البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

اللجان الإلكترونية وشهادة الزور!!

المحتوي الرئيسي


اللجان الإلكترونية وشهادة الزور!!
  • عصام تليمة
    14/12/2019 02:28

ما أن خرجت المقابلات التي أجرتها (الجزيرة مباشر) مع مجموعة من السياسيين والناشطين المصريين، والتي دارت حول شهادتهم، أو بمعنى أدق: رؤيتهم، وما رأوه في فترة الترشح للرئاسة المصرية بعد الثورة، والسنة التي حكم فيها الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله. وقد قوبلت من البعض بعاصفة من الهجوم، والتطاول والبذاءة من اللجان الإلكترونية للإخوان، والتعقل والخلاف المقبول من البعض الآخر، والأمر يحتاج إلى وقفة متأنية، تجمع بين التوضيح والتأصيل الشرعي والعقلي والتاريخي لمثل هذه الأعمال.

التدوين والحساب سلوك قرآني:

تدوين الأحداث، وتوثيق الوقائع أمر مهم، فالإنسان يحتاج للتعلم من تجاربه، ومن تجارب الآخرين، وإذا كان سلوك المسلم أن يحاسب نفسه كل يوم قبل نومه، ماذا فعل؟ وهل فعل شيئا يستحق الاستغفار والتوبة أم لا؟ فهو سلوك إسلامي يقوم به المسلم كل يوم.

بل إن القرآن الكريم بين أنه سلوك إلهي مع البشر، فالله عز وجل جعل لكل إنسان كتابا، تدون فيه كل أعماله، (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) الإسراء: 14، وما دام الإله يسجل لك وعليك، فهو درس يتعلمه الإنسان، أن يبادر بتسجيل تجاربه وأخطائه وصوابه ليتعلم من الخطأ بعدم تكراره، ومن الصواب بالدوام عليه.

لماذا يخاف قيادات الإخوان من التدوين؟

لقد دعا الكثيرون إلى تدوين تجربة الثورة، وتجربة الحكم والمشاركة فيه من الإخوان، ولكن قوبلت هذه الدعوة بالرفض، ليس من كل الإخوان، بل من قيادات معينة، تخاف من الحساب، وكلما دعا أحد لذلك، صدروا للناس فكرتين ليحموا بذلك أنفسهم من الحساب، الفكرة الأولى: هل ستحاسب الشهداء والمسجونين؟ والفكرة الثانية: من قاموا بالتجربة ليسوا موجودين. والمبرران خطأ بلا شك.

لأن الكلام عن الحكم شأن عام، شارك فيه الناس كلهم، وعاشوا التجربة كلها، فعلى الأقل يظل تقييم الشعب والسياسيين، والمفكرين، لآثار تجربة الإخوان عليهم، فما من فرد في الأمة إلا وتأثر بسقوط تجربة الإخوان في مصر، بالانقلاب العسكري، انظر لليوم التالي من الانقلاب في اليمن وسوريا وتونس والعراق وبقية بلاد المسلمين، ستجد آثار ذلك واضحة، فكل ما يعتقده الناس انهيارا وخوفا في ردود أفعال حزب النهضة في تونس، كلها بسبب الخوف من تكرار تجربة الإخوان في مصر، لما رآه من تداعياتها الخطيرة على المنطقة كلها.

فادعاء أن تجربة الحكم شأن خاص، أصحابه في السجون والمعتقلات، هذا كلام فارغ، وعلة واهية، يتحجج بها قيادات في الخارج حماية لأنفسهم وليس لمن في السجون والمقابر، لأن من في السجون والمقابر قياسا بهم أصحاب فضل وعمل وعطاء اتفقنا أو اختلفنا معهم، وعند مقارنة تجربة هؤلاء بتجربة قيادات ما بعد الانقلاب النتيجة حتما لصالح من في السجون والقبور، فقد سلموهم الجماعة كإخوان، والجماعة الوطنية كثورة، كتلة واحدة، متجمعة حولهم، الآن لا ترى إلا القيادات المتكلسة، وبعض من حولها من المنتفعين بوجودها، ولذا تجد كلما خرجت تجربة أو تقييم هوجمت بضراوة، ليس حماية للتجربة ولا الجماعة بل حماية لأشخاصهم.

حجة نبش قبر الشهيد مرسي:

فكلامهم ينصب على أن الكلام عن الرئيس مرسي، هو نبش للقبور، وأنه عدم إحسان للميت، كلام فارغ، وإلا فماذا فعلوا لمرسي وهو مسجون؟ لا شيء، وماذا فعلوا لمرسي بعد استشهاده ووفاته؟ أيضا لا شيء، بل إن هذه القيادات أنفسها، طلبت من كل المعارضة إسلامية ومدنية، ألا يقوم أحد بجهد حقوقي دولي يخص مرسي رحمه الله، وأنها ستقوم هي وحدها بذلك، وبالفعل كانت هناك جهود قد أعدت أنفسها للتحرك، فتوقفت، وتواصلت القيادات مع الناشطة آية حجازي للعمل، ثم نشرت حجازي ما يفيد بأنهم لا يريدون التحرك والعمل، وأن الموقف مجرد كلام، ولم يتم أي رد من القيادات حتى الآن على كلام حجازي.

ظل قميص مرسي رحمه الله، يرفع في وجه كل من يريد أن يعمل أي عمل، ثم فجأة مات مرسي، ووقع القوم في حيص بيص، وسيظل قميصه رحمه الله شماعة تعلق عليه أي توجهات، فمن يريد تقييم تجربة الحكم سيرفع له هذا القميص، ومن يريد الحديث عن القيادات التي بالخارج نفسها سيرد عليه بنفس الكلام، فرحم الله مرسي الذي ظُلم حيا وميتا من القريب قبل البعيد.

دعوى أن ذلك يفيد الانقلاب:

أما دعوى أن ما تم من مقابلات فهو يفرح أهل الانقلاب، إذ إننا نقوم بالنقد الذاتي للتجربة، بينما الانقلاب لم يفعل ذلك، ويمارس جبروته، فعلينا أولا أن ننهي الانقلاب ثم نقيم التجارب، وهو كلام باطل من عدة أوجه.

أولا: لأن القرآن الكريم نفسه حينما كانت تحدث مصيبة في الأمة، كان ينزل يتحدث عنها، ويعاتب كل الناس بكل المستويات، كل بما يفيده، فتارة تجد العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائد، فتجد القرآن يقول له: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) التوبة: 43، ويقول له: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) الأنفال: 67، وتارة ينزل العتاب والحساب لصحابته وهو خير جيل في الإسلام: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) ويقول عن عملهم بأنه فشل: (وفشلتم) ويقول: (إنما استزلهم الشيطان)، يعني صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، فيهم من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، وفيهم من فشل، وفيهم من استزلهم الشيطان، ولكن قيادات الإخوان قد خلقها الله مبرأة من كل عيب، كأنهم ملائكة، أو رسل معصومة؟! هل هذا منطق؟

ثانيا: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال عن شخص استشهد وقد كان سرق من الغنائم، فقال عنه صلى الله عليه وسلم: إن الشملة التي اشتملها لتشتعل عليه في قبره نارا، وقد قطع يد سارق من صحابته، وجلد ورجم زناة من صحابته، وجلد في حدود من صحابته، فهل رفض النبي صلى الله عليه وسلم رواية مثل هذه الأحاديث حتى لا يعيرنا المشركون واليهود في المدينة بأن لديكم زناة ولصوص وعصاة؟!

 

سلوك الإخوان يناقض الأمر:

ثالثا: وهو العجيب: أن سلوك الإخوان أنفسهم متناقض مع هذا الرفض، فبينما يرفضون الحديث عن الأموات بحجة أنهم أفضوا إلى ما قدموا، ورفض الحديث عن المسجونين بحجة أنهم خلف القضبان، فإذا تكلمت عمن خارج السجون والقبور قالوا لك: لا تشق الصف. ولماذا لم يقل هؤلاء هذا الكلام، عندما قامت نفس القيادات بتعميم الكلام المسيء للمرحوم محمد كمال، وعندما كانت تخرج بقرارات تجميد وفصل لأفراد من الإخوان لمجرد الخلاف التنظيمي دون تحقيق ودون محاكمة؟

والعجيب أني رأيت عددا من هؤلاء الذين تنتفخ أوداجهم، ويكاد يصاب بالفتق والانهيار العصبي عندما تمس هذه القيادة، ولكن عندما يخوض بعض هؤلاء في سمعة وأعراض إخوان له يصمت صمت القبور، وقد شهدت بعيني مظالم يندى لها الجبين لرجال ونساء في كيان إعلامي للجماعة، ولاذ الكثيرون بالصمت، بل منهم من كان عونا للظلم، وعندما يكتب أحد ما كلمة عن أي قيادة تجد نفس هؤلاء الأفراد يكتبون ويدافعون، وكأنه وقت النفير العام والجهاد في سبيل الله والدعوة!!

ومن يعود لتاريخ الإخوان سيجد السلوك الذي رفضوه الآن، قاموا به، بل تربوا عليه، فالكتب التي كتبت في تاريخ الإخوان، ستجدهم يتحدثون عن أشخاص ماتوا، سواء ميتة طبيعية، أو كان شهيدا مظلوما، ولكن لأنه مختلف مع القيادة فلا حرج أن يتم النيل من شخصه، والحديث عنه بأريحية بدعوى: أن الحديث عنه تاريخ، وهو من حق الأجيال.

فمثلا: ستجد في كتب الإخوان حديثا عن عبد الرحمن السندي، جله ينال من الرجل، عدا المجموعة التي كانت معه في التنظيم الخاص، فغيرهم يكتبون عنه: أنه كان مريضا بالقلب، وأنه كان مغرورا، وأنه كان متغطرسا، وكان يرى نفسه أقوى من البنا، بل من الجماعة نفسها، ونسوا أن الرجل مات، وقد أفضى إلى ما قدم كما أفضت قيادات الإخوان، لكن الحديث عن السندي حلال، وعن غيره حرام.

وهنداوي دوير، حديثهم عنه، أنه خان الجماعة، وتحالف مع العسكر ليعترف على الجماعة بمحاولة قتل عبد الناصر مقابل أن يتم الإفراج عنه، ويكون شاهد ملك، ولكن العسكر خدعه وشنقه، وعلى كل الأحوال فقد مات مظلوما أي شهيد، على يد العسكر، ومع ذلك يتم الحديث عنه في إطار الخيانة والتهور والجنون، ولا يدافع عنه على استحياء إلا شخص أو شخصان ممن كانوا في مجموعته، فيقولون: لقد جاء العسكر له بزوجته للمعتقل، وهددوه باغتصابها أمام عينه، إن لم يعترف، فاعترف، وشنق.

ليس هذا وقته:

والحجة الأخطر قولهم: ليس هذا وقته، إذن متى وقت نقد الإخوان، أو غيرهم؟ كنا نكتب ننتقد أيام مبارك، فيقال: ليس هذا وقته، ثم جاءت ثورة يناير، فقالوا: اصبروا على الناس إنهم في تجربة جديدة. ثم دخلوا الحكم فقالوا: لا تنتقدوا وعاونوهم، ثم جاء الانقلاب ونفس الكلام، فمتى إذن سيكون النقد والتقييم، في جنة الخلد إن شاء الله؟! وهي حجة بان خطؤها مما ذكرناه من نصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، بل من سلوك الجماعة ذاتها، في عهد حسن البنا، وقد كتبت سلسلة مقالات تحت عنوان: (الإخوان والنقد)، أتيت فيها بنماذج نقدية قام بها البنا لأدائه السياسي والدعوي.

عطب في أخلاق منتمين للجماعة:

إن هذه التجربة وغيرها تجارب نقدية أو تقييمية سابقة، للأسف كشفت عن عطب خلقي في أفراد الجماعة، فكم السباب والشتائم، والخوض في أعراض من أدلوا بشهادتهم، أو برؤيتهم، لا ينم مطلقا عن أنها تصدر عن أناس كانوا يوما ما يعملون مخبرين لأمن الدولة داخل الجماعة، فضلا عن أن يكونوا قد انتموا يوما إليها، ونالوا أدنى قسط من التربية فيها.

لقد كانت الجماعة تتباهى – وحق لها ذلك – بأنها تربي الناس، فإذ بالانقلاب يخرج أسوأ ما فيها، وأسوأ من فيها للأسف، وهو لا يخفي الخير الكثير الذي تحويه، لكنه للأسف صار عاما وفاقعا مما جعل رائحته تزكم الأنوف فلا تشم الطيب الموجود في الجماعة بسببه.

ولم نجد استنكارا من القيادة للجماعة لهذا التوجه العام المملوء بالبذاءة والخروج عن قيم الإسلام.

 

*المصدر: الجزيرة مباشر

 

أخبار ذات صلة

المقال الأوّل: السّخرية من الأعداء والحكّام المستبدّين

السُّخرية هي النّاطق الرسميّ باسم الغالبيّة المقهورة حين يتوارى الجدّ ... المزيد

صدر لي كتاب على مشارف عام ٢٠٠٠ بعنوان ( حمى سنة ٢٠٠٠ ) وقد ذاع صيته في ذلك الوقت لانهماك الناس في أعراض تلك الحُمى، حيث احتل ذلك الكتاب المرتبة الأولي في الكتب ... المزيد

خلال الأسبوع الفائت، وجه الرئيس التركي لرئيس وزرائه الأسبق أحمد داود أوغلو؛ اتهامات بالاحتيال على أحد المصارف في ما يتعلق بإحدى الجامعات الخاصة المحسوبة ع ... المزيد

إنه يوم الجمعة في الصباح الباكر وبالتحديد بعد صلاة الفجر في سنة 1994/1995، أستعد للسفر إلى القاهرة واسرع الخطى، حتى أصل مبكرا وأحجز مكان في مسجد التوحيد بغمرة، ا ... المزيد