 
"لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ".
 
قول ابن مسعود في المفوضة "إن كان خطأ فمني ومن الشيطان ".
 
قول أبو بكر: " أقول في الكلالة برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمن الشيطان".
 
وقد أفاض ابن قدامة في الدفاع عن هذا المذهب والرد علي مخالفيه في كتابه روضة الناظر وجنة المناظر " يلاحظ أن ابن قدامة أخذ كتاب المستصفي للغزالي بكل ما فيه من مقدمة وأبواب واستدلالات ونصوص ونسبه إلي نفسه بعد أن غير الأشياء التي خالف فيها الغزالي المذهب الحنبلي وهذه المسألة مما غيره ابن قدامة في كتاب الغزالي".
 
ثم هناك قول ثالث ذكر الأمدي والشوكاني أنه اختيار بشر المريسي وابن عليه والأصم ونفاه القياس من إمامية وظاهرية وهو أنه ما من مسألة إلا والحق فيها واحد معين وعليه دليل قاطع فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق ويتعلق حجم الإثم بما يتعلق به من كبيرة أو صغيرة وقد وافقهم كما ذكر الإمامان الجليلان بعض الشافعية والأحناف وقد دافع ابن حزم عن هذا المذهب ورد علي مخالفيه في كتابه الأحكام.
 
وهذا مذهب كما لا يخفي ظاهر الضعف
 
وخلاصة ما قيل أن المختلفين من أهل العلم والاجتهاد عند كلا المذهبين معذوران ومثابان.
 
فمن قال بالمذهب الأول فقد رأي أن أصل الحق يتعدد بتعدد الاجتهادات.. وأن كل مجتهد من أهل الاجتهاد أصاب الحق باجتهاده ومهما اختلف المجتهدون وتعددوا فالحق يتعدد بقدر ما عددوا اجتهاداتهم.
 
أما من قال بالمذهب الثاني ففريقان كلاهما يري أن الحق عند الله واحد لا يتعدد وأننا لا نستطيع أن نجزم أين يكون الحق بين هذه الاجتهادات.. ومن علي وجه التحديد حامله بصورة قطعية.. فرأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غير خطأ يحتمل الصواب.. ولذا فقد ذهب فريق منهم أن كل مجتهد يكون بين الناس مصيباً وإن كان المصيب واحد عند الله.. وفريق يري أن المصيب واحد ولم يجزم به وأن الكل مخطئ ما عدا هذا المصيب.
 
وعند الجميع الكل مأجور علي اجتهاده وبذله الوسع .. مثاب علي جهده أما القول بتأثيم المخطئ وقطعية الأدلة في المسائل الاجتهادية فهو علي خروجه وشذوذه.. وعدم منطقيته ليس قولاً منتشراً عند علماء أهل السنة وإنما قال به الإمامية والظاهرية وبعض المعتزلة وغيرهم كما نقل الأمدي.. ألا يخفف لك من غلوائنا في انتقاد المخالف والهجوم عليه في المسائل الظنية الاجتهادية اقتداءً بنهج السلف وسعة صدرهم في تلقي اجتهادات الآخرين.
 
ألا ينبغي أن نتعلم منهم احترام جهد المخالف واجتهاده.. فما دام مثاباً عند الله أصاب أو أخطأ فلماذا أعاقبه أنا وأنزل به التقريع والهجوم عقوبة له علي اجتهاده وهو مأجور عند الله.. وما يدريك أنه هو المخطئ وقد أكد جمهور علماء أهل السنة أن الحق وإن كان واحد إلا أنه في المسائل الظنية لا يستطيع أحد أن يجزم بأنه معه.
 
ملحوظة:-
 
هذا مختصر مبسط لما هو منتشر في كتب الأصول المشهورة عند علماء أهل السنة ومن وافقهم وأشهر من نقل في معني ما سبق منهم الشوكاني في إرشاده والغزالي في مستصفاه وابن قدامة في روضة الناظر ومحب الدين بن عبد الشكور في فواتح الرحموت وابن حزم في إحكامه والجويني في برهانه والأمدي في إحكامه وغيرهم.

أخبار ذات صلة

لما رد الشيخ عبد الرحمن المعلمي على الشيخ زاهد الكوثري أثار نقطة منهجية أخذها عليه، وهو أنه وضع الأمة في جانب: بمحدثيها، وفقهائها، ومتكلميها، ولغوييها، ... المزيد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ * ... المزيد

(سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى

والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى )

إنه تكليف وتعريف تفتتح به هذه ... المزيد

روى أحد أبناء الرئيس الراحل، محمد مرسي، اليوم السبت، اللحظات الأخيرة قبل دفن جثمانه إلى مثواه الأخير شرقي القاه ... المزيد